ملاك على حبل غسيل لمازن معروف: نمط جديد في كتابة القصيدة الشبابية

العنوان الذي يستخدمه الشاعر الفلسطيني مازن معروف لديوانه “ملاك على حبل غسيل” (الصادر عن دار الكوكب، رياض الرّيس للكتب والنشر، 2012)، أقلّ ضوءاً، مقارنةً بالقصائد التي تضمّها دفتا المجموعة والتي لا مبالغة بالقول إنها ذات نبرة جديدة ولافتة

محاولة الشاعر عنونة مجموعته بجملة مركّبة لا تقول صورة صادمة، تنبئ بأنها ستدخلنا الى متن شعري طفولي، وتساهم صورة الغلاف التي تشبه صور غلف كتب الأطفال في خلق هذا الشعور. لكن القارئ المعجب بالشعر الحديث الذي يكتبه الشباب في بيروت، سيكتشف العكس، وأن الشعر في “ملاك على حبل غسيل” يرسم نمطا جديدا في كتابة القصيدة الشبابية الحديثة من حيث وصف الضجر والقلق الخاص والتبرؤ من العالم الخارجي، أو إعادة وصفه بسوريالية تملك صلابتها بل وقسوتها في قلب الواقع

ينفرد مازن معروف في تسفيه العلاقة بالجسد، أي علاقة الكاميرا المتشبثة في عيني الشاعر بالجسد الذي يحملها، فيبدو الجسد كعلبة من العظام تحمل كاميرا أعلى الرأس، وحينها يتحكّم الشاعر بفصفصة جسده عظمة عظمة، ويمنح تلك العظام أدوارها في الحياة المرسومة داخل القصائد، وفي تركيبة القصائد البنيوية، فتصير العظام والهيكل العظمي في صلب معنى القصيدة ومبناها أيضا

تواتر ورود عظام الجسد في القصائد، سواء منفصلة لتشكل هيكلا عظميا، أو مكتملة كهيكل عظمي سينفرط، سببه أن الشاعر يقلب مسيرة الحياة ليجعلها تبدأ من الموت وتنتهي الى الولادة وليس العكس. فكائن قصيدته ميت يعود الى الحياة دائما، وهذا ينطبق على الأشياء المحيطة بهذا الكائن الذي يراكم التحوّل في داخله ليفرزه أو ليبصقه على العالم الخارجي الذي لا يحضر سوى كمسبب للضجر، وللبطء القاسي، وللتخلي. كأن الوجود الخارجي ليس سوى حالة غرائبية دائمة التبدّل والإنقلاب بينما الجسد “العظمي” مجرد مشاهد لهذا العبث، وفي الوقت عينه جزء من سينوغرافياه

“سأعطيهم أكفا من الخشب- ليلوحوا لي بها- بعد أن أكون طردتهم” (ص 25)، “لأن ذراعيَّ كانتا نحيلتين بسماكة نفق لدخول وخروج حشرة زاحفة، لم أضمك بشدة” (ص27)، “كأن رجلا يخلع عظمة ساقه السليمة ويستعملها كعكاز” (ص31)، “هذا العصفور على مسكة الباب المصنوعة من ضلع سابقة، مجرد اعتباط” (ص33)، “وجهي يشبه المسيح لكنني لست حطابا لأعمل من عظامي صليبا” (ص60. يحضر “الفاعل” في القصيدة كقطعة من العظام يستعيد الحياة من خلال موتها، فينقل حالته الى ما يحيط به: خشب النوافذ الذي يشتاق الى الشجر، الباب الذي يجب أن يسدّ كي لا يؤدي الى حفرة العالم، الذاكرة التي تتخلى عن دورها باسترجاع الماضي لتتحوّل الى صانع لعالم آخر كان لـ”مكوّناته” أدوار أخرى غير تلك التي منحناها إياها وباتت مسّلمات. الضغينة التي ينزلها عن كتفيه لترتاح لكنها تلاقيه مجددا بعد بضع خطوات. قلم الرصاص الذي يتوق للعودة الى الممحاة لأنه غير مقتنع بوظيفته

يتقصد الشاعر أن يصوّب على الأشياء ليفتتها ويعيدها الى طبيعتها الأولى، وهو يفعل ذلك بقسوة وببطء، كمن يخرمش أظفاره على الزجاج. يتقّصد تبطيء المشاهد لكي يرينا شناعة فعله ونتأكد أنه يقوم به بملء إرادته، فانتقام بطل القصائد من المشاهد وتركيبها، معلن. ولا يحتاج الى كثير حصافة لينفضح: “سأرمي حجرا في الهواء… حجرا، حجرا في الهواء. حجرا أصيب به نفسا عابرة… بالصدفة” (ص 118). “سئمت اللون الأزرق. أمد إظفري وأقشر السماء… بعنف” – ص 108

في القصيدة الأولى يدفعنا الى مشاهدة مسار الحجر وإصابته هدفه، في القصيدة الثانية يعرض أمامنا السأم العاري ويطلب منا الإعتقاد أن العنف دواؤه. هذا اللعب الإنقلابي في سير الزمن من الموت الى الحياة، وفي إعادة الإعتبار الى الأشياء لا بتأثيرها على من يعيش بينها بل بتأثير نزقه هو عليها، هذا اللعب ينطبق على شكل القصيدة التي تبدو غالبا مكتوبة بالمقلوب، كأن الشاعر ينتقل بها من النهاية الى البداية بالمعنى التقني للكتابة. فنهايات القصائد غالبا ما تبدو باهتة وغير مفاجئة مقارنةً بالجمل التي تبدأ بها، عدا عن كون تسلسل الصور في متن القصيدة يبدو كأنه يتقدم نحو الخلف، كإعادة فيلم ببطء من نهايته الى أوله. وهذا ما يجعل الجملة التي تبدأ بها القصيدة كأنها ما كان يجب أن تختتم بها، والخاتمة ما كان يجب أن تبدأ بها. لذا يمكن قراءة القصيدة في “ملاك على حبل غسيل” من النهاية الى البداية. وقد يكون هذا الأمر مقصودا ولو غير واعٍ، أي الإنتقال من صدمة الصورة الى الهدوء في نهايتها، كالناظر الى ما خلّفه الإعصار. هذا الافتراض يمكن تأكيده من خلال شخصية “المتكلم” في القصائد، ذاك الذي “يشقلب” العالم ويعيد قولبته، ويسخر من موجوداته وأدوارها، ويشعر بأنه يمكن أن يقطع شفتيه ليصنع إبتسامة كبيرة تلائم العالم، ولكنه لا يعلن في أي لحظة أنه يرغب بتغيير هذا العالم، بل ولا يرغب بتغيير وضعيته هو نفسه في هذا العالم. كل ما يطلبه هو إعلان النزق، وتبرير وجوده فيه، ورسم صورة قاسية وبهية للضجر الذي يكتنفه، ونكء الجرح المختوم الذي لا يزال أثره واضحا في كل كائن بشري

“تعلّمت اخيراً أن أحب الضجر. حتى أنني سجّلته على كاسيت” (ص122). “أمشي… لا لأمشي بل لأحقق رغبة ظلّي بأن أرافقه وهو يتنزّه” (ص74). “ليكون لديه ابتسامة كبيرة تلائم العالم… يجيء كل صباح بمشرط ويزيل شفتيه” (ص72). “جالسا على ضرس كبيرة. منتظرا داخل فم كبير. ابتلعني منذ ولدت” – ص 73

بعد “الكاميرا لا تلتقط العصافير” و”كأن حزننا خبز”، تبدو مجموعة مازن معروف الثالثة كأنها تقطع مع هاتين المجموعتين بأدوات قص وتفكيك لم يكن قد استخدمها سابقا

  فيديل سبيتي

جريدة النهار – 19/2/2012

نقد الألم

أشياء كثيرة نكرهها في هذا العالم لنحبّ الشعر. لا بأس ربما. المشكلة تكمن في أن تحبّ أو أن تكره شاعراً. محمود درويش ثعلب أمسك بقطعة جبن وحوّلها إلى تفاحة بين فكّيه. تصوّر ما يأتي: جذع التفاحة النحيل مربوط بخيط، طرف الخيط الآخر مربوط بأصابعك. وهكذا، كلما التهم درويش التفاحة أكثر، وهمّ بابتلاعها، جرّنا نحوه دون أن ننتبه. درويش يتلذّذ بالشعر، فيما أتلذّذ أنا، كفلسطيني، بالألم الكائن في مركّب القصيدة. أحياناً تأتي فراشة لتقف على الخيط. اعتدت أن أنتظر الفراشة تلك كلما قرأتُ قصيدة لدرويش، وأعترف، في نصوصه الأخيرة، لم تعد الفراشة تأتي. مرّة أخرى، لا بأس. ولأقلْ: قصيدة درويش قد تبعث فيك الشعور بالغثيان أحياناً. غثيان لا بدّ منه. فلننظر معاً: درويش ولد يحمل منفاخاً. الآن تصوّر ما يأتي: أنت بالون ذابل، درويش يقدّم وجبة هواء. الهواء مزيج عناصر عدّة ومركّبات، غازات تتراقص من أجل الحياة، وملوّثات. عظيم. أنت تقرأ قصيدته، تنتفخ. أكمل معي: بالهواء، الألم، المناورة. تنتفخ بأسباب وعناصر المناورة. ترتفع. أنت مصاب الآن بالغثيان أو بالخفّة. لكنك في كلتا الحالتين، تعلو إنشات قليلة فوق مساحة الكلمات – الألم. إذاً لا بدّ من حدوث الإصابة بهذا الغثيان لتقرأ ألمك أيها الفلسطيني. الألم بالنسبة إلى الفلسطيني كقطعة الجبن المتعفّن. ألقى درويش القبض عليها. قلت هذا سابقاً. البارحة مثلاً استيقظت من النوم، جرّدت نفسي من الملابس وقمت بقياس المساحة المتبقّية من جسدي، التي لم تتحوّل إلى جبن متعفّن. النمل يحبّ هذا الصنف من الأطعمة، كذلك السمكة، الدبّ القطبي أيضاً، وربما النادل والجندي والصحافي. ربما حبيبتك، وأيضاً أنت. إذاً، الفلسطيني محاط بأسباب الألم، بأسباب البقاء على قيد الحياة. لذلك، هو أيضاً محاط بأسباب الشعر. درويش فتح الباب منذ أكثر من أربعين عاماً وأدخل الفلسطينيين مجرّته “الضيّقة”، أو على الأقلّ هكذا اعتقدت، لكنه انتزع الخزانة وصنع منها غرفة إضافيّة، والتابلو وجهاز الراديو وركوة قهوته ومواء قطته التي لم تكن يوماً له. أصبحت حجرته ملآنة بالغرف الإضافية. وهكذا أجدني في شعره أقرأ ملامح أبطال الأساطير، أقرأ نوافذ الأتوبيس، وخوذة الشرطي، أنفاس عامل البريد، ولهاث المنفضة الراكضة فوق الطاولة، بالضبط كما أقرأ، ما أمكنني، هاجسه الشعري.

الآن، أكتب الشعر برئة لا تشبه رئة درويش. يفعل مثلي العشرات من الشعراء الفلسطينيين، وربما المئات. الفلسطينيون ينتشرون كنباتات صبّار على هذا الكوكب. نباتات من أصل واحد، وربما من كيلومتر مربع واحد. لكن، مَن مِن هؤلاء جميعاً لم يمرّ بلحظة تعلّق بدرويش؟ أتكلّم على الأقلّ عن نفسي. لا يمكننا إنكار اللمبة التي نكتب تحت ضوئها الشعر. ليست الورقة البيضاء وحدها ما يستدعي الحبّ، بل أيضاً الضوء. ثمّة مثلاً النظّارات الطبّيّة، وربما شجار أبيك مع الحلاّق، وربما الصرصار الذي مرّ منذ دقائق من أمامنا ونحن نكتب. الكتابة عن درويش تجعلني أصاب بالرعشة. أنا أكتب عن عدوّي الذي أحببته قديماً. الشعراء أعداء بعضهم. يتصافحون فقط في قصيدة شعر، ولا يتصافحون داخل حانة أو ممرّ مستشفى. أكرّر، من منّا لم يُصب يوماً باختناق درويشيّ؟ لا أعرف بالتحديد الإجابة عن هذا السؤال، ولست مقتنعاً بالبحث عن إجابة له قدر اقتناعي بحتميّة ذرّ هذا السؤال في فضاء كراهية مازن معروف لمحمود درويش. مهلاً، الرجل يتنفّس غليونه. نظنّه يدخّن. لكنه لا. يتنفّس وحسب. نحاول أن نتنفّس معه. لكن فتحة الغليون الضيّقة لا تليق بثغرين، بأربع شفاه، أو ثلاث وعشرين. نناور، وندخل من الفتحة الأخرى، الأوسع حجماً. لكننا سرعان ما نعلق داخل عنق الغليون الضيّق. نحن فئران القصيدة، نلتفّ إلى الوراء لنعود أدراجنا. الخروج بعدها من حيث قدمنا حتميّ. نحدّق في الرجل بعدما خرجنا أحياء. نحدّق فيه مليّاً. نُصاب بكراهيته وبحبّ رائحة غليونه. درويش الآن يحثّنا على كراهيته، على إنكاره. تلك شروط اللعبة: أن تكره أو أن تحبّ. درويش يتشبّث بورائه ليخطو نحو الأمام بطيئاً، بألف عكّاز. تغيّر جهازه العصبي الشعري. وأصدّق هذا التغيير التقني في استخدام اللغة، ربما لضرورة فنّيّة، أو سياسيّة، أو بنيويّة لموازاة ما بعد الحديث في الشعر، أو النبرة، أو تشريح الحالة الفلسطينيّة. أنا لست مهتمّاً بالسبب، لكني في دواوينه الأخيرة وجدتُني تعثّرتُ ووقعت عيناي على الأرض. أعترف. ما زلت حاملاً جهازي اللاسلكي المصنوع من البلاستيك. واقفاً كباب في شقّة مهجورة. لكن منذ كتاباته الأخيرة، لم يعد درويش يلعب معي. إنني الآن لا ألتقط أي إشارة من جهازه اللاسلكي المصنوع أيضاً من البلاستيك. ربما نسي أنه ولدٌ محتاج للعب مثلي.

مازن معروف

مجلة «نقد» الفصلية، العدد 3، تمّوز 2007

عن “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” لمحمود درويش

بعيدا عن الجدال القائم حول مجموعة محمود درويش الأخيرة “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” (دار رياض الريس
للنشر)، والتي اختلف الشعراء والنقاد حول الأخطاء فيها، ونوعيتها، ومسؤولية محررها الزميل الروائي الياس خوري، فإنها كمجموعة شعرية، يمكن اعتبارها الصوت الأخير لدرويش، أو الكلمات الأخيرة التي آثر أن يشتغلها قبل رحيله. ما نقدمه هنا، لا يتعدى منطق القراءة الشخصية، الخاضعة للذوقية والمفهوم الخاص لجماليات الشعر في هذا الديوان. وهي في طبيعة الحال قراءة لن تتفق وآراء أخرى. غير أن الإختلاف يضيف في النهاية، إلى ما هو سابق ولا يأخذ. ونحن هنا لا ندعي صفة النقد، لما هو مكتوب. هي محاولة، ليس أكثر، لوضع العين على المجاز


يبحث درويش عن معادلة إنسانية بسيطة، أو أقل تعقيدا من المترتبات الايديولوجية والفلسفية للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. يستعيض عن معادلة اللحظة المختنقة تحت ثقل التاريخ، بلحظة من نوع آخر، أقل صخبا وذات امتداد رحب، وهي اللحظة التي يتآلف الزمان فيها ككتلة، مع الفعل الانساني العادي، الذي يصنع تكراره الذاكرةَ اليومية، وتالياً يوطد علاقة الإنسان بالمكان- الجغرافيا، ويؤسس لتاريخ مغاير وأشد عنادا، مما يمكّنه من استباق خطوة الآخر، على الخانة الطوبوغرافية كما يلعب دور الموثّق الحاضر لعلاقة الكائن الأزلية مع الأرض القديمة. لكن من دون أن يوغل في الحنين، ليظل على الحافة، حافة تركيزه في صوغ الواقع بما يتلاءم وفرضية الصراع الراهن، واللاعادل السياسي، لكن من دون أن تقدم شعريته تنازلات


لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، يمثل كلمات أخيرة لدرويش. كلمات مسنونة برفق كأسنان منشار مطلوب منه أن يقطع شجرة إسمنتية من دون إحداث غبار يشيح الأفق المختبئ خلف الشجرة. وهو أفق الفلسطيني الذي أراده درويش أن يستعيد أرضه باسترجاع علاقة الحضارات القديمة بفلسطين، ومن ثم إستدراك العوامل المشتركة بين إنسان تلك الحضارات وفلسطيني القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين: “نحن أبناء الهواء الساخن – البارد/ والماء، وأبناء الثرى والنار والضوء/ وأرض النزوات البشرية”، أو حين يقول “نحن من نحن، ولا نسأل/ من نحن، فما زلنا هنا/ نرتق ثوب الأزلية”. غير أن هذا كله لا يجعل درويش بعيدا من إدماج ضرورة الفعل المقاوم، كحركة متواترة وحية تتوافق مع حركة تدفق التاريخ إلى الجملة الشعرية. وبذلك يؤلف الشاعر توازنا مزدوجا، فمن ناحية، هو لا يوغل في الحلم، حين يتكلم عن الميثولوجيا، بل يوقظ بالواقع نفسه وشعره وفكرته عن الصراع. ومن ناحية ثانية، يوطد قوة فعل المقاومة الانسانية، ويضعها جهارا أمام عدوه، بالعناد الذي يملكه لاعب شطرنج، وسط الركام. إنسان درويش هنا، يمتلك ملامحه الخاصة الغاضبة، لكنها لا تبدو قلقة أو خائفة. يحضر الإنسان محصنا بحتمية الأشياء، وإحتكام الطبيعة النهائي لها. وهو إذ يدرك هذا الامر، يلجأ الى النفاذ الى قلب هذه الطبيعة، واختراق مفرداتها الساكنة أو غير الملاحظة، مما يجعله يتنفس قليلا خارج دائرة المأساة الفلسطينية وتشعباتها على المستوى الإيديولوجي والفلسفي والميثولوجي والتاريخي والعاطفي، وكل ما تحتمله سوى ذلك


نجد درويش في هذه المجموعة ناشطا في خلايا الحياة كلها واللون والمرح، والذات: “أنا المعافى الآن/ سيد فرصتي في الحب”. يحتفي بها وكأن بهاءها يحضر للمرة الأولى أمام عينيه، بعكس العناصر التي تؤلف دائرته الصغرى – المنزل – حيزه” “ومرآة أمام البيت تعرفني وتألف وجه زائرها”. وإذا كان الموت في دواوينه الأخيرة احتل مساحة كبيرة من موضوعات كتابته الشعرية، فإنه هنا يعاود الظهور، لكن بثوب مغاير، فهو لم يعد الشبح الذي يستنفر غضب الشاعر، وخوفه الذي يعمل على تفتيته من خلال مقارعة الموت، وكأنهما جلادان في استاديوم روماني كبير، يجلد أحدهما (الموت) الآخر (الشاعر) بفكرة قدومه، فيما يتذرع الآخر بالوجود والشعر والحلم والتاريخ والشخصي والفن والأمل وتآلف الحواس مجتمعة مع هذا الكائن (الموت) الذي لطلما مر بجوار درويش- الفلسطيني لأكثر من نصف قرن خلت. لذلك، يعدل درويش من موقعه قليلا ليتسع المعنى أكثر في اتجاه الحياة نفسها وليس الموت هذه المرة: “كل شيء يصطفي معنى لحادثة الحياة/… ربما خبأت خوفي من ملاك الموت عن قصد، لكي أحيا الهنيهة بين منزلتين: حادثة الحياة وحادثة الموت المؤجل ساعة أو ساعتين”. أو كما يقول في المقطع الأخير من قصيدة “لاعب النرد”: “عشر دقائق تكفي لأحيا وأخيب ظن العدم/ من أنا لأخيب ظن العدم؟”. إنه اعتراف الشاعر بالموت كحقيقة مجتزأة بالتساوي بين البشر، ومختبئة. لكن هذا الاعتراف الأليف بالموت، يساهم في المقابل في رسم الشعرية المغايرة في اتجاه هذا الموت. فبدل أن يكون الموت هاجسا، نراه صديقا أو كائنا متظللا خلف الفرح الأخير، وكأن الحلم الشخصي وليس المجازي للشاعر، هو السم أو المخدر الذي يجعل الموت يتراجع خطوتين، ليجعلنا درويش نتلمس شفقة العملاق الأخيرة والحاسمة نحو ضحاياه، وأيضا من القصيدة ذاتها: “وإن كان لا بد من حلم، فليكن مثلنا… وبسيطا/ كأن نتعشى معا بعد يومين/ نحن الثلاثة/ محتفلين بصدق النبوءة في حلمنا/ وبأن الثلاثة لم ينقصوا واحدا/ منذ يومين/ فلنحتفل بسوناتا القمر/ وتسامح موت رآنا معا سعداء/ فغض النظر”. أو كما في المقطع الأول من قصيدة “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” إذ يقول عن الموت: “فأدى تحيته العسكرية للغيب/ ثم استدار وقال: إذا أردتك يوما وجدتُك”. مسايسة درويش الماكرة للموت تؤجله قليلا، غير أن المؤجل ههنا لا يلبث أن يتوارى أشواطا من الزمن، لأن ضخ درويش المسبق للذاكرة في هذه القصيدة الاستثنائية “لاعب النرد”، يبدو كأنه يساعد الشاعر نوعا ما في طرد هذا الموت أو نفيه بحجة الحياة الهائلة التي يتم استدراكها واستباقها للفظة “الموت”. هناك عامل يحتمل إضافته هنا، وهو عودة درويش الى الأولي – الأولوي، في البحث عن الهوية وإدراك كينونتها، والتي باتسامها فلسطينيا، تتعرض بين لحظة وأخرى لما يشبه الولادة والموت، المتتاليين وكأن الشاعر يعيش أكثر من طفولة وأكثر من دلالة حياتية (قصيدة على محطة قطار سقط عن الخريطة)، غير أن كل ولادة تأتي تحريضا على إعادة القراءة لمناخ أو ذاكرة كائنه – نفسه السابقة. الولادة التي تلي الموت لا تنتظر شرعية النظام البيولوجي، وإنما النظام المجازي والزمني النوستالجي الذي لا سقف له. يحين موعد هذه الولادة لتشير في اتجاه النسيج الزائف الذي ابتكره الآخر – الإسرائيلي وتفككه ببطء من دون أن تدخل في مباشرة معه: “كان حاضرنا يربي القمح واليقطين قبل هنيهة، ويُرقِّص الوادي”. ولقصيدة “لاعب النرد” موقع خاص من المجموعة، لأن محمود درويش يعود بها الى زمنه الأول، غير المحاط بالإيديولوجيا، واشتراطات واقع الأرض على الفرد الفلسطيني، والإرهاق الذي يرافق المطرود لاستعادة الهوية بالتاريخ، والتلاحم مع كينونة الذات المقهورة للشعوب الأصلية في أميركا واليونان وإسبانيا، والرحيل القلق والمتقطع من الجغرافيا الأولى واليها. فالشعر لا بد أن يخضع في مكان ما لقانون الصور التي تنزفها الذاكرة، ولا بد من استقدام العبارة من متتالية بصرية وليس مجازية أولا، غير أن سقوطها النقي وغير المزخرف على بياض الورقة، يماثل تلك الضربات المتلاحقة لمطرقة على الحديد المعلق في الهواء. النظام العروضي والإيقاع الموحد، يشذب العبارة، ويشحنها بطاقة تحرض على التآلف الحتمي معها. لذلك نقرأ طفولة درويش وموقفه العام من الدنيوي، التي يوازنها بتذكّر الناضج لتفاصيل جد شخصية ولا تلمس جدلية الصراع إلا من خلال تكريس الإنتماء، إنتماء الشاعر طفلا إلى أرضه (كما في قصيدة طللية البروة). وهذا أكثر من كاف


تشكل الطفولة ضفة مجهولة لا يمكن بلوغها بسوى الحنين ما يطرح قصيدة شعرية بيبلوغرافية، أو إعلانا أخيرا لذات محمود أمام الشعر “فهل كنتُ طفلا كما تدعي أمهاتي”. فالفعل المضاد للبريء، يشترط في طبيعة الحال وجود نقيضه، أي البريء، والبريء هنا يحال في قصيدة درويش تلك، على معناه الدلالي الأقرب، وهو الطفولة، التي يعجنها الشاعر بالمصادفات أو الحظ “ولست سوى رمية نرد ما بين مفترس وفريسة”، وقبلهما الخوف (الذي يخصص له قصيدة تحمله كعنوان). فالحدث العام يفرض نفسه قبل الابتكار، ويكون على كل ابتكار جمالي أن يتملص من خانة رد الفعل بعد ذلك. إلا أن درويش، وبعكس الإبتكارات اللغوية والجمالية في دواوينه السابقة، يجنح هنا إلى استذكار فراره من الأرض (الحدث الأول) من دون أن يكون ثمة اتساع لشيء في صدره أكثر من الخوف على “مقتنياته” الشخصية (الأب، الإخوة، القطة، الأرنب) في إشارة الى وجوده ضمن معادلة سياسية مسبقة: “ولم أجتهد/ كي أجد/ شامة في أشد مواضع جسمي سرية”. إلا أن هذه المعادلة لن تطول حتى يتكشف الاهتمام الدرويشي المتزايد بتعريتها وفضح هشاشتها، من خلال تسليطه الضوء على أحد إحتمالات الحياة، والذي وإن أتى بمستوى مجازي محض، وليس ماديا، غير أنه يُستخدم في القصيدة كأداة لحشر المتنافسَين، العدو وعدوه، في حالة الترقب المشترك والحذر ومن ثم تشابه سمات المأزق الداخلي في كل منهما، مما سيستدعي تآلف الطرفين ولو موقتا، ضد ما يمكنه أن يكون غيبا يفتت منظومة الصراع المفترض، ويشرذم موقع كل من العدو وعدوه الآخر في سمفونية الصراع المرهقة. ففي قصيدة “سيناريو جاهز” نقرأ: “يقول السيناريو: أنا وهو/ سنكون شريكين في قتل أفعى/ لننجو معا/ أو على حدة”. تتخذ الذات الدرويشية منحى إحتفائيا بالوقت الحاضر، معطوفا على الزمن والحب، كطرفي مناظرة يتواجهان مع الشاعر. الثالوث الذي يحضر في قصيدة “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، هو الزمن والحب – الأنثى والذات، مع كل التشعبات الممكنة لكل عنصر من عناصر هذا المثلث على حدة، وما ينتج من شرارت حين يتفاعل عنصران أو الثلاثة معا. المستند الاستعراضي للفكرة الشعرية وللمعاني والدلالات تنطلق من الحوارية التي يقيمها الشاعر الحاضر مع الأنثى بصيغة الغائب. تعدادية الصوت ومستويات علوه أو انخفاضه، يتمخض عنها الكثير من ثقافة الشاعر العامة على الورقة، فيثير مثلا التاريخ واللحظة الحاضرة والمنظر الطازج والحسي بالكامل والذكريات والمتوارث الشعبي والعائلي، ثم يتحصن هو خلف كل تلك المفردات، ليعيد إنتاج هويته كمحمود درويش فقط، بصفته نموذجا فلسطينيا خاصا سرعان ما يُحال أوتوماتيكيا على العام في سيل من الاستعارات والمجازيات. تخرج هذه الهوية مطوقة بهالة قوة الخلود (للفلسطيني) في مقابل خلود القوة للإسرائيلي


تتعدد الأصوات، في تخاطب مباشر وغير مباشر (قلت، قالت، قال…). ففي صيغة “قلتُ” والتي يستخدمها الشاعر لذاته، هناك تكريس لحضور الكيان الفلسطيني، في مقابل صيغة “قالت/ قال” (كما في قصيدة “قمر قديم” و”ورغبت فيك، رغبت عنك”) والتي تستخدم في القصيدة للإستدلال على أثر الآخر (الأنثى أو الـ”هو” أو العدو وذلك على اختلاف الحيز المعطى لكل منهم في القطعة الشعرية)، ومن ثم إحالة هذا الآخر على صيغة الغائب، وتالياً تشتيت كيانه المفترض (في حالة العدو)، أو وضعه على مسافة كافية للتمحيص به (في حالة الـ”هو” أو الأنثى)، مما سيخدم الإرتقاء بصاحب الحق (الفلسطيني) على الاسرائيلي، الذي يحضر بمستويات صوتية أدنى، مقارنة بمستوى الأنا المثقفة والأكثر معاندة في استعراض الحجج، والأكثر علوا. تلفت في هذه المجموعة الأخيرة، الغنائية الواضحة، وكأنها عودة إلى شكل كتابي اعتمده في مجموعاته الأولى. إضافة إلى المراثي الثلاث المهداة إلى كل من إميل حبيبي ونزار قباني وسليمان النجاب، الذين يعمل درويش على إيقاظهم من خلال تكثيف لحظة ما تتعلق بكل واحد منهم، أو محيطه أو تصرّف سلوكه العام، ومن ثم إمدادها بدفق عاطفي وشخصي يُقذف تباعا عبر الكلمات، لنكتشف الأثر الذي شغله كل من هؤلاء في حياة درويش (فهو كتب ديوانه الأول “عصافير بلا أجنحة” متأثرا إلى حد بعيد بأسلوب نزار قباني، لكنه لم يسمح بإعادة نشره على الإطلاق). قد يجوز القول إن مجموعة “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، تتحرك في مناخات ذاتية ونوستالجية وسياسية إلا أنها لا تفلت في المجمل من منظومة الحنين الذي يكمش معظم القصائد من الداخل، وكأنها محاولة أخيرة يقوم بها درويش لاستعادة الذاتي، عبر ثنائية الشعر والأرض، وما بينهما

مازن معروف – جريدة النهار 2009

PRINTEMPS DES POÈTES – DÉDIÉ AU PRINTEMPS ARABE

http://www.imarabe.org/node/5013

15 mars 2012

salle du haut conseil – 18h30

PRINTEMPS DES POÈTES – DÉDIÉ AU PRINTEMPS ARABE

Le poète est un révolté né. Mais sa révolte n’est pas animée par un programme politique trivial, elle s’attache plutôt à dénoncer par la magie des mots tous ceux qui rendent l’existence médiocre et sans horizons. Aussi leur parole est-elle salutaire dans nos temps de détresse et d’espérance.

Avec : Taha Adnan, poète, écrivain et journaliste marocain, dont le texte théâtral “Bye bye Gillo” a remporté le deuxième prix au Concours international du monodrame arabe des Emirats en 2011 ; Girgis Shukry est l’une des voix poétiques égyptiennes les plus importantes qui ont émergé ces deux dernières décennies, il publie, en 1996, Asqut tahta hiza’i (Je tombe sous ma chaussure) ; Mazen Maarouf, poète, écrivain et critique littéraire et artistique ; Nicole Gdalia, agrégée de lettres, docteur en Sciences de l’art et des religions, elle a enseigné à la Sorbonne nouvelle ainsi qu’à l’Ecole Pratique des Hautes Etudes, son Alphabet de l’Eclat, une anthologie personnelle, est parue en 2005 ; Jean-Luc Despax, poète, prix Arthur Rimbaud en 1991 pour son recueil Grains de beauté, collabore chaque mois au journal d’information et d’actualité poétique Aujourd’hui poème, son dernier livre, Des raisons de chanter (poèmes, Le Temps des Cerises) est paru en 2007.

 

ملل

مملة
يافطات الإعلانات. صور العارضات في محلات اللنجري. بائع الكستناء أول شارع
الحمراء. لباقة المثقفين. معركة الصولد الكبير شهر التسوق. فناجين القهوة على طاولات
الـ

Café de Paris

مملة
احتفالات الأول من أيار. الحديث في حانة عن لينين والفودكا والفتيات. الإصغاء
في حانة إلى حديث عن لينين والفودكا والفتيات. مراقبة ابنة الجيران تخلع
صدريتها. صيد السمك بعبوات المياه. العَدْوُ وراء الاوتوبيسات الزرقاء وتلك
التي لا أعرف لونها. الهندام الرسمي. الحلاقة كل شهر مرتين.
الحلاقة كل شهرين مرة. تواعد عاشقين خلف سور مدرسة. موت عصفور بطابة تنس.
مطاردة العصفور لفراشةٍ. بكاء ضارب الكرة التي قتلت العصفور. يوم الأحد.
شرح نظرية جديدة في الفيزياء. شرح نظرية قديمة في الفيزياء. الفيزياء. تناول حبوب
منع الحمل قبل النوم. شجارك مع ابنة الجيران التي كانت تخلع صدريتها.
التظاهرات من أجل إيقاف حرب ما. التظاهرات من أجل
استمرار حرب ما. تفقد الهاتف الخلوي كل نصف ساعة.
التأكد من أن أصابعك عشر. موت أشرار الأفلام الأمريكية. موت روميو البطيء.
البكاء أمام خارطة فلسطين. صراع نملتين حول حبة قمح. بقاء حبة القمح بعد موت النملتين.
التوسل أمام امرأة تحبها. العادة الشهرية. الخوف دائماً. التظاهر بالديمقراطية أمام الأصدقاء وحبيبتي.
الأصدقاء وحبيبتي. متابعة سباق فورمولا 1 حتى النهاية. انقطاع التيار الكهربائي قبل
نهاية السباق. الجوع دوماً. أفلام ناديا الجندي الجاسوسية. قامتي الهزيلة التي في المرآة.
الابتسامة القسرية. الذباب الذي يقف على زجاج النافذة. الرغبة في كسر الزجاج.
الرغبة في قتل الذباب. السقوط عارياً من النافذة المكسورة بعد انقطاع التيار الكهربائي.
لباقة المثقفين. فناجين القهوة. الحديث عن لينين. صور العارضات في محلات اللانجري. أشياء
أخرى كثيرة
مملة
قراءة هذه القصيدة.. مثلاً

من كتابي “الكاميرا لا تلتقط العصافير” – 2004

النهايات


النهايات
الجميلة
ليست نهايات
لأنها جميلة..
ولأن ألف حلم صغير
صغير جداً
بحجم حشرة
ممكن مشاهدته
من مسافة بعيدة
دون الاستعانة بمنظار “غاليليو”
أو اللجوء إلى عرافة ما..
ممكن مشاهدته
خلف تلك النهايات
تماماً
كأي سيارة محترقة
كأي شرفة نظيفة
في بناية مهجّرين

من كتابي “الكاميرا لا تلتقط العصافير” – 2004

ألوان


الفتاة
بالثوب الأبيض الذي لا يشبهها
في الغرفة البرتقالية
المطلة
على حديقة خضراء جداً..
تحتسي
قهوة سوداء.
الفتاة
التي تحب القبل الصغيرة
على خدها الأحمر..
مرة
غادرتْ دفتر الرسم

من كتابي “الكاميرا لا تلتقط العصافير” – 2004