عن الورّاق عصام عياد

الكتابة عن رجل يدعى عصام عياد تستلزم شرطا وحيدا، هو التطرف. أن تكون متطرفا، لتعادل تطرف عصام عياد. وهذا ما لا يمكنك فعله لأنك وبحسب رجلنا، لا تزال مجرد ذرة غبار في مصنع أحذية، أو صوصا في مستودع مليء بالديكة. يعني، لا مفر. لا تسمح علاقتك به، إلا أن تكون متطرفا. إما باتجاهه او بالتضاد معه. وفي الحالتين، تعرف أنه مقبوض عليك، وبأن الرجل تمكّن منك. الانحياز له يعني أنك لا تزال طيبا. والطيبة التي ينكرها عصام، ويعلّم أصدقاءه التنصل منها، ينزلق قلبه إليها مرات عدة.

عصام رجل مكسو بالتعب، لا يخبرك عن تجاربه إلا لماما، يرفض كتابة رواية عنه (تستحق سيرته كتابة رواية، وربما سيهرول إليه أحد ما لهذه الغاية، روائي مثلا، كاتب سير أو أي صعلوك من صبغة أخرى). أحيانا أظن أنه يكذب، أو يجذف بجمله حتى يصل بحرا بعيدا، فيما أتخيلني واقفا على شاطئ، حجمي صغير جدا، يراني بعينيه الكبيرتين، الشبيهتين بعيني ثعلب مشرد، فيما أنا ألوح له بقميصي، بكامل ثيابي التي سحلت عن جسمي بينما كان يتكلم. لا أنتبه إلى عريي. ألوح له ظنا مني بانه لا يراني، لأنني أنا أيضا أكون ساعتها، لا أراه. لكنني أكتشف بعد لحظة بأنه يراني، بل وأنني لم أفلت لحظة واحدة من كماشة كلامه. صدقوني، الحديث عن عصام يستلزم أن تكون متطرفا، متطرفا بالهلوسة. الهلوسة فقط هي ما ينبغي إحضاره إلى الجملة للحديث عن عصام. لأنه شخص لبط باب حياتك ودخله. هكذا فعل من دون أن يحرك قدمه. ربما الباب المغلق إنلبط من تلقاء ذاته حالما وقف عصام عياد أمامه، إنخلع ببساطة، وكانت ضحكة الرجل، قهقهته الذكية التي تملؤني غيظا، الباب البديل. من يومها، وأنا لا أدخل إلى حياتي أو أخرج منها، إلا مارا بعصام عياد الذي لا يزال واقفا إلى هذه اللحظة. قررت مؤخرا أن أحلَّ عنه إذا لم يرد هو أن يحل عني، رأيت بأن الأمر أشبه بأن تأخذ ذراعك إلى مجلِّخ سكاكين، وتقول له، أريدك أن تسن لي هذه الذراع حتى يصبح عظمها رقيقا جدا وحادا، فتسقط على الأرض من الثقل. هذا ما يعادل ألم إستئصال صاحب المكتبة الضيقة في شارع الحمراء.

لن أقول ما أعرف عن عصام عياد، سأحتفظ بمعلوماتي التي أعتبرها على رغم قلتها، بالغة الأهمية. كما أتمنى أن لا تجعل هذه الكتابة من عصام، رجلا أكثر نرجسية مما هو عليه. أشعر هنا أنني وقعت فعلا في فخ. فمن ناحية، لا بد وأن اكتب عنه يوما ما، ربما اليوم. أكتب لأتخلص منه. فأنا لا أعرف إذا كان واجبي أن أشكره أو أسبه، لأنه باعني كتبا كثيرة، أو منح الشوارع التي في رأسي، زوايا، والآن لا تجد شارعا مستقيما. كلها تغيرت بنيتها منذ تعرفت به. واظب أيضا على زرع اليافطات التي تشير إلى ضرورة تغيير إتجاه السير في الشارع الفلاني أو العلاني. ماشي الحال يا سيد عصام. فقد أعدت ترتيب الجينات كما يحلو لك بالمختصر المفيد. ولا شك أنك تضحك الآن، وأنا بأي حال، لا أريد أن أراك في هذه اللحظة بالذات. لأنك ستسخر، وستحس بمدى عظمتك (عندي على الأقل) ومدى ضآلتي. هل تراني؟ أحدس بأنني أصبحت مايكروسكوبيا، كبيض النمل (بالمناسبة، بيض النمل هو أحد المعاني للإسم: مازن).

أكره عصام عياد لأنني لا أريد أن أحبه أكثر. البعض يسخر مني لأنني على صداقة معه. يرونه شخصا غريبا، أو غرائبيا، ويفضلون عدم إدخاله صندوق حياتهم. هذا شأنهم، وفي أحيان كثيرة، أغبطهم. إذا ما غضب الله عليك، فإنك تكون صديقه. وحال توصلت إلى كرهه أو محبته الشديدة، فستعرف بأنه ألقى القبض عليك. يمكن أن يكون عصام عياد مجرد بائع كتب مستعملة بالنسبة لعابر سبيل ظمئ، كذلك بالنسبة لذبابة لا يناسبها إطلاقا الدخول في احتمالات ايجاد طعام بين الكتب.

أنا عالق، وأظن أنه سيكون أمامي وقت طويل قبل أن أتمكن من خيانة عياد، وطرد نفسي من الجيبة التي يضع بها أصدقاء مساكين على شاكلتي. بدأ حياته متحمسا سياسيا لطرف ما. كان فتى، لكنه امتلك رؤيا أتاحت له التنبؤ بأخطاء قبل أن تحصل. ترك الإحتمالات جميعها، الانتصار أو الهزيمة، خلف تأويلاتهما. وعُرضت عليه مناصب قيادية في التنظيم الفلاني أو العلاني، لكنه لم يشأ أن يكون كالكثيرين ممن دخلوا الدوامة واضعين شاليمونات في أفواههم للتنفس، قبل أن يصابوا بالسعال ومن ثم الاختناق. نضاله شخصي جدا، من بائع كتب في فان إلى مارد في قمقم مكتبته الصغيرة. لوث رأسي عصام، بأراء كثيرة، تتخطى اقتناعي بها.

أُشبِّه رأسه بقجة يصطدم القلق بجدرانها، إلى أن يدوخ هذا القلق فيشق جلد وجهه خارجا على شكل ابتسامة. أحاول مرات عديدة ثقب أول يوم ذهبت فيه إليه، أن أجد ثغرة بديلة عن تلك التي أوقعتني في أنبوب الوراق عصام. كان ذلك عندما كنت مراهقا يبحث عن معنى كلمة “فدائيين” خارج القاموس الشعبي المتداول. وعندما رجعت إلى المنزل، كان في يدي أربعة كتب عن الحرب “الأهلية” في لبنان، إضافة إلى شعور سخيف بنشوة القبض على “الحقيقة”، وبنطلون بجيبتين تتدليان إلى الداخل كفأرتين ميتتين، زائد سخرية أخي الأصغر. أما جِلدي، فتصورته معلقا على باب المكتبة. وأكيد أنه كان لا يزال رطبا حين دخلت المنزل. بمعنى أكثر مباشرة، فقد تم سلخ الكاوتشوك عن عجلتي الاقتصادية الصغيرة، على يد عصام عياد.

قد يكون موقع عصام عياد في الحمراء، غير ملائم تماما للصورة التي يريدها البعض لهذا الشارع. لا بأس من ذلك كله، إذا عرفنا بأن عصام عياد يخوض حروبه الميكروسكوبية متحصنا، برفاقه القدامى..الكتب. تشبه مكتبته سردابا نجا من الحرب، لم يتيح للزمن فرصة الفتك به. كل القسوة التي تحفل بها ملامح عصام عياد، تأتي ككيس رمل يمرّغ به صاحب الكتب القديمة، وجهه، متأهبا لاحتمالات خيانة أخرى. ربما لأن عصام عياد لم يعد يحتمل المزيد من التجارب. مجموعة من حبات المطر حاولت اجتياح مكتبته الشريرة ذات يوم، والانقضاض على كتبه، قبل أن تصطادها العدسات السوداء للمصورين، وتزجها في الصحف. ترعبني فكرة أن حتى حبات المطر لا يمكنها النفاذ الى قلب سردابه.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s