قراءة في “زريبة الخنازير” لـ بيير باولو بازوليني

الجدال الذي لا يزال يطوّق بيير باولو بازوليني، قد لا ينتهي بعد عقد من الزمن، أو عقدين، أو قرن ربما. هذا لأن الشاعر الإيطالي، الذي اخترع منهجا للشغب، إستقاه من الحياة، ومن ثم بلغ تماسه معه بالشعر الذي سيشكل أداة عبوره إلى أشكال فنية أخرى يبرع فيها كالمسرح والسينما.
أراد بازوليني أن يخترق إيطاليا الحديثة الفاشية، من خلال إعادته لأشياء من صورة إيطاليا السابقة، بكل ما تحمله من إشارات في التاريخ الأوروبي والديني الكنسي والفني. دون أن يتورط بالضرورة في التزام نوستالجي للبلاد. كانت عينا بازوليني، تقولان “لا” في وجه كل ما يشوش مشهد الحياة. ولأن كان ثمة تفاصيل هائلة في نظام إيطاليا الاجتماعي والايديولوجي الفاشي، والمعيشي ينبغي عليه تطويقها بالـ “لا”، فإن تلك اللاءات الكثيرة كان لكل منها تكوين من جينات ذات مصدر واحد، بوظائف متشابهة لترفض وتثير وتصد. فهنا “لا” ضد السياسة، وهناك “لا” ضد غذاء الايديولوجيا الفاسد، كما “لا” الأفكار الباهتة اجتماعيا كالخبز، والتي فقدت قدرتها على استباط وعي جديد يخرج ايطاليا من عزلتها القاتلة بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأيضا “لا” الأشكال الإبداعية السائدة آنذاك، أو “لا” العقيدة الدينية الكنسية. إلا أن قاموس بازوليني كان يقدم لكل لاء من لاءاته منهج عمل ومن ثم دلالة دون أن يشترط حلا على مستوى الأخلاق أو على مستوى إعادة ترتيب فوضى الحياة والفن المبعثرة داخل ايطاليا وخارجها. بقدر ما هو لاحقا اشتراط فرضه بازوليني على ذاته، بإقامة نظام فني لكل “لا” على حدة، نظام يكون مختلفا عن إخوته في العالم البازولينيّ. كانت “لا” بازوليني، اليد التي حفرت حوله مكانا للكثير من الأعداء، والتي كانت قبل ذلك، لغة متكاملة بحد ذاتها، تُوجز رأسا مشغولا، بآلاف المساءلات في وقت واحد. فكان استحضارها كرأي يمثل استحضار كينونة بالغة النضج والحصانة، لا سبيل لاختراقها إلا بالإلغاء المادي المباشر لها- القتل، ما يؤمن التخفيف من تأثيرها إذ تتكرر كواقع، ينام جنبا الى جنب مع الفوضى، على سرير لا يتسع إلا لكائن واحد. لترافقته تلك الـ”لا” حتى لحظات حياته الأخيرة، إذ يصرح في آخر مقابلة صحافية وقبيل مقتله ببضع ساعات، بأن قليل من أولئك الذين صنعوا التاريخ هم الذين قالوا “لا”.
يتحرك بيير باولو بازوليني داخل مثلث قوامه: ضلع الحياة الخاصة- لاءاته، ضلع الشعر وضلع السينما. وكما يرد في مقدمة المختارات الشعرية “زريبة الخنازير” الصادر حديثا عن دار الجمل (ترجمة محمد بن صالح)، فإن الشعر عند بازوليني لم يكن انفعالا موقتا محكوما بظرف سياسي أو نفسي، بل هو حالة كانت تطوق أعماله كافة، حتى مقالاته الصحفية، وأفلامه كذلك التي لم يكن الشعر فخا لها، بقدر ما كان مناخا عاما، متفاوت في القوة والحضور والرغبة في تحويل العين البصرية لدى المشاهد، إلى عين تتواجه مع الماورائي أو التخييلي. “سينما الشعر” هو التعبير الذي أطلقه بازوليني، واشتغل فيه طويلا. لكن التأليف ما بين الدخول في الحسي- الواقع، والخروج عن المتوقع، لم يكن يُصنع ليثير أو يستفز، بقدر ما كان إصرارا على رفع الـ “لا” فوق آذان اليسار واليمين والكنيسة على السواء.
وجد بازوليني نفسه محاطا بثلاث منظومات متوارثة: الماركسية، الجنس والكنيسة. كان لكل منها بعد زمني مستقل، إلا أنها أفضت جميعها إلى تأثيرات سوسيولوجية إعتُبرت آنذاك مكتسبة حديثا. ذلك بحكم موقع إيطاليا الجغرافي والسياسي وثقلها التاريخي والثقافي في أوروبا، كما وأثرها الابداعي والفكري على الغرب. لتأتي بعد ذلك متغيرات إيديولوجية ورؤيوية هزّت جذور المنزل الايطالي، مطلع القرن العشرين وخصوصا ما قبل الحرب العالمية الأولى ومن ثم ما بين الحربين العالميتين (من الواقعية والطبيعية والوضعية الفرنسية إلى ظهور الحقائقية ومن ثم الماركسية والفوضوية لتتبع لاحقا بالفاشية). لكن كل ذلك كان محكوما بجهوزية، ضمنت ملامحها المكتملة أو التامة، لبازوليني أسلوبا ألزمه أن يكون رافضا. هذه، زيادة على نوستالجيا المكان ونمط الحياة البسيط للفلاحين (الاقامات القصيرة في كازرسا، مسقط رأس والدته في منطقة الفريولي)، كما ومكانة أمه (ستكون معلمته الأولى على كتابة الشعر وهو بعد في السابعة).
لكن هذه النوستالجيا ستظل دائما متوارية خلف ستارات سميكة من الشغب البازولياني. وهي ستبقى ذلك العامل المجهول الذي يسعى الشاعر لاستعادته أو تعميمه كنمط حياة، لن يكتمل إلا من خلال ضرب أسس الواقع الرديء، بإيقاف الصراع الطبقي، أو محاولة جعله ينحسر. ما يختلف به بازوليني، في رأينا، هو تفرده دون الكثيرين، في فهم ذاته، أمام هذه النوستالجيا، وتشريح ملامحها، وتأطير مكنوناتها، بتاريخ سياسي واجتماعي. ما سوف يمكّنه لاحقا، من أن يقبض على تلك النوستالجيا من الداخل، وهو بعد في العشرينات من العمر، ليخرجها بأصابع متوترة إلى العلن، على شكل كتابات يلاحظ فيها تماسك ثنائية اللغة- الموقف، على حساب العاطفة، التي تقف في الخلف، مسافة تؤمن حضورها في القصيدة. كان عليه إذن أن يصنع صوته الشعري، وصورته العامة ببلوغ ذاته الذي لا يمكن أن يحدث دون اختراق هذه المنظومات. وستشكل مجموعاته الشعرية، نماذجا غير مسبوقة لاستخدامه لغة الحسي البصري، والأصوات من جهة والشعر كمحرك عام من جهة أخرى، ومن ثم توليفه هذه العلاقة ما بين الإثنين غير بعيد عن رؤيته الايديولوجية أو موقفه من الأشياء وليس فقط من الفن.
سيدفع بازوليني بنفسه لمناهضة الفاشية مستعينا بمنهج الشعرية الابهامية أو الهرمسية (ما قبل الرمزية)، ومستخدما في كتاباته اللهجة الفريولية (نسبة الى سكان منطقة فريولي الواقعة شمال شرقي إيطاليا) كنزعة محلية خاصة، تنتمي إلى مجموعة من الناس وتؤلف ما بينهم خصوصية تشيح أي ضرورة محتملة لنظام فاشي عام (وحتى يَرفض بها اللغة الايطالية التي هي مشتقة من اللغة العامية والتي يقول في احدى المطارح بأنها تأخذ منحى روماني ساذج). وهي نظام بديل كذلك للاستعلاء بتخمة الذوق الشعري على انعدام الذوق السياسي. ثم اعتماده واقع الاشتراكية المسيحية، وتركيزه على العوامل المشتركة والمتقاسمة بين مسيحيي إيطاليا الريفيين وعاداتهم (النواقيس وصلوات العصر) من خلال كازرسا، بلدته الأم. وذلك في مواجهة الفاشستية التي هي نظام كلّياني يعظم سلطة الدولة الأمنية، ويناهض في مبادئه، الديمقراطية والاشتراكية.
هروب من الجندية خلال الحرب العالمية الثانية، بعد رفضه تسليم سلاحه إلى الألمان. موت الأخ. عودة الأب الجندي الى المنزل، مهزوما. حزن الأم وانطوائها بعيدا عن أبيه. عيشه في روما يائسا ومشردا لقرابة السنتين دون عمل. تورط في اليومي والسياسي شاعرا وصحافيا. أكثر من 30 مثولا أمام القضاء. مقالات لاذعة حد نخر عظم أعدائه. حدة منفرة في معالجة الدراما سينمائيا. كتابات غير سياسية، بعيدة عن أي مناورة، شفافة كالهواء. إثارة الضجيج في مجلس الوزراء الايطالي. رفض الكثيرين له بسبب مثليته الجنسية.. كل هذه الأجزاء من فيلم حياة بازوليني الطويل، أحاطت حياته بشيء من عزلة عن العيش، مستعيضا إياها بالشعر، كنظام توليفي مستقى من الحدث اليومي، لكن بنظام جمالي متفوق على صغائر الحياة.
هناك أكثر من حقيقة تدفع بسيرة حياة بازوليني، إلى أن تكون موقفا مصطدما باليمين واليسار والكنيسة. سيكون بازوليني بذلك مشتغلا على إفراغ حياته من أي وساطات سوسيولوجية. وهو الشاعر والسينمائي الذي لن تشهد أيامه سوى مزيد من الزوابع، التي لن تكف عن قلب الأشياء من حوله، لتطال طريقة موته كذلك. هذا ما سيجعل من مسيرته بمثابة كرنفال ضاج، يسري بين ألمين. ليتعادل ألم موته الذي ربما استمر عدة دقائق، مع ألم قسوة حياته ذات الثلاثة وخمسين ربيعا لا غير، وهو الألم الذي لن يعلنه إلا من خلال القصيدة، أو السينما او المسرح. فالألم الجسدي الذي شعر به بازوليني قبل مقتله (عُذب ثم قتل، وسُجلت على جثته آثار عجلات سيارة)، ربما يوازي الألم النفسي في مرحلة حياته السابقة. لكنه ألم لا يتطابق إلا مع عمله السينمائي على مستوى شحن البصر بالصورة القاسية. يقول :” كنت مهووسا دوما بفكرة أن أجد نفسي مشنوقا على عقافة: ذلك كان مصير الشبان..الذين يعلنون أنهم ضد الفاشية”..
وأنت تقرأ بازوليني شاعرا، تنتبه إلى أنك مصاب بلوثة عالمه، وموقفه العام. لكن جرأته المتطرفة، وتوناته الشعرية العميقة، تتجاوزك. وأحيانا تمدك بجمالية مخدرة، يفرض عالمه شيئا من الوحشة، والعزلة. لكنه يستمد وعي قصيدته أو كيانها من مشهدية الحياة. “زريبة الخنازير” كعمل ضخم، لمختارات مترجمة من أعمال بازوليني الشعرية، عن دار الجمل، تعد سبقا أدبيا بامتياز، ذلك أنها تمنحنا الدخول إلى عالم الشاعر الايطالي بازوليني، بإيقاع نسيطر به، لنفهم أكثر تنقله ما بين السينما والشعر. كما تضعنا أمام امتنان كبير للشاعر التونسي والمترجم محمد بن صالح، الذي نقل لنا الأعمال في لغة لا تقل شعرية عن الأصل. وما قمنا به هنا هو فقط محاولة لتسليط الضوء على جوانب عامة من حياة بازوليني، وأعماله الفنية، إلا ان الحديث عن شعره يصب في مطرح أوسع بأشواط، مما ذُكر. ولهذا فإننا نعتقد بضرورة قراءة خاصة ومنفصلة، لأسلوب بازوليني الشعري، وكيان قصيدته الشديدة الفرادة

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s