عيد ميلاد محمود درويش

يمر عيد ميلاد الشاعر الفلسطيني محمود درويش هادئا. لا يخترقه الرصاص، ولا تدهمه زحمة الأدخنة المسافرة من سماء غزة أو ضجيج المدن أوروبية وعجقة الذكريات التي تتزاحم عادة في الرأس. وبلا صخب الأصوات الفلسطينية المتلاطمة على بعضها البعض. يمر العيد وكأنه محاط بأسوار كنعانية عنيدة، لا كلمة زادت على دفتر الشاعر. ولا كلمة زادت على برنامج الأنشطة الثقافية في العالم العربي. فالشعر أحيانا سريع البلع ولو بدرجات متفاوتة على تفكيكه وفهمه. لكن ليس يحمل بالضرورة السرعة ذاتها عند الهضم. المفارقة أن ما يفوق سرعة ابتلاعنا للشعر، هو بالتحديد السرعة القصوى التي ننسى بها مثقفينا. كان محمود درويش مثقفا مغايرا، مثقفا بلسان إنسانه الشعري وليس بألسنة الـ “أبَوَات”. استطاع أن يظل برغم ارتباطه بمنظمة التحرير، شاعرا يصارع من خانة خاصة، ويرسم موقفه ووعيه الشخصي خارج كادر الدعاية الفلسطينية التي تحولت بفعل البعض الى هكذا عنوان، بعدما كانت قضية. من جملة قضايا كثيرة أنجزت في القرن العشرين، بقيت القضية الفلسطينية أكثر القضايا حقا، لكن دون أن ينجز لأجلها شيء الا باقة من الأخطاء. لكنها القضية التي أنجبت درويش بقذفة واحدة من رحمها، ووضعت أمام عينيه أشياء كثيرة غير متحركة وفلسطينيين متحركين على الدوام. أسميه بالماكر. فهو استطاع أن يحمل فلسطينه الخاص، وينتقل به من موقع الى آخر بدءا من ديوانه “أحبك أو لا أحبك” الذي قدم فيه لغة شعرية تجريبية ومغايرة. فيما كان الفلسطينيون يحملون أسلحتهم وأصابعهم المرفوعة على شكل “٧” من عاصمة الى أخرى. ربما لم نفهم محمود درويش كفلسطينيين. بل كنا نتعاطف معه كفلسطيني لاجئ وليس كشاعر يحمل الهوية الفلسطينية. لم يترجل عن عِلِّيَتِه الشعرية التي يساوي مساحتها مساحة سماء غير مستعملة. شعر محمود درويش هو سماء غير مستعملة. استطاع البقاء بعيدا عن خنادق السياسة التي حفرها الفلسطينيون لبعضهم البعض ونسوا أقدامهم فيها ولا يزالون يمارسون الحفر والنسيان. يحرض محمود درويش كنموذج على فكرة واحدة وهي: أن أكثر ما يحتاجه الفلسطينيون في هذه المرحلة تحديدا هو الثقافة، وليس السلاح المعدني. يحتاجون سلاحا لا يمتلكه العدو كمقام أول. يحتاجون أدوات يستطيعون فيها تهديد الثقافة الاسرائيلية المركبة والمزورة. يحتاجون الى أمثال درويش وادوارد سعيد وناجي العلي وتوفيق صايغ ممن استطاعوا إرباك المخطط الاسرائيلي لبناء هوية واسقاط تاريخ هائل عليها. لم يحدث أحد الضجة التي أحدثها درويش في اسرائيل عقب اقتراح وزارة التربية الاسرائيلية ضم قصائد لدرويش في المناهج التعليمية. كما البلبلة التي أحدثتها قصيدته “عابرون في كلام عابر” والتي اتهمه فيها الاسرائليون بأنه يدعو لرميهم في البحر. من لحظة موت محمود درويش، الى الآن، يهاجمه البعض على مواقع الانترنت بأقذر الكلمات وأفظع التشابيه والاتهامات. لا يقرأ أولئك الناسُ الشعر. كما لا يقرأ أصحابُ درويش في منظمة التحرير، وجود أولئك الناس. هذه خطيئة مضادة لكلا الطرفين. عرف درويش في أواخر الثمانينات، وعقب قصف الطائرات الاسرائيلية لمواقع منظمة التحرير في تونس، بأن تلك البلاد هي آخر باب، وأن بعد خروجهم منها، لن يكون أمامهم سوى وجهة أخيرة أو منفى أخير..أي الوطن. بكى درويش وهو يقرأ قصيدة لتونس. بكى على المنصة وكأنه أراد فقط أن يعتذر من تونس الجميلة والهادئة وشعبها الودود..يمر العيد ومكتوم صوته. احتفل أصدقاء الشاعر وأقاربه بهذا العيد، فأنشأوا جنينة باسمه في قرية البروة، مسقط رأسه. وضعوا بضعة شجرات ونباتات وحزنوا وهم يتذكرونه، كان محمود درويش أكثر المتصالحين مع موته. لهذا لم يكن الصراع الأخير بينهما أكثر من عملية انتقال هادئة. على كل حال، يظل عدم تذكُّر عيد ميلاد درويش أفضل من سوبر تذكره. إذ من المؤكد أن الشجيرات القليلة في حديقة درويش الآن، في البروة البعيدة، هي أكثر ألفة من الكلمات التي كان سيطلقها أصحاب الشاعر في هذا الاحتفال أو ذاك، والتي كانت بالتأكيد لتطير في الهواء وتستقر في قصبتنا الهوائية كأشواك يابسة، وسيكون لنا أن ننتظر طويلا قبل أن يجازف عصفور بالوقوف فوقها.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s