“The Great Inquisitor” لبيتر بروك

هذه ليست كتابة عن بيتر بروك. ليست أكثر من شهادة سأستعين بها مستقبلا، كي أقنع ذاكرتي بأني شاهدت فعلا هذا المسرحي العجوز والمدهش على الخشبة ذات يوم. النبرات الصوتية المختلفة في العرض المسرحي  ”The Great Inquisitor”، كانت أكثر من كافية لتحضر الشخوص أمامنا، كذلك المكان والزمان المتغير بين أربعة عشر عقدا. النص مقتبس عن جزء من رواية فيدور دوستويفسكي “الإخوة كارامازوف”، وفيه كنا أمام ما يشبه المشعوذ، المشعوذ اللبق، الذي يريد تكسير المنظومة أو السلطة، تلك الدينية بالدرجة الأولى، بملامح جسد الفنان وتحكمه بها وبأحاسيسه. هو إبن الطالع الشكسبيري، اكتفى بالتحرك على مربع أبيض على الأرض وكرسي صغير أسود، ليقول نصه بمناخ شبه مونودرامي، تتفاوت فيه درجات من طقوسية الإنسان المتفلت من الديانات، والذي لا يبقى حرا اذ تتنازعه سلطة اجتماعية تنظيمية وسلطة سياسية ليظل أسيرا في النهاية، دون أن يقنعه هذا بالعودة الى ديانته السابقة. عجوز في مواجهة السيد المسيح، الشاب الناصري ذي الثلاثة والثلاثين ربيعا. استطاع بيتر بروك، المشتغل في المسرح منذ ما يزيد عن الخمسين سنة، أن يقدم لنا صورته وكأنه ليس بممثل بل برمز أسطوري، نافس حضوره على الخشبة حضور النص المسرحي بشراسة. فهو يمتلك القدرة الخفية على جعلك تسافر في تفاصيل حركاته (وان بدت مقتضبة) وترتحل على بساط موجاته الصوتية التي أظهر براعة شديدة في التحكم بها فبدا كولد مفرط الذكاء يواجه لعبة ليغو الشهيرة. فيفككها ليعيد تركيب الأشياء وإقناعك بكل ما هو مبتكر في عالم مسرح الكلاسيك. نتذكر ما قاله بيتر بروك في مقابلة مع نزيه خاطر قبل حوالي السنتين : “أنا شخصيا لست ممثلا، فلا موهبة لدي”. قد يعتبر بيتر بروك من المعلمين المسرحيين الذين استطاعوا انتهاج هوية مسرحية وسط كل ذلك الزحام في التجريب والهدم والصمت منذ قرابة اواسط القرن العشرين، الا أنه مخرج غير معزول تماما عن فريق عمله، اذ يولجهم في وضع الاخراج النهائي للنص الدرامي. يمثل صدق التعبير السمة الأساس لانتقائه الممثلين، أما المهارة المسرحية وقدرة الممثل على ابهار الجمهور بأدائه، فتأتي في المرتبة الثانية، ولا يهم كذلك إن لم تأت أبدا. وقوفه على خشبة مسرح مونو أمامنا، جعلت فينا شعورا بالاطمئنان لهذا الرجل، ولكل ما سوف ينطق به لاحقا. عَبَر أمامنا كأنه جَدٌّ سائم من كل الحضارات الزائفة والتي لم توجد الا لتكريس البشر خدما للنظام كيفما كان هذا. كنا أطفاله المميزين، ومن يشاهد هذا العملاق المغطى بالشيب، لا يمكن الا أن يصاب بلعنة المسرح، لأن مسرحه ملعون باللذة الفائضة، بجرأة النص المكتوب، وبمتعة الانتقال الى عالم آخر. بسيطة عناصر تبيانه، وبسيطة نقطة انطلاقه كذلك، غير أنه سرعان ما نكتشف بأن سيلا من الأفكار وإعادة برمجة فكرة الاشياء وفكرة الفكرة، كلها ترابض لك في هذا العالم. هدفه هو الارتقاء بالذات الانسانية الى أبلغ حدود ممكنة. ولو تطلبه ذلك تحريرها من سلطة العاطفة وسلطة العقل، وتجريد النفس بالتالي لتصبح هي سيدا أوحدا لذاتها، غير آبهة باحتمالات العيش ما بعد الموت، اذ يكفيها العيش لمرة واحدة خارج الأطر المتوارثة، والشرائع الزائفة، ونظم العيش، ورمزية الخبز تحديدا في مقابل الحرية. جاء الاخراج غاية في البساطة وعميقا في الرمز. فالأرضية البيضاء المربعة التي اختارها بروكس ليتحرك أغلب اللحظات فوقها، جاءت متماهية مع الخلفية التي يتحدث بها السجان العجوز الى السيد المسيح. وهي خلفية طاهرة في موازاة طهارة الديانة المسيحية لدى الاتباع اللاحقين. وبين طهارة موقف العجوز (الذي يحاول تفكيك نظرية المسيحية كديانة، وأداء المسيح بشكل خاص) وطهارة إيمان الناس بهذه الديانة، تتحرك البشرية جمعاء، وتخضع وتقاد الى عبودية، واستغلال دنيوي في مقابل وعد بالحياة الآخرة-النعيم-الفردوس-الجنة. هذا ما يجعل العجوز يناور للدخول في عقل المسيح وعاطفته، لينبش ما يراه مواطن ضعف في سلوك الناصري تجاه من ظلموه، والذي كان سلوكا انتهجه الاتباع اللاحقين، الناس الفقراء، ليساعدوا النظم السياسية والاقتصادية في القبض على مفاصل حيواتهم على الصعيد المعيشي اليومي. ممثلان فقط، كانا كافيين لفضح أفكار هذا النص قاطبة على الخشبة، بيتر بروكس وممثل شاب هو برايان ماير. الشخصيات كلها تحركت على لسان بروكس وبأصواته المتعددة والتي رسمت مناخات وديناميكيات متخيلة. فيما بدا الشاب صامتا وجالسا، ثابتا لا يتغير، في زاوية واحدة لا يمكننا الا وأن نستشف رمزا من هذا كله، فالشاب يمثل الشخصية التي يتمحور حولها خطاب المسرحية، أي المسيح. أما بروكس فقد صال وجال وان بخطوات غير واسعة، محافظا على حيزه داخل المربع الأبيض حسب مقتضيات الجملة المسرحية. المثلث الذي يتحرك داخله النص الدرامي هو المعجزة-السر-السلطة. رفضها كلها المسيح، فيما استغل السجان العجوز هذا الواقع لينسج تخييلاته ومساءلاته “البشرية أكثر ظلاما الآن، فمن الذي ارتقى الى مستواك؟” فقد أصبح البشر قياصرة العالم، عبيدا لحب السلطة وامتلاك مفاتيح التحكم بسواهم الأضعف. النص يراوح بين تركيب شبيه بالمونودرامي الأداء (اذ يمثل وجود الشاب-المسيح الصامت طوال الوقت، رمزية لوجوده في الحياة والنفوس البشرية بثبات)، وملحمية المناخ الذي دائما بملامح كلاسيكية. وتسقط كل جهات المسرح تلك داخل النسيج البشري والذي يمثل الواقعية الحية أو الواقع. كل ذلك بهدف تفكيك العبارة المسيحية واقاء اللائمة عليها بسبب ما أصاب البشر وما انبثق عنها من حضارات، لم تكن، ودائما بحسب النص المكتوب، أفضل حالا في تعاطيعها السياسي مع العامة. ومع أن المسيح ينهض في المشهد الأخير، متحملا هجوم العجوز الشرس عليه، فيقبله من شفتيه، لتوقظ القبلة قلبه الكهل، الا أن ذلك لا يغير من آراء العجوز حياله، معيرا بذلك بروكس الى أذهاننا فكرة أن الحرية تظل أرفع من العاطفة التي لطالما شكلت بدورها قيدا ثقيلا من قيود البشرية. وبين انتقاله من رَاوٍ الى مؤدٍّ بارع الى صوتي شديد التحكم بالعلاقة ما بين المناخ والنبرة، نجح بيتر بروكس في نهاية المطاف في جعلنا نحمله معنا الى خارج المسرح، قالبا بذلك الأدوار ليصبح هو الطفل بأفكاره النشطة، ونحن العجزة بثقلنا أو عدم جرأتنا تقديم نص نقدي يتعاطى وكسر تابو العقائد الدينية التي لا نزال نعاني من تأويلاتها المختلفة أو تفسيراتها المغلوطة على مجتمعاتنا.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s