مئوية أبي القاسم الشابي

لعل قصيدته “إرادة الحياة” والتي مطلعها الشهير (إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر) واحدة من أعظم ما كتب شعرا في القرن العشرين. وقد تلقفناها في المدارس منذ أن كنا صغارا، كما وأجبرنا على حفظها، لكننا لم نحفظها مكروهين. لأنها القصيدة التي تختصر الحرية والإرادة وعامة الشعب، وهي كذلك تؤلف وحدة مع الأرض، تتخطى الطارئ الإجتماعي وتفككه وتسبقه إلى الحرية بأن تعلن زواله كأمر موثوق. لم يعش أبو القاسم الشابي ليكمل العقد الثالث من حياته. غير أن حكمته التي كانت تنبض دوما داخل دماغ متشائم ورؤية لم تعطه الا مزيدا من الوحدة والمرض والألم. إسمه بالكامل أبو القاسم ابن محمد الشابي الشيخ الذي درس العلوم الاسلامية في مصر لسنوات سبع، قبل أن يعود الى تونس، ويتزوج وينجب ثلاثة اولاد أكبرهم أبو القاسم. يعرف عن الشيخ محمد الشابي كونه رجل لم يعش خارج مثلث المنزل والمسجد والمحكمة، إذ كان قاضيا في سليانة قبل أن ينتقل بالوظيفة ذاتها الى قفصة ثم قابس ثم جبال تالة ومجاز الباب ورأس الجبل وزغوان قبل أن ينتقل الى بلدة توزر التي ما لبث أن توفى فيها عن عمر ناهز الخمسين عاما. وهذا المثلث سيلعب دورا في تلقين الشاعر ومنذ الصغر، تعاليم اللغة العربية وآدابها والاسلام والقرآن الذي حفظه كاملا وهو في التاسعة من العمر. وعلى ما يبدو فإن هذه الانتقالات التي قام بها أبوه الشيخ، كان لها دورا بارزا في تنشيط المرض المصاب به الشاعر الكبير منذ طفولته. ففي السنة التي توفى بها والده، ظهرت أكثر أعراض مرضه وضوحا وكان عمره آنذاك العشرين عاما. فأبو القاسم الشابي مولود في الرابع والعشرين من شباط عام 1909. ولم يكن مرضه آنذاك ليدعه وشأنه، غير أن أبا القاسم كان عنده شعور عظيم بالخطب أو الخلل الذي يشعر به في الصدر. لذلك لم يكن ليستكين عن فكرة الكتابة الشعرية والأدبية وقد عمل على ذلك بكل ما لديه من طاقة حتى أن الأطباء نصحوه مرارا بعدم تعريض جسده، والذي كان بطبيعته نحيلا، الى أي مجهود نفسي أو فكري أو جسماني. الا أن عناد الشاعر كان يتفوق موقتا على المنظومات الطبية ويتجاوز النصح والتوصيات، لكن لم يكن الأطباء على دراية به وقتها هو عفريت الشعر الذي كان يسكن الشابي والذي سوف يأتي إلينا بواحد من أهم ما كتب من مؤلفات شعرية مطلع القرن المنصرم وهو “ديوان أغاني الحياة” إضافة الى ثلاث قصائد هي “إرادة الحياة” و “الى طغاة العالم” و “أيها الحب”.

نتاج أبي القاسم لم يقتصر على الشعر وحده، فهو مؤلف روايتين: “في المقبرة” و”صفحات دامية” إضافة الى مسرحية “السكير” ووضعه لكتاب “الخيال الشعري عند العرب”. وعلى الرغم من نتاجه القليل مقارنة بأدباء الفترة المعاصرة آنذاك، الا أننا لا يمكن أن نغفل حقيقة ان أبا القاسم توفي عن عمر لم يتخطى عتبة الخمسة وعشرين سنة. ومن هنا يمكن قياس عديد أعماله بفترة حياته القليلة لنكتشف كم كان ذلك الشاب مجتهدا في الكتابة الأدبية، على الرغم من شخصيته التي عرفت بكونها متشائمة، مغلقة دون أن نغض الطرف عن دور المرض في تأليب اليأس وعكسه الى الخارج. فأبو القاسم الذي كان معروفا بحبه لألعاب الرياضة كالتسلق والقفز والسياحة والجري، لم يعد كل ذلك متاحا أمامه، وقد زاد ذلك من الأسى الذي كان يحتله دوما، ليكتب في  يومياته الخميس 16-1-1930 على أثر مروره ببعض الضواحي: “ها هنا صبية يلعبون بين الحقول وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل ومن لي بأن أكون مثلهم ؟ ولكن أنى لي ذلك والطبيب يحذر علي ذلك لأن بقلبي ضعفاً ! آه يا قلبي ! أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية “. إذ إن الانتفاخ الذي كان يعاني منه في القلب، ما لبث وأن تسبب بتباطؤ وصول الدم الى القلب عبر الدورة الرئوية (وهي الدورة الدموية الكبرى في الجسم البشري)، أي أن كمية الدم القادمة من الرئتين، لم يعد ممكنا وصولها الى القلب بالقدر الطبيعي، وبالتالي فإن ذلك من شأنه التأثير على مستوى الأوكسجين في الخلايا كافة مما سينتج عنه وهن عام وحالة من الإعياء والتعب لدى المريض. ومن جهة أخرى، فإن مشكلة أخرى كانت موجودة أيضا لدى الشابي، وهي في انتقال الدم داخل القلب من الأذنية. وضيق الأذنية القلبية هو ضيق أو تعب يصيب مدخل الأذنية فيجعل سيلان الدم من الشرايين من الأذنية اليسرى نحو البطينة اليسرى سيلاناً صعباً أو أمراً معترضاً (سبيله) وضيق القلب هذا كثيرا ما يكون وراثياً وكثيراً ما ينشأ عن برد ويصيب الأعصاب والمفاصل وهو يظهر في الأغلب عند الأطفال والشباب مابين العاشرة والثلاثين وخاصة عند الأحداث على وشك البلوغ، بحسب ما يقول الأطباء.

لم يقض الشابي حياته متفرغا للكتابة، ولكن أيضا للأطباء، الذين أخذت زيارته المتكررة لهم حيزا كبيرا من حياته، إضافة الى الأثر الذي تخلفه زيارة طبيب لدى ذوي النفوس الحساسة  والمتأملة كأبي القاسم الشابي. لكن الأطباء لم يتمكنوا من وضع إصبعهم للاستدلال وتحديد مرض الشاعر. فكل ما عرفوه بأن ثمة مشكلة في القلب وبالتالي كانت النصح الطبية كلها تتمثل في وجوب قضاء الشاعر وقته في المناطق المعتدلة مناخيا، ما حذا به الى التنقل بين مدن عديدة مرتجيا بذلك الشفاء، لنعلم مثلا بأنه قضى صيف عام 1932 في المدينة التونسية الجميلة عين دراهم، يصحبه أخوه محمد الأمين، وكذلك بلدة طبرقة على رغم ألمه الشديد، ليرجع بعد ذلك إلى توزر. لكنه وفي العام التالي إختار الاصطياف في المشروحة إحدى ضواحي قسنطينة من أرض الجزائر وهي منطقة مرتفعة عن سطح البحر تشرف على مساحات مترامية وفيها من المناظر الخلابة ومن البساتين ما يجعلها متعة حياتية صرفة. واضطر ومع مجيء الخريف الى العودة مجددا إلى تونس الحاضرة ليأخذ طريقا منها إلى توزر القريبة من العاصمة لقضاء الشتاء فيها. ورغم كل ما يتطلبه ذلك الأمر من مشقة، إلا أن التنقل ما بين مصيف ومشتى لم يؤثر إيجابا في صحة الشاعر، لتسوء حالته في آخر عام 1933 ما أجبره على ملازمة الفراش لفترة وجيزة. حتى إذا مر الشتاء ببرده وجاء الربيع ذهب الشابي إلى الحمّة أو الحامه (حامة توزر) طالباً الراحة والشفاء والاشتغال بالكتابة والمطالعة. غير أن كل ذلك لم يجد نفعا، فالمرض الذي لم يتم تشخيصه الا بعد الوفاة، ظل يتفاقم ويعاند كل السبل المتبعة للحد من تطوره، ما دفع بالشابي المسكين الى مغادرة توزر هذه المرة متوجها الى العاصمة تونس في 26-8-1934 ليمكث بضعة أيام في أحد فنادقها ومن ثم زيارة حمام الأنف، الذي يقصده السياح للاستجمام. نصحه الأطباء بعد ذلك وفي أيلول من العام ذاته بالذهاب إلى أريانة وهي ضاحية تقع على نحو خمس كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة تونس وتتصف بجفاف الهواء، ما يسهل التنفس عند المصابين بأمراض في الرئة والقلب. وفي موازاة حاله التي كانت تسوء باستمرار وتتتدهور مقربة إياه من الموت وسادة كل الآفاق الممكنة في وجه الاطباء، كان الناس يتساءلون عن سبب مرض الشابي حتى ليكاد البعض يرى فيه سلا وليس مرضا في القلب. فدخل مستشفى الطليان في العاصمة التونسية في اليوم الثالث من شهر أكتوبر 1934 ليتوفى بعد ستة أيام في الساعة الرابعة فجرا.

ولخصوصية ما عاش الشابي من ألم، وقلق وتفاقم إحساسه بالعدمية والفناء واللاجدوى الحياتي، لم يكن ثمة مساحة كبيرة من زمنه من أجل الحب، فحبيبته الأولى لم يكتب لها الحياة، إذ ماتت وهي بعد صغيرة. لكنه تزوج رغم ذلك، من دون أن نعلم الكثير عن هذا الزواج. حياة أبي القاسم الشابي، شاعر تونس العملاق، وسنوات حياته القليلة وأسلوبه في المقاربات الشعرية ما بين المذكر والمؤنث وتعداد الأزمنة المتبعة في قصيدته وتقنيته في التنقل من المناخ الداخلي للنفس والخارجي للطبيعة والكون وتوليفاته لرصد الرمزيات السياسية من عناصر السماء والشجرة والزهرة والشعب التونسي ستبقى دائما مثارا للباحثين والدارسين والمؤرخين لتطور الادب والشعر في خضم الاستعمار والانتداب الذي لم يستثن أيا من بلدان المشرق العربي أو المغرب العربي على السواء. لم يعش أبو القاسم الشابي ليجاري ويتفاعل مع التطورات والتغيرات التي اصابت القصيدة بعد ذلك، إلا أن ما قاله في أدبه وشعره، وبشكل خاص معالجته للظلم والتحرر، سيظل متخطيا الزمن، لأنه شاعر الحرية، الحرية لا دوام موقت لها.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s