من أجل بول شاوول

بول شاوول يخضع لعملية جراحية في القلب. الشاعر الذي لم يكن يغادر سيجارته، ها هو شريان واحد من قلبه يحمل حقيبته مغادرا الجسد، والشِعر وخلايا الدم المحملة بالنيكوتين وروائح المدينة. يا له من شريان جريء، لأن يقوى على مغادرة جسد شاعر كبول شاوول. أن يقبل باستبداله داخل غرفة عمليات وليس مجازا على الورقة البيضاء. لا بد وأن ينصاع الشاعر للحياة، أو لقانون البيولوجيا في النهاية. إنه نوع من إعادة الدور المفترض للحياة التي لا تتقدم سوى خطوات بطيئة يوما بعد آخر. الحياة التي تسمح للشاعر بتعديلها جينيا على الورق الأبيض، التي لا تتذمر أو تستغرب ما يعاد تشكيله من عناصرها. على ما يبدو، فإن الحياة تؤجل سخريتها من الشعر والشعراء، إلى زمن تعلنه بشكل مفاجئ. تصهر السخرية بالوقت أو بحتمية الشيخوخة، كعامل معادن يصهر مايكروغرامات من اليورانيوم مع الحديد الرديء. لذلك تبدو كل النصوص المكتوبة غير جديرة بلحظة القلق. الدخول إلى غرفة عمليات نوع من خيانة الجسد لحامله. وكأنه مللٌ أو سأمٌ من هذا المسمى (حياة). أما الدخول إلى شرايين القلب، فمعناه شق القفص الصدري بمنشار كهربائي، ومعناه أن تلك الشرايين الكامنة في الظلمة، مستلقية أخيرا تحت الضوء. الذي ينتقم الآن لصاحب الجسد، هو المبضع، الذي يشق بلا شفقة، أو خوف. أيضا تاريخ الطبيعة. يشارك في هذا الفعل. الضوء يخدع الشرايين، لأنه ليس ضوءا شمسيا، أو ضوءا قادما من القمر الجالس فوق النوافذ. هو ضوء كهربائي. ولّدتْه تفاعلات بترولية، مستخرجة من باطن الأرض، كانت منذ سنين قديمة، كائنات حية تجهد لاحتلال سلطة اليابسة. تلك الكائنات في هذه اللحظة، يتواطأ ما تبقى منها ليمد غرفة العمليات بالضوء، حيث الشاعر محبوس في النوم، مستعجل الأطباء للنيل من هذا الجسد، أو لمواصلة حمل هذا الجسد على الكتابة والحب والقلق والمشي. وأنت في مواجهة بول شاوول، عليك أن تستخرج دماغك كله، وتَفرِدَه على الطاولة أمامه. عليك أن تتبارز وأشيائه: علبة دوائه المركونة بعيدا ً أو المؤجلة الى وقت لاحق، سيجارته التي تتظاهر بالموت حينما تلهيه الكلمات عنها، فيعود ليحييها بعود ثقاب مرح بين أصابعه، كتبه التي تطوقك كجنود عجائز يسترجعون ذكرى معركة في الساحة نفسها، لطافته التي تستقل إحدى خلايا دمك، كما يستقل ولد صغير بالونا ً مطاطيا ً وينطنط به في غرفة نومه، مرحه الذي يشق الهواء الصلب كما تشق سكينة كتلة من الجلو. بول شاوول يبدو للوهلة الأولى شاعرا ً يقف على كتلة عالية جدا ً من ركام الزمن المتكوّم تحت قدميه، إلا أن ابتسامته تحيله طفلا ً صغيرا ً ومشاغبا ً حتى تكاد تجهد في ملاقاة طفولته. لا يعود رجلا ً مثقلا ً باللغات والثقافة الهائلة، والتاريخ السياسي والطلابي والمشاريع النضالية. يتراجع هذا كله في مقابل حضور بساطته وتلقائيته وإصراره على الفكرة الشاوولية. زمنه المتشعب والمبكر وكائنه المتعدد بين الشاعر، المسرحي، الناقد والمترجم، إضافة الى موضوعيته الصادمة، كلها عوامل ٌ تضمن له تلك الحيادية فيما يتعلق بالشعر والشعراء الجدد. غير أنه لا يتوانى بتاتا ً عن تكريس خصوماته خاصة تلك المتعلقة بخطه السياسي الحالي، لذلك لا يهادن طفل الشعر ولا يدع أيا ً من دفاعاته تنهار، يصبح هنا أقرب الى العبثي من دون أن يعلن هذا صراحة. قد لا تشعر أبدا ً بأنك متفوق على هذا الشاعر الذكي، كل ما قد تفعله هو أن تتحسس نكهة كلماته الطازجة وهي ترتطم بجزيئات الهواء، قبل أن تصفع طبلةَ أُذُنِكَ الرقيقة. قد تغار من سيجارته، من يد فنجان قهوته، ومن سيجارته التي تتأرجح برفقة أصابعه في الهواء وكأنه أب يأرجح ابنته في مدينة ملاهي الفقراء. ينال منك الشاعر أولا ً والمسرحي ثانيا ً، عندما يطوقك بعاطفته حتى لتشعر بأنك أصبحت أحد أبطال حياته، وبأنك إزددت طولا ً، بفعل تمدد قدميك داخل الاسفلت. تدرك عندئذ بأنك متجمد في مطرحك. إذا ً أنت لا تريد مغادرة فخ بول شاوول. لكن الوقت يباغتك، يتضاءل نصيبك من الدقائق المتبقية برفقته، ويتجاذبك الغرور والحزن. فأنت مغادر بيته، وحيزه الصغير الذي يحوك داخله العالم الموازي لعالم لا يعجبه كثيرا ً. لكنك في وقت سابق أخرجتَ دماغَك وفردته دون أن تقول شيئا ً. في الحقيقة أنت فعلت ذلك لتخبئ هذا اللقاء بين تجاعيد مادة الدماغ الهلامية، ولن تدع أحدا ً ينال من هذا التذكار الجميل.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s