اختيار القدس عاصمة ثقافية

لا تستطيع اسرائيل التملص من المأزق الذي وضعها فيه اختيار القدس كعاصمة ثقافية إلا بالنفور العسكري في وجه هذه الظاهرة. هو مأزق الهوية بالدرجة الأولى، لا تستطيع الدولة العبرية مجاراة التاريخ، وإن أية محاولة لوضع هذا التاريخ قبالة الاسرائيليين يرجعهم الى أسلوبية احتلال الأرض، والتي بلا أية قوانين. منع اسرائيل الفلسطينيين من إقامة الاحتفالات داخل مدينة القدس، يعد ذروة رفض ثقافة الآخر-الفلسطيني، ما يطرح أسئلة تضاف الى سابقاتها حول حقيقة إحقاق السلام، وإمكانيته بل والخطط المفقودة اسرائيليا لطرح “ثقافتين” فلسطينية واسرائيلية على أرض واحدة. في ظل سعي اسرائيل المستمر لتطبيع علاقاتها مع جيرانها العرب. نحن لا مشكلة لدينا بالاطلاع على أعمال الفنانين الاسرائيليين وشعرهم ومنظوماتهم الفكرية حول ما بعد الصراع مع الفلسطينيين، لأن ذلك يمكننا من فهم آليات تفكيرهم، وبالتالي يضع أمامنا وسائل جديدة وأكثر ذكاء في التصدي لمزاعمهم. إن المأزق الاسرائيلي لا يتمثل في وضع أحد ما ثقافة الفلسطيني في وجوههم، لكنه يتمثل فقط في إدراك الاسرائيليين بأن ثقافة الدولة العبرية لم تكن موجودة من الأصل قبل عام 1948، لأن إكتمال تشكيل هوية ثقافية لشعب ما يفترض وجودا مسبقا لحيز جغرافي لا يكون ممسوسا بالشكوك. وبالتالي، يتفاعل الانسان مع واقع عيشه، وتاريخ هذا العيش، وعاداته الاجتماعية والإثنية وتطور نظامه السياسي أو تأخره. والهوية الثقافية لشعب بالكامل لا يمكن لصقها بالتاريخ بشكل فجائي ومن لا مكان، والفلسطينيون لم يكونوا مسؤولين عن المأساة الاسرائيلية- الهولوكوست، والتي تمثل الملحمة الأخيرة التي يتمسك بها الاسرائيليون لتبرير سلوكهم وتجاوزاتهم بحق الانسان والطبيعة. إن اختيار القدس عاصمة ثقافية يعني الاعتراف بهوية هذه المدينة القديمة ثقافيا كما تتضمن اشتراط وجود الحراك السوسيولوجي الذي أنتج هذه الثقافة، ما يعني أن للمدينة عنصرا بشريا سواء أكان هذا فلسطينيا أم يهوديا، أدرك الى حد ما كيفية التفاعل الانساني المتبادل واستطاع بناء ملمح ثقافي خاص بالقدس، قبل احتلالها اسرائيليا. أما الأخطر من هذا كله بالنسبة الى حملة المنهج الاسرائيلي في محو الآخر باستخدام القوة، فهو إدراكهم بأن التاريخ ككتلة، لا يمكن أن يطيع أحدا، وهو يتطور باستمرار، ويتقدم للمكوث في ذاكرة الفرد، بمعزل عن تأثيرات الحروب، كحدث مغلق على ذاته، وبمعزل عن التغييرات الديموغرافية والبشرية التي يفرضها على مساحة الجغرافيا بشكل خاص. لا يمكن للاسرائيليين التفوق على التاريخ، ولا يمكن لهم محو النقاط البيضاء التي يعمل التاريخ على حفظها في ثلاجته الكبيرة، والتي لا يفتح بابها الا لإدخال المزيد من هذه النقاط، أو لتهريب بعض منها الى العالم، كالهوية الثقافية التي تملكها القدس. غير أن المشكلة لا تنحصر في الهوية الثقافية لمدينة ما، لأن كل مدينة تختزن حراكا ثقافيا، وإنسانيا يؤدي الى تطورها مع الزمن. المشكلة تتمثل في إنحياز التاريخ ثقافيا لطرف مدني واحد في المعادلة وهو الفلسطيني واليهودي ساكِنَي تلك المدينة، وهنا تكمن الشيفرة الأكثر صعوبة بالنسبة الى حملة المشروع الصهيوني. على ما يبدو، فإن المصارع الخفي للسلاح الاسرائيلي، هو التاريخ. وعلى ما يبدو أيضا، بأن توظيف هذا التاريخ، بالشكل الأكثر إفادة للفلسطينيين، سوف يؤدي الى إحراج الممارسات الاسرائيلية، ودفعها بالسلاح في وجه الكتاب والمسرح والفن والهوية. الإنسانية هي المبرر المشترك الذي ينتج السلاح، وينتج الثقافة. إلا أن السلاح لا يمكن الا أن يكون نقيضا للثقافة. لقد إنحاز الاسرائيليون للسلاح، وما على الفلسطينيين الا أن ينحازوا في هذه المرحلة الموقتة، للثقافة.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s