قراءة في ثلاثة كتب شعرية لـ بول شاوول

هؤلاء الذين يموتون خلف أعمارهم

إنه واحد من شعراء قلائل، يقبض على اللحظة – الحدث ويلقي بها في سلة مخيلته الشعرية. فاجأنا جميعا بانتصاره على القتل وفعل إفناء الآخر- الضعيف، من خلال قصيدة طويلة بعنوان “هؤلاء الذين يموتون خلف أعمارهم”. والقصيدة مهداة الى أطفال غزة. بول شاوول الذي لا نراه كثيرا ً كما هي حال الكثير من شعراء مدينة بيروت، وضع نصب أعيننا أكثر آخر أعماله الشعرية، إشتغلها بصمت وبعزلة عن المشهد الأول وتأثيره المباشر على أعصاب الدماغ المتصلة بالعين. قد يصح القول بأن أصعب الأعمال الفنية هي تلك التي تأتي زمن الحروب، علما ً بأن الحروب عادة ما تقدم للفنان وجبة جاهزة من العناصر والتخييلات الصورية، كما تحفزه على التمرد احتجاجا ً على تدافع المنطق واللامنطق في مساحة الحياة. الهدنة تشكّل مفصلا ً موقتا ً بين حربين، وهي كذلك هدنة الشاعر التي يحوك خلالها ما يفكّر فيه. هكذا كان ما اشتغله الشاعر بول شاوول على امتداد قصيدته، أن يصنع لنفسه ولكلماته هدنة مفترضة كي يستطيع إعادة تشكيل الردم والأشلاء والأحلام وفكرة القاتل وفعله، محافظا ً في كل ذلك على تواتر المكان والوقت الحاليين. أتت القصيدة الطويلة المؤلَّفة مَقاطعا ً، لتشي بالأصوات المنبثقة عن انهيار الضحية وسكناه وحصته من الزمن. أعاد بول صوغ التعاريف المتعلقة بالقاتل الإسرائيلي، كما وأعاد في تركيبات شعرية خاصة، الشهيد الى حياة وأكملها برفقته. تطرف الشاعر في تآلفه مع الأجساد الصغيرة، لأنه الشاعر- المسلّح بأدوات تسمح له بموازاة تطرف الإلغاء الذي مارسه القاتل، وهي أدوات لا يفهمها الأخير. القصيدة التي خطها بول شاوول في ليلة 31 كانون الأول 2008 وفجر 2009، أي خلال واحد من أولى أيام الحرب على قطاع غزة، تختزل العديد من الإشارات، كقدرة الشاعر على إفراغ كثافة المخزون البصري، وتماسُك عصبه الشعري أثناء الكتابة، كما تحييده الحقد أو الكراهية المباشرة، وإعلاء نصه إلى لغة لا خطابية، وتَفلُّتِ جملته من عبء الحدث المباشر. نجد في قصيدة “هؤلاء الذين يموتون خلف أعمارهم” شعرا ً متحديا ً كاتبه، يقف خلف دماغه، مستفزا ً هذا الدماغ ليعيد مونتاج اللحظة، بعزلها مرة وبإحالتها الى لحظة أبعد مرة أخرى، فشاوول يعمل كخياط لحظات محددة على قماشة الواقع. والواقع لا يحده الفعل الحاضر، ولا اللحظة الحاضرة، فهو واقع يتصل بأسلافه الوقائع الأقدم، والمتشابهة كلها بسبب انحسارها بتشابه الفعل الاسرائيلي على امتداد تاريخ نشوء الدولة العبرية. إنها استراتيجيا شعرية يتبعها بول شاوول لكي لا تنزلق شعريته الى انفعالية بحتة، وكي لا ينتقص نصه من مصداقية الكتابة التي تلي الفعل. بول شاوول وكأنما تجاوز مخزونه من السنوات ليتوحد مع الأطفال في حياتهم الإفتراضية وفي موتهم اليقيني. تخرج قصيدته ممسكة بشرارة المستجد السياسي، وتزاحم طرائق الموت على الأجساد الصغيرة. وهي قصيدة ذات عصب تجريبي كما هي عادة بول الشاعر المشاغب في اللغة. يقول شعره ما لم نستطع قوله، ويرينا في صوره الشعرية ما لم نره على شاشات التلفاز. شعر يدين، دون أن يدخل في المُسمّى المباشر، شعر يضع إصبعته على ثقب رئة القتيل- الشهيد، الرئة الساكنة وغير القابلة لامتصاص الهواء- الحياة. هذا ما يجعل قصيدته وكأنها قصيدة قاسية تنهال على الشهداء الأطفال لنبش ذاكرتهم ” للموت ملمح طفل واحد في ميتات كثرى واحدة “، الذاكرة التي يتتالى فيها الموت. تتعدد المشهدية وينقلك بول بخفة ممسرحة، وجدية من منظر الى آخر. يخطو تارة في ملعب هذا الطفل، ومن ثم تسوَدُّ كلماته، متقاطعة مع سواد الدافع للقتل. إنه يتنقّل ما بين الموت كحقيقة وحيدة، والميثاق الذي يجيز الموت، أي التوراة. الميثاق- الخرافة ” وحوش تطلع من التوراة- قطعت الفضاء الذي يتسع لأجسامهم “. غير أن بول ينغمس في المشهد الآخر من دون أن يركز جام غضبه على الاسرائيلي، بل يتجاوزه بفاصلة واحدة نحو المتوقع غير المشحون بالايجابية ” ولا علامة/ تكسر شرفاتهم ولا بصيص على أجفانهم المسبلة “. يمكن دبغ القصيدة بصفة الملحمية، لكنها ملحمية ناقصة، لا يتكافأ فيها الجيشان، بل يشكل عدم تنازل كل من القاتل والضحية عن موقعه، نسيجها المتماسك “طفل قبل أن يصير طفلا ً/(عابر بلا عبور)/ طفل قبل أن يصير شجرة/(يقطع الشريان قبل امتلائه”. يستعين بول لتصوير بشاعة القاتل بتشابيه ذات مستويات عالية من عدم انتظام المكان “وحوش..قصت الضوء الذي يفتح عيونهم”، فظاعة القاتل تتمثل في تخريبه لنظام المكان. فضاء- ضوء- عيون مفتوحة، ثالوث نكتشفه وهو يشكل واحد من ثالوثيات كثيرة تقيم في قصيدة شاوول. وهي توليفات تُعنى بنظام الأشياء البصري، الذي يمثل المادة الأولى التي يستقبلها العقل “الذين يموتون خلف أعمارهم/ ولا أثر سوى من أطلال أجساد/ أو أنقاض غيوب أو حرائق من أول الليل/ إلى آخر الأعناق”. وبذلك تخدم هذه التوليفات حاجة بول العودة الى الواقع، بعد أن يكون أخذ القصيدة الى المطرح الميثولوجي الذي تتقارب معه أساليب القتل. مثال آخر: “الوحوش.. يفلت موتاها عهودها القديمة/ كهوفها الألفية/ وغرائزها الجامحة “، نكتشف ههنا ثالوثا ً آخرا ً (العهود القديمة- الكهوف- الغرائز)، تترجع الايديولوجيا الى غريزة، الى الفطرة، القتل من أجل إفراغ المساحة للبقاء. والغريزة تبرر القتل والقتل يبرر مكانة الكائن كوحش. والوحش يفسر القصيدة ويفسر بالتالي الجانب السيء من الحياة. بول يتنازل قليلا عن حراكه في الشعر الحديث، ففداحة الواقع وعبثية المأساة تزيحان أي عبثية أخرى، باستثناء أدوات وشروط الرومنطيقية للعيش “هؤلاء الأطفال الذين لم يكبروا/ كما يكنمل بدر أو تعتدل ظهيرة/ أو يرمش مغيب/ وعندما لن يكبروا تخلّت أيامهم/ عن أيديهم أمامهم/ ضاق الفضاء بكواكبهم المكسورة/ بجذوعهم الطرية/ بأصواتهم البطيئة”. يشكل الحاضر الطازج والتاريخ غير الطازج، وغير الميت بنفس الوقت، ثقْلَي قصيدته الأساسيين. ثم يأتي بول، يشق كلا ً منهما، ليفتح ما يشبه الأنبوب بينهما، الأنبوب الذي تتهاوى فيه صورة الشهيد الطفل وملامحه، ليقف الكائن الخرافي على أنقاضها لوهلة قبل أن ينقلب المشهد، فيخرج الشهيد من سيناريو حياته المفترضة، ويتهاوى القاتل بتناثر عقيدته التوراتية. إنه نص إقامة ذلك التوازن ما بين تلاشي الفكرة التوراتية، في مقابل تلاشي الجسد الفلسطيني على بلاطة الصراع الخشنة.

دفتر سيجارة

“مئة شمس تشرق وتنطفئ بين أصابعه” واحدة من جمل شعرية قصيرة، رشيقة، غير مكثفة إلا أنها مثقلة بالمعنى. جمل شعرية قصيرة، توازي تلك اللحظات التي لا نشعر بوطأة جمالها إلا بعد أن تراكم لحظات أخرى فوقها. إعتمد بول شاوول في ” دفتر سيجارة ” مشروعا ً جريئا ً، ونسمح هنا لأنفسنا بتسميته مشروعا ً شعريا ً، إخترق بفرادته موضوعات الشعر المتعارف عليها عالميا ً وعربيا ً، أي تلك المنطلقة دائما من مطرح نفسي وسسيولوجي نحو الورقة، كالحب، الخيانة، الصداقة، المنفى، المنزل، الشارع، الزمن، الموت، اللذة، العبثية..الخ. إلا أن بول شاوول هو الشاعر الوحيد الذي تمكن من جعل السيجارة ترافقه كشريك على امتداد المائة نص المكتوب في مجموعته الشعرية هذه. الواقع أن بول هو من يرافق السيجارة هنا. هو ليس أكثر من قارئ لحياة هذا الكائن السرية، ومترصد صامت. إستحق مكافئته بتصالحه الطويل معها منذ كان عمره ثلاثة عشر عاما ً. السيجارة تكمن في المجموعة كمزيج من كائنات. فهي التي لها احتياجاتها المادية كأي جسد آخر، وهي التي تنطلق منها مقاييس الحياة، ومعايير الإنفعال على المستويين العاطفي والعقلاني. يدهشك ذلك الدفق السلس للمفردات، التي تقف فيما يشبه خيطا ً من مخلوقات ضعيفة، إذا تراصت بنَت جسما ً غذى نفسه بنفسه بمعزل عن أي من عناصر الفضاء خارج حيز هذا الجسد. جعل بول شاوول من سيجارته كائنا ً يدفعك للتآخي معه، كائنا ً يدفعك للتطرف باتجاهه. إنه نص السيرة الذاتية لبول-السيجارة وليس لبول-الشاعر. غير أن العين التي أخرجها الشاعر من جيبته ليرى بها أحوال هذه السيجارة، وأطوار عيشها، هي عين زجاجية، مرآة منغلقة على ذاتها، مرآة مجوفة غير أنها ليست فارغة، إذ تحتفظ بكل الزمن القديم للسيجارة طازجا ً، وكأنه في ثلاجة، بل وكأن بول كان يعرف أن علاقته بالسيجارة ليست علاقة صورية، أو حاجة بيولوجية، وأن ملفات حياة هذا الكائن المخروطي الشكل والنحيل، عليها أن تُحفظ بيضاء، لملئها بالشعر الأسود الحبر، مستقبلا ً. يحرص بول على الحفاظ على التسلسل الكرونولوجي- برّاد الذكريات. نجد أن الشاعر إختار موضوعه بعد نضال ضد ذاكرته. فالأشياء والتفاصيل التي تؤلف مسودة شراكته مع السيجارة هي بذاتها ما يؤلف السر الشاوولي في تطلعه الى الحياة. تتماوج النصوص بين بدء وعودة الى نهاية هذا البدء. الحياة هي حياة السيجارة بالأساس، الكائن الذي يتفاعل وإياها، تدخينا ً، مجا ً، رميا ً في المنفضة..الخ. هو كائن يحتل المقام الثاني في العلاقة ما بينه وبين السيجارة. فهي ذلك الكائن الأول الذي تنطلق منه الأحاسيس وتسقط على البشري. تمارس السيجارة سلطة متوارية على الشاعر، ينبش تفاصيل حياته لاستنهاضها حية ترزق، فالسجائر التي يقوم هو خلال مدة زمنية طويلة، بقتلها، نراها تعود الينا بكل بهائها، وكأنها مومياءات لم تشوه، ولم يمتصها التراب أو الهواء، ولم يقم الماء بتكريس اهترائها. هنا نجد أن بول شاوول هو مجرد ولد مشاغب مرة أخرى، لا يمتثل شعره لالنفعالاته بقدر ما يمتثل لمجاورة الانفعالات الأخرى لكائنات خفية، تلهو بين ظلال أصابعنا وشفاهنا ورئاتنا كما هي حال السيجارة من دون أن ننتبه لهذا الأمر ” أين يذهب دخان السيجارة عندما تبتلعه؟ كيف يشق طريقه في الزلعوم وكيف يتوزع في الصدر وصولا ربما الى البطن والكلى. في أي شريان يعلق ويقيم. أي رئة يختار: اليمنى أو اليسرى هل ترى يتوقف في الحنجرة”. لا شك أن قاموس شاوول الخاص به في نبش الهوامش الحياتية، مرتبط بتقنية كتابية خاصة به، وهي التقنية التي تؤمن له الإستفاضة بأسئلة عن المكان والقلق المرافق لبحث الانسان عما يأوي شجاراته البسيكولوجيةً مع صورته بالدرجة الأولى. فالسيجارة في النهاية هي ذلك الغطاء الشفاف الذي يرى شاوول من خلفه العالم، غير أنها كموضوع شعري، تكون قد أَمّنت لهذا الشاعر المجرّب باستمرار، أرضا ً جديدة يزرع فيها ما اختزنه من طفولات (بمعنى الانفعالات الأولى) لحظة اكتشاف العالم. يمكننا اعتبار أن بول شاوول المؤنسِن هو من وضع بول شاوول-الشاعر في مواجهة بول الشاوول-السيجارة. والشاعر يلاعب السيجارة، لكن كلاهما منطلقان من الخلفية الواحدة وهي ما تقاسماه من دقائق. الا أن أنسنة السيجارة، يقدم لها الأرجحية في أن تمتلك مقاييض السلطة في علاقتها بالمدخن، وما نستشعره خلال قرائتنا لنصوص الكتاب، هو أن من يكتب ليس بول شاوول، بل السيجارة. فيما ينحسر الشاعر بفضل ظله المؤنسن الواقف خلفه، وبفضل تحيزه المتطرف للسيجارة، الى مجرد محبرة. نجد أن المدخن هنا، لا يمتلك أي تفضيل على السيجاره، هي توأم أصابعه، وكتابة سيرتها الشخصية لا تختلف في التفاصيل عن كتابته لسيرته لو أراد كل منهما أن يعزل نفسه عن الآخر. بول شاوول هو صياد سمك، ولد صغير السن، يقف على رصيف ذاكرته العريض، مدندنا ً لحنا ً خفيفا ً لسيجارته كي لا تغادره، فيما تنفلت هي من شفتيه قليلا ً آخذة شكل طعم خفيف، ينزلها في البحر، ليصطاد بها بعد وقت طويل، مائة قصيدة عن السيجارة، عن العمر الذي يعرف جيدا بأنه لن يدع لحظاته تفلت منه ولو كانت هذه اللحظات تريد بدورها أن تدخن بمفردها على غراره. يبقى أن أي زيادة في عديد المدخنين، سيكون ل”دفتر سيجارة” مسؤولية مباشرة، اذ يصعب علينا قراءة حياة سيجارة، دون أن نجعل السيجارة جزءا ً من حياتنا.

بلا أثر يذكر

قد يجوز لنا قول أن بول شاوول شاعر يمتلك كمشة مفاتيح. يتمشى برفقة فكرته الشعرية، يأخذها الى أحد مصانعه الهائلة، واذ يصل الباب متأبطا ً ذراعها، يتناول مفتاحا ً ويدخل برفقتها، عازلا ً نفسه تماما ً إلا مما يتطلبه العيش داخل ذلك المصنع. نلحظ أن بول شاوول يستفرد باللغة، يعزلها كل مرة، بشكل مغاير عن عزلتها السابقة، ثم يبدأ إختباراته. “بلا أثر يذكر” (دار النهضة العربية) هو الكتاب الشعري الثاني الذي تزامن إصداره مع “دفتر سيجارة”، لهذا لم يخل الأول من بعض ملامح الثاني وتحديدا ً السيجارة. الأمر إن دل على شيء، فهو على أن السيجارة ضيف شرف لا يزال مكتمل الطلعة والفتوة، وهو قادر على الانبثاق من حيزه الخرافي، ليأخذ مكانه أنى يشاء، في القصيدة الشاوولية. “بلا أثر يذكر” هو متتالية نصوص، بلا عناوين مستقلة، اعتمد الشاعر ترقيمها بالرومانية، مما جعلنا نتساءل عن هذا اللغز الذي علا كل نص على امتداد الكتاب. هذه المجموعة الشعرية هي عبارة عن محاولة لإرجاع الموجودات الكونية الى حيزها الأول، أو ما يراه بول على هذه الشاكلة. كما محاولة إفراغ شاوول إنسانه ككيس من الرذاذ الأبيض على كل الرقع البشعة من هذا العالم. إنه تجريد اللغة وتجريد موضوعها الذي اختاره ليكون شعرا ً. ثمة بطل واحد يتمحور فيه كل هذا، وهو مؤطر بخلفية مسرحية، سواء من خلال الجمل المتتالية التي يشبه دخولها الخفيف والمتوازن، دخول شخصيات ثانوية لخدمة الشخصية الرئيسية في العمل، أو من خلال ما يهيئوه بول من أمكنة وملامح مسرحية تقف على مسافة من الكائن الذي حوله يتكوم الشعر “شكسبير يدخل الى ملحمة هوميروس ويفوز برأس ريتشارد الثالث (جيد) السطح هناك: نساء يندبن أمواتهن بشجاعة فائقة/ الليل: بيضة يفقس على أرقِكَ/ النهر: قسوة العدو بلا طائل/ لحظات بديهية خاصة على اختلافها وتنافرها/ مع هذا ما كان له أن يقف بهذه الحيادية إزاء ما يتخطاه بلا إذن ولا قاعدة” أو حين يقول في واحدة من جمله المفاجئة: “كان له وهو في المقهى أن يعتلي صورة حذائه بوقفة عز ميلودرامية (وخطابية أيضا ً) ثم يترجل عنه (كأنه مات من توّه)”. هنالك إنسان واحد، يحاول نفض تراكمات الفكرة عن كتفيه، وهو إنسان مثقل بالقلق، والسنوات والبحث في كرّاسة يومياته، تتقاذفه الأسئلة وكان ما يتبقى منه لا شيء، لا أثر..لا أثر يذكر. غير أن حنكة الشاعر تتمثل في عدم انصياع لغته لهذا القلق، لذا نجد أن جُمله متواترة ونشيطة، تنجح بكامل طاقتها في القفز بين المربعات البسيكولوجية التي تتقاسم أجزاء الإنسان. هذا ما يجعل بول وكأنه يُهرّب اللغة بعيدا ً عن نتائج التوتر- القلق التي تحكم الشاعر عادة، تظل اللغة آمنة، تطمئن القارئ لقراءة المجموعة مرة ثانية وثالثة وأكثر. المرأة واحدة من محاور كثيرة يتحرك حولها السؤال، وحين يحاور الشاعر امرأته، تتشظى أو يسعى هو الى ذلك، لإقامة ذلك الإتزان بين الكائنين الرجل والمرأة. هذا ما يجعل من عالم النص الشعري عالما مليئا بأطياف الإنسان الواحد- الشاعر. وهي كلها أطياف على قيد الحياة ” إذا ً فلنلعب التهريج: مونودراما بعدة أشخاص، وعدة أشخاص بمونودراما: أعطني أنوفك..إذا ً فلنلعب: قبعة تحت بيضة، بيضة في ميزان العدالة، ديك فوق بيضتين تحت نهر فوق جبل فوق نفايات غنية بالبروتيين”. يبني بول له عوالم كثيرة، تنطلق نحو الفضاء ضمن دوائر صغيرة، فأكبر فأكبر إلى أن ينتفخ سؤاله، بالأشياء التي مر بها هذا السؤال وطحَنَها أثناء مروره. وسؤاله هو ما يؤلف القانون الذي تخضع له كل تلك العوالم وكل أشيائها. لهذا يبدأ مثلا ً من صورته في المقهى، مرورا ً بعناصر هذه الصورة- الوجه، الأصابع، العينين، الشفتين (دون أن يغفل توظيفها في دراسته البسيكوشعرية لإنسانه)، لينتقل بعد ذلك الى الموجودات الأقرب الى دائرة حواسه، كفنجان القهوة، الطاولة، الكرسي، جوف المنفضة، سطح الجدران، الزجاج وهكذا. إنه الكائن الذي توازي وحدته، ذلك السعي لملء هذه الوحدة. يشطر نفسه وذكرياته الى نثارات ضئيلة الحجم، حتى تكاد لا تُرى لأنه أعادها منتجة ضمن قالب شعري ذات مناخ واحد. هذا ما يدعو للإعتقاد بأن بول شاوول لا يقرأ عصبَ العالم إلا من خلال قراءته للفعل الجسماني، بكل مراحله الزمنية، ماضيا ً، حاضرا ً ومستقبلا ً “يريد أن يرمي كل شيء وكأنه يفرغ العالم من مسوغاته الأساسية/ إقذف من النافذة الكتب، ولا تستعِدْها عندما تحتل أمكنتها في الكُوم وتختلط بمصادرها الأخرى وعجائنها الأصلية”. ما يبدو وكأنه قاسما ً مشتركا ً، هو الروح التي تجمع الأسلوب الكتابي ما بين “دفتر سيجارة” و “بلا أثر يذكر”. فهنالك فكرة واحدة، ينطلق منها كل من الكتابين الشعريين. النص ليس نص الصور الشعرية المغلقة والتي تتوقف فقط كي يكمل القارئ مسلكها المفترض. نجد هنا أن النص مغذى بالمقبلات اللغوية والصورية، والمطلوب من القارئ إقفال الصورة الشعرية من الخارج والتوغل داخلها. لذلك تشبه الجُمل تعاقب دقائق الزمن في الحياة اليومية. وهو ما يؤدي الى نفخ شرايين المخيلة الفردية، بأكثر من معنى واحد. فنشعر كلنا وكأننا بول شاوول واحد وأن ما اصطاده الشاعر لم يكن ماكثا ً فقط داخله ومستقلا ً، بل إنه انتزع باسم الشعر، ما كان في أنفسنا من تجاذبات الكائن والمكان، وزمنه، وتوترات الإنسان المحاط بكل ضجيج الألفية الثالثة.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s