أنطولوجيا الفن التشكيلي الفلسطيني لـ كمال بلاطة.. على كانڤاس العالم

يمثل الكتاب الضخم والصادر حديثا عن دار الساقي باللغة الانجليزية”PALESTINIAN ART-from 1850 to the present”  (الفن الفلسطيني من 1850 الى حاضرنا)، سابقة توثيقية لتطور حركة الفن التشكيلي عند الفنانين الفلسطينيين. تأتي أهمية هذا الكتاب لمؤلفه الفنان التشكيلي كمال بُلاطة، في تفرده أولا بالإضاءة على أعمال الفنانين الفلسطينيين المقيمين في دول الشتات أو أولئك الذين لا يزالون يقيمون في الأراضي المحتلة أو القدس تحديدا، وثانيا في إغناء ذاكرتنا برديف فني بالغ القوة، في موازاة آلاف الدراسات عن الحركة السياسية والنضالية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي احتكرت اهتمام الدارسين لعقود على حساب تأريخ الحركات الأدبية والمسرحية والتشكيلية والتي تكاد تكون معدومة لغاية ظهور هذا الكتاب، وثالثا في دراسته لهذه الحركة التشكيلية التي لم يشتغل فنانوها على أرض واحدة، بل لعب الشتات دورا في تطوير الوعي التشكيلي لكل من هؤلاء على حدة ما سبغ الحركة التشكيلية بتنوع في التقنيات ومضامين الأعمال الفنية. هذا إضافة الى وضعه العدسة المجهرية بشكل خاص ومفصل فوق أعمال الفنانين الفلسطينيين الذين أقاموا في بيروت، لتشكل هذه المدينة الفذة المؤثر الأبرز في استنهاض وعيهم التشكيلي، وترسمهم بالتالي على كانڤاس العالم بأجمعه.

القسم الأول من الكتاب يحمل دراسة مفصلة عن تطور الحركة التشكيلية من كونها دينية الى أيقونية، وهي مرحلة أولى تقع ما بين عامي 1850 و 1948 .وهي الحقبة التي أنتج فيها الفنانون الفلسطينيون أعمالا تشكيلية تعددت مواضيعها، وذلك بحسب الإمتصاص الفلسطيني الفني لمدارس الفن التشكيلي الكلاسيكية ونشأة كل فنان ورمزية أرض فلسطين الدينية، إضافة الى العوامل السياسية كانتقال الارض الفلسطينية من الحكم العثماني الى البريطاني مرورا بحربين عالميتين، لتحمل تلك الأعمال في بعض الأحيان وجها دينيا على غرار لوحات الأوروبيين الكلاسيكية التي كانت تعنى بالإضاءة على حياة السيد المسيح، والصلب ودرب الجلجلة. لكن دون ان يؤدي ذلك الى الانسياق في الرمز خارج خصوصية الطقوس الدينية الشرقية كما وخصوصية القديسين الشرقيين كيوحنا المعمدان وسابا على سبيل المثال. في مقابل البورتريهات التي كانت تمثل الفاتح صلاح الدين أو الملكة زنوبيا أو بعض الجوامع والحارات والموانئ بشكل يخلو تماما من أي صبغة إيديولوجية، أو هدف سياسي، ما ينقل إلينا واقع تأثر حركة الفن التشكيلي في تلك المرحلة، بالمحيط الاجتماعي والتاريخي وعدم تفلتها من البعد الحضاري والثقافي المتعدد الذي تمثله فلسطين كأرض للأنبياء والصراعات القديمة ما بين الأمراء الأتراك والعرب وقادة الجيوش الصليبية في مطلع الألفية الثانية. الأمر الذي جعل لهذه الحركة بالاجمال عزلة أشاحت عنها الاحتمالات كافة بالتأثر بالمدارس التشكيلية المهمة التي بزغت بقوة كالانطباعية والتعبيرية والتكعيبية والوحشية والسوريالية، وإن لمسنا لدى لوحات البعض كجبرا ابراهيم جبرا، بعضا من ملامح تلك المدارس الأوروبية الأنشط في تلك المرحلة. لينتقل بعد ذلك المناخ التشكيلي للانغماس في التحولات السياسية التي سمحت بإنتاج قادة سياسيين أمثال الشريف حسين والملك فيصل. الا ان تلك المرحلة وخصوصا سنواتها الأخيرة، سوف تشكل لاحقا العمود الفقري الذي سوف تتركز حوله أعمال تشكيليين أمثال غيراغوسيان واسماعيل شموط وزوجته تمام الأكحل، إضافة الى بعض الأواني المعدنية والسيراميك والمخطوطات الكوفية ذات الرمز الإسلامي والقرآني والتي لا يزال بعضها محفوظا في المتحف الإسلامي في مدينة القدس، فيما تتخطى ولادة البعض الآخر العام 1948 دون أن تنأى عن مناخ مثيلاتها، ما يعزز نظرية ارتباط الحركة التشكيلية الفلسطينية بالبعد التاريخي العام لتلك الأرض.

أما الفصل الثاني فيتناول المرحلة الثانية وهي الممتدة ما بين عامي 1948 و2005 مرورا بالعام 1982 (اجتياح بيروت) الذي سوف يحدد بقاء بعض من أولئك الفنانين في بيروت في مقابل هجرة البعض الآخر الى دول أوروبية أو عربية عدة. وهي  مرحلة سوف تحمل العنوان العريض: “Memory and resistance” (الذاكرة والمقاومة) ولا شك بأنها ستكون الأكثر غنى وتنوعا لجهة تعاطيها مع كل أبعاد إحتلال فلسطين وطرد الفلسطينيين الى الدول الشتات المجاورة، ومنها لبنان البلد الأكثر إلماما بالثقافة والاختلافات الايديولوجية والحضارية والعقائدية في ذلك الوقت والذي سوف يشهد نشأة فنانين أفذاذ سوف يكون لكل منهم ريشته الخاصه او عناصره التشكيلية أو أسلوبه في التعبير بحسب نشأته ومكتسبه الثقافي، كاسماعيل شموط ومصطفى الحلاج وجمانة الحسيني وابراهيم غنام وجوليانا صاروفيم إضافة إلى بول غيراغوسيان والتشكيلي الكاريكاتوري ناجي العلي.

اسماعيل شموط سوف يعتمد أسلوبا تشكيليا تأريخيا لهجرة الفلسطينيين مستخدما بعض لمسات المدرسة التكعيبية في بعض من لوحاته، الا أنه لن يقوم بالابتعاد عن الإطار التصويري لأعماله، ليقارب بعضا منها الصور الفوتوغرافية التي تجمد اللحظة السياسية مثلا، وتحيلها الى لحظة تاريخية توثيقية. فيما سيبزغ الحلاج كواحد من أكثر الفنانين خصوصية من خلال إنجازه أعمالا بتقنيات غير مألوفة كالحفر على ألواح المازونيت والتي سوف تتقارب وتقنية الصينيين القدماء، مستخدما الميثولوجيا والأساطير الإنسانية التي تلخص الصراعات من أجل الديمومة على الأرض، كما والحياة والموت وما بعد الموت وعلاقة الانسان بأرضه والألم والخير والشر إضافة الى استخدامه الحيوانات ذات الرمز العنفواني كالحصان والديك رمز الأمل والصباح والنسور والنساء العاريات الحبالى والتي سوف تلعب دور الرموز المغذيات الإيديولوجية لأعماله والمحشورة بإتقان وتوازن بالغ وشديد الجمالية والجذب.

أما ناجي العلي فسوف يبدأ فنه طفوليا من واقع عيشه في مخيم عين الحلوة. لكنه ومن خلال نضجه السياسي ورفضه للكثير من أخطاء السياسات العربية في لبنان كما والمنظمات الفلسطينية، سيتفرد في منهج كاريكاتوري يوصل قضيته الى لغات العالم ومعارضه، مستخدما الحبر والورق الأبيض او الكرتون في لغة كاريكاتورية بسيطة، لكنها بالغة الذكاء واللذع، ما سوف يؤدي الى اغتياله برصاصة في إحدى شوارع لندن. سوف تزاوج كاريكاتورات العلي ما بين الوحدة والضجة، الألم والفرح الطفولي، التوتر والسكينة، الانتصار والخيبة، واقع الرحيل ورومانسية العودة البعيدة المنال، كما الموضوعية البالغة حد عدم الاكتراث الا باللغة الفنية، وعناد الفنان تقديم عمله عاريا في مقابل عري أفكاره. وناجي العلي واحد ممن لن يتكرر وجود امثالهم مرة أخرى في أرض الكاريكاتور العربي الأكثر فقرا الى تجارب تشبه البصمة، وذلك بسبب تلقائيته وذكائه في التقاط الواقع السياسي والاجتماعي، كما وفرادته في الاستنباط السريع والديمومي، كابتكاره لشخصية “حنظلة”، التي ذيّل بها معظم أعماله.

أما ابراهيم غنام، فعاد بلوحاته الى تصوير قريته بتفاصيلها، من أعمال الحراثة والحصد والزرع واصرار الفلاحين الفقراء أولئك على العيش مستخدما بشكل أساسي ألوان الحمضيات من برتقالي وأصفر ومشتقاتهما كألوان أساسية وثانوية ما سيضفي مسحة الهدوء وتماسك الموضوع في اللوحات. كأنها الرغبة في استعاضة عما لم تقم به عدسة مصور من قبل، لتأتي أعماله محملة بعناصر تستدعي كل منها انتباهك بشكل متساو. أما جمانة الحسيني، فلن تشكل بيروت بالنسبة لها مكانا رمزيا للجوء، إذ تعرف الفنانة هذه المدينة من قبل. أما لوحاتها، فلسوف تمر بمرحلة اولى تصور فيها مدينة القدس، حيث ولدت، بتقنية تشبه رسوم البيوت الخرافية، ذات الملمح الطفولي إذ تراوح الألوان لتتدرج مع الاحتفاظ بحق الضوء والظل في أخذ الحيز المناسب، لتقريب هذه التصاوير الأنيقة من العين. قبل أن تنتقل الفنانة الى دراسة الفن في باريس حيث ستشهد موضوعات لوحاتها بعدا تجريديا، لن يتشابه وتلك اللوحات التصويرية عن مدينة القدس. الا أن ذلك لن يحد من مكانتها، بل سيضفي إليها إستتقلالية في التعاطي مع الفن بكل ما يحتمله. جوليانا صاروفيم سيكون لها نفسا سورياليا في معظم اللوحات، ما سيشكل سمة مشتركة بينها وبين مصطفى الحلاج. وسيتضح كيف أن لهذه الفنانة تقنية في بسط الأجساد بتفاصيلها العضلية وإضافة أجنحة لها ككائنات خرافية شديدة البأس، ما سيضفي مسحة ايروتيكية على لوحاتها. ومراوغة فنها ما بين التصويري والسوريالي سوف يترك في المشاهد شعورا وكأنما فضاء تلك اللوحات بمجملها، لا قاع له. وستنفرد هذه الفنانة بمكانتها الخاصة، لبنانيا وعربيا وعالميا.

بول غيراغوسيان سيحظى بالشهرة الأكبر نظرا لابتكاره أسلوبا عبقريا وجذابا، ما شحن أعماله ببصمة تشي بأن هذا العمل التشكيلي هو بلا ريبة، من نتاج هذا الفنان المولود لعائلة أرمنية في مدينة القدس. وهو الذي استطاع الانتقال من المناخ التصويري الى المناخ التجريدي في لوحاته. ليختصر الأجساد البشرية في لوحاته الى خطوط سميكة ومساحات لخدمة الابعاد والظل واللون. وليتزاحم في لوحته الواحدة القلق المزدوج لكائن يحمل الهوية الأرمنية والمأساة الفلسطينية على السواء. هذا إضافة الى فنانات رائدات في الفن التشكيلي الفلسطيني كصوفي حلبي بألوانها المائية وتقنيتها الخاصة في بسط مساحات الجسد العاري في اللوحة، كما والمناظر الطبيعية كالجبال البعيدة لكن بتجريدها من ألوانها باستخدامها تدرجات اللون الواحد، ما يشد المنظر بطبيعته الى مطارح تجريدية، والفنانة المعاصرة منى حاطوم والتي كتب عنها إدوارد سعيد لأكثر من مرة واستطاعت لفت الانظار بأعمال الفيديو القصيرة والإنستالايشن ما رسم لها شهرة وفتح أمامها أبواب الصالات والمعارض العالمية. الا أن ما يتميز به الفصل الثاني من الكتاب هو تخصيص مؤلفه  لدراسة مقارنة لأعمال عاصم أبي شقرا التشكيلية وثبات حضور نباتات الصبار كموضوعات تحمل رمز الزمان والقوة والحياة التي تنبض من عروقها الميتة ، ومقارنتها مع أعمال فنانين اسرائيليين معاصرين. قبل أن ينتقل الى دراسة الصورة الفوتوغرافية الحية لدى أحلام شبلي، والتي تختصر أعمالها إشارات عن الأمل والحياة والمستقبل الذي تظهر في صورها ملامح نضجه ونقاويه وسكونه، وكأنما يجد الناظر الى فوتوغرافياتها أفقا واسعا يمسك بطرفيه سؤال عن الغد، وإعادة السكان المطرودين خارج الماضي، الى منظومة الزمان مرة أخرى، لتدخلك مواضيعها في حالة ترقب، وكأنما المكان ليس جامدا في الصورة، بل هو ساكن موقتا، بانتظار هبة نسيم، أو سيارة عابرة، أو يد تنتشل السيدة الجالسة من تأملها اللامنتهي.

الفصل الثالث من الكتاب يحمل عنوان “فن داخل أرض الغيتو” ويقدم نماذجا من أعمال الفنان عبد عبيدي وتيسير بركات وكمال بلاطة ونبيل عناني وسليمان منصور ووليد أبي شقرا وسميرة بدران ومقاربتها وجها لوجه مع أعمال فنانين اسرائيليين. كما يستعرض تأثير الحصار الاقتصادي والتضييق الاجتماعي كما وفرض الضرائب النفسية التي يدفعها الفلسطينيون ولا يستثني هذا الأمر الفنانين منهم كرائد عيسى ومحمد الهواجري، ما يحذو بهم دوما الى كسر القيود الانسانية المفروضة عليهم نحو أبتكارات جديدة وآليات تعبير غير مسبوقة وتجريبية الى حد ما. الفصل الرابع والأخير من الكتاب، يحمل عنوان “أفق المكان” ويفرد أعمالا لكمال بلاطة، يتحدث فيها الفنان عن رؤيته للمكان واستخدامه الأشكال الهندسية الحادة الأطراف والمتداخلة وكأنها أرض لا تنتمي لإنسان، وإبقاء القدس في الحيز الخاص والقابل للسؤال والبحث والاكتشاف. لقد كنا بحاجة الى مثل هذا الكتاب منذ زمن طويل، لكن تأخره احتمل أكثر من تطوير لأساليب الفنانين الفلسطينيين، الذين غُيِّبوا طويلا على حساب الانهماك في تفسير حركاتهم الحزبية والسياسية، غير أن الفن التشكيلي الفلسطيني، لم يتوقف يوما عن قول كلمته. وها نحن نسمعها الآن.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s