المخرج اللبناني أحمد غصين.. عربي في “مدينة” الدنمارك

يطرح الفيلم الوثائقي “عربي في المدينة” لغته السينمائية خارج الكادر لتحل محلها لغة أخرى، تناور المُشاهد وتترصده وتستميله إلى حد بعيد للتآلف مع حقيقة الصورة أو المشهد المجهول تماما لعربي ذي خصوصية دنماركية. وحين نتحدث عن صورة ما هنا، نعني بذلك تلك الفئة من العرب المغيبين تماما أو أولئك الذين وضع على أصواتهم “ميووت”. إن مشهد اولئك في الدنمارك، يأتي أخرسا على الدوام، تعيقه تخبطات على أكثر من مستوى، منها وبشكل أساسي التجاذبات الإعلامية العربية العربية، والتي لا تبذل أدنى جهد لتقدم خصوصية العربي بدل من أن تروج لاستهلاكية يقدمها الأوروبي. لا يتحدث الفيلم عن أولئك العرب بوصفهم أناس يحملون حضارة مختلفة، منغلقين داخلها، ولا تكاد خصوصيتهم تتخطى هويتها الاجتماعية. فالخصوصية الإسلامية تبدو هشة، إذ لا تشكل اكثر من حاجة للحماية أو التمترس بوجه حامل الديانات الأخرى. العرب لا يُقدمون في الفيلم الا على صورة كائنات تعلوها علامات استفهام، لا يدركون سببا لتمييزهم كمهاجرين يُنظر إليهم دائما بصفة الموقت، بل والذي انتهت مدة صلاحيته للإقامة في الدنمارك.

لم يحاول أحد قراءة المشهد العربي في الدنمارك كما فعل المخرجان جورج لارسن وأحمد غصين واللغة المروية لا تتم إلا من خلال ثنائية التصادق- التصادف. فأحمد غصين، كان حضوره بمثابة ركيزة أساسية، لأنه شكّل الشيفرة أو المفتاح السري للدخول الى ما أطلق عليه تسمية “غيتو” والذي يقصد به، مجمع المساكن الذي يقطنه العرب، وهو استطاع وإلى حد بعيد النفاذ إلى مشكلة التمييز والتصنيف الذي يعانونه أولئك على المستوى اليومي. هذا النفاذ لم يكن ممكنا بغياب غصين. الأمر يطرح اكثر من مساءلة، فعلى ما يبدو، هناك غياب شبه تام للثقة المتبادلة ما بين العربي والدنماركي (أو على الأقل ضمن النماذج التي تحدثت امام الكاميرا لجورج وأحمد)، كما وانعدام ثقة ذلك العربي بمؤسسات الإعلام الدنماركية. فتسمية “غيتو” تعد بحد ذاتها صدمة، إذ لا تستعمل إلا في حالات التمييز المقصود ما بين فئة من البشر وفئة أخرى، والغيتو من شأنه أن يمنع الاتصال ما بين أفراد المجتمع الواحد من خلال عزل الفئة المقصودة من الداخل والخارج، كما يمنع أي نوع من التمدد الديمغرافي بما تقتضيه حاجة الفرد للاستقاء ما امكنه من عناصر الحياة والاحتكاك الانساني- الانساني. تلجأ هذه الفئة المعزولة إلى خطوات إرتدادية إلى الوراء، أو وقائية، لحماية نفسها، إذ تشعر بخيبة أمل بعد تعذر قبولها في البيئة الجديدة، ما يؤدي إلى اتباعها واحد من خيارين: إما ارتداد هذه الفئة إلى ذاتها فإغلاق أبواب هذا الغيتو آليا، وذلك لضمان حماية كينونتها، أو الاندفاع إلى أنماط من ردات الفعل، غير المدروسة أو العنفية. ويتبع الخيار الأول، في حال وجود هذه الفئة المهمشة في مجتمع يمتصه الضعف على أكثر من صعيد، أما الخيار الثاني، فلا بد من أن يتبع في مجتمع يتسم بالتنوع التكنولوجي والثقافي وينادي بضرورة احترام الفرد من دون أن يطبق هذا الأمر في بعض الأحيان. والعرب الذين يتناولهم الفيلم، هم من أصحاب الخيار الثاني.

 يطل العرب في هذا الفيلم من خلال ذواتهم، ومعاناتهم الخاصة في بلاد الدنمارك. والفيلم لا يختار من العرب سوى أولئك الذين يقيمون في الدنمارك منذ سنين طويلا ولا يزال ينظر إليهم بوصفهم مهاجرين. ويعد هذا الأمر واحدا من أهم وأكثر الالتباسات خطورة على وحدة المجتمع الدنماركي. الفيلم لا يحمل في ثناياه أية أبعاد سياسية أو استشراقية أو تنظيرية، فهو فيلم “طبيعي”، غير مثقل بالنية المسبقة، ما عدا نية الاكتشاف، إكتشاف “الضحايا” وليس الاستقدام. فهو يترصد من سوف يتحدثون إلى غصين، الذي ينجح الى حد بعيد في استمالتهم للكشف وبكل صراحة عن الصعوبات التي تواجههم. إختار الفيلم عرب الدنمارك، من خلال جيلين، الأول المولود خارج الدنمارك (النماذج تركزت بشكل أساسي على أولئك القادمين من لبنان أو فلسطين، لذلك كان ثمة العديد من الللبنانيين والفلسطينيين من لاجئي لبنان) أما الثاني فيمثل أولئك الذين ولدوا داخل الدنمارك بشكل خاص، وهم أولئك الذين لم تتجاوز أعمارهم عتبة العقد الثالث. يمكن اعتبار الفيلم سوسيولوجيا على مستوى الداخل الدنماركي، أو إيديولوجيا على مستوى فكرة قبول الآخر، أو يمكن كذلك إعطاؤه صفة البيسكولوجي فيما يتعلق ببعض النماذج كمحمد (شاب لبناني في العشرين، لا يلتزم بالقوانين الدنماركية كافة، طعن خمسة دنماركيين استفزوه بطلبهم منه العودة الى حيث أتى، رغم أنه مولود في الدنمارك مثلا، أدخل السجن، ويعتبر أن ليس عليه اتباع القوانين لأن اللبنانيين لا يمتون الى هذا الأمر بصلة)، وإن لم يدخل الفيلم في تأثيرات مثل هذه الأمور على المستوى النفسي العميق.

المثير للاستغراب، هو إغفال الفيلم الإشارة الى أي من العوامل السياسية منذ مطلع الألفية الثاثة، كما إلى صعود الحركات الأصولية الاسلامية الى الواجهة ودورها في تشكيل صورة جينية مشوهة عن الاسلام خصوصا والعرب عموما، غضافة الى أحداث 11 سبتمبر التي لا تزال حقيقتها مثارا للشكوك لدى العديد من باحثي أوروبا، ودور الإعلام الغربي في تعميق الهوة ما بين الشرق والغرب، وتدفق روح العنصرية خارج كوب الانسانية وتقهقر مسألة القبول بالآخر واحترام المعتقد والديانات والعادات الاجتماعية الأخرى، وهي الأسس التي دخلت أوروبا الحديثة عن طريق الثورة الفرنسية وعن هذا الأمر يقول غصين “ليست مهمتي الإضاءة على الأسباب أو محاولة اقتراح الحلول، مهمتي هي الإضاءة على المشكلة الصورة النمطية للعربي في المجتمع الدنماركي”. الفيلم عبارة عن مجموعة من المرايا التي تقف واحدة بجانب الأخرى، وهي التي تعكس لنا، كادرات مصغرة تقيم خلف العنصرية التي تأتي في المقام الأول، فهناك مجموعة من العوامل الاجتماعية على أكثر من مستوى، كصورة الدنماركي النمطية كذلك في ذاكرة العربي، والغياب شبه المفقود لدور الأهل العرب، في تحفيز أبنائهم على تقديم أفضل صورة ممكنة، وبخاصة أن الأبناء أولئك، هم من رعيل الجيل المولود في الدنمارك، فلماذا إذا هذا التمترس الأعمى خلف فرضية أن العربي هو ذلك الكائن الذي لا يتصرف إلا بموجب ردات الفعل، بدل من إبتكاره الفعل الانساني والحضاري بحد ذاته، إذ يفتقر الى احترام السلطة، أو ماهيتها، او أهمية التداول معها، وبدلا من ذلك نجد أن كل من أولئك يحاول إبتكار سلطته الذاتية التي تمارس نفسها بنفسها وبأوتوماتيكية عليه وحده، متذرعا بصورته كغريب (رغم سعيه الانصهار في المجتمع الأوروبي)، فتأتي هذه السلطة الذاتية هشة إلى حد بعيد. يرفض الخضوع لسلطة القانون، وبدلا من ذلك يخترع استرتيجية اجتماعية للعيش، وقانون سلطة.

السؤال الذي يشكل العقدة الأساسية في عمل لارسن وغصين هو الآخر أي العربي بالشكل المعلن، غير أن الفيلم يضمر أيضا نواح لكشف صورة الدنماركي المنمطة كذلك لدى العربي. وهذا الآخر هو الذي لن يعود آخرا في الفيلم، حيث سيتم استبداله تلقائيا بالدنماركي، الغائب تقريبا بالكامل، والذي يشكل تغييبه الآلي لذاته، ذروة الصدمة (يرفض الكثير من الدنماركيين التحدث الى غصين في الفيلم باستثناء فتاة تقيم في جوار العرب).  والآخر يُعَالَجُ من خلال ذاته، فأحمد هو الآخر أيضا، لكنه الآخر القريب، الذي يعيش في بلاد بعيدة، فيما عرب الدنمارك يشكلون أيضا وحدة، وهي أيضا آخر، لكنه آخر بعيد رغم أنه يقيم على أرض الدنمارك. هذا هو مفتاح الإختلاف ما بين أحمد غصين والعر ب الذين يناقشهم الفيلم. “عربي في المدينة” والذي عرضت مقتطفات منه في الهنغار (أمم) يفتح سيلا من الأسئلة أمام الباحثين والسوسيولوجيين، كما يضيء وبشكل صادم على جوانب من مشكلة عامة في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا، وليس الدنمارك وحدها. وهي النمطية والنمطية المضادة، في ظل التسارع الأممي من أجل بناء قانون إنساني عام لا يفرق ما بين كائن وكائن، وأحيانا ما بين كائن بشري وحيوان. يذكر أن الفيلم شارك في أكثر من مهرجان أوروبي وآخرها مهرجان برلين، وشاهده في الدنمارك وحدها قرابة المئة وخمسون ألف، وهو أول فيلم يستطيع النفاذ الى قلب “الغيتو” العربي في الدنمارك ونبشه الى الخارج.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s