اسمه الغرام لعلوية صبح.. الجسد متجزئا في المناخ الروائي

صدرت عن دار الآداب مؤخرا، الرواية الرابعة للكاتبة علوية صبح. العمل الأدبي الجديد هو “اسمه الغرام” بعد رواياتها “نوم الأيام”، “مريم الحكايا” و”دنيا” (جميعها عن دار الآداب). أما أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الرواية، قدرة الكاتبة الهائلة على ولوج عوالم داخلية غزيرة لنساء متعددات وكشف خبايا علاقتهن بأجسادهن. الكاتبة تقبض على مسار الرواية، وتسيطر على المناخات المختلفة لكل من شخصياتها، وذلك من خلال تقشف عدد هذه الشخصيات، وحراكها في دائرة ثانوية تطوق الدائرة الأساسية لبطلة العمل نهلا. لكن تلك “الثانويات”، تشكل الطرف المقابل للطرف الأول وهو البطلة، بمعنى أن تتشكل الثنائية التي من خلالها ستتحرك كل فكرة “سرية” عن الجسد بأسلوب وتبحّر لا يخلوان من إدهاش. ولذلك فإن علوية صبح تستخدم إلى جانب نهلا، صديقاتها سعاد، عزيزة، نادين وهدى. لتنفذ من خلال الجنس، إلى قلب مجتمع تتجاذبه ذكورية من ناحية، وحرب من ناحية أخرى، إضافة إلى جهل امرأة بجسمها.

الحكاية تدور حول امرأة في أواخر الخمسينيات من العمر تدعى نهلا. بعد اختفائها قبيل حرب تموز الأخيرة تطلب صديقتها الأقرب سعاد من علوية صبح، كتابة رواية عنها. لأن إختفاءها الخاص، الذي تسبب به مرض فقدان الذاكرة (الألزهايمر) يلح على ضرورة أولى هي إستعادة ماضي نهلا، كأنثى، في مجتمع تتضرب فيه قيم مزيفة وصور ذكورية مريضة (شخصيتا أخيها وزوجها)، وضرورة ثانية هي ألا يسمح لذاكرة نهلا الجنسية، بالموت. لأن سعيها المبكر لفهم جسدها، ولد عندها نضجا غير عادي، بهذا الجسد. تتفاهم معه حول الحب، واللذة والجنس والخيانة والوفاء والنشوة والرغبة. لهذا فإن إحدى مفارقات اللحظة الجنسية عند نهلا هي اعتبار جسدها بركان يغلي من الشهوة، وبالتالي فهي ليست بحاجة إلى أن تستثار من قبل رجل ما، بقدر حاجتها إلى وهب هذه الشهوة وتوظيفها فقط في حالة ممارستها الحب مع هاني. ستحبه حتى آخر رمق وجودي لها في الرواية. وهما اللذان لم يستطيعا أن يكونا معا لأسباب أولها اختلاف الهوية الدينية. فنهلا مسلمة وهاني مسيحي. لذلك تضطر نهلا من الزواج بسليم الرجل الغني، زمن الحرب. لكنها لا تحيد في أحاسيسها العاطفية بكل أبعادها سواء كانت فكرية أم جنسية، عن حبيبها الأول بعد أن رفضه أهلها.

الانتقال في السرد يتم عبر ثلاثة مستويات، باستخدام علوية لتقنية، تشبه إرتحال موقتا عن الحدث، أو تحميله من لغة إلى أخرى، دون أن تتناقص طاقته المحفوظة أو المؤرشفة في الذاكرة. فالسرد تتناوب عليه علوية، ثم نهلا، ثم سعاد، التي يشكل موتها البائس فاصلة كبرى في نهاية العمل. نهلا ومنذ السطور الأولى، تستلم دفة السرد، ما يكمش القارئ بعد أن تكون الرواية انتقلت سريعا من صيغة الغائب إلى صيغة المتكلم. لتستمر حتى غيابها مجددا بانتهاء حكايتها عن الغرام. ليرجع السرد إلى سعاد فتعزز من طغيان حضور جسد نهلا وعلاقتها به مقارنة بغيابها المادي.

ونهلا تبدأ التحكم بسرد سيرة حياتها والتفاصيل السرية لعلاقتها بجسدها واكتشافه من خلال الحب، والواجب الجنسي تجاه رجل اضطرت إلى زواجه ولم تحبه يوما، ومن ثم الأمومة. إحساسها العميق بمناطق جسدها يوظف في الرواية كمقياس لعلاقة الأخريات بجسدهن. يوازي فهم نهلا الدقيق لجسدها وأنوثتها، فهما مقابلا لصديقتها سعاد، التي فقدت جسدها وباتت تشعر بأنه عبء ثقيل بعدما أصيبت بمرض جلدي، جعل زوجها يقرف منها في السرير، بل وإذا ما دخلها مثلا، فإنه يفعل ذلك من الوراء وليس الأمام، لأنه لا يطيق النظر في وجهها أثناء ذلك. هذه المقاربة ما بين جسدين، واحد ينعم بذاته ومكامنها ويعرف أدق تفاصيله مواطن الشهوة واللذة في حالتي الحب، أو إطفاء الرغبة، يختصر مساحة واسعة من النساء اللواتي لا يزال الجسد عندهن إشكالية كبرى، ولا نعرف في مجتماعتنا عموما نسبة النساء (أو الرجال) الذين علمتهم الحياة كيفية اكتشاف أسرار جسدهم، والذين يعرفون أو يستطيعون التعرف على كل قيمة، كمسبب جنسي أو كنتاج.

الرواية تتحرك في خطين- زمنين أساسيين: هناك زمن أو خط إكتشاف الجسد، أو تحسسه كما يليق بمراهقة متمردة تعيش في الضيعة، إذ تستوعب جسدها وتحبه وتؤمن به وتدلله وتغنجه وتسعى إلى التباهي به أمام صديقاتها بكل ما ينتج عنه من أحاسيس ودورة شهرية وإلى ما هنالك من رغبات وأحلام إيروسية. وعليه فإنها تتحدى أخاها الذي يرمز وجوده في عائلتها إلى شخصية ذكورية مركبة، في مقابل رمزية شخصية الأب الذكورية المتفهمة، والمدنية والمسالمة. وهو يحترم التطور الطبيعي لجسد ابنته، على عكس الأم الـ”ذكورية” أيضا، بسبب نقمتها إثر علاقة متعة ما بينها وبين شيخ عابر، أغرمت به. تساعد الأم ابنها على كبح أخته وتبرر ذلك بالأفضلية التي تكتسبها فتاة يضربها أخوها في الضيعة، دون أن تجرؤ على رفع بصرها نحوه، أو الرد عليه). الخط الثاني، أو الزمن الثاني، هو اكتشاف علاقتها بحب هاني. ومن هنا، فإنه زمن ناضج. تكون نهلا قد تزوجت، من سليم الرجل الغني، لكنها تظل تبحث عن أواصر حبها مع هاني البعيد. فيتعزز شعورها بجسدها وبإخلاصها في الحب لهاني، من خلال علاقات عابرة تقيمها ينفصل فيها جسدها الملوث عنها.

المستوى- الرابط الذي يوثق هذين الزمنين ببعضهما، هو الحرب (كحدث عام)، والاختلاف في الدين، بين مسلمة ومسيحي كإشكالية تبرز ضخامتها فجأة. الحرب لا توفر مذبحة على الهوية هنا أو هناك. ويبدأ النضج الأنثوي بعلاقة نهلا بذاتها، من خلال هرب هاني بعد أن رفضه أهلها. لا تبرز الحرب على انها حدث اجتماعي عام تنسحب أحداثه على شخوص الرواية باعتبارهم أحد مكونات المجتمع. بل يبقى أن علاقة البطلة بجسدها وبحبيبها ثابتة لا تشوبها شائبة. فالاشكاليات تبقى معلقة ولا تستطيع الحرب فرض مؤثرها سلبا، إلا من خلال هجرة البطل وتأجيل المسافة الزمنية للقياه مع الحبيبة مرة أخرى. لكن ومع غياب نهلا عن المشهد الدرامي، تنتزع الحرب الأولوية من الحب (المشاهد التي تصفها سعاد بقلق حول ضحايا حرب تموز، حتى لتشك بأن ربما تكون نهلا واحدة من اولئك الضحايا بعدما فقد لها كل أثر ممكن). واختفاؤها يقابله صعود فاجئ للحرب ودمويتها التي لا تصور علوية بدقة وايجاز أدنى تفاصيلها وأكثر مشاهدها تأثيرا، وتستميله لصالح الغياب الشخصي لبطلة العمل. فهي رواية تمتد ما بين حربين، واحدة أهلية طويلة (تشبه حرب نهلا الخاصة مع حبها ومن أجله) وحرب قصيرة بالمقياس الكرونولوجي (وتشبه ما حدث لنهلا من إصابتها بألزهايمر سريعا وفقدانها ذاكرتها).

يتمدد الجسد، في “اسمه الغرام” ليحتل المناخ العام، قبل أن يتجزأ إلى مناخات منفصلة، في عذاباتها وايهاماتها واعتباراتها للجنس، وتحول بعضها إلى أمزجة أكثر تطرفا من الأخرى. هذا التمدد أو التشعب يتم عبر أصدقاء نهلا: سعاد وعزيزة ونادين وهدى. سعاد، لا تعرف المتعة، إذ تعاني من خلل في علاقتها الجنسية بزوجها. في تناقض واضح مع عزيزة التي تكون مؤمنة بالحب العذري فتتحول، إلى كائن شبق جنسيا، من خلال استقدام المتعة عبر علاقات عابرة، تصبح في نهاية الأمر شكلا من أشكال الملل، وتتشكل في النهاية المتعة كوسيلة للاستقرار الاجتماعي تسعى إليه، بعد موت زوجها الذي لم يكن يقربها في السرير حتى كرهت إصبعها لكثرة ما استعملته. أما نادين فتكتشف حاجات جسدها وميوله المثلية من خلال علاقة جنسية تقيمها مع زوجة أحد القادة العسكريين في الحرب اللبنانية. تتألم حينما تتجاهلها طبيبة أسنان، بعد أن أشعرتها الأخيرة بنشوة عارمة، الأمر الذي اعتادت نادين فعله للأخريات (خصوصا صديقتها ميرنا). لكن ميول نادين يتسبب بها موت أختها التي شربت الديمول وانتحرت بسبب غصب أهلها على تزويجها من شاب حاول اغتصابها بحجة أنهما مكتوب كتابهما. أما هدى، فتكتشف جسدها في سن متأخرة، لأن زوجها المسن لم يعد يستطيع دخولها بسرعة، وعليه، فإن بطء إيلاجه فيها يجعلها تكتشف نشوتها، واللذة ما يجعلها غيورة عليه وسعيدة.

علوية صبح تخترق أحد أساسات الحياة الاجتماعية، وهو الجنس، الذي يمثل ركيزة لاستقرار سوسيولوجي على مستوى الفرد والعائلة إلى جانب تصويره كأحد سبل المتعة الجسدية والنفسية. فنساء العمل الدرامي يعانين بسبب سوء العلاقة الجنسية ما بينهن وبين أزواجهن، الذكوريين بامتياز (الأمر لا يستثني بطبيعة الحال جواد الأخ الأكبر لنهلا). العمل الروائي يرتفع بعيدا في لحظاته الدرامية ومفارقاته حتى في الجنس، فلا يعود وسيلة لكسر تابو، لأن استقلاليته تحمله إلى مكانة أرفع من وظيفة أخلاقية محددة قد تنتفي بتغير المفاهيم وبروز قواعد جديدة.

إن إحدى إشكاليات الرواية، والتي تدهشك للوهلة الأولى هي نهلا الخمسينية التي برغم وجود حفيد لها، لا تزال تمتلك الحب الأول وتعاريف جسدها بكل مخابئه وتفاصيله وأعضائه الجنسية والميكانيكية، فتصيّر جسدها في هذا الحب، لتتخطى، كمركب ورقي واثق، الزمن والقيود وواجبات العائلة، والأعراف الغبية التي تحدد للحب سنا معين. فالحب وبكل أبعاده، يعيش في جسدين (هاني ونهلا)، لا تخفى تجاعيدهما ولا مرضهما عن المشهد الغرامي، بل فإن الكاتبة تطرح تعب الجسد، والزمن كأنه ذاكرة ملتصقة على الجسد، يذلل هذا التعب، في مؤشر جديد على الحب الطازج والنشوة، التي ترتقي في بعض اللحظات متخطية الشرط البيولوجي لالتحام جسدين. وبذلك فإن الحب هنا ليس حبا بين شابين، لكنه حب شاب. هي رواية التبحر في الجسد، والتأمل في أكثر مواطنه جهلا، هي رواية تستدرك الشهوة، وتؤنسنها، لتتخطى بها كل عائق، وتعزل المرأة بعيدا عن صخب المتاريس الاجتماعية والذكورية التي لا تزيدنا إلا جهلا بأجسادنا يوما بعد يوم.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

2 thoughts on “اسمه الغرام لعلوية صبح.. الجسد متجزئا في المناخ الروائي

  1. السيد معروف المحترم
    إنني تلميذ الأدب العربي في الولايات المتحدة وقد قرأت مقالتك الممتازة باهتمام كثير,واخترت مقطع من الرواية لأترجمه (ص 44 – “قلت مرّة لسعاد ونحن نحكي عن عضو المرأة” حتى ص 46 “ظهرت منه”)كأساس لمشروع الترجمات الأدبية وأرغب في إدراك المقطع في سياق الأدب العربي وأشكرك جزيل الشكر لو أوضحت بعض المسائل التالية.
    هل يكون صحيحا بالقول إنّ موضوع المقطع وأسلوبه والصفة العميقة غير عادية في الأدب العربي المعاصر؟ هل يمكننا أن تقول إن السيدة صبح هي من أوائل الكتّاب والكاتبات أو أولهم اللذين يمارسون هذا الأسلوب ويتناولون هذه المواضيع؟ هل هذه أوّل مرّة نقرأ صفة مصارحة من هذا النوع وناطقتها مرأة؟ لذا هل هذا المقطع يمثل ابتكارا في الأدب العربي؟
    ويمكنني أن أرسل المقطع إليك عبر البريد الإلكتروي إن كان ذلك مفضلا.
    وتفضل بقبول أجزل الشكر على هذه المساعدة ومع وافر التقدير والاحترام

    • مرحبا أستاذ إيال
      أشكرك على تواصلك معي.. في الحقيقة كتبت المقال منذ سنتين ولم أعد أذكر بالضبط المقطع الذي تتحدث عنه، لكن في العموم يا عزيزي لا أعتقد أن الروائية صبح هي أول من يتعاطى في روح هذه المسألة.. لا شك أن لها اسلوبها في تقصي خفايا الجسد وتمديد طاقاته الجنسية ولحظاته الحميمة وبالطبع هي من أبرز الاصوات الأدبية التي تتناول هذا الموضوع.. بالطبع هناك أصوات نسائية أخرى إذا كنت مهتماً بالروائيات خصوصاً لكن لا شك أن هذه الموضوعات باتت تأخذ حيزاً كبيراً في الأدب الحديث
      تحياتي لك وشكراً على تواصلك
      سيسرني الحصول على المقطع إذ أحببت

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s