حسن داوود مشددا على بطء اللغة وتكثيف المكان في ذاكرة القارئ

يرتكز حسن داوود في عمله الروائي “مئة وثمانون غروبا”، على تقنية خاصة في السرد والوصف وجر المخيلة إلى تتبع إشارات يقدمها بأدنى تفاصيلها وأتفهها. حيث أن الجملة مكتوبة لتمهد، وتجعلنا مهيئين فيما بعد للتفاعل مع العقدة التي قد لا تُرى بعيدة عن مستوى المعيش في العالم العربي ككل. ودون أن نتمكن من القبض عليها كما يفعل داوود. هذا التمهيد الصوري، أو البصري المُفصل الذي سنعمل أوتوماتيكيا على استخدامه دون أن نتعمد ذلك، سيشكل ما يشبه الصرح المبني من أحجار صغيرة ومتلاصقة، حتى إذا لم تعد مرئية، إتضح تلقائيا ما يكسوها. وهو الحدث المستقبلي.

تتتسلل الرواية الى ذاكرة القارئ، وتنشئ ما بينه وبينها تواطؤ غير ناجز. وهو تواطؤ يستلزم بالدرجة الأولى زفرات من  التنفس الطويل لملاحقة ما ستؤول إليه بدل من استعجالها لأن كل تفصيل يقدمه حسن داوود سوف يحسب حسابه وبقوة فيما بعد وذلك لبناء التطور الأدبي كما وتمتينه على أرض ذات القارئ. وبذلك فإن رواية حسن داوود هذه، يمكن أن نسميها رواية القراءة الثانية، وليس الأولى فحسب. لأن حركة الزمن التي يعمل داوود على جعلها غاية في البطء، تجعل العوالم الصغيرة للأفراد تجد حيزا واسعا لها في مخيلة القارئ. يشكل نفاذها المنظم، فضيحة تُفكك الزمن وتعلن هشاشته، ما يجعل الأفراد كافة يبحثون بالمقابل عن عناصر أو إشارات بديلة يوثقونها إلى ذواتهم، ليروا المحيط من خلالها. هي ليست مجرد إشارات عابرة، لأن داوود سيلاعب بها المخيلة بمقص واحد ذراعاه القلم والسكين. يجرنا وراء الكلمات حينا ويخدشنا لننسحب وراء دم أبطاله أو ألمهم أو وحدتهم أو ضجرهم حينا آخر. هذه العلاقة السرية سوف تشترط من القارئ وقبل كل شيء، إعادة تموضع، دون أن تطلبها بشكل مباشر. فبدل أن يصير هذا القارئ مشاهدا للحدث الروائي، يحال إلى متلصص، أو كائن يقف على عتبة هذا الحدث، ويتجسس على كل من فيه. والحدث سوف يأتي على دفعات، أو جرعات صغيرة، قبل أن تتفكك مواقع كل من أبطال العمل المفترضة، وقبل أن تفضح الحياة والمؤثر الإجتماعي وعامل الزمن ضعف كل منهم. وهو أولا حدث على هيئة تطورات متسلسلة، تصيب العصب الانساني والتفاصيل التي تتبرمج من خلالها الشخصية الفرد الأضعف أو المحايد في الوحدة المجتمعية. وهو مجرد أو منزوع من دلالته أو أهميته إلا على من اختاره داوود من شخصيات الرواية ليخصه به. وهذه الخصوصية، تجعل لكل من أولئك، ملكية لحيز خاص، الذي يمهد له داوود بجعل القارئ يدبدب لاكتشاف العلاقة التي تحكم الفرد بالزمن السابق والحاضر والمكان المغلق. ذلك بفعل الحياة العنيدة التي ينزعها داوود من اليومي والذاكرة العامة، ليزرعها في صلب أولئك الشخوص خلال الصفحات. وهذه الزراعة بطيئة، وهي التي ستشكل المقوم الأساس الذي سينشأ على أنقاضه، كل فعل لاحق وكل تغير في البيئة وكل تسارع قد يصيب بنية التفاصيل.

يأتي إيقاع الرواية بطيئا بادئ الأمر، ويضعه داوود برفق أمامنا، لأنه يعلم ماهية المجازفة في إتباع أسلوبية لا تعتمد التكثيف وإنما استعراض الملامح الخاصة والبالغة الدقة لكل من شخوص العمل. وهنا تكمن الخطوة الأولى للاعب شطرنج ثقيل، يتنقل أول الأمر بحذر لكن كاشفا عن كل جنوده، بل ومقلبا في أحجاره أمامنا بغية حثنا على مشاهدة أشكالها. سنقول، مهلا نحن نعرف هذه الأشكال وتلك الملامح والتفاصيل، لكن داوود سيقول لنا، هذه الأحجار سيسهم ثقلها وصلابتها والخطوط التشكيلية لكل منها في صياغة الحدث العام الأعظم أو النهائي لـ “مئة وثمانون غروبا”. واللغة تكشف أكثر مما تخفي، وتكتنز الخلفية الحميمية لأبطالها بأسلوب رشيق، وكأنما شيء يسحبك من قدميك لتمشي باتجاه أحداثها. هي أشبه بالمخدر الذي تتعدد تحولات سكانه وصوره من دون أن يفقد ذلك شيئا من تماسك الوحدة العامة للسياق الروائي. واللغة غير المقشرة والنيئة، تشبهنا. ولفرط ما تشبهنا وتشبه يومياتنا، قد لا يحثنا هذا على مواصلة القراءة، وقد نتجاذب مع الكلمات لكن هذا ما يخدعنا، فبعد عدة صفحات، ستقشر اللغة نفسها بشكل أوتوماتيكي، لتكشف لنا مدى اتساع المدى النائم تحتها، كما ومدى اتساع رؤية شخوصها، وقابلية المكان الشديدة للتغير أو للتحول الى أمكنة تتخابط لتصبح الوحدة الكبيرة للحيز الواحد، عدة وحدات. وبذلك فهي لغة سردية تعمل على التكثيف والتكرار. وهما العاملان اللذان سوف يشكلا الدبوس الصغير الذي يجمع قطعتي قماش كبيرتين. فتُصِر على مشاهد معينة أو متخيلات أو أحداث فيما تستبعد أحداثا أخرى او تعمل على نأيها خارج كادر الصف الأول أو الأفكار الرئيسة.

إنه تفكيك المكان الذي يضاهي تفكك المجتمع بتغير توزيع الديموغرافيا كما والسياسة والظروف القاهرة وغير المتوقعة كالحرب. وتسطيح اللغة، يساوي إغنائها لكي تتمدد وتتشعب. وهي رواية التجاذب، والإيروسيا البريئة التي لا تقع ضمن خطة الشرير إنما يوقعها الكاتب في الطفولي واللعبوي. حسن داوود يستقي أحداث روايته وحوارات أبطالها من الحياة العامة واليومية مباشرة، فتأتي اللغة المشغولة بحرفية وكأنها مجرد ترجمة موظفة توظيفا أدبيا وجماليا لتفصح عن تفاصيل لا ننتبه لها. فالزهرانية، ضيعة صغيرة وتمثل كذلك المكان الذي لن تغادره الرواية ولا أبطالها الاربعة: الفتى الثخين وأخوه وليد وسلمى المكتنزة النهدين وتيسير المتهم بالجنون. هذا إضافة إلى الشاب “ميخا” والمحيط العائلي المتعلق بكل من هؤلاء وسكان الزهرانية عموما. فالحرب سوف تداهم الحياة البسيطة لسكان الزهرانية لتقلبها رأسا على عقب ولتساعد في التهجير والإفراغ السكاني بفعل الفزع المسبق، كما وميخا الذي يكره كل من هناك متسببا بقلق عام، بسترته العسكرية والسلاح المجهول المصدرالذي يأتيه. وميخا سيظل في العمل الروائي كائنا لا يسمح لنا بالتعاطي معه بشكل مباشر. ففيما يُعلن الصمت من خلال المكان واكتظاظه البطيء بالسكان، يظل الصخب صخبا داخليا ممنوعا من الخروج الى العلن، وهو الصخب الذي سوف يقلبه الكاتب للإيقاع بالزمن، كمسؤول أول في قولبة الذاكرة، التي ومهما بدت تافهة، إلا انها تقع في الحيز النفسي ليس إلا، ومن دون أية مبالغة او إسراف في التفسير. فتتركز طاقة الجملة الروائية على الوصف في المرحلة الأولى ومن ثم تفعيل هذا الموصوف بالحراك الانساني المتمثل بالصراع من أجل إثبات الذات (تيسير) أمام الأب ولاحقا من أجل قتل الخوف (ميخا).

الحادثة التي تقع لأقفاص عصافير تيسير بسبب زناخة شبان الزهرانية اليافعين وبالأخص ميلاد وميخا سوف تشكل الزمن الفاصل ما بين الزهرانية- الضيعة البسيطة، والزهرانية التي تصبح أكثر تعقيدا وانغلاقا على نفسها مما قبل. فالفعل هو الذي يعيد تشكيل الزمن، وبالتالي يسهم في وضع أسس التغييرات الكبيرة التي سوف تصيب البنية المجتمعية لاحقا. وهو سلوك جماعي، لا يرتبط بالضرورة ببلوغ مرحلة نضج إنساني أو فكري أو ثقافي. وهو أحيانا وباللا نضج، أو طبيعية السلوك، يمكن أن تنشا أنماط جديدة من العلاقات والارتباطات لأناس متجاورين يتقاسمون أدنى مقومات الحياة. غير أن كل أنماط الحياة المعاشة والتي يغلفها داوود بصفة الموقت، تحتل حيز التجريب “الزمن الأول ذاك، الذي وراء الخط، هو الزمن الذي كان سكان الزهرانية يجربون العيش فيه تجريبا “. الزهرانية كمكان مغلق سوف يغري الكاتب لضخ التجاذبات ما بين أشخاصها وصقلها واللعب بالزمن كمتغير يمكنه معه من استعادة ملامح تاريخ الضيعة القديم إضافة الى بنائه الشخصيات كما تقتضيه السياق القدري للرواية وليس فقط مخيلة الكاتب. وانقسام المكان الواحد أو وحدويته الى مكانين، واحد لأهل الضيعة القدماء وآخر يسكنه الغرباء الذين توافدوا الى الضيعة حديثا، يجعل من عالم الرواية أشبه بخلية واحدة تنقسم الى نصفين يحدق واحد منهما فقط بالآخر ويتمحص فيه كغريب. كائنات داوود ستقبل العيش وسط الضجر، وهو الضجر الذي سوف يؤلف المناخ الذي يوحد جميع السكان. محرضا إياهم على الكشف لمزيد ومزيد من خفايا النفس. والرواية لن يتنازل داوود عن حيويتها حتى الرمق الأخير، ولن يبدل شيئا من سير السياق الروائي للأحداث. وبذلك يضمن التنقل لشخوص روايته الأساسيين في كادر يتسع شيئا فشيئا وبشكل تدريجي وتصاعدي للنوستالجيا مقابل الفنائية، واللعب في مقابل الحب، والحيادية (للثخين) في مقابل الأخ المتورط بعلاقة جنسية سريعة مع سلمى. لن يلعب داوود لعبة الغميضة التي تعتمد إرسال القارئ إلى غياهب النفس البشرية، لتفكيكها وترويضها بحسب مسار الحدث التالي.

في مقابل ذلك، سنشهد انتقال الكاتب من الثخين وأخيه إلى سلمى، ومن ثم تيسير، ليصبح للرواية ثلاثة أعين تتحكم بالبصري وتؤطره باعتباراتها ورؤيتها الشخصية. هذا ما سيكشف أكثر من علاقة بين الإبن وأبيه، فمن الثخين اولا (علاقة نوستالجيا وذكريات وأثر ليس إلا)، من ثم سلمى (الأب المتفلت والغائب عن الواجبات المنزلية والتابع لنزواته ليس إلا) وأخيرا تيسير (الأب المستبد الذي يخضع المنزل ومن فيه وخصوصا تيسير لقانونه الرعوي الخاص الذي لا يعرف الرحمة). قبل أن نكون أمام تشابه مصائر الناس ومقتنياتهم: تيسير والعصافير، الثخين والألعاب، وسلمى والرحيل الى الدنمارك. هي رواية خيوط رفيعة من الضجر والخوف ومقارعة الحياة من أجل الأمل الذي حين لا يأتي، لا يكون أمامك سوى افتراضه.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s