دوريان لوكس.. حيث الشعر بعيد عن الاستعراض الفلسفي والثقافي

يتكل شعر دوريان لوكس على نسج لغة خاصة، لتفسير الاشياء، الذاتي منها، النفسي منها أو المشترك مع العالم الخارجي. والشاعرة التي تلد من الأشياء المتفرقة نسيجا شعريا، لا تتوقف عند التقاط فوتوغرافي لعناصر المدينة، بل تحاول استئصال خيوط العلاقة ما بين كل تلك الأشياء، بما يتفق مع ذاتها بشكل أساس “لا يني يبدل القلب شكله:/ يتحول من طائر إلى فأس/ ومن عجلة هواء إلى غصن مثمر./ يتقلب داخل الصدر/ كدب بني خدّره الشتاء/ أو كطفل يقفز في مهرجان/ متوقفا تحت ظلة كشك الألعاب النارية/ أو عند خيمة السيدة السمينة/ أو عند كشك الهوت دوغ”. وما بين الطائر والفأس، وعجلة الهواء والغصن المثمر، ثمة ما هو اولا طبيعي (عنصر رومانطيقي: الطائر والغصن)، وما هو مصطنع، أو تكتيكي مثلا (الفأس وعجلة الهواء). لأن العلاقة بين كل تلك الأشياء لا يمكن أن تكون بمنأى عن الشعر، الذي يدخل عبر لوكس إلى كينونة كل منها، ليولد ما بينها علاقة تشترط لا شيء سوى الشعر.

الشاعرة لا تبالغ أو تستعرض إيديولوجيتها السياسية أو الفلسفية أو حتى الأدبية، تأتي كتابتها مخففة من المخزون الثقافي بالمعنى المباشر، وبذلك فإن القارئ لا تتعبه القراءة، ولا تفسير القصيدة، وبدلا من ذلك، فإنه سيكون مشغولا بالاندهاش من أسلوبية التأليف الشعري، الذي لا شك يعكس باعا طويلا لدوريان في الكتابة والقراءة، لكن وأكثر من ذلك، فإنه أيضا مرآة لمفهوم شعري متطور لا نزال كعرب، وبشكل عام، بعيدين عنه. فالحياة التي تعكسها القصيدة عند لوكس، هي حياة خاصة، تتألف تحت منزل واحد، وتتطور ويكون لها أبعادها وفلسفتها البديلة عن فلسفة معرفية او ورقية، وبذلك تتشكل المستويات الجمالية عند الشاعرة من خلال إعادة كتابة الحياة، بتأطيرها شعرا. وربما ليس هناك أكثر من إنسان واحد يشاطرها التفاصيل، وهو الزوج أو الحبيب، إضافة إلى دلالة مثلا على الخارج الحي أيضا (امرأة تغني على سبيل المثال) “من نافذة زوجي أسمع امرأة تغني بصوت منخفض/ أغنية يفترض أن تينع عند سماعها آلاف القلوب/ زوجي، مستوحدا، يرافق الأغنية، مشتتا الكلمات والنغمات، إنما محتفظا باللازمة./ هذا أصعب ما في الزواج: تلك المعرفة. تشذيب الزهور،/ تلك المعرفة. إزالة الأوراق الميتة./ أقف على الدرج لكي أستمع إلى صوته/ الذي انقطع فجأة، قبل أن يستأنف الغناء”.

الاقتصاد في إشراك الكائنات الحية معها في القصيدة، ينسحب على كون دائرة عيشها لا تشترط بالضرورة إقامة علاقات تتفرع وتتضارب، وبدلا من ذلك، فإن الكم القليل لمن يحيطون بها (الأب/ الزوج/ الإبنة/ صديق الإبنة/ الصديقة/ الشريكة أو زميلة العمل/..إلخ)، يؤمن لها في المقابل حيزا واسعا لتأمل العلاقة وبعثها مرة أخرى بأشكال متعددة في مخيلتها. ولذلك فإن البحث عن المعنى من خلال التنقيب في بساطة العلاقة أو تعقيداتها على السواء، لا بد وأن يتجلى في أعلى مستوياته. والمعنى ينأى عن قيمة الشيء المادي المستخدم كأداة حسية في القصيدة، إذ مهما بلغت الأشياء المنزلية من تفاهة، أو بهتان، لا بد وأن نكتشف، إهتماما خاصا لدى لوكس في إحاطة كل من تلك العناصر أو الأشياء بمهمة تجعلها شريكا في الحياة، كأحد مقومات القصيدة “نركب قطع الأحجية واحدة بعد الأخرى/ ونحب كيف بسلاسة تتخذ كل قطعة/ مكانها في داخل الأخرى./ لطخة صفراء تصبح مكنسة/ وقطعتان زرقاوان تكملان السماء/ نجمع معا أرجوحة الشرفة وأشجار الخريف/ واضعين الألوان الذهبية مع اللون الذهبي/ نحمل عيني الغزال براحاتنا/ ونؤلف فردتي حذاء بني”.

يكون البناء للفرح، لحظة بلحظة، وكذلك الحزن، الخيبة، الفقدان (أو استشعاره أو التنبوء به)، وكلها تبدو أحيانا كثيرة ماثلة في النص الشعري نفسه، وكأنها نوع من تراجيديا خفيفة لا تكف عن المواراة، بل ومهما حاولت الشاعرة، لتغطية قلقها بطبقات اللغة السهلة، والصعبة التركيب في الوقت نفسه، لا بد وأن تتبدى مشاعر سوداوية، لتطل برأسها معلنة ما يجول في خاطر الشاعرة، ومن هنا فإن المجاهرة بالفرح أو المسرة في نصها الشعري، لا بد وأن تخترقه إحدى مجندات الحزن، أو مترادفاته، أو اشتقاقته.

الشاعرة، صدر لها مؤخرا ضمن أنطولوجيا الشعر الأمريكي، مختارات شعرية بعنوان “وحيدة في غرفة أمسح الغبار” (دار الجمل ودار كلمة- ترجمة سامر أبو هواش). عنوان لا يقل بساطة عن محتوى القصائد، لكن دون أن يطأ السذاجة، أو أن تزحط جملته في المتتالى اليومي المستعاد في القصيدة، كأحداث عابرة مثلا أو ذكرى أو تفضيل مديني أو منزلي ما يحرض أولا على الكتابة الشعرية.

ولدت دوريان لوكس في أوغوستا (ماين) عام 1952، وشغلت مهن عديدة بين طاهية، ومديرة محطة بنزين، وخادمة وغيرها من الوظائف التي مكنتها من استبصار الطبقات السفلى، والحياة المعتمة لأفراد فقراء، يكافحون من أجل العيش ومن أجل تحقيق كينونتم في موازاة الضغط اليومي الهائل الذي يفرض عليهم. وهذا ما لعب دورا حاسما في التمسك بكيانها الانساني (ليصبح كيانا شعريا بحد ذاته، أو محورا لكيان شعري)، كما جعل من عالمها الشعري عالما مختصرا، المكان فيه والوقت يقومان على علاقة ما بين عدد ضئيل من الكائنات البشرية. هذا إضافة إلى العامل الأبرز وهو طفولتها والذكريات التي لم تكن جميلة، وهي طفولة قام الأب بتشويهها من خلال معاملته السيئة لها كما ولأختها وأمها.

لوكس هي مؤلفة كتاب “حقائق حول القمر” عام  2005 ، الحائز جائزة أوريغون للكتاب، والذي ترشح أيضا لجائزة “ناشونال بوك كريتيكس سيركل أوارد”. مجموعاتها الأخرى تشمل “دخان” (2000)، “ما نحمله معنا” (1994)، و”يقظة” (1990) الذي كان مرشحا لجائزة نقاد خليج سان فرانسيسكو لكتب الشعر. (San Francisco Bay Area Book Critics Award )، وقد ظهرت قصائدها في العديد من المجلات والمقتطفات الأدبية الأمريكية. ولها بالاضافة لهذه المجموعات الشعرية الأربع، كتاب “الدليل إلى متع كتابة الشعر” (بالاشتراك مع الشاعرة كيم أدونيزيو) وصدر عام 1997. ترجمت قصائدها إلى الفرنسية، والايطالية والكورية والبرتغالية والبرازيلية، والرومانية. وعن أعمالها، قال الشاعر طوني هوغلاند، بأن قصائدها “تعبر عن امرأة امريكية ناضجة، واضحة وعاطفية، متألمة، تتضمن حياتها مراحل اجتماعية وانسانية مختلفة، بين أمومة، وعمل، وحب وجنس”. وهي بذلك امراة اختزلت عدة نساء كل واحدة منهن لها هوية اجتماعية وتجربة خاصة، لهذا يرتفع شعرها من كل تلك الأماكن الانسانية المظلمة، ليبدو حيويا وطازجا، متألما وقلقا، لكن بجاذبية شديدة. حازت على العديد من الجوائز منها جائزة “بوشكارت برايز”، وجائزة “إديتورز شويس III” إضافة إلى منحة دراسية من المؤسسة الوطنية للفنون. مارست التدريس في جامعة ولاية أوريغون ضمن برنامج الكتابة الابداعية. وتعيش الآن مع زوجها ، الشاعر جوزف ميلر ، في رالي (نورث كارولاينا)، حيث تعمل في جامعة ولاية كارولينا الشمالية ضمن برنامج أعدته وزارة الخارجية. دوريان لوكس تلقت دروسا وشاركت في ورشات عمل حول الكتابة الشعرية، في موازاة قسوة الحياة التي كانت تعيشها. وكانت تكتب الشعر في أوقات الفراغ وأحيانا كثيرة، خلال فترات الاستراحة. ومع انتقالها إلى بيركلي عام 1983، بدأت تمارس الكتابة بشكل جدي. عادت إلى الدراسة ولها بنت في التاسعة من العمر. لتتمكن من الحصول ربيع 1988، على شهادة بكالوريوس، في اللغة الانكليزية من جامعة ميلز، مع مرتبة الشرف.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s