عقل العويط ناسجا إنجيله الشخصي المنحول

بعد تجارب شعرية حفرت له صوتا خاصا في المشهد الشعري اللبناني، كما والعربي، يقدم لنا عقل العويط مجموعته الشعرية الجديدة “انجيل شخصي” (عن دار النهار والدار العربية للعلوم) ناثرا من خلالها كل هواجسه الشعرية ورؤاه الفلسفية في أعيننا، مشكلا بذلك مفهوما مغايرا للضوء الذي نرى به الكون والأشياء ونسميه الشعر. انجيله الشخصي هو بمثابة مرصد يعمل على حساسية عالية، يستقبل العنصر الكوني (ماديا كان أم روحانيا)، ليرده الى مطرحه البدائي الأولي. وهو كذلك انجيل يحتوي نظمه الخاصة به، غير المألوفة، والمعاندة لأغلب توجهات الكتابة الشعرية في العالم العربي عموما. ولأن فيه غزارة لغوية شديدة وتوليفات شعرية بالغة العمق والدلالة والانشطار في أكثر من اتجاه، فان الكتابة عن هذا الانجيل لهي مسألة مغامرة بحد ذاتها، اذ يتطلب الأمر دراسة تحليلية تعنى بالنصوص، كل على حدة، وليس مجرد رأي شخصي في مقالة، لهذا، فان ما سيرد، يمكن وضعه في خانة الاستشفاف الشخصي والفهم النسبي للنصوص بناء على خلفيتنا الثقافية والشعرية المتواضعة أمام جيش الكلمات الذي يقوده عقل العويط.

شيفرتان أساسيتان تحكمان معظم النصوص، وهما اللغة والصورة الشعرية. هما شيفرتان بالغتا المطواعية في ذاكرة عقل وبين أصابعه، ففي موازاة اللغة العالية، تسكن صورة شعرية شديدة الغرابة والجمال. اللغة والصورة الشعرية تنجدلان فيما بينهما، لتؤلفا بذلك مركبا شبيها بالحمض النووي للفكرة، وهو حمض يختص به عقل، وينفرد دون سواه، بدليل خلو المنتج الشعري العام، من هكذا نصوص أو ما يقرنها شبها على الأقل. ليس ثمة تصنيف أو تبويب يخضع له الكتاب، فهو فقط “انجيل شخصي” وبين قطبي العنوان (انجيل وشخصي)، تقبع أرض خاصة، يحكم كائناتها وموجوداتها أولا: تشظي المعنى المطلق الى معان، وثانيا: الخلط الدقيق للمفردات لانبعاث كل مكنون نفسي الى الفضاء العام. هذا ما يجعل الانجيل حفلة يتنكر فيها المألوف لحيزه المعتاد، ويستطيع القارىء التحرك في زواياها كيفما شاء، وهو أيضا ذلك الانجيل الاحتفاء بدلالات الاشياء والنفس البشرية وعلاقة كل منهما بالآخر. وقد يقارب عقل في ذلك عبثية تتمثل في اعادة ترتيبه للأشياء، و تقطيرها في البعد الميتافيزيقي والميثولوجي والأبدي. فالشاعر، كما ذكرنا، يرد عناصر الحياة الى نظام بدائي-أولي وذلك عبر افراغها من مسوغ بقائها وتجريدها من كل ما هو مادي. فتلك العناصر تحتاج الى سبب يبرر استهلاكنا لها، وسبب آخر يبرر دعوتها لنا لاستهلاكها، أما عقل فيستبعد كل تلك الأسباب، مكتفيا بالمذاق الخالص، مدفوعا بنية تجريد الشيء ومن ثم تعريته، والارتفاع به فوق كل ما هو فان وموقت، ومع كل قراعة جديدة، ثمة اكتشاف جديد لماورائيات جميلة، تأسرنا بين دهشة وانتشاء.

هكذا، تضخ القصيدة (أسمح لنفسي بأن أسمي كل نص، قصيدة)، في ذات القارئ، أبعادا جديدة لكل ما قد يبدو وكأنه عادي. ندرك مع الشاعر مثلا بأن الكون مؤلف من معادلة أسرار. وهي أسرار تقيم روابط فيما بينها، كما ندرك بأن عقل، كعصفور ينقر الخشب، لا بحثا عن الطعام ولكن احتفالا بصوت احتكاك منقاره باللحاء القديم للشجرة”قلبي يريد المغادرة لأن القلب غائر من فرط المعنى”. الكتاب يقع في أربعة أقسام بالتسلسل التالي: “خاتمة”، “صياد الغيم”، “الديوان الناقص” و”بداية”. والبداية والخاتمة مقلوبتان. انها شقلبة الروح لاستنهاض ما في نوازعها، حيث يبدو توافقيا ذلك الانسجام ما بين تمديد الروح على منصة الشعر واحاطتها بالرؤى الشعرية الحادة “وأقول ما يأتي لأني أنا الاله وأنا العدم وأنا الموت وأنا الغبار”. هكذا، أصوات كثيرة تتضارب في بورصة النص الواحد، وهي أصوات تؤلف حياة الشاعر السابقة، الحياة الذهنية، وغير الخاصة في الوقت عينه.

وعقل العويط يمغنط حياة المخلوقات كافة، ليقوم في خطوة تالية، بانزال احكامه الشعرية الخاصة بكل حياة، فتتراخى الكائنات بين يديه كعجينة الأطفال الملونة، لتصبح حتى القوى اللامرئية، مطاطية بدورها. هذا الأمر يسمح له، في مرحلة لاحقة، بقلب نظم الخلق كافة، فينفخ مرة في جمادات نصه، ليعيد اخراجها الى حياة أخرى، ومرة يدبغ الأشياء بما يقارب الحلم أو عاطفة الطفل، ما يتيح لها- أي الأشياء- التحرك في فلكه كيفما أراد. “فهذا هو انجيل القصائد وثمة جهنم ولا سماء”، بهذا يختتم العويط مقدمة الدخول الى انجيله الشخصي (تحت قسم “خاتمة”)، مهيئا قراءه لحقل فسيح من الدهاليز الشعرية يتلامس فيها الذاتي المنعزل بكل محتمل كوني “أعترف بأنني كيمياء الغبار وبأني صوت الموت وجثمانه. بل أنا جسد العدم. الموت حياة. الحياة موت. أما العدم فلا”. فللعدم أيضا كينونة ما في النص، وكأنه جني لا نراه، نتحسسه فقط، وهنا يكمن التعادل ما بين الشاعر وعنصر القصيدة المستخدم، أو ما بين اليقيني والخرافي “وأنت (العدم) تضربني بالشعر الذي أضربك به”.

هذا التوجه في مخاطبة العدم بعد وسمه الحياة، يثير في نفوسنا غرابة أول الأمر، وان دل على شيء،فهو على مدى تفكر الشاعر بمعطيات الوجود من خلقي الى ديني( زائل الى ديمومي)، لكن دائما بذاكرة شعرية يتحكم بها سيد واحد ومطلق وهو الشاعر. في غالبية النصوص، نستشعر نفسا رومنطيقيا محدثا، لكنه ضروري للاختلاء بالنفس وتشريحها، انه خيار عقل العويط الشعري الذي لا يبوح بنفسه بسهولة أمام القارئ، وشعرة الغموض التي يبقي عليها عقل، تشبه منشر غسيل على سطح مبنى شاهق، ونتخيل أن كل ساكن في المبنى هو قارئ، وكل قارئ هو احتمال من احتمالات بلوغ هذا الغموض، وهو أيضا ملقط غسيل على تلك الشعرة. لذلك، فنصوص الانجيل العويطي تنفذ شيئا فشيئا وبهدوء، الى مخيلة المتلقي، تنبش دهشته وتستثير انفعالاته وهواجسه الساكنة وتساؤلاته حول الكتابة واللغة كأداة والتخييل. ولأن الشاعر يطلق العنان لمعادلاته الشخصية اثر بداية نصه، فانه يفعل ذلك بشكل يستلزم قوة تحكم عالية بالعبارات، وبفضل هذا الأمر، يتضح لنا مدى قابلية العويط لتطويع الوحدات الشعرية، في مقابل الدفق الشعري الذي يحكم الشاعر عادة.

يستطيع العويط، عزل الذاكرة عن الجسد، فالجسد هو الأرض التي تدور في رحاها كل معارك الذاكرة، وهو بذلك يتنصل من جسده “يترك الجسد ينمو في غيبوبته” ، لافراغه من تفاصيل عاشها على المستوى اليومي، ويتفرد بذاكرته ليعيد حقنها بعناصرالعالم العويطي الشخصي (باستثناء ربما نص “تحت قمر عيشك الثاني” المهدى الى سمير قصير) ” يصدق عصفور أنه اذا نام فلن ينسى الطريق الى شرفات الأشجار”. الأسلوب الكتابي الذي يعتمده عقل، هو مغامرة خالصة. فالتكثيف يقابل الهدوء، وعمق الدلالات يقابل جاذبية القراءة، والتوليف ما بين مكنونات الطبيعة يقابل الشاعرية العالية التي يتمتع بها العويط، هذا كله يؤدي الى الخلاصة التالية: الكائن المتحرك في موازاة الأشياء الراكدة-الساكنة-البطيئة التغير(الغيمة، الشجر، البحر، الشتاء.. الخ)، ذلك لاعادة النظر في كل ميزة انسانية على حدة (المرؤة، الفضيحة، الحرية، الفصح، الشقاء، اليأس..الخ). هو عالم طازج في بدائيته وأكثر فطرة، ما يبحث عنه عقل. عالم بديل عن الأمزجة والأقنعة واعتبارات العيش المديني الكثيفة والزائلة، وهو بديل عن الشارع، وضجيجه والتكنولوجيا وضرائبها. هو بالتالي عالم شعري مغاير لقصيدة اليومي الدارجة. الا أن ذلك لا يلغي انسياب بعض القصائد وبسرعات متفاوتة، وتلقائية لتوازي شعر اللحظة من دون أن تقبض اللحظة نفسها عليها وتمنع بالتالي الفكرة من التوسع في أكثر من اتجاه. ما يلعب هنا هو حرفية الشاعر في تقصي أحاسيسه وسبر أغوارها وتسلحه بقاموس مفردات خاص (قصيدة “آلة التفاح” على سبيل المثال). لهذا، فان معظم تلك النصوص يحكمها تمدد وانقباض، تمدد لاراحة انفاس القصيدة وتهيئة نفس القارئ للدخول في المرحلة التالية: الانقباض، حيث نشعر بحشرية البحث في المعنى الذي تخبؤه “يشعر المطر أن عيني القروي تربكانه فيجهش” أو مثلا “الغيوم تقول: أومئ الى الأفق كي يطري بالدموع وجع الألوهة”. والمعنى يتأرجح بين ما يعلق في البصيرة وما يدخل في نطاق البصر وحقله المادي. الا أن هذه المعادلة تتغير بوصولنا الى القسم الثالث من الكتاب “الديوان الناقص”، اذ نجد أن هيمنة الأنثى تفرض على عقل المراوغة من والى الذات (المقارنة مثلا ما بين قصيدتي “لا تخافي” و “انتقام”). فلا مزيد من تطويع مفردات الكون من أجل الذات العويطية المستقلة، بل ان حضور المرأة يستدعي بطبيعة الحال أسئلة حول الحب،الجمال، الجسد، الجنس وماهيته وأبعاده. لكن دائما دون الوصول الى مرسى الاجابة.

نجد أن أشياء الكون التي كد عقل في تطويعها من أجل انسانه الخاص، قد أفلتت من بين أصابعه وتناثرت في فلك المرأة. هذا لا يستثنيه بطبيعة الحال، اذ يستحيل الشاعر بكل ادواته، الى مجرد عنصر آخر يهيم في ذلك الفلك تارة، وتارة يحاول التسلل عله يبلغ توازنا ما، مع هذا الكائن الصعب. والتوازن الذي ينشده عقل هنا، انما لتمكينه من فك أسئلته الكثيرة حول المرأة “أداري عينيك لئلا ينظروني فيهما/أنظرني لا أرى سواهما” . انه انكسار انجيله على حيز وجودها وانصهارعالمه الخاص في زواياها، مستفزا في ذواتنا ذلك الاستغراب في قدرة شاعر على تطويع اللغة لترجمة ذاته شعرا، وتطويع نفسه لترجمة امرأة يعشقها “كلما أحببتك كنت تفوزين بواحد مني/كم أحبك عندما أصير لا أحد”.. في النهاية، هي المرأة التي يتفتت الكون على شاطىء أنوثتها وهو الشاعر الذي يعرف أكثر من سبيل لصناعة كل نص كانجيل مستقل بحد ذاته. وبذلك، لا هم ان كان انجيله هذا منحولا ام لا.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s