فلورنس آي.. الشعر على طبق النبرة القاسية

على الرغم من اعتمادها على ما يطبخه الواقع وما تنسجه المادة داخل دائرة حياتها، لتحويله إلى مكوّن شعري، إلا أن فلورنس أنطوني تستطيع أن تترك ضوءها الخاص في مخيلة القارئ، وهو ضوء بقدر ما يسطع، يلسع في الوقت عينه. ذلك أن واقع المرأة الشاعرة، لا يضاهي واقعنا من حيث كمية الألم والدراماتيكية التي يحتويها، ذلك أنه واقع لا يرتبط فقط باللحظة الحاضرة، بل يأخذ الماضي حيزا هائلا منه، ليتجاوز الشخصي، أو ذلك الخاص بالشاعرة، فيتسع كماضي للحروب السابقة وشخصياتها، جنودها وبرابرتها، كما هو سكانها المجهولون، الذين مضوا ولم يعد لذكراهم أي نصيب لولا ربما حساسية الشاعرة الاستثنائية في بعثهم إلى الحياة على الورق.

يلفنا الفضول ونحن نقلب في قصائد الشاعرة ضمن المختارات الصادرة عن دار الجمل ودار كلمة بعنوان “سوداء كليلة البارحة”. ففلورنس أنطوني (آي)، ولدت في تكساس عام 1947، أما نشأتها فكانت في أريزونا، حيث عاشت طفولة مدقعة، وكان زوج أمها الفقير يحاول جاهدا التكفل بإعالة الزوجة وابنتها. تتعرف أثناءها على كتابة الشعر من خلال مسابقة شعرية أقيمت في مدرستها، ويدفعها ذلك إلى تجريب كتابة الشعر، لكن من دون أن تسمح لها الظروف بالاشتراك فيها (كان على العائلة أن تنتقل سريعا إلى مطرح آخر في بلاد العم سام). إلا أن ذلك التجريب سيسمح لها بالتعرف على موهبتها في كتابة الشعر، وكان هذا جائزتها المثلى. و”آي” تنحاز بشكل حاد إلى هذا الإسم بالمقارنة مع اسمها “فلورنس أنطوني”، وهو الإسم الذي اختارته بنفسها ويعني “الحب” باليابانية. نالت “آي” جوائز كثيرة من بينها “ناشيونال بوك أوورد” و”أمريكان بوك أوورد”، وهي تمارس تدريس الأدب الياباني في جامعة أوكلاهوما، وهي تقيم في الولاية ذاتها. الشاعرة الأمريكية ذات الأعراق المتعددة والممزوجة بشكل عجيب في داخلها، لا تسمح للواقع المرمي حولها، وعلى رغم كثافته، من فرض نفسه كقلب مادتها شعرية، لأنها لا تختاره كواقع- كمي، أو كمعطى جاهز، ذلك أن ما يهمها منه، هو الجانب المتعلق بها شخصيا، ومن هنا فإن شعرها وبسبب اتساع رقعته الانسانية، لا يمكن أن نقرأه بمعزل عن معرفتنا بملامح عديدة من حياتها الشخصية. وبفضل ذلك، يأتي التركيز في قصائدها على كل تموضع خفي في المجتمع، كالعنف المنزلي (علاقة الأب بالإبن/ بالإبنة وبالعكس)، والعلاقات العاطفية والجنسية الفاشلة، والشنق (قصيدة الجلاد)، وردات الفعل الشخصية لأفراد معذبين ولمراهقات، (بمعنى السلوكيات السلبية غير المعروفة على الملأ والتي تبقى اجتماعيا، في إطار ردات الفعل الشخصية لا أكثر ولا أقل)، بكافة صوره، دون أن تنحاز في نهاية الأمر سوى للشعر، الذي يرتفع أعلى من نبرة المعنِّف والمعنَّف في النص المكتوب.

لكن العنف الذي تصر عليه فلورنس، لا ينسحب فقط على شخصيات صورتها جاهزة للقارئ، بل أيضا هو عنف يتم إعادة تشكيله في المنازل والبيوت والشوارع الضيق، أي أن العنف المختبئ تحت ستر العائلة الآمنة، حيث قسوة الأب، أو قسوة أحد الأبناء تجاه بعض أفراد العائلة. هذه القسوة تعطي انطباعا مرافقا للشاعرة التي ولدت لأب ياباني أقام علاقة عابرة مع أمها في محطة بنزين، الأمر الذي سوف يؤثر على صورة الأب في قصائدها، والتي تصل إلينا دوما مطعونة بالتشرذم، والقسوة والسلوك الشرير عموما. كما يعاد تظهير الإبن على أنه حاضر لممارسة عنف ما تحديدا تجاه ذلك الأب (ويمكننا من ذلك الإستدلال على جانب من فكرة الأب المرسومة في ذهن الشاعرة المصدومة بفقدانه من الأساس). مواضيع أخرى تشكل حيزا لأن تتحرك الشاعرة فيه، هذه المواضيع مثل الفقر، ونواتجه (وهي الخلفية الاجتماعية التي تربت في ظلها عندما كانت طفلة).

“آي” واحدة من شاعرات أمريكا المعاصرات، ذوات النبرة الصادمة التي تبلغ العبث في بعض الأحيان. وهي لا تكترث لأي موروث شعري، أو أي ارتباط أو التزام أدبي بمعنى اتباعها نهجا كتابيا، فلا هي اعترافية، ولا هي رمزية، ولا سوريالية، ولا حتى واقعية كليا، لا ترسم لنفسها السير على خطى شاعر أو آخر، أو على سكة شعرية جاهزة بقدر ما تلتزم اعتقادها بالجمال الموجود في كل ما يحيط بها. لكن هذا الجمال المديني، لن تتم ترجمته إلا عبر المرور بكينونتها كأنثى، والتي هي بالتالي معبر لحديقة أخرى قوامها: الجنس والألم (بشقيه الرومنطيقي والفيزيولوجي).

هذان الاتجاهان يتقاسمان شعرها. من هنا تجد أن اللصوص مثلا، والقتلة المشهورين، والمجرمين الذين نالوا لقبهم من خلال أفعالهم اللاأخلاقية، تجد كل هؤلاء يعودون إلى مسرح الحياة، موضوعون داخل أنبوب من الشعرية العالية. وهم غذ تستخدمهم الشاعرة أنطوني، في قصائدها، فإنما لتعيد منحهم وجها إنسانيا فقدوه أو أفقدتهم إياه الحياة. وهو وجه ليس تجميليا بكل الأحوال، وفلورنس لا تقع في خطأ الحكم الأخلاقي عليهم، أو إعادة محاكمتهم، بل هم موجودون لتقول الشاعرة من خلالهم، بأن الشعر لا يقتصر على مواضيع الخير، والحب، والسعادة، والحلم، والفرح، وأسى الفقد، ومناورة الحياة، بل يتخذ الشعر من نفسه مستوعبا كبيرا يستطيع فيه أي فعل أن يعاد اكتشافه، لقراءته مرة أخرى، واستشفاف الإنساني منه. وهؤلاء هم وليدة مجتمع سواء ميكروسكوبي (على مستوى العائلة) أو ماكروسكوبي (على مستوى النظام الحياتي الأشمل). وهو ما يفسر اختيارها لشخصيات سياسية مترافقة مع دراما حياتية كروبرت أوبنهايمر، مارلين مونرو، ليف دافيدوفيتش برونشتاين، جون كنيدي، جيمس دين، ياسوناري كاواباتا، ميشيما، جايمس رايت، وابن عمها جون (قصيدة مرثية) وغيرهم.

تمد شخصياتها بعذابات متخيلة، إضافية وذات وظيفة محددة، وهي ترسيم ذلك الاطار الشعري بناء على تفاصيل ألم تلك الشخصيات (أعيرة الرشاش الآلي/ أصابت زوجتي في رجليها/ ثم رسمت خطا متعرجا على جسمها/ اخذت المقص/ شققت ثوبها/ وتمددت فوقها ساعات/ اخترق الدم ثيابي/ وحين حاولت النهوض لم أستطع/../ أستيقظ عندئذ. كابوس آخر./ أنهض عن مكتبي، أمشي إلى غرفة النوم وأجلس أمام مرآة زوجتي). لكن سؤالا سيبقى حاضرا وهو: هل رحيل “آي” بشكل خاص إلى السياسة ورموزها الأشهر في فترة طفولتها (كممارسين أو متعاطين أو لغويين أدباء وشعراء، أو فنانين)، هو محاولة لإعادة تفكيك النظم التي كانت تحيط بكل واحد منهم، كما وإظهار هشاشة الأسباب التي شكلت مفصلا في التاريخ العالمي الحديث بشكل عام والأمريكي بشكل خاص؟

لن تتكل الشاعرة على المنطق الحسي المباشر لتصوير الزمن من خلال أبطالها، وبدل من ذلك، يجري إعادة هذا الزمن إلى الوراء بالتوازي مع الفعل الذي يحدث، أي الذي يتحرك بالمنطق الفيزيائي في اتجاه واحد، أي إلى الأمام. وبالتالي، فإن الزمن يذهب في اتجاهين متعاكسين عند هذه الشاعرة الإستثنائية، فهو أولا زمن يتحرك إلى الوراء بحسب تصوير تفاصيل الأبطال وما علق على وجوههم وجباههم، وثيابهم وأصابعهم، ومن ثم يتم تفعيل هذه الشخصية او تلك (وهي شخصيات لم تعد على قيد الحياة، ومعظمها مهمل أي أن لا أحد يتذكره)، وتفعيل الشخصية لا يتم إلا من خلال استحضار لمقطع من الماضي وزج الشخصية فيه (قصيدة الوادي)، وبالتالي فإنك لا يمكن ان تعيد كتابة شخصية ما، أو الكتابة عن شخصية ما من دون أن تبدأ من حيث انتهت هذه الشخصية، وهي تنتبه بشدة إلى وجودها بالمقابل، فهي لن تغيّب أبدا نفسها على حساب الأولوية المعطاة لشخصياتها، ولذلك يتداخل صوتها الخاص كشاعرة مع أصوات أبطال قصائدها، وإذا كان صوت أبطالها آتيا من تجربة جد شخصية، وتاريخية بمعنى ارتباطها بمؤثر تاريخي (كالحرب مثلا)، فإن صوتها الخاص كشاعرة، ينبع من تعدد انتمائها العرقي (تصف نفسها بأنها نصف يابانية، ثمن شوكتية نسبة إلى قبيلة شوكاتو الهندية، ربع سوداء وواحد إلى ستة عشر ايرلندية). وهو التعدد الذي ينفخ فيها الرؤية باتجاه تمدد انساني، لذلك تراها مستنبطة شخصياتها باستخدامها العدسة الأشمل، بتصويبها على شخصيات عاشت في ظروف مختلفة، لكن ذلك لم يمنعها بأن تتوحد فيما بينها بالألم، وكأنها تقول بأن مهما اختلفت مزايا المؤسسة الاجتماعية والمترتبات السياسية، فإن البشر محكومون بالعذاب، وهو العذاب الذي يصنع لكل منهم صوته الخاص. وهذا المؤثر للتعدد العرقي يشحن بطاريتها بطاقة شعرية هائلة، تدفعها على القفز فوق المعطيات البشرية المتعلقة بالقومية والخيارات السياسية، والجغرافية والهوية. وقد لا نغالي إذ نقول بأن “آي” هي الشاعرة الوحيدة التي تستطيع ولوج أي زمن سابق من دون أن تفقد إحساسها بالزمن الحاضر والواقع الذي تعيشه.

 مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s