محمد سويد.. “ما هتفت لغيرها” مقاربا ثلاث مدن

“الحرب في بيروت تبدأ بأغنية، فيما الحرب في هانوي تنتهي بأغنية”. لعل هذه الجملة وما تحتويه من شاعرية في المعنى وقسوة في تقييم الواقع السياسي لمدينتين، تختصر الرسالة التي حاول المخرج اللبناني محمد سويد، إيصالها من خلال فيلمه “ما هتفتُ لغيرها”. وهي رسالة سياسية بالمقام الأول، جعلت لها اللغة السينمائية الخاصة بمحمد سويد، بريقا جذابا. وهو بريق مؤلف من قوتين، تتصارعان لاستمالتك إما نحو دائرة هذا السينمائي أو خارج الدائرة. محمد سويد يعلم ذلك جيدا، ويعلم أيضا أن لكل سينمائي منهجا خاصا به، كما وأن ذوقية المشاهد قد تكون الحكم الأول والأخير. لذلك قال قبل بداية العرض: “أتمنى إذا لم تلتق أفكارنا في هذا الفيلم، أن تلتقي أعيننا” ثم أهدى الفيلم لصديقه الشاعر الراحل بسام حجار.

يتنقل الفيلم بين مدن ثلاث: بيروت، هانوي ودبي. وتمثل كل من هذه المدن الثلاث رمزية في الخريطة السياسية والاقتصادية. فبيروت كانت معدة لأن تكون إحدى أهم المراكز الاقتصادية، لولا التجاذبات السياسية والمقاومة الفلسطينية والتي أصبحت أقوى المنظمات عسكريا آنذاك. ما أدى الى دخول الحرب الى يومياتها لتصبح الحرب إحدى مقومات ذاكرتها، وليصبح النشاط الاقتصادي أحد أكثر أحلامها إثارة للجدل. أما هانوي، فهي المدينة التي شكلت لعقود خلت، نموذجا ناجحا في مقاومة الزحف الامريكي لاحتلال العالم، ولطالما استمد الفتحاويون إلهامهم السياسي، وتكتيكم العسكري من قادتها وأبرزهم “هوشي منه”. فأين هي الآن وأين هم أولئك الفتحاويون؟ فيما تمثل دبي النموذج العربي الأمثل للمدينة “النحلة” اذا صح التعبير، وذلك بسبب ما آلت إليه من تقدم اقتصادي وعمراني هائل، جعل لها موقعا قارع مدن أمريكا وأوروبا وآسيا وذلك بفضل السياسة التخطيطية والرؤية الواقعية والمستقبلية للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم تلك الإمارة. فدبي مدينة غير مشغولة بالسياسة، ولا هي معنية بالضرائب التي تتكبدها مدن أخرى بسبب انحيازها لمعسكر سياسي ما. وبالتالي، فهي مكان المستثمرين الأمثل، على اختلاف جنسياتهم وانتماءاتهم. هي في مكان ما مدينة محايدة. أما تفعيل تلك المقارنة ما بين المدن الثلاث، فيأتي عبر شخصية حسن حاتم، الذي يقرر البحث في ماضي أبيه حاتم حاتم الفتحاوي والذي إتخذ له إسم “أبو حسن هانوي”. فنرى أن حسن يتنقل بين تلك المدن دون أن يعثر على سيرة يقينية لأبيه، إذ يبقى ان حاتم حاتم، كائنا موسوما بالحلم او بشيء من الخرافة. فالتاريخ قد لفظ بقسوة كل خطابات تلك المرحلة، وفرض بفعل الزحف التكنولوجي السريع والعولمة، نمطا بنيويا مغايرا لهانوي، طوى موقعها السياسي، وأرخاه تحت ظل السياسة الاقتصادية التي تحاول الحكومة الفيتنامية انتهاجها بنجاح. فيما ظلت بيروت مدينة أسيرة كل تلك التجاذبات السياسية والتي تتحرك الآن بفضل صراعات اقليمية بين أمريكا ودول عربية وإيران. “هانوي تحتفي بعدوها أكثر من احتفائها بالنصر”، هذه ايضا من الجمل الكثيرة التي تمثل الواقع التعس لثقافة الحرب وكيف أننا كشعوب مقهورة، كما والشعب الفيتنامي، كنا دائما نبحث عن عدو لنعزز خرافة الانتصار عليه في نفوسنا.

فحتى بعد خروج الفلسطينيين من بيروت عام 1982، ظلت الثقافة الغالبة هي أن منظمة التحرير الفلسطينية تمكنت بفضل صمودها من الانتصار على الجيش الاسرائيلي، ذلك على الرغم من تشتت حركة فتح بعد تلك المرحلة، والضعف الذي أصاب بنيتها البشرية والعسكرية كما وانحسار الدعم المادي لها نسبيا، ما مهد لولادة حزب الله، والذي ساهم فتحاويون كثر في تأسيس بنيته الأولى. “ما هتفت لغيرها” فيلم وثائقي  يفيض بالتناقضات ما بين بيروت وهانوي بوجه خاص، فيما تلعب دبي دور المرآة، مرآة السباق العالمي نحو التطور. تتجاوز هانوي تاريخها، فيما لا تفلح بيروت في ذلك، بل نرى أن حتى حركات المقاومة لا تزال تتخذ من هانوي أنموذجا يحضر في الخطابات السياسية، بينما يظهر “هوشي منه” كجزء من الذاكرة الفيتنامية دون أن يشكل هذا الأمر عائقا تنمويا أمام شعب فيتنام ذي الموارد الاقتصادية المتواضعة. محمد سويد يوظف البحث بحد ذاتها لتصبح عنصرا مستقلا في الفيلم. يُعزَّزُ حضوره في الفيلم عبر شخصية حسن حاتم. البحث يمثل رغبة في الاكتشاف وتوضيح الالتباس، وهو بطبيعته ينم عن وعي مليء بأسئلة حول ذلك الزمن الضاج بالفكرة الرومانسية للمقاومة وتحرير فلسطين خلال أشهر قليلة. وبذلك فإن الرسالة السياسية من وراء الفيلم تكون قد وصلت بنجاح تام، وان بدا أن الفيلم طويلا اكثر مما ينبغي ويتضمن أجزاء ربما كان على سويد إزالتها لأنها تتحرك في فلك الفكرة نفسها، وقد شعرنا في بعض لحظات العرض وكأننا تلاميذ حفظنا الدرس جيدا، وما على الاستاذ الا أن يتجاوزه نحو درس آخر، ليقيننا بأن لغة سويد السينمائية الخاصة، هي بحد ذاتها، كتاب فيه الكثيرمما يمكن تعلمه وما على سويد الا تقليب صفحاته أمامنا بأصابعه الاخراجية الرشيقة.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s