ولدت هناك، ولدت هنا.. استكمالا لسيرة البرغوثي

يشبه الأسلوب السردي لمريد البرغوثي، التجول حافيا بين شقي جرح. وسرديته تأتي على شكل مقطع من تاريخ الفلسطينيين، تقف مقابل الألم وجها لوجه، وكأن ما بينهما مرآة خفية. هذه المرآة، العاكسة للألم، تصطدم بصاحب الألم نفسه، بوجهه، بملامحه، بأنفاسه، وبلحظات تجواله عاريا، في مدن المنافي. تصطدم بأسلوبه في الكتابة، وبأصوات أهله وصورهم، وتصطدم بكل تفصيل في قريته “دير الغسانة”، وبتاريخ
آل البرغوثي، كما ببعض الملامح عن المناضل مروان البرغوثي الذي أراح اعتقاله الكثير من مريدي السلطة الفلسطينية. تصطدم هذه المروية، بعثرة الواقع، التي ترى في بعض فلسطينيي السلطة، فسادا يوفر على الإسرائيلي بعض المهام في تزوير التاريخ، وفي تحريف الواقع الفلسطيني وإخفاء الأصابع الصهيونية الملطخة بالدم، في فحم الصراعات الداخية ما بين فتح وحماس. “ولدت هناك، ولدت هنا”، الصادرة عن دار رياض الريس للكتب والنشر، تعد ثاني سردية للشاعر مريد البرغوثي، الفلسطيني “المعارض” (بمعنى المثقف المعارض، وليس المعارض لأنه موال لجهة ما). هذه السردية، والتي ترتقي بجدارة إلى منزلة الرواية، يقوم بناؤها على ملامح معينة من حياة الشاعر. وبذلك فهي متمم لأجزاء سيرته الذاتية الأولى  “رأيت رام الله” (صدر في طبعته الأولى عن دار الهلال- القاهرة عام 1997).

يستخدم البرغوثي، لتركيب جسد مذكراته المروية، أسلوبا لا يستعرض لقاموس مفرداته، ولا يجهد عند تحويل الفكرة إلى جملة من أدوات تعبيرية. وهو كذلك، أسلوب لا يتعالى ضمن تقنية استعماله العام للجملة، وبه يؤلف البرغوثي هذه السيرة المجتزأة من حياته. وقد قسمها الكاتب إلى أحد عشر فصلا. تنتهي بموقف سياسي تراجيدي عام، لكنها تبدأ بالمشهد الأول الذي يصف رحلة الشاعر في سيارة مسافرين، إلى أريحا، إضافة إلى ستة ركاب آخرين. مستغلا ذلك الظرف، ليلتقط المكان في صوره الشخصية، كما والعراقيل التي يفرضها واقع وجود قوات الاحتلال، إضافة إلى ما يبتكره الفلسطينيون للعيش وكسب الرزق وسط تلك الظروف، كمثلا استخدامهم لرافعة كبيرة، لانتشال السيارات المتجنبة للحواجز الاسرائيلية والعالقة في الحفر الترابية. وهذه إحدى مفارقات الكتاب. يرفع البرغوثي باللغة البسيطة، الأدوات التي تعيق حياة الفلسطيني، ليعيد رصفها داخل معنى سوسيولوجي عام. فتأخذ المعابر، والحواجز والمتاريس الترابية والاجراءات المعطلة لحياة البشر، دلالة آخرى، أكثر عمقا، وأبلغ، من أي مستوى آخر “المعبر يعطل أبوة الآباء وأمومة الأمهات وصداقة الأصدقاء وعشق العشاق”، مشتغلا بذلك على الحنين والأسى من دون أن يعطي الفرصة لهما للقبض على عبارته. فهو مشغول بإضاءة حياته وتصوير رأيه الخاص، والهادئ، بنبرة منخفضة، وحادة في الوقت نفسه. وهي حدة تجرحك على مهل دون أن تشعر.

يستوقفنا بعض الشيء، العنوان، الذي قد يبدو مجازيا لوهلة، أو يقدم تحريضا على تساؤل، وكأنه مثلا أحجية أو حزورة، قبل أن ندرك ومن خلال القراءة، ما يحمله من وحشة، وما يخبؤه من مرارة تتفرع لتلامس أكثر من وجهة إنسانية. “ولدتُ هناك، ولدتُ هنا”، عبارة تختصر الفعل الأول لطرد الفلسطينيين، كما توحي بالانتقال الزمني، من حزمة سابقة من الأمكنة، إلى مطرح موحد وحالي- آني. الولادة كحدث، تظل مجمدة، لأنها فعل انبثاق الكائن البشري، إلى صخب هذا العالم، وهي ولادة مجردة من أي ميكانيكية أخرى، سوى ما تقدمه “ولدتُ” من دلالة على بدء الحياة. وهو بدء يتم عزله في المخيلة، بمنأى عن شرطي الزمان والمكان الضروريان. وهو أيضا الفعل الذي يستند إليه الإنسان، صاحب هذه الولادة من أجل، أن يقدم إختصارا عن النقلة التي يتممها الشرط السياسي والمتغير الظرفي الاستراتيجي، على مستوى دول العالم، والعالم العربي بالتحديد. لذلك، تترافق هذه الـ “ولدت”، مع كل من الـ “هناك” والـ “هنا”، لتتفشى الحقيقة في وجوهنا كأنها الآف الشظايا الخارجة من قنبلة عنقودية (ولا بد هنا، وبحسب الظرف الاحتلالي للفلسطينيين، من استعمال مفردات مجازية تتعلق بالحرب، الأمر لا يمكننا الافلات منه، في هذه القراءة، بكل الأحوال).

هذا الاستنساب للمكان، الذي كان (هناك) وأصبح الآن (هنا)، يشير إلى النسبية، التي تعرض الذاكرة الفلسطينية، بموجبها، لتفاصيل وانطباعات تتألف في دول الشتات. وبذلك، فإن الشاعر البرغوثي، وإضافة إلى قناعاته التي تتعالى على النفعي، لتتلاحم مع موضوعية نفتقر إليها في الأدب الفلسطيني عموما عند التعاطي مع صورة الفلسطيني، يقدم لنا، وربما من دون أن يتعمد، إضافة أخرى، هي بمثابة حبة الكرز المرّة، الجالسة على قالب الحلوى اللذيذ، والمتروك في العتمة منذ العام 1948. هذه الإضافة، هي حقيقة ما تحتكم له الذاكرة الفلسطينية عند تأريخها لمأساتها الذاتية، أو للفعل الاسرائيلي، المناهض، للوجود الديمغرافي الفلسطيني، على الأراضي ذات الاعتبار الحساس بالنسبة لدولة اسرائيل. هي حقيقة الذاكرة- الحنين، والألم، والبكاء، والذاكرة- الأمل، والتفاؤل، والذاكرة الإصرار على الحق، حق القبض على المكان، وحق المقاومة فقط بالاستمرار في التنفس.

وفي أنبوب الزمن، الذي لا نعرف كيف يعجن التاريخ زبدته داخله، ستنصهر الـ “هناك” في اللحظة التي يقف فيها مريد على تراب أرضه، برفقة ابنه تميم، ليتم تحويل هذه الـ “هناك” إلى مجرد قشة تطفو على سيلان الماضي، ودفق هذا الماضي في الذاكرة، وبذلك تصبح “هنا”. “هناك” تنسب إلى السابق، البعيد، تنسب إلى المكان- المنفى الذي يدفع الانسان المتواري عن أرضه، إلى تصنيف قريته أو مكان ولادته، على أنه “هناك”، والذي يحمل في تركيبه، أبعاد الألم وما ورائيته كما وظروف استقباله. أما “هنا”، فتنسب إلى الى وحدة الانسان مع مكانه، وإطلاقه لغته الخاصة للتخاطب معه، وهي انتصار الخاص، والشخصي، والذي لا تتعدى أبعاده المنطق الفئوي أو العائلي (في هذه الحالة، عائلة البرغوثي تبدو المعي الأول به، وقرية “دير غسانة”)، لكنه يظل انتصارا، على وحشية الاسرائيليين، ومحاولاتهم على اكثر من نصف قرن، منع الفلسطينيين من العودة، بل والضغوط باتجاه ترانسفيرهم (كما يقول البرغوثي في احد المقاطع الت يروي فيها كيف حقق معه ضابطان اسرائيليان أصر أحدهما عليه بأن يعلن موقفه السياسي، أو رأيه فيما يحدث في فلسطين).

يستطيع البرغوثي إلتقاط متغيرات المكان، بخفة المحترف، فلا ألم ولا بكائية، بل إن استرجاع المكان، يظل محاطا بأناس السابق الأحياء، أو الذين يفلتهم الشاعر وكأنهم عصافير أطلق سراحها للتو، ليطوقوا الذاكرة ببساطتهم وأسلوب حياتهم الرشيق. غير أن أكثر ما يبدو محيرا، عند محاولته رسم الخطوط الخفية لرؤيته النقدية، هو شخصية الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات. وهذا ما يجعل فكرته متذبذبة، مراوحة ما بين السلبي والايجابي، الأمر الذي لا يجد مفرا منه سوى لاعتبار السياسة لاعب خفي بكل متغيراته، دون أن يفوته الإشارة إلى دور الدول العربية في تفقيم حصار الرئيس في مقره في رام الله، وتفعيل هذا الصمت بشكل متعمد، وهذا كليشيه آخر. لكنه كليشيه حقيقي. فالسردية البرغوثية لا تتكاسل عن إطلاق نيرانها باتجاه أكثر من طرف، داخلي وخارجي، لكن ما يسكّنُها هو القيمة الأدبية والتأريخية للعمل، باعتباره جزءا من الذاكرة الفلسطينية العامة.

وعندما نتحدث عن الجرح بالنسخة الفلسطينية، فنحن نقصد بمعنى أكثر قربا، الجرح الذي يحفر في شريحة من مجتمع فلسطينيين لا حول لهم ولا قوة، وليس أولئك الفلسطينيين، المفسدين (بحسب رواية البرغوثي) داخل أجهزة السلطة داخل أراضي الضفة ورام الله. وهم يمثلون نمطا ذا هوية فلسطينية، للكثير من أجهزة الفساد الموزعة في العالم. بين الترحال، والترحيل، وبين الجرح والابتسامة، بين ألم الغربة، واغتراب الألم، بين المفارقة الطريفة، والمغامرة، وبين اللسان المطوي على الصرخة، والتأمل في حجم المأساة، تكمن رواية مريد البرغوثي الفلسطينية، “ولدت هناك، ولدت هنا”. وهي بذلك خليط مرهف من الفكاهة القليلة المبللة بالدمع، والدمع الكثير المبلل بالحسرة والانتقاد الشخصي لأجهزة الحكم الفلسطينية، كما والغد الذي يريد الشاعر إلقاء القبض عليه بكل جوارحه، لتحجيم عدوه، ولاعادة رسم المساحات والحدود ما بين الاسرئيلي والفلسطيني.

لكن هذه السيرة، تتقاطع والكثير من المواقف العامة، والتي باتت أشبه بكليشيهات فضفاضة، لا تعني فيصدقيتها سوى أصحاب الشأن الأقرب، أي فلسطينيي فلسطين. ففي الفصل السابع الذي يحمل عنوان “ساراماغو”، يروي البرغوثي موقف خوسيه ساراماغو من الاحتلال، كما وصفه لحالة المدن الفلسطينية تحت الحصار الاسرائيلي، بأنها أشبه بمعتقلات أوشفيتز. ما يثير حفيظة بعض الكتاب الاسرائيليين، كعاموس عوز، والذي لا يتقاطع والموقف الموضوعي للكاتبة اليهودية يهوديت هاريل التي تقول “أريد الاحتجاج على هذا التوازن الكاذب، وهذا الاستخدام المغلوط للكلمات. فلا يوجد طرفان متساويان في دائرة العنف، أحد الطرفان هو المحتل، والطرف الثاني هو ضحية احتلالنا نحن، وما زلنا نطلق صفة العنف على كل طفرة تمرد فلسطينية”.

وعلى الضفة الأخرى، فإن السؤال الذي يرسم ملامحه بشكل أوتوماتيكي أمام وجوهنا، يتعلق بالذهنية والمعايير المتبعة، التي يعتمدها البعض ومنهم مريد البرغوثي نفسه، كي يُعلن على أساسها فلان، شاعرا قوميا للمستقبل، ويرمى فلان آخر خارج المشهد الشعري. ونعني هنا انجراف البرغوثي بأبوته، متخطيا الجانب الاجتماعي لتتحول هذه الأبوة إلى نسختها الشعرية، من خلال انحياز متطرف ولا يعرف الخجل، نحو ولده تميم. يدفعه ذلك إلى وضعه أكثر من إشارة على أن تميم مريد البرغوثي، هو شاعر فلسطين الشاب الأول. دون أن يقدم البرغوثي الأب، تفسيرا مقنعا لهذا الأمر سوى وسامة إبنه، وثقته بنفسه، وظرف حيازته على الجنسية الفلسطينية، وعودته إلى قريته. وكل هذه الأسباب وهي محض شخصية، لا تتقاطع مع قناعة القارئ العامة حول شروط الشعر. بل هي أسباب تحاط بذكورية البرغوثي الأب، لحمايتها. هذه نقطة تحتسب سلبا على الشاعر الكبير. لأن رفع تميم إلى خانة الشاعر الأول، يتعارض في منهجه، مع موضوعية رؤيا البرغوثي النقدية، للسياسي والاجتماعي والعائلي. ذلك أن دعاية الشاعر تسقطه، عندما تأتي على لسان الشاعر الأب بيولوجيا. وقد لا تتخطى إيجابيتها الدفق المعنوي، والتطويق الذي يؤمنه الأب عادة للإبن. وعلى كل حال، فإن هذه إشارة، على أن أحد مساوئ الاحتلال الكثيرة، هو تعزيزه المطلق للذكوري، كحاجة لفرض سلطة بديلة، مقابل السلطة الأقوى للكائن المرتدي “الكاكي” والجالس في دبابته.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s