نصوص حديثة للشاعرين مازن معروف وحازم العظمة.. عندما تذهب الصورة إلى ما لا ينبغي أن تكون عليه

جريدة المستقبل – الثلاثاء 17/ 1/ 2012

جهاد الترك

نصوص تخرج من أشكالها التقليدية لتتقمص المشهد الاحتمالي للصورة الشعرية. تتخلى بتلقائية عن أجسادها المعهودة لتصبح، هي عينها، جزءاً من الرؤية وصيرورتها المتحوّلة في اللغة والذاكرة. نصوص أخرى تنكفئ على دائرتها الضيقة في بؤرة من السكينة الصامتة. تصوران أوليان يمكن الاستدلال بهما، على الأرجح، لقراءة مجموعتين شعريتين صدرتا حديثاً عن دار رياض الريس. الأولى بعنوان “ملاك على حبل غسيل” لمازن معروف، والثانية بعنوان “عربة أولها آخر الليل” لحازم العظمة. تتوخى الأولى مقاربة للحالة الشعرية من خلال ان العناصر المكونة للصورة لا تُنشد لذاتها. إنها، على الأغلب، محطة عابرة وسريعة إلى حيث لا ينبغي للصورة أن تكون. صيرورة الصورة هي الصورة نفسها. هي ظلالها. تصوّر لانحياز الصورة الى الوجود والعدم في آن. عدمها هو وجودها. والعكس صحيح أيضاً. الاحتمال في هذا السياق منفتح على الاثنين معاً بقدر ما يتحول الوجود عدماً محتملاً، والعدم وجوداً محتملاً. تنحو المجموعة الثانية منحى مغايراً. تنحاز بدورها الى المشاهد المنزوية. تخرج من الصخب إلى الصمت ثم تستقر هناك. النصوص الاولى مشرّعة على متاهة الصيرورة الشعرية. الثانية مشرعة على متاهة الصمت.

“ملاك على حبل غسيل”
ستون نصّاً، على وجه التقريب، يتوزعها فضاء معقّد من الرؤية الشعرية المحتملة. لا تنتظر هذه الأخيرة استقدامها إلى النص لكي تتجسّد في المفردات. لعلها تترقب هذه النقلة لكي تبقى في دائرة الاحتمال. لكي لا تولد في عملية شعرية كهذه هي أشبه بولادة قيصرية متعسّفة. ومع ذلك، قد يتحول النص عينه، صيغة احتمالية مشرّعة على الظلال بالقدر الذي تنحاز فيه الصورة إلى الصيغة نفسها. النص بما قد ينطوي عليه من بؤرة للجاذبية تستدعي إليها بالضرورة الصور المتكوّنة في ذاكرة اللغة، سرعان ما ينقلب على وظيفة الاستحواذ هذه. ليصبح بعد ذلك من النسيج الاحتمالي للصورة. لا يعود، والحال هذه، مستقراً رتيباً ودائماً للمشهد الشعري المتغيّر. قد يُصاب بلوثة الاحتمال ليغدو محطة موقتة يستقبل فيها الصورة لبرهة انتقالية. للحظة عابرة إلى ظلّ بعيد. وقد تفترض هذه التقنية، في الأساس، رؤية لا تعوّل على النص، كبنية ثابتة، كثيراً. ولا تراهن عليه كثيراً. ولا تحمّله أكثر ممّا يحتمل. قد يستبدل شاعر، مثلاً، بنية النص، ببنية الصورة. وفي هذا إحلال لبنية مكان بنية. وقد يقدم شاعر آخر، على سبيل المثال، على إحلال ظلّ الصورة مكان بنية النص. وفي هذا، على الأرجح، إحلال ذو طبيعة مغايرة. فإما أن تستجيب الصورة المتحوّلة لبنية النص الثابتة، فتصبح من معدنها، من تصلبها، ومن ثقلها أيضاً. وإمّا أن يستجيب النص، في بنيته الوطيدة، لتحولات الصورة، فيصبح أكثر ميلاً لأن يتشبه بها.

الجسد الثقيل
لعلّ نصوص مازن معروف في كتابه الجديد “ملاك على حبل غسيل” تتضمن شيئاً كثيراً من هذا القبيل. نصوص قصيرة، بطبيعة تكوينها، وأحياناً قصيرة جداً، إلى الحدّ الذي يكاد فيه هذا النص أو ذاك، أن يتحرّر من جسده الثقيل. أن يتفلّت من جاذبية هذا الجسد. يعزّز هذا التصوّر، بشكل أو بآخر، ان الصور الشعرية التي تتدفق على النص، غالباً ما تمسّه مسّاً. ما أن تقترب منه حتى تبتعد عنه. لا تثقل عليه. ولا تقاربه بمنطق الغصب. ولا تفرض نفسها عليه. يجتهد الشاعر في أن يلزم نفسه بهذا المنحى قدر المستطاع مستخدماً معايير تلقائية، إذا جاز التعبير، من شأنها أن تحيل مشاهداته من طبيعة وثيقة الصلة بما ينبغي أن تكون عليه الصورة وهي تنتقل من طور في الرؤية إلى طور آخر. غير أنه يدرك، في قرارة نفسه على الأغلب، بأنه يتعذر على الصورة، في مسيرتها الاحتمالية أن تبلغ ما ينبغي أن تكون عليه. لماذا؟ لأنها ذات صيرورة متحركة في كل الاتجاهات. ولأنها كذلك، فإنها لا تنشد شكلاً محدداً بعينه، ولا معنى محدداً بذاته. الصيرورة، في هذا السياق، أكثر نكراناً لغيرها ووفاء لذاتها. الصيرورة هنا هي الصورة عينها في طور التشكل. في طور التفلت من الاشكال والهيئات والمعاني الثابتة. لا فرق حقيقياً بين الصورة والصيرورة، سوى أن هذه الأخيرة قد تبدو ظلاً يلوح من البعيد للصورة، وان الأولى هي الظل ايضاً الذي يستقطب الصورة. الاثنتان، الصورة والصيرورة، تكونّان معاً العملية الشعرية التي لا تصل الى نهاية المطاف. ولا ينبغي لها أن تصل إلى مكان محدد في زمان ومكان محددين. على هذا الأساس، تصبح كلتاهما عنصرين مغايرين للزمان والمكان في صيغتهما المألوفة والمتداولة. تغدوان من النسيج العميق للزمان والمكان في طبيعتهما الشعرية. النص، في اطار هذا التصور، هو مكان وزمان محتملان للصورة والصيرورة. غير أنهما لا يأتلفان معه ولا يتقاطعان فيه ولا يستجيبان لجاذبيته. النص، في شكله المعهود، من بقايا الزمان والمكان خارج العملية الشعرية. الصورة والصيرورة، كما توحي بهما النصوص، لا ينتميان إلى هذه البقايا لأنهما لا يستهدفانها. لا يزمعان على الاقامة في هذه البقايا. في جوف هذه الفضلات. ومع ذلك فهما يقاربان الزمان والمكان العائدين الى النص في طبيعته المكانية الثقيلة، من زاوية أنهما محطة غير إلزامية يفترضها النص في تحولاته المنحازة إلى المتاهة.

مكونات عابرة سبيل
هل تتماهى هذه التصورات الأولية بالنصوص المتضمنة في المجموعة الجديدة لمازن معروف؟ الأرجح نعم في حدود ما تقترب النصوص من هذه التصورات. بدليل أنّ الصورة في ما تنطوي عليه من تحولات منفتحة على تحولات، هي منفتحة، في الوقت عينه، على ما تصبو إليه خارج أشكالها المفترضة، وبعيداً أيضاً عن المعاني التي تعيد إنتاجها في النص. الصورة، في هذا الاطار المحتمل، لا تشبه مكوناتها، ولا تتشبث بها، ولا تركن إليها. ولا تلتفت وراءها بدافع من حنين إليها. الصورة لا تقترب من عناصرها المكونة لها، إلا بالقدر الذي تحتاج إليه مرحلياً من أجل أن تتخطاه بعد ذلك إلى ما عداه. وهذا يتطلب، بطبيعة الحال، ألا تكون هذه العناصر منكفئة على ذاتها، معتدة بذاتها، مشدودة إليها لا تستطيع التفلت من جاذبيتها. تكاد نصوص المجموعة توحي بأن عناصر الصورة الشعرية فيها معرضة لأن تتخلى عن ذاتها، أن تتنكر لها، أن تخونها، وأن تغدر بها في اللحظة المناسبة. عناصر عابرة سبيل على طريق افتراضي تسرع الخطى نحو شكل افتراضي، الى هيئة تكمن في ما ينبغي أن تكون عليه. ولكن هذه البغية افتراضية، في طبيعتها نتيجة لرؤية احتمالية إلى الأشياء والعالم والكون. الصورة تندفع في هذا الاتجاه لتصل في خاتمة المطاف إلى ما لا ينبغي أن تكون عليه. إلى ما ينبغي ألاّ تكون عليه. ولأن الأمر كذلك، على الأغلب، فإنّ عناصر الصورة لا تعود تمثل نفسها بقدر ما قد تشير الى ما لا تمثله ولا ينبغي عليها أن تمثله. ترتحل الى الزمن المتكوّن في الحالة الشعرية، إلى المكان المتكون في العملية الشعرية. ومع ذلك، فإنّ هذين الزمان والمكان لا قيمة مصطلحية لهما، ولا جدوى حقيقية لهما لأنهما يشكلان مفهومين افتراضيين دائمي التقلب بين الوجود الاحتمالي والعدم الاحتمالي. لا وجود لهما إلا بالقدر الذي يحملهما على التنكر لهذا الوجود. ولا عدم لهما إلا بالحد الذي يجعلهما قابلين للتنكر لهذا العدم. الوجود مرحلة انتقالية للذهاب إلى العدم. العدم مرحلة انتقالية للذهاب بالصورة إلى وجود احتمالي آخر. الوجود والعدم، في هذا السياق، يعيدان انتاج عناصر الصورة الذاهبة الى ظلالها المفترضة. الى صيرورتها المحتملة. الوجود والعدم، والزمان والمكان والصورة وصيرورتها، أفكار شعرية تحمل النص على أن يتخلى عن شيئيته، عن مركز الجاذبية فيه، عن قناعاته المسبقة، عن تردده وخوفه، عن احجامه عن اجتياز المسافة المحتملة المتبقية للولوج الى المتاهة. هناك في الظلال المبعثرة على ظلالها، الخارجة من ظلالها، المتشظية من ظلالها، يعود الشعر الى قلقه القديم. الى حالته التي كان عليها قبل أن يندرج الكون تحت قائمة المسميات. عندما كان الوجود والعدم مشروعاً مدهشاً لاعادة تشكيل الكون في حيّز الوجود، واعادة تشكيله أيضاً في حيّز العدم. الوجود يحتاج إلى العدم ليتخلص من هيئته المألوفة. العدم يحتاج إلى الوجود ليتخلص من عدميته.

“عربة أولها آخر الليل”
ستة وثلاثون نصاً تسترخي بهدوء في سكينة الصمت. لا شيء يعكّر صفوها سوى ان الشاعر يرقبها من بعيد. ثم يعبّد لها الطريق ليستحضرها إلى دائرة الصورة. ولعل هذه المشاهد التي يتشكل منها فضاء الكتاب لا تفتقر الى ما يعزز عزلتها وانكفاءها وانسحابها من دون ضجيج يذكر إلى الزوايا البعيدة في الذاكرة. ومع ذلك فهي حاضرة كما هي في لغة حازم العظمة. لا يتطلب استدعاؤها إلى النص جهداً كبيراً لتنتقل من ذاكرة الشاعر إلى ذاكرة اللغة إلى ذاكرة النص. تنطوي، في الأغلب، على مشاعر دافئة لا تبعث على استفزاز للغة من أجل أن يعمد صاحبها إلى تفكيكها، أو بعثرتها بعنف، أو حتى محوها لنسج وقائعها من جديد على نحو لم تكن عليه في هيئتها الأولى. قد تبدو هذه المشاهد، والحال هذه، مستقرة في ذاتها لذاتها. لا تتملل، على الأغلب، من ثقل السكينة الشاسعة التي تغلّف مساحاتها الصغيرة أو الكبيرة. لا تبدو عرضة للانجراف إلى متاهة الرؤية. والأرجح أن تقوقعها في عزلتها البعيدة وانسحابها من دائرة الضوء، أمران يقيانها الشر المحبّب للمتاهة. وينأيان بها، في الوقت عينه، عن إغراء السقوط في متاهة اللغة. في تلك الهاوية السحيقة التي تتحوّل فيها اللغة جحيماً يحرق المفردات، يحيلها رماداً، عدماً لتولد من جديد، فيولد معها العالم من جديد. نكاد لا نقع على شيء من هذا القبيل في نصوص الكتاب، وان يكن ان الصور الشعرية المغرقة في سكينتها، المنسجمة مع كينونتها التي تراءت للشاعر، منفتحة في الوقت نفسه على صمتها، على مزيد من انزوائها في حركتها الداخلية التي قلما تبارحها إلى خارجها. ومع ذلك، فإنّ الانفتاح على فضائها الصامت قد يبدو مشروطاً، إلى حد كبير، بقدرة الصورة على الانسجام مع التحولات الكامنة في دائرة الصمت أو ممانعتها لها.

ذاكرة اللحظة
تروي النصوص، على الأرجح، قصتها مع ذاتها من دون أن تقفل أبوابها نهائياً مع الخارج. غير أنّها تبدي حنيناً أكبر إلى ما يدور خلف كواليسها هي بغض النظر عما يجري وراء الكواليس الأخرى. الشاعر، في هذا الاطار، مشدود إلى تلك اللحظات الصامتة المتدفقة في صمتها هي. بالمثل، تتآلف اللغة مع هذا الصمت الذي يبدأ مع اللحظة وتنتهي معها وفيها. المفردات تستجيب بدورها لهذه الحالة. ذاكرتها متشبثة بذاكرة اللحظة. والاثنتان ترتبط احداهما بالأخرى على نحو لا تشذ احداهما عن السياق الذي تفترضه الثانية. قد توحي هذه المعادلة بأن الصمت قد أوصل المفردة إلى خاتمة الطريق. أو أنه أحجم عن استثارة ذاكرة المفردة. لتصبح هذه الأخيرة مكتفية بذاتها، مع أنها تتوثب في داخلها إلى أن تتوسع باحتكاكها مع مفردات أخرى تترقب ذلك خارج دائرة الصمت. الصمت، في ما تؤول إليه الصورة الشعرية، هو تلك المساحة مترامية الأطراف التي تشبه المتاهة بشكل أو بآخر. تتحرك فيها المفردة بحرية قصوى استعداداً للخروج من السكينة إلى العالم. ولا ينبغي أن يؤدي الصمت إلى الاعتقاد بأنه يغلق على اللغة الأبواب ويقفل عليها المنافذ. نصوص حازم العظمة تنطوي على شيء كثير من هذا التململ الذي يدفع اللغة إلى الخروج من الذاكرة الصامتة إلى الصورة المتحركة.

من نصوص مازن معروف

باراشوت

أدركُ
أنني لم أعد طفلاً..
لهذا السبب،
الدبّ الذي احتفظت به
كل تلك الأعوام
سألقي به من نافذة الدور السابع
بلا رأفة..
محتفظاً فقط بالحبل الرقيق الذي خاطه أحدهم
فوق وجهه
على شكل ابتسامة.
ذلك الحبل..
أظن أنني أحتاجه.

تعارف

حين يرتطم الهواء
بزجاج النوافذ
ويرتدّ معكوساً
إلى الوراء..
فإنه بذلك
يحاول أن يشمّ نفسه..

عن الموت

حين نموت
الكلمات التي لم نقلها بعد،
تتحوّل إلى فقاعات،
لنفخ الجسد
وتهريبه خارج الحفرة أثناء نوم حارس المقبرة.
لكن اللوح الحجري فوق جثتنا
يصطدم بنا،
رافضاً أن يزيح.
لذا
نستعين بحشرات لا نحبها في الغالب
دودة من هنا
وأخرى من هناك..
كل حشرة تقضم كلمة
من تلك الكلمات..
مخلفة وراءها
لا شيء.
لا شيء سوى
محَّايات
تتكوَّم قرب بعضها البعض
لتأليف هيكل عظمي
يعود من المدرسة كل يوم
ناقصاً قطعة.

الضجر

تعلمتُ أخيراً
أن أحب الضجر.
حتى أنني
سجَّلتُه على كاسيت.

و.. حازم العظمة

أحمد

العظاءةُ في الحديقة
لا تدل على أحدٍ…
وجذورُ اللبلابات مقلوبةً..
، علبةٌ من صفيح أزرقَ
في منتصفها جُذور حمراءْ…
كَسرة الفخار التي كَتب عليها “أستراغون”
وذراعان من حبل تهرّأَ
منذ يومين
وجذور اللبلابات مقلوبة
تحت نجوم أيلولَ
مدينة من صخورٍ وأعشاب
دائماً ما نعودُ..
في هضبةٍ سوداءَ، منهمكينَ
على ثوبٍ باتساع مدينةٍ من صخورٍ وأعشابَ
ترفُّ بهِ ريحُ الليل
… هديرُ البحر لا يصلُ
مشغولين
عربة آولها آخر الليل
فوق قِماشة ثوب كبيرٍ
نلمّ أطرافها
كلما بعثرتها الريحُ
… هدير البحر لا يصلُ

مفتونينَ
على حافة ثوب قديمٍ
نعيد من المشهدِ مدينةً كانت هناكَ
تشبه جبالاً ناعمةً
ومَفازاتٍ ليليةً
نطويها على سواعدنا
… نخلّصُها
من حطامِ هواءٍ قديمٍ
صخوراً..
وأعشاباً
وشجيراتٍ قصيرة
ومساربَ رمليةَ

البحرُ لا يصلُ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s