أربّي لاجئاً صغيراً في داخلي

1-

 لم أعد أفهم الحرب. كما لم أعد أفهم هذا الفلسطيني الذي أحمله داخلي وأدور به في مدينة ملاهي الحياة. الفلسطيني أحد لاجئي 1948. أنا لم أعد لاجئاً. في المقابل لم يعد أيّ فلسطيني لاجئاً. كل ما في الأمر أننا، كفلسطينيين، يحمل كل منا داخله لاجئاً صغيراً ويربّيه. لا يعنيني من هذه الحرب سوى مشهد البغل المقتول قرب عربته. عربته ظلّت بخير، وقد رأيتها، أقسم لكم، تنكز البغل، صامتة. ظننتهما يلعبان الغميضة بادئ الأمر، ظننت أنه كان يختبئ منها، وقد أخذه النوم قليلاً لأنه متعب، وأنها وجدته، وقد حان دوره الآن كي يغمض عينيه وتختبئ هي. أعتذر عن بلاهتي. غير أنه سقط ميتاً في أحد الازقة. على فكرة، سأقول لكم لماذا مات البغل. كان يحب فتاة صغيرة. كان يقف مقابل شُبّاكها المربّع. ويبتسم. لكنها لم تنتبه اليه مرة. من ينتبه أصلاً الى ابتسامة بغل؟ عندما جاء الرجل ذو اللحية، وأخذها من يدها الصغيرة، ووضعها بين شريحتي خبز، أكلتْها الطائرة الشريرة بلسانها الطويل المتدلي من السماء. خاف البغل من الوحدة، رسم على وجهه لحية، ودهن اللحية بالعسل. ثم وقف في الزقاق. كان أشهى من الفتاة. قِطعُ الفوسفور الأبيض، كانت الزينة الأخيرة الملتصقة على جسمه العاري والميت. لكن، لماذا لم تقم العربة ولمرة واحدة بجرّ جثته، في محاولة لردّ الجميل على الأقل. كان على الصبية المقطوعي الأذرع أن يتجمعوا خلف العربة وينفخوا كلهم لدفشها. بعيداً من البغل.

2-

ما نراه مجرد وهم. لم يهدم أحد جدران البيوت. هي لا تزال واقفة، لم تهو، ولم تتناثر. كل ما في الأمر، أن تلك الحيطان كانت تحلم بأن تصبح لاعبة تنس. الآن تسنى لها ما تريد. هي تقف. تنتقي طفلاً مشاغباً، وتتقاذفه. يصير هو مجرد قِطَع. يهرع الناس لجمع أشلائه وتركيبها. الناس في تلك المدينة البعيدة، يحلمون بدورهم، منذ زمن، ببيضة “كيندر”.

3-

 لم أبك مرة واحدة منذ بدء الحرب. غدد الدمع منشورة على حبل غسيل معدني في الخارج. وهي قد تقلصت بفعل تبَخّر السوائل منها، وجفّت. وأنا في حاجة لإعادة نفخها. يلزمني فقط مشهد في صحة سليمة. مشهد يكون عادياً ومملاً. سأخترع واحداً. فلنفترض أن مشوّهي هذه الحرب هم في حفلة تنكرية. وأن جلودهم الممسوخة، هي أقنعة اختاروها ليقوموا بإخافة قذائف الطائرات، ولذلك تنفجر القذائف في الهواء قبل أن تطأ الاسفلت. تنفجر لأنها خائفة. لهذا يرجع المعدن المستخرج من الأرض الى أرضه، قبل أن يرجع الفلسطيني البعيد.

4-

 بالنسبة اليَّ، لا أعتقد بإمكان إتمام عمل فني ما، وبخاصة الشعر، من دون اتصاله بحياة ما. الشعر كيس مصل الحياة. وثنائية الشعر – الحياة تكاد تقف وجها لوجه مقابل ثنائية الحياة – الموت. ما يبدو مشتركاً بين هاتين الثنائيتين، هو الحياة، بفوضاها وهدوئها، ببساطتها وتشكيلاتها الساهمة في التعقيد، غالب الاحيان. بألفتها تجاه سكانها، وبغضها لهم. الحياة كائن لا يتخلى عن تنفسه. الحياة موسومة بالعناد. هذا العناد يتجلى في رغبة واحدة تتقاسمها المخلوقات جميعها. النملة على حافة الشبّاك، النبتة التي تُهرّب جسمها من شقّ في مبنى مهجور، الفراشة التي نعلم ماذا تفعل حين ينزل مطر هائل أو حين يفجّر أحدهم نفسه على مقربة منها، مثلاً. أسمّي كل هذه المخلوقات، عمّال تنقيب. عمّال الحياة، التنقيب عنها وسط كومة هائلة من الدقائق الميتة، المتساقطة سهواً، ربما، عن ظهر الزمن، ذلك الذي لا يكترث لأحد. الحياة موسومة بالصخب. الصخب عمود الحياة الفقري. يقابله في الجهة الأخرى، خلق داخل قصيدة. الشعر، إذاً، باختلاف مقاييسه، وجه آخر يحدّق في وجه الحياة عبر قناة نحيفة جداً، أقرب ما توازي في نحافتها خيط عنكبوت رقيقاً. القناة اذاً، ما بين الشعر والحياة، قناة لاستشفاف الحب، وإعادة صناعته. الشعر يبني عالماً هو مزيج من واقعية لا تتنازل عن صلابتها، وحزمة من أحلام شفافة كالساتان، عالماً قد يلوّن الشاعر سماءه، بالأزرق أيضاً، لكنه على الأقل، يكون صنع سماءً باللون الأزرق، له وحده، على ورقة بيضاء. المعادلة اذاً بسيطة. هناك الخلق، وهنالك الصخب.

الخلق محاولة، قد تبدو يائسة، للخلود. لكن الصخب قد يحوي الموت، الصراع، الكراهية، القتل، العزلة، كذلك الألفة، الحب، السكينة، السلام. القطة التي تلحس فراءها غير الباهظ، لتنام بعدها، ربما تحت هيكل سيارة مفخخة سابقا. إنه ليس صخباً أليفاً بكل الأحوال. داخل احدى خاناته، يقف قاتل ما. داخل إحدى خانات الشعر، يقف شاعر ما، يقيس الزمن والانساني، داخل الحياة. القاتل والشاعر يتجاذبان أحدهما الآخر، الأول في اتجاه الموت، الثاني في اتجاه الحياة – المعيشي، لاستنباط الافتراضي، الأجمل، الأكثر قرباً نحو الكمال. الشاعر أُسمّيه، ورّاق الجدران البالية داخل الغرفة – الحياة. القاتل أُسمّيه، النافذة الموصدة، التي تشعر خطأً، بأن لها الحق المطلق في الوقوف بمفردها داخل الغرفة – الحياة.

القتل يعني أن تقصي كائنا عن تناول الأوكيسجين، الابتسامات، كذلك الألم. يعني أن تبلل آلاف الوجوه بالدموع، أن تبلل آلاف المنازل بالظلمة، آلاف الشجرات باللون الأصفر. الشاعر، حين يأتي القتل، يخلع عينه ويرمي بها في ساحة الجريمة – مسرح العرض. عينه التي تتدحرج على الأرض، تتسبب لزوجتها في التصاق مشاهد ما بها، بعض الدم، والأخشاب، والهواء الكثيف، وربما المارة. الشاعر، على الطرف الآخر من الحكاية، يستعيد عينه، يسجل المشهد ثانية على الورقة، لكن بإعادة تنظيم الزمن – ترتيب الشخوص، المكان والمخيلة، أي… مخيلة القاتل، محاولا النفاذ بأشياء الحياة داخل خرقة الموت، أو الموت داخل أبيض الحياة، الذي ليس أبيض تماماً.

الخلق جندي الحياة. لا يفعل القتل معه شيئاً. القتل ظل يتمشى بلا قدمين. تخيّل، مساحة ظل تسيل فوق أشياء الحياة. يقابل هذا السيلان، صراخ قصيدة ما، أو لوحة ما ولدت للتو.

القاتل والشاعر محاربان قديمان، الأول بإطلاقه رصاصة ما في اتجاه الحياة – المادة. الثاني في محاولته حرف الرصاصة عن مسارها الأصلي، ولو تسنّى له ذلك، ازالتها خارج المشهد اليومي بالممحاة. الشاعر يصنع حائطاً صغيراً ويضعه في وجه الرصاصة. الرصاصة تصنع ثقباً في الحائط. القاتل يبتسم. الشاعر أيضاً. يأتي عصفور في النهاية، يضع عفشه وحاجياته داخل الثقب، يصنع عشاً… ويبقى هناك. العصفور ساعي بريد، يسلّم الشاعر مغلّفاً يحوي إصبعين معقودتين على شكل إشارة النصر، ثم يثبّت الإبتسامة على شفتيه، ويرحل موقتاً.

العصفور يحدد بالضبط النصر والهزيمة، وأن ثمة خلقاً وثمة إفناء. الخلق يقفز فوق مادية الأشياء، فيما يتخبط الإفناء في مستنقع المادية. الإفناء، إفناء المادة الصرف من دون المساس بمنهج الحياة، أو جوهرها أو رغبة ساكنيها في البقاء على قيدها. هكذا، يظل الشاعر في محوره الذي بلا جدران أو أسلاك شائكة أو ألغام محيطة أو قناصة محيطين. فيما ينصرف القاتل الى عمله كالمعتاد. قد يأتي قاتل آخر بعد حين، لسنا ندري، وفي اللحظة التي يكون يحشو فيها بندقيته أو يزرع قنبلة تحت مقعد سيارة، سيكون ثمة شاعر، ربما في الشارع ذاته أو المبنى، أو الكافتيريا، يُخيّط حياة أجمل بقليل على الورق.

5-

 يقف الشهيد بعينين إضافيتين، الى جانب عينيه الأصليتين، وسط المربّع الذي زواياه: غزة، دمشق، بيروت وصنعاء. يدحرج كل عين نحو زاوية ما، تذهب العين، ينتظر طويلاً عودتها. تأتي أمه، وتعيده بغضب الى برّاد الموتى في المستشفى

مازن معروف

جريدة النهار – 2008

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s