إميلين

1 –

كل شيء يبدو بائسا، أو بطيئا عند الدخول إلى ماكينة الحياة التي لا ترحم أو تغفر لأحد أخطاءه. المدينة، بكل ما تحمله على ظهرها. ظهر المدينة يبدو متعرجا، محدودبا أو مسطحا، أو مثلا دائخا. إنه ظهر واحد للوهلة الأولى، لكن له أكثر من عمود فقري. المدينة تحمل البنايات، الزراريع، تستقبل حبات المطر المنهكة من محاولات القفز المتكررة من على ظهر الغيوم. للغيوم أيضا ظهر. ولفرط ما كانت تنظر الى الناس وتضحك عليهم، صمموا على أن يبلغوها ذات يوم. أن يزرعوا نبتة فوقها ومن ثم أن ينتظروا أن تنزل شروشها في الهواء، حتى تبلغ سطح الأرض. ليتمكن الناس بعدئذ، من الإمساك بتلك الجذور ويشدّوا الغيمة الى تحت. كانت تلك الزراريع المفترضة فخاخا صغيرة، وديعة، وساكنة من أجل الإيقاع بالغيوم وتعبئتها داخل مرطباناتهم، كي تمطر ماء للشرب في المطابخ الفقيرة، لا على الطرق.

2-

هنالك دوما أحد ما سيترك كيس نايلون في جيبك الخلفي، ويغادر المدينة. لأنه يعرف أنك سوف تصاب بالاختناق، بعد قليل، بعد هذه اللحظة بالضبط. سيكون امامك أن تتخلص في حركة أكروباتية من ثيابك كاملة، لتبقى عاريا. مزلطا ومكسوا بالشوك، كالأمل. لن يستطيع أحد لمسك مجددا، لمس جسدك الذي سوف ينفجر عند أي محاولة لأحدهم وضع إصبعه على… أنت، عليك. ستُخرج رئتيك أولا من وسط العظام المكومة بعضها فوق البعض، ستتنهد لأنك نجحت في إخراج رئتيك من كومة العظام. لكنك لن تعرف ماذا تفعل بتلك الرئتين، ربما ستقوم بتقطيعهما قطعا صغيرة، ثم توزعها على رواد المقهى، حيث أنت هناك. توزعها على أنها علكة. منتج جديد. تتبدل نكهته الكريهة بعد بضع دقائق. ثم تحدق الى جميع أولئك وهم يمضغون العلكة (كلانا نعرف أنها ليست علكة، بل نتف من رئتين). يمضغون ويواصلون ما كانوا يفعلونه من دون اكتراث بك. وأنت لا تزال تتفرج. سترى نفسك أيضا، جالسا معهم. أعني جالسا الى طاولة وحدك، لا تكلم أحدا ولا تسلّم على أي كان. تأتي ثقيلا، بكل تلك القضبان الحديد في شفتيك. سبعة وعشرون قضيبا وضعها الطبيب في شفتيك. تسعة عشر في السفلى، والثمانية الباقية زرعت في الشفة العليا. من أجل ألا يصاب فمك ذات يوم، بالتلعثم أمام امرأة جميلة. هذا ما قاله الطبيب لك. كنت طفلا جميلا. ووافق أبوك هازّاً برأسه، على ما قاله الطبيب. لكنك تعرف أن ثقتك بأذنيك كانت عالية، لهذا لم تصرخ في وجهها. سمعت الطبيب يهمس لأبيك بالإنكليزية بأن الشفة العليا مصابة بالتصدع، واحتمال كبير أن تنهار نتفا نتفا فوق السفلى. سيكون محكوما عليك العيش بشفتين ملتصقتين، بل بوجه نازل قليلا إلى تحت. ستدرك عندها قوة الشفاه. شفتك العليا نازلة ساحبة معها الوجه كله قليلا إلى تحت. والوجه ساحبا معه الكتفين، لتظهر وكأنك مُنحن. لهذا تمشي منحنيا. يظنك الناس كذلك. المسألة كلها ليست سوى خطأ في تقدير ثقل الشفة العليا. الشفة التي لم تستطع أن تحمل الثمانية قضبان التي وضعها الطبيب. نزعتها في الحمام الملاصق لغرفة العمليات. نهضت عن السرير، متذرعا بمثانة ممتلئة. خرجت لتنزع القضبان جميعها. ووضعت مكانها رفاصات. هل تذكر النوابض تلك التي انتزعتها من سريرك لأنها تشعرك بالغثيان وبأنك عائم. النوابض التي كنت دوما تحملها في جيبك الخلفي، حيث الآن كيس نايلون، أخرجتها أيها الصغير، بينما أبوك والطبيب يتحدثان في أمور طبية. أخرجتها كلها، سبعة وعشرين نابضا. وحدقت مليا الى وجهك. لتعود إلى غرفة العمليات بعد أربع وأربعين ثانية وإثنتي عشرة دقيقة وابتسامة. لم يلاحظ أحد تبدلا في الوجه. تحديدا في الشفتين. النوابض تلك التي لم تسمح لنفسك بخلعها من شفتيك، كل تلك الفترة من حياتك إلى أن كنت واقفا هناك أمام البيانو الأسود الكبير تُقبِّلك إميلين.

3-

ستعبران الشجرة الأولى. الشجرة المتسخة. التي تبتسم كبائعة أمامها سمك بائت. ستقف أنت وتهز الشجرة. لكنك لن تستطيع. لأن أحدا لا يستطيع أن يهز شجرة، بلا عضلات أو أرض معترف بها رسميا. أبطال الكارتونز يفعلونها أحيانا. يهزون شجرة عملاقة، فقط بهزّ ورقة واحدة منها. الشجرة عندها من نفسها. تلتفت إلى هذه الفكرة. أبطال الكارتونز. الأشياء حولك ملونة ولزجة. كأنها مرتبة فقط منذ قليل من الوقت. ملوّنة كأمكنة الكارتونز. ومُرّة في الوقت نفسه. لذلك فأنت لا يمكنك مد لسانك ولعق الشوارع، كما كنت تفعل قبلا. ليس في إمكانك فعل ذلك الآن. ليس لأنك الآن نظيف أو جنتلمان بل لأنك لا تريد الإلتصاق بحافة أو عمود معدني أو لافتة أو يد شحاذ. يد الشحاذ هنا هي عبارة عن خطأ في تقدير كمية اللون المطلوبة لرسم زرّيعة. ستهز الشجرة بعنف. الشجرة التي ابتدأت بها هذا المقطع. لكنك لن تلهث. ولن تبدو عاجزا. لأنك مشيت لتصل. وليس لأن تمرّن عضلات الساقين. خطأ في تقدير الوقت اللازم لشفاء شجرة من الخرس. لكنك لا تأبه. أيها العنيد في موته وفي حياته، وفي إصراره على البكاء خلف قنينة الغاز المفتوحة. وفي ارتداء السراويل التحتية البيضاء، التي تفضح تسلل مجموعة من حيوانات منوية صغيرة خارج العضو الذكري. تتسلل وكأنها في تلصص لاختبار نظافة العالم قبل النزول إليه. حيوانات منوية لا تكترث بأيّ رقعة جغرافية أنت تنتمي. لا تكترث بهويتك كفلسطيني، ولا بالقلق الذي تحمله بين ضلوعك وتفوح منه رائحة نتنة. حيوانات منوية وحسب. ولن تسألك الظهيرة عن الركبة التي أنت تركل بها الطابة. تتخطى أول شجرة، الثانية… السابعة. تصل إلى شجرة صغيرة. توشك على التحدث معها. على هزها. تمد إميلين ذراعها نحوك. تَوَقّف قليلا. يدها تمسك بفمك. تقول إميلين للشجرة: “أما أنتِ، فما زلت صغيرة… عودي عندما تكبرين لنتحدث معك”.

4-

ستعرف ذات يوم أن الحب، لا يمكن أن تجده بأن تتسلل بين نثارات التبغ في الكيس الفاخر ولا بأن تغطس في فنجان القهوة. لكنك ستكون عنيدا، كزيز يحاول اختبار العيش داخل سخّان ماء في الصحراء. ستغطس. غامرا رأسك وأنفك وشحمة أذنك، والجرح في حاجبك الأيمن، بالسائل الأسود. القهوة. لن تعوز سوى قشة عصير مستعملة، للتنفس. وعلبة كبريت لإضاءة الظلام المختبئ بين حبيبات البنّ السوداء. ستسأل عن عدد الأذرع التي قطفت، وطحنت، وحملت تلك الحفنة الصغيرة من المادة الداكنة لصناعة هذا الفنجان الصغير الذي سقطت أنت فيه. وإميلين تتأملك. هي لا تزال جالسة على حافة الفنجان. فوق. لن تكون مجنونة بقدرك. وستكتفي من وقت الى آخر بالاستماع الى هدير الشاحنة، التي وضعتَ أنتَ عليها كل كلماتك. كُلَّ ما حفظته من الكلمات. الشاحنة التي تدفشها بذراعيك المستعملتين في وقت سابق، لتنظيف أكشاك الحمّام، وفرك بلاط الصيدلية، وبيع الجرائد، والتنقيف على النجوم الزنخة، ومطاردة الفراشات التي تنكز رأسك من تحت المخدة. وإميلين قدماها الصغيرتان تركلان جزيئات الهواء بفرح. والظلال التي تتوارى تحت أظفارها، تبدو ملائمة للعب الغميضة هناك. وأنت ترسل لها القُبل المجعلكة، كلاعب بايسبول. وشعرها طائرة صغيرة لن تسمح أنتَ لذلك الولد الجميل، بأن يستعيرها ويمتطيها ويهرب بها. ومن قال لك إن ذلك الولد الجميل، جميل بحق؟ ستحدق أنت الى عينيه، ويفعل هو بالمثل. ستتبادلان جملة اعتراضية عن الوطن. على الأرجح شتيمة، أو بصقة. ثم ستتصافحان. لكنك بعد ذلك ستشعر بندم. ندم يتسلل كخيط إبرة، تحت الجلد. قبل أن يدخل في الجدار المقابل لك. في السقف. في فتحة الحنفية. في علبة الأحذية. في ابتسامة ذلك الرجل الذي لا تعرفه. وفي نعاس القطة. وفي سلّة السمك التي نسيها صياد على المقعد الخلفي لحزنه الذي على شكل دراجة معدنية. والوطن الذي أرسلته بعيدا بعيدا، ثم ادَّعَيْتَ أنه فضّل البقاء هذا اليوم في المنزل، لأنه أصيب في ركبته، ببصقة أحد الأطفال في المخيم الفلسطيني. هل تتذكره؟ لا. ذلك الوطن. الأفضل أن تعلّقه في سلسلة تتدلى من لسانك كدولاب يويو صغير. يبتعد ويقترب وفقا لكيفية تحكمكَ أنت بأعصاب الرأس واللسان بشكل خاص. وهذا أفضل من أن تجعله، ينفرد بك خلف حبة فوشار سمينة، في أحد الأحلام. وإميلين تناولك ممحاة صغيرة، لتزيل بها وزن العالم الزائد، والعجلات التي لم يعد في حاجة إليها، هذا العالم، للتنقل، على كرسيه المدولب. وهي تضحك. كطفلة تخفي وراء إصبع قدمها، المرفوعة عاليا في الهواء، تظاهرة من الفزاعات التي لم تعد تجد عملا، منذ صارت المدينة، مدينة.

5-

لن تقول مرة أخرى شيئا مفيدا عن الأمل. لن تصحبه معك إلى الحانة، لتُسكِرَه، ومن ثم تغرقه في المغسلة. أو تحشر رأسه في جورب ياسر عرفات غير الظاهر في الصورة. لن تضحك عليه حين يعلق كحبة دواء داخل تجويف عين نملة كفيفة. ستقول له، أنت مجرد أمل. وأقل من أن تكون قشة، لتغطية جرح بسيط. ولست حتى حيوانا أليفا لتقف أمام السفارات وتخرّ بدعة، طالبا العلكة أو ما تبقّى من سندويشات الحراس. أنت مجرد خرافة محشوة داخل بلعوم المطرودين من الحياة. ولن تحاول إخراجه من فم الديك بالقوة. ولن تقدمه الى الغرباء في المناسبات السعيدة، على أنه كيس مصل يعمل عندك. ولن تخلطه مع الشاي المثلّج، ليبدو كأنه بصقة صدّقت في وقت ما، أنها حامضة سعيدة، في الإعلان. سيكون مجرد أمل يتكمش بمؤخرتك كذيل دبق، تطرد به الأصدقاء، حين يتضاءل حجمهم، وتجذب به ذبابة ريفية، من ضيعتك البعيدة.

6-

وأصوات الرصاص، التي كانت تثير فيك الرغبة في الضحك. ستأتي أنثى الزيز الآن، وبعد كل تلك السنوات، لتضع بيوضها في جوف الخراطيش المعدنية الفارغة. سترحل إلى هناك. وحيدا مرة أخرى، لتخلع قدميك وتضرب بهما تلك الرقعة الاسفلتية، حيث كان مقاتل ينام، ويلهو بالنرد ويكافئ نفسه ببعض الأمل. تلك الطلقات الفارغة، ستنهض مرة أخرى. بعد أن تكبر الزيزان الصغيرة داخلها. ثم تطير متعرجة، في الهواء. وكأنها بطاريات محدودبة، ورخيصة الثمن، في غرفة تجارب تابعة لوكالة فضاء، حيث افتقار الجاذبية أمر غير مقلق. حيث إميلين في غرفة مجاورة، تعمل على وصل النجوم جميعها بخيط واحد، قبل أن تسجل إسم أول نملة تمشي على ذلك الخيط.

7-

ستفتح كتابا عن الحرب. وترسم حبّك لإميلين كحائط مقشور في إحدى صوره. وليس على إحدى صوره. هناك فارق هائل بين على وفي. أي أن حبّك سيكون جزءا من المشهد العام المفزع في ذلك الوقت. إذاً، من الأول. تُكرر: سترسم حبّك قرب سيارة إسعاف بثلاثة دواليب، يجري العمل على إصلاحها قبل استئناف إطلاق النار. أو مثلا ترسمه بعد الذراع المقطوعة بقليل، وتحديدا قرب النبتة التي تضحك في الخلف. وقد يحتمل كذلك أن يكون حبّك قديما. كعلاّقة مفاتيح مثلا، في جيبة مفكّر نسي يديه مرة على حافة مصنع الشوكولا. وذهب إلى المنزل. وهو في انتظار تلك اليدين لتأتيا ذات يوم وتفتحا له الباب.

8-

حبّك آخذ شكل قشة معقوفة، تسند جانبا من السماء التي توشك على الوقوع. رائحة الدم تتسبب عادة بدوخان الأشياء الواضح أنها عملاقة. كمخزن الفاكهة. وحمالة القنابل الهيدروجينية. كصحون الطعام التي تنكسر بلا سبب في المطبخ. والمشكلات العائلية التي تتدحرج على الطريق. والقجة المخلوع بابها المعدني لدخول الخيبة. أيضا كل الأشياء التي نحلم كذلك بأن تكون عملاقة ذات يوم. كأول تسديدة كرة سلة. وأول قصيدة. وأول تظاهرة ضد جيش العدو. وأول لكمة على العين. وأول قبلة على درج بناية. وأول رقصة بريك دانس في الحمّام. وأول استعمال للشوكة والسكين. وأول غسيل معدة على سرير غرفة طوارئ. ذلك ما سيجعلك فخورا. حبّك أيها المرخيّ، يسند السماء. لكن السماء مائلة من الجانب الآخر للعالم. حيث الفراشة الصغيرة تدور داخل طنجرة ألومنيوم. وتعود الى إميلين مرة أخرى. سترسم طريقة حكيها، على مسكات الأبواب في ممر المستشفى، حيث كنت قبل أربعة وعشرين عاما ممددا في الغرفة التي ذكرتها منذ بضعة أسطر. وترسم طريقة سعالها على بلاستيك خزانات لعب باربي. ثم تأتي بإبرة، لتمتص بعض اللون الأصفر من الشمس. وتعبئه في كيس خيش، لدهن زجاج البيوت في أوقات الفراغ. ولأن الشمس إذا ظلت ثخينة وبهذا الحجم، فهي لن تتمكن من لعب الروليت معك حين يكون مزاجك سيئاً. ستتنازل عن الشعور بالارتياح الذي يتسبب به توقف سقوط الشوك المعدنية عن الدور السابع. ثم ترحل إلى أقرب ملجأ نمت فيه، وتترك الملصق معلّقا فوق أحد الثقوب. ثم إلى أقرب سلة باسكيت بول صنعتها من كرسي خشبي مجوّف عندما كنت في الصف التاسع. تُجَعْلِكُ الملصق وتقذفه داخلها. ولن تسأل من دعا الملصق إلى هذا المشهد. الملصق الذي نزعته من أحد الأزقة، من دون أن يراك أحد. وعلّقته ليتدلى من سقف غرفة إميلين الصغيرة، وصدّق أنه قمر حملتْهُ الجنيّة التي عرفت أنهم سيقطعون التيار الكهربائي. ستكون إميلين واقفة تحته، في انتظار أن يضيء، كأنها حديقة من أطفال يحاولون إخافة العتمة، بأسنانهم الصغيرة.

9-

أسنان صغيرة على وشك أن تسقط
على وشك أن تصير في الهواء، فراشاتٍ غائبة عن الوعي

مازن معروف – جريدة النهار (الملحق الثقافي) 2010

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s