في مطار رفيق الحريري الدولي

في تشرين الاول/أكتوبر من العام الماضي، كنت متوجها إلى اوسلو للمشاركة في مؤتمر حول العلاقة بين الرقص المعاصر (الكوريوغرافيا) والنقد. كان المشاركون بين مصممي رقص عالميين ونقاد إما من أوروبا أو آسيا، أما أنا فكنت المدعو الوحيد من منطقة ‘الشرق الاوسط’. وبدا ذلك مستغريا للمنظمين كما أبلغت. فالشرق الاوسط منطقة إشكالية سياسيا واجتماعيا ودينيا وثقافيا، أما الرقص المعاصر، فهو لا يزال يزحف، لكن بخبطات ثابتة على الأرض. تلقيت الدعوة من خلال كتاباتي النقدية في الصحف اللبنانية وعملي مع فرقة مقامات والتي دأبت على تنظيم مهرجان بيروت الدولي للرقص المعاصر في بيروت. كان علي أن أمكث لفترة اسبوع تقريبا في أوسلو قبل أن أتوجه بعدها إلى باريس لإتمام بعض الكتابات.لم أتوقع أية مشاكل على الإطلاق، فالسفارة النروجية قدمت لي تأشيرة الشنغن بناء على دعوتي، وقمت بحجز تذاكر السفر ذهابا وإيابا دون مشاكل. لكن المفاجأة كانت في منعي من السفر إلى اوسلو في مطار رفيق الحريري الدولي (أو مطار بيروت الدولي أو كلاهما إن شئت). فما أن قدمت وثيقة سفري والتذكرة للمضيفة الارضية التابعة لشركة الطيران التي ستنقلني إلى أوروبا، حتى اتصلت السيدة بمدير الشركة الارضي ليبلغني الاخير بأن علي الإختيار بين أوسلو وباريس لأن التأشيرة التي أحملها تسمح لي بدخول أوروبا مرة واحدة لا اكثر. كان الرجل يقلّب بين يديه وثيقة سفري المعطاة لي من قبل الحكومة اللبنانية كلاجئ فلسطيني. الوثيقة أكبر حجما من جواز السفر العادي الممنوح للمواطنين اللبنانيين أو العرب. كما أن وزنه وشكله لا يطمئنان. الرجل معه حق في هذا. لكن أن يمنعك أحد من السفر لسبب ‘تقني’ كما يقول، فإن هذا ما لا تصدقه. وضعت في المطار امام الامر الواقع ولم يكن بمقدوري الإتصال بالسفارة النرويجية في بيروت لأن الوقت كان ليلا. إخترت إذن باريس فأنا إن ذهبت إلى النروج كما قال الرجل، سيكون علي قطع تذكرة أخرى إيابا إلى بيروت غير تلك التذكرة التي تعبر بي في باريس، لأنني وبحسب التأشيرة المعطاة لي، يسمح لي بدخول أوروبا مرة واحدة.بدا ذلك غير منطقي على الإطلاق لكنني لم أستطع فعل شيء. وضعت امام امر واقع لا مفر منه وعزمت على إبلاغ السفارة النرويجية من باريس. وبالفعل، فإن آليس الموظفة في السفارة أبلغتني على الهاتف بأن ما زعموه غير صحيح، وبأنهم أساؤوا تفسير الأمر، وبأن بإمكاني مقاضاتهم. لكنني أنهيت الامر بأن غضضت النظر عنه وأقفلت الموضوع.إلا أن ما حدث معي مؤخرا في مطار بيروت الدولي، أعاد إليَّ تلك الحادثة بقوة، حتى فكرت بمراجعة قراري السابق بتجاهل الامر. كان ذلك صباح الجمعة في 15 تشرين الاول/أكتوبر الفائت. فأنا متجه إلى مرسيليا هذه المرة، عبر باريس، للمشاركة في مهرجان الشعر الدولي هناك في دورته السابعة (16-19 تشرين الاول/كتوبر). ومعي هذه المرة وثيقة سفر جديدة، خالية من الاختام باستثناء ذلك الممهور بقلم القنصل الفرنسي في بيروت. أحمل تأشيرة سفر إلى فرنسا لستة أشهر. لكن هذا كله لم يمنع ما سيحصل بعد دقائق. تتصل المضيفة الأرضية برئيستها في المطار، تأتي الاخيرة بابتسامة لا تعنيني في شيء لأنها تستخدم بالطريقة نفسها والحجم نفسه ربما مع كل الركاب. تنبئني هذه السيدة بأن عليهم الحصول على نسخة فوتوكوبي عن وثيقة السفر. ‘بكل سرور’ أجيب. ‘هذه الصفحة، وهذه، وهذه وهذه.. أوكي؟ تذكَّر، نُصوِّر هذه الصفحة وهذه وهذه وهذه’. ‘أجل، صوروا ما تشاؤون، لا مانع عندي’. ‘لا سيدي، أنت من يجب أن يذهب ليصور الوثيقة، المكان قريب، خارج بوابة المطار الرئيسية مباشرة’. صعقت للأمر. فأنا لم افهم اولا لماذا عليهم الحصول على نسخة من الوثيقة، لكن أن يطلب مني أن أخرج من المطار للقيام بالـ’مهمة’ فهذا ما لن أفهمه على الإطلاق. ‘سيدتي، إن كان لديكم مشكلة مع التأشيرة وتفضلون الإبقاء على نسخة منها فهذا ليس بمشكلة، لكنه شأنكم وحدكم، وليس شأني. وبالتالي، يمكنكم تدبير هذا الامر عبر أحد موظفيكم’. ‘لا سيدي، أنت من عليه الخروج والقيام بالامر’. وهكذا، حدث أن ناقشت السيدة التي رفعت صوتها، بنفس الحدة، قبل أن تنهي موقفها بالقول ‘أنت فلسطيني، يعني هناك مشكلة بشأنكم، وهذا قانون من فرنسا بتصوير كل جواز سفر. يبدو أنها المرة الاولى التي تسافر فيها من بيروت’. أواجه كل يوم بعض أشكال العنصرية ضد الفلسطيني في لبنان. أحيانا يعاملني البعض وكأنني المسؤول عن تشكيل منظمة التحرير في لبنان، والقائد الاعلى لقوات ياسر عرفات المنتظمة وغير المنتظمة، او كأنني من اتخذ قرار المشاركة في حرب لبنان، واطلق كل رصاصة وقذيفة آر.بي.جي، وصاروخ وقنبلة يدوية، وأحدث كل الثقوب في الأبنية، أو كأنني جميع المسلحين الذين تقاتلوا خلال سنوات الحرب دفعة واحدة. لا أفهم طريقة فرز بعض اللبنانيين لي ولا معايير معاملتهم للاجئين الفلسطينيين عموما، لكنني أكتشف كل يوم صورا جديدة للعنصرية، وأدرِّب نفسي على اعتياد الامر، فأعمل مثلا كترانسفورمر على تحويل التفاصيل من الفولت العالي إلى فولت أدنى قوة. لكنني لم أذعن لـ’أوامر’ المضيفة، التي ربما تخيَّلت أنها تملك سلطة ما عليَّ. رفضت بحزم مصرّا على موقفي بعد جملتها الأخيرة، فأكملَتْ: ‘في هذه الحالة، سأجبر على إيقاف سفرك’. هنا، أردت أن أضحك بشدة. أن أقهقه في وجهها، لكنني احترمت المسافرين الواقفين في الصف منذ فترة وقد بدا بعضهم مندهشا لهذا الحوار الغريب. أجبت: ‘كوني أكيدة بأن هذا سيتسبب لك بمشكلة كبيرة. معي دعوة إلى فرنسا وعليَّ أن أسافر هذا الصباح’. ‘يتحتم إذن في هذه الحال، أن أراجع مدير شركة الطيران. يظهر أنها المرة الاولى لك التي تركب فيها طائرة’. لم أمانع الشطر الاول من الجملة، لكنني استنكرت الشطر الثاني لأن فيه استفزازا ومساسا بهويتي وربطا غبيا بين أن تكون فلسطينيا لاجئا في لبنان واستحالة ركوبك لطائرة. تناولت على الفور وثيقة سفري القديمة والمنتهية الصلاحية ووضعتها نصب عينيها. بدا أن الأمر فاجأها. نظرت إلى التأشيرات المختلفة على الوثيقة، ثم توجهت إليَّ بلجهة عصبية: ‘لماذا لم تقل بأنك سافرت من قبل؟’. لا أعرف. هي لم تسأل. وأنا لم أتوقع أن يطلب مني أحد ترك حقائبي مثلا ومغادرة المطار لعمل فوتوكوبي ومن ثم العودة مجددا. سوي الامر. أنا لا ألوم هذه المرأة، بقدر ما أستغرب الأشكال الجديدة التي تتخذها العنصرية في لبنان تجاه الفلسطيني. أشكال غير مفهومة، تماما كبعض الفن الحديث المنتشر مؤخرا بكثرة في بيروت. مطار رفيق الحريري الدولي يرحب بي أنا والمسافرين الآتين من فرنسا. أسحب وثيقة سفري المكتوب عليها بخط كبير ‘الجمهورية اللبنانية’ وتحتها بخط أصغر منه ‘وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين’. أما الارزة، فتمثل في الوسط وتحتل المساحة الاكبر من غلاف الوثيقة السميك والتي يطلق عليها بعض الفلسطينيين لقب ‘ملحفة الشتاء’. ينظر إلي الركاب كالعادة مستغربين فالارزة تحملهم على الإعتقاد بأنني لبناني لكن لماذا باسبوري مختلف؟ هذا قبل أن يتقدم مني رجل الامن العام قائلا بنبرة هادئة: ‘هذا الصف للبنانيين، أما العرب والأجانب، فمكانهم في الصف الآخر’. أفهم الرسالة وأقف مع الغرباء عن وطن ولدت فيه وتلقيت دروسي فيه وتعرفت إلى إشكالية صورتي فيه، وإن بطريقة غير مهذبة.

مازن معروف – القدس العربي 2010

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s