نقد الألم

أشياء كثيرة نكرهها في هذا العالم لنحبّ الشعر. لا بأس ربما. المشكلة تكمن في أن تحبّ أو أن تكره شاعراً. محمود درويش ثعلب أمسك بقطعة جبن وحوّلها إلى تفاحة بين فكّيه. تصوّر ما يأتي: جذع التفاحة النحيل مربوط بخيط، طرف الخيط الآخر مربوط بأصابعك. وهكذا، كلما التهم درويش التفاحة أكثر، وهمّ بابتلاعها، جرّنا نحوه دون أن ننتبه. درويش يتلذّذ بالشعر، فيما أتلذّذ أنا، كفلسطيني، بالألم الكائن في مركّب القصيدة. أحياناً تأتي فراشة لتقف على الخيط. اعتدت أن أنتظر الفراشة تلك كلما قرأتُ قصيدة لدرويش، وأعترف، في نصوصه الأخيرة، لم تعد الفراشة تأتي. مرّة أخرى، لا بأس. ولأقلْ: قصيدة درويش قد تبعث فيك الشعور بالغثيان أحياناً. غثيان لا بدّ منه. فلننظر معاً: درويش ولد يحمل منفاخاً. الآن تصوّر ما يأتي: أنت بالون ذابل، درويش يقدّم وجبة هواء. الهواء مزيج عناصر عدّة ومركّبات، غازات تتراقص من أجل الحياة، وملوّثات. عظيم. أنت تقرأ قصيدته، تنتفخ. أكمل معي: بالهواء، الألم، المناورة. تنتفخ بأسباب وعناصر المناورة. ترتفع. أنت مصاب الآن بالغثيان أو بالخفّة. لكنك في كلتا الحالتين، تعلو إنشات قليلة فوق مساحة الكلمات – الألم. إذاً لا بدّ من حدوث الإصابة بهذا الغثيان لتقرأ ألمك أيها الفلسطيني. الألم بالنسبة إلى الفلسطيني كقطعة الجبن المتعفّن. ألقى درويش القبض عليها. قلت هذا سابقاً. البارحة مثلاً استيقظت من النوم، جرّدت نفسي من الملابس وقمت بقياس المساحة المتبقّية من جسدي، التي لم تتحوّل إلى جبن متعفّن. النمل يحبّ هذا الصنف من الأطعمة، كذلك السمكة، الدبّ القطبي أيضاً، وربما النادل والجندي والصحافي. ربما حبيبتك، وأيضاً أنت. إذاً، الفلسطيني محاط بأسباب الألم، بأسباب البقاء على قيد الحياة. لذلك، هو أيضاً محاط بأسباب الشعر. درويش فتح الباب منذ أكثر من أربعين عاماً وأدخل الفلسطينيين مجرّته “الضيّقة”، أو على الأقلّ هكذا اعتقدت، لكنه انتزع الخزانة وصنع منها غرفة إضافيّة، والتابلو وجهاز الراديو وركوة قهوته ومواء قطته التي لم تكن يوماً له. أصبحت حجرته ملآنة بالغرف الإضافية. وهكذا أجدني في شعره أقرأ ملامح أبطال الأساطير، أقرأ نوافذ الأتوبيس، وخوذة الشرطي، أنفاس عامل البريد، ولهاث المنفضة الراكضة فوق الطاولة، بالضبط كما أقرأ، ما أمكنني، هاجسه الشعري.

الآن، أكتب الشعر برئة لا تشبه رئة درويش. يفعل مثلي العشرات من الشعراء الفلسطينيين، وربما المئات. الفلسطينيون ينتشرون كنباتات صبّار على هذا الكوكب. نباتات من أصل واحد، وربما من كيلومتر مربع واحد. لكن، مَن مِن هؤلاء جميعاً لم يمرّ بلحظة تعلّق بدرويش؟ أتكلّم على الأقلّ عن نفسي. لا يمكننا إنكار اللمبة التي نكتب تحت ضوئها الشعر. ليست الورقة البيضاء وحدها ما يستدعي الحبّ، بل أيضاً الضوء. ثمّة مثلاً النظّارات الطبّيّة، وربما شجار أبيك مع الحلاّق، وربما الصرصار الذي مرّ منذ دقائق من أمامنا ونحن نكتب. الكتابة عن درويش تجعلني أصاب بالرعشة. أنا أكتب عن عدوّي الذي أحببته قديماً. الشعراء أعداء بعضهم. يتصافحون فقط في قصيدة شعر، ولا يتصافحون داخل حانة أو ممرّ مستشفى. أكرّر، من منّا لم يُصب يوماً باختناق درويشيّ؟ لا أعرف بالتحديد الإجابة عن هذا السؤال، ولست مقتنعاً بالبحث عن إجابة له قدر اقتناعي بحتميّة ذرّ هذا السؤال في فضاء كراهية مازن معروف لمحمود درويش. مهلاً، الرجل يتنفّس غليونه. نظنّه يدخّن. لكنه لا. يتنفّس وحسب. نحاول أن نتنفّس معه. لكن فتحة الغليون الضيّقة لا تليق بثغرين، بأربع شفاه، أو ثلاث وعشرين. نناور، وندخل من الفتحة الأخرى، الأوسع حجماً. لكننا سرعان ما نعلق داخل عنق الغليون الضيّق. نحن فئران القصيدة، نلتفّ إلى الوراء لنعود أدراجنا. الخروج بعدها من حيث قدمنا حتميّ. نحدّق في الرجل بعدما خرجنا أحياء. نحدّق فيه مليّاً. نُصاب بكراهيته وبحبّ رائحة غليونه. درويش الآن يحثّنا على كراهيته، على إنكاره. تلك شروط اللعبة: أن تكره أو أن تحبّ. درويش يتشبّث بورائه ليخطو نحو الأمام بطيئاً، بألف عكّاز. تغيّر جهازه العصبي الشعري. وأصدّق هذا التغيير التقني في استخدام اللغة، ربما لضرورة فنّيّة، أو سياسيّة، أو بنيويّة لموازاة ما بعد الحديث في الشعر، أو النبرة، أو تشريح الحالة الفلسطينيّة. أنا لست مهتمّاً بالسبب، لكني في دواوينه الأخيرة وجدتُني تعثّرتُ ووقعت عيناي على الأرض. أعترف. ما زلت حاملاً جهازي اللاسلكي المصنوع من البلاستيك. واقفاً كباب في شقّة مهجورة. لكن منذ كتاباته الأخيرة، لم يعد درويش يلعب معي. إنني الآن لا ألتقط أي إشارة من جهازه اللاسلكي المصنوع أيضاً من البلاستيك. ربما نسي أنه ولدٌ محتاج للعب مثلي.

مازن معروف

مجلة «نقد» الفصلية، العدد 3، تمّوز 2007

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s