كلمة

 

 

-1-
لماذا يصر النظام السوري على التأكيد بأنه ليس أهلا، لا لصون حق شعب، ولا إرجاع هذا الحق أو عدم انتهاكه على الأقل؟ لماذا يصر يوما بعد يوم بأن أولويات إنسانية كالحق المدني والحرية والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتداول السلطة، مفردات وعبارات لا تندرج في قاموسه؟ لماذا هو غاضب إلى هذه الدرجة؟ ألأنه أيقن فجأة أن لا رصيد لديه؟ وأن صندوقه البريدي الذي نصبه منذ السبعينات، فارغ؟ ألأنه أيقن أن لشعبه عمقا مهولا وأبعادا كان أمامه (النظام) أربعين عاما كي يحزرها، ولم يفلح؟ ألأنه أيقن أن الفرصة التي أعطاها له الشعب السوري الصبور، منذ أربعة عقود ونيف، قد انتهت؟ هل لأن هذا الشعب أفلت من النسيج الأمني الذي لطالما جر مجتمعاً إلى انتخابات الـ 99.9%؟ ألأنه عرف أن حضارة وثقافة ولدتا من شوارع دمشق وأطراف سوريا، لا يمكن إلا أن تعودا يوما لتنظفا هذه الأرض؟ ألأنه أدرك أن الواقع بات مقلوبا، وأن كل مطالبة بالحقوق المدنية والديمقراطية، هي مرجع جديد يقاس به كل نقيض لهذه الحقوق المشروعة، بدقة تفضح كل خلله وبشاعته؟ أين علامات الحق في هذا النظام؟ هل هو مصدق أن الذين آمنوا به، لم يكن لهم غرض آخر سوى تعزيز مواقعهم؟ مجرد مثال: في أي موقع كانت المؤامرة، وعلى من، وضد من، ولمصلحة من، عندما طلب النظام من أحزابه الموالية له دك المخيمات الفلسطينية في لبنان أواسط الثمانينات وقبلها إسقاطه تل الزعتر، وبعدهما حماة و.. و..؟ ألم يكن أكثر الأنظمة نشاطا في حياكة المؤامرات؟ لماذا يصر هذا النظام على التأكيد بأنه مجوّف يفتقر لأي غطاء إيديولوجي له ولا بنية فكرية، ما يجعل أنظمة النازي والفاشستي والستاليني والصهيوني ترتاح اليوم في قبورها؟ لماذا يلهث هذا النظام للحصول على النجمة الذهبية في الدموية، بينما يقف في بورتريه جماعي محوطاً بأقسى الشخصيات الديكتاتورية في التاريخ؟ ما الذي يريد هذا النظام إقناعنا به؟ ديمقراطيته مثلا؟ غيرته على المواطن السوري؟ شغفه بفلسطين؟ لماذا كل هذا اللؤم بحق المدنيين؟ لماذا يصر على استفزاز العالم أجمع؟ أمن أجل شيء آخر سوى أن يؤكد لمريديه “أنظروا، المؤامرة تقترب”؟ من يستفيد من كل هذا القتل المستعر الذي يقوم به؟ ما هي أبعد نقطة تقف عندها وجهة نظر المستفيدين من همجية هذا النظام؟ “الممانعون”، هل فاتهم أن النسيج المجتمعي في المنطقة بالغ التعقيد والتداخل لدرجة أنه لا يمكن لأي كان أن يستمر بالدفاع عن نظام يتآكل نفسه ومحيطه في نفس الوقت، وبالتالي يتآكل صورتهم من دون أن يشعروا؟ ألا يتضمن سلوك هؤلاء “الممانعين” في الدفاع الأعمى عن النظام، أكبر عملية إفراغ معنوي لخصوصية المنطقة كخزان ثقافي متنوع؟ إذ نصبح جميعاً، بمجرد مساندتنا للثورة السورية، عملاء، ويمّحي تاريخنا كأفراد، وتحال جذورنا على التلف فورا. مِن أجل مَن محاولة النظام وأتباعه تفريغ المنطقة بكل مكوناتها المساندة للثورة، بهذا النحو؟
ما لا يعلمه هذا النظام، أن السوريين، في ازدياد. هم لم يعودوا فقط هؤلاء الحاملين جواز سفر سوري، أو ذاكرة سورية، أو تاريخا مرتبطا بعبق الأرض هناك. بل أصبح كل مواطن حر في هذا العالم سورياً. أصبحنا جميعا سوريين قبل أن ننتبه إلى جنسيتنا الأخرى. ثورة الشعب السوري أكسبتنا أعرق وأنبل هوية في التاريخ المعاصر. كم نحن مدينون لك أيها الشعب

 

-2-
علينا كفلسطينيين أن نشكر الثورة السورية، أن نشكرها بخجل، بصوت خافت جداً. ليس لأنها قدمت فقط شعباً تواقاً إلى الحرية، بل لأن هذا الشعب، يأخذ على عاتقه، وبحراكه الهادف لإسقاط النظام، رسم جذور قوة إقليمية جديدة. قوة شعبية تستمد سلطتها لا من متغيرات تتعلق بالقضية الفلسطينية (وهي المتغيرات التي استثمرها النظام السوري في السبعينات والثمانينات لتعزيز انتشاره سورياً، لبنانياً وفلسطينياً)، وإنما من قيم إنسانية أساسية، شكلت القاسم المشترك الأساس لبناء الحضارات القديمة ونشرها. الشعب السوري اليوم، يشكّل في مجموعه شخصية واحدة، كتلةً تجهر بصوتها، ويتغير تكوين بنيانها بحسب درجة التصعيد والضرر الذي تلحقه آلة النظام بهذا الشعب. كتلة تتمدد أو تتقلص، تتغير مساحتها وسرعة انتشارها وطريقتها في تفادي الموت قدر الإمكان. كتلة معزولة عن العالم الذي بعد أن وضع ضميره في أذنيه، فقدهما. صحيح أنها كتلةٌ عمر نسختها الحالية لا يتجاوز السنة، أي أنها طازجة جدا، غير أن حراكها، والضغط الذي تمارسه على النظام، يعادل في أهميته، سياقاُ تاريخياً مكثفاً جداً من النضال. وكما تُربك النظام وأعوانه، تبدو في بهائها مذهلة بالنسبة لنا نحن الفلسطينيون. ولهذا، فإن دخول الشعب السوري التاريخ لا يتبع اتجاه الروزنامة المستقبلي، أي من عام 2011 إلى 2012 إلخ.. بل هو ينفذ إلى التاريخ بشكل عكسي أيضا، إلى الوراء، محوِّلاً كل إنجازات النظام وجهده في تثبيت ديكتاتورية أبدية، إلى مجرد مقدمة قصيرة الأمد لإنطلاق الثورة السورية. الدم السوري الذي يسيل اليوم في المدن والقرى هناك يُضخُّ في عروقنا كفلسطينيين في جميع مدن الشتات كما في فلسطين. يُضخّ دماً متطايراً صوبنا ومعجوناً بالأمل. الشعب في سوريا يبذل دمه غاضباً ومتجرئاً – هذه هي الصورة الفيزيولوجية التي نشاهدها – لكن ضوء هذه الصورة، يسافر إلى فلسطين. فلسطين التي تعود اليوم إلى مربع الصفر، إلى النسخة النظيفة من فلسطين.ونُوضع من جديد على خارطة الصراع مع العدو الاسرائيلي شعباً فلسطينياً محاطاً بشعوب جديدة، شعوب تنفذ إلى القضية الفلسطينية ليس من باب الواجب المدرسي أو الدعاية الحزبية الرسمية، وإنما من باب المبدأ الانساني العاري عن أي سلطة قمعية. مبدأ الحرية. الثورة السورية لم تقدم فقط نموذجاً لشعب سوري تواق إلى الحرية، بل تصدّر صوتاً يعوّل عليه في دعم حقوقنا وإدخال قضيتنا مجدداً باب العدالة. تاريخ الثورات، منذ ثورة العبيد الأولى (للمفارقة، قادها عبدٌ سوري اسمه أونوس) يثبت لنا أن كل مراسم السلطة تصاب بالخلل بعد لحظة الثورة. والثورة السورية ضربت هيبة النظام الذي لم يُخِفْ شعوباً أخرى فقط، بل وأيضاً أنظمة عربية. وهو نظام يثبت بعدم إيمانه بحرّية شعبه، فكيف بحرية شعب آخر وتحرره (كالشعب الفلسطيني مثلا). من هنا، أسأل وأنا أرى سلطةً تقصف شعباً أعزل من بعيد: لو تمكّن هذا النظام، قبل اندلاع الثورة السورية، من دحر العدو الصهيوني خارج فلسطين، هل كنا سنشهد بالفعل تحريراً لفلسطين أم انتقالاً من احتلال إلى آخر؟ شكرا للشعب السوري، أقولها بخجل وبصوت خافت جداً

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s