ملاك على حبل غسيل لمازن معروف: نمط جديد في كتابة القصيدة الشبابية

العنوان الذي يستخدمه الشاعر الفلسطيني مازن معروف لديوانه “ملاك على حبل غسيل” (الصادر عن دار الكوكب، رياض الرّيس للكتب والنشر، 2012)، أقلّ ضوءاً، مقارنةً بالقصائد التي تضمّها دفتا المجموعة والتي لا مبالغة بالقول إنها ذات نبرة جديدة ولافتة

محاولة الشاعر عنونة مجموعته بجملة مركّبة لا تقول صورة صادمة، تنبئ بأنها ستدخلنا الى متن شعري طفولي، وتساهم صورة الغلاف التي تشبه صور غلف كتب الأطفال في خلق هذا الشعور. لكن القارئ المعجب بالشعر الحديث الذي يكتبه الشباب في بيروت، سيكتشف العكس، وأن الشعر في “ملاك على حبل غسيل” يرسم نمطا جديدا في كتابة القصيدة الشبابية الحديثة من حيث وصف الضجر والقلق الخاص والتبرؤ من العالم الخارجي، أو إعادة وصفه بسوريالية تملك صلابتها بل وقسوتها في قلب الواقع

ينفرد مازن معروف في تسفيه العلاقة بالجسد، أي علاقة الكاميرا المتشبثة في عيني الشاعر بالجسد الذي يحملها، فيبدو الجسد كعلبة من العظام تحمل كاميرا أعلى الرأس، وحينها يتحكّم الشاعر بفصفصة جسده عظمة عظمة، ويمنح تلك العظام أدوارها في الحياة المرسومة داخل القصائد، وفي تركيبة القصائد البنيوية، فتصير العظام والهيكل العظمي في صلب معنى القصيدة ومبناها أيضا

تواتر ورود عظام الجسد في القصائد، سواء منفصلة لتشكل هيكلا عظميا، أو مكتملة كهيكل عظمي سينفرط، سببه أن الشاعر يقلب مسيرة الحياة ليجعلها تبدأ من الموت وتنتهي الى الولادة وليس العكس. فكائن قصيدته ميت يعود الى الحياة دائما، وهذا ينطبق على الأشياء المحيطة بهذا الكائن الذي يراكم التحوّل في داخله ليفرزه أو ليبصقه على العالم الخارجي الذي لا يحضر سوى كمسبب للضجر، وللبطء القاسي، وللتخلي. كأن الوجود الخارجي ليس سوى حالة غرائبية دائمة التبدّل والإنقلاب بينما الجسد “العظمي” مجرد مشاهد لهذا العبث، وفي الوقت عينه جزء من سينوغرافياه

“سأعطيهم أكفا من الخشب- ليلوحوا لي بها- بعد أن أكون طردتهم” (ص 25)، “لأن ذراعيَّ كانتا نحيلتين بسماكة نفق لدخول وخروج حشرة زاحفة، لم أضمك بشدة” (ص27)، “كأن رجلا يخلع عظمة ساقه السليمة ويستعملها كعكاز” (ص31)، “هذا العصفور على مسكة الباب المصنوعة من ضلع سابقة، مجرد اعتباط” (ص33)، “وجهي يشبه المسيح لكنني لست حطابا لأعمل من عظامي صليبا” (ص60. يحضر “الفاعل” في القصيدة كقطعة من العظام يستعيد الحياة من خلال موتها، فينقل حالته الى ما يحيط به: خشب النوافذ الذي يشتاق الى الشجر، الباب الذي يجب أن يسدّ كي لا يؤدي الى حفرة العالم، الذاكرة التي تتخلى عن دورها باسترجاع الماضي لتتحوّل الى صانع لعالم آخر كان لـ”مكوّناته” أدوار أخرى غير تلك التي منحناها إياها وباتت مسّلمات. الضغينة التي ينزلها عن كتفيه لترتاح لكنها تلاقيه مجددا بعد بضع خطوات. قلم الرصاص الذي يتوق للعودة الى الممحاة لأنه غير مقتنع بوظيفته

يتقصد الشاعر أن يصوّب على الأشياء ليفتتها ويعيدها الى طبيعتها الأولى، وهو يفعل ذلك بقسوة وببطء، كمن يخرمش أظفاره على الزجاج. يتقّصد تبطيء المشاهد لكي يرينا شناعة فعله ونتأكد أنه يقوم به بملء إرادته، فانتقام بطل القصائد من المشاهد وتركيبها، معلن. ولا يحتاج الى كثير حصافة لينفضح: “سأرمي حجرا في الهواء… حجرا، حجرا في الهواء. حجرا أصيب به نفسا عابرة… بالصدفة” (ص 118). “سئمت اللون الأزرق. أمد إظفري وأقشر السماء… بعنف” – ص 108

في القصيدة الأولى يدفعنا الى مشاهدة مسار الحجر وإصابته هدفه، في القصيدة الثانية يعرض أمامنا السأم العاري ويطلب منا الإعتقاد أن العنف دواؤه. هذا اللعب الإنقلابي في سير الزمن من الموت الى الحياة، وفي إعادة الإعتبار الى الأشياء لا بتأثيرها على من يعيش بينها بل بتأثير نزقه هو عليها، هذا اللعب ينطبق على شكل القصيدة التي تبدو غالبا مكتوبة بالمقلوب، كأن الشاعر ينتقل بها من النهاية الى البداية بالمعنى التقني للكتابة. فنهايات القصائد غالبا ما تبدو باهتة وغير مفاجئة مقارنةً بالجمل التي تبدأ بها، عدا عن كون تسلسل الصور في متن القصيدة يبدو كأنه يتقدم نحو الخلف، كإعادة فيلم ببطء من نهايته الى أوله. وهذا ما يجعل الجملة التي تبدأ بها القصيدة كأنها ما كان يجب أن تختتم بها، والخاتمة ما كان يجب أن تبدأ بها. لذا يمكن قراءة القصيدة في “ملاك على حبل غسيل” من النهاية الى البداية. وقد يكون هذا الأمر مقصودا ولو غير واعٍ، أي الإنتقال من صدمة الصورة الى الهدوء في نهايتها، كالناظر الى ما خلّفه الإعصار. هذا الافتراض يمكن تأكيده من خلال شخصية “المتكلم” في القصائد، ذاك الذي “يشقلب” العالم ويعيد قولبته، ويسخر من موجوداته وأدوارها، ويشعر بأنه يمكن أن يقطع شفتيه ليصنع إبتسامة كبيرة تلائم العالم، ولكنه لا يعلن في أي لحظة أنه يرغب بتغيير هذا العالم، بل ولا يرغب بتغيير وضعيته هو نفسه في هذا العالم. كل ما يطلبه هو إعلان النزق، وتبرير وجوده فيه، ورسم صورة قاسية وبهية للضجر الذي يكتنفه، ونكء الجرح المختوم الذي لا يزال أثره واضحا في كل كائن بشري

“تعلّمت اخيراً أن أحب الضجر. حتى أنني سجّلته على كاسيت” (ص122). “أمشي… لا لأمشي بل لأحقق رغبة ظلّي بأن أرافقه وهو يتنزّه” (ص74). “ليكون لديه ابتسامة كبيرة تلائم العالم… يجيء كل صباح بمشرط ويزيل شفتيه” (ص72). “جالسا على ضرس كبيرة. منتظرا داخل فم كبير. ابتلعني منذ ولدت” – ص 73

بعد “الكاميرا لا تلتقط العصافير” و”كأن حزننا خبز”، تبدو مجموعة مازن معروف الثالثة كأنها تقطع مع هاتين المجموعتين بأدوات قص وتفكيك لم يكن قد استخدمها سابقا

  فيديل سبيتي

جريدة النهار – 19/2/2012

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s