سرحان بشارة سرحان.. المُفرد

بُعيد وصولي إلى آيسلندا، للإقامة هناك، طلبت مني مجلة فصلية تعنى بالشعر، وضع دراسة مقتضبة في قصيدة محمود درويش. كان الهدف تعريف القارئ الآيسلندي على قصيدة درويش عبر تقريب المجهر من شعره ككيان خالص، بدلا من اقتران هذا الشعر بالصيغة العاطفية والمشفِقة التي تعرِّف درويش بـ”شاعر القضية الفلسطينية” وتقف عند هذا الحد. كذلك أُبلِغتُ من قبل إدارة المجلة بأنه سيكون مهما أن يتناول “شاعر فلسطيني شاب”، محمود درويش. وافقت واقترحتُ على المجلة، نظرا لضيق المساحة (6000 كلمة)، أن أركّز “دراستي” على ما أعتبره الفترة الاولى في شعره، أي تلك الممتدة بين عامي 1964 و1983. وألزمت نفسي بمعاينة أبرز المحطات التي تدل على تطور سياق القصيدة ومركّبها، وكان علي بطبيعة الحال ألا أتغاضى عن الظروف السياسية المساهمة في تحفيز مخيلته الشعرية، وكيفية استثمار درويش لهذه الظروف جمالياً. قادتني قراءتي لقصائده من أول وجديد، إلى تناول الهوية، مفهوما لا موضوعا، وإلى الإشارة إلى أبرز الشخوص الشعرية التي ساهمت في توسيع بيكار الهوية في شعره. فانتقلتْ تباعا من كونها عاملا للاستدلال جغرافياً على مجموعة من السكان، يفضي دائما إلى غضب ومأساة (في النموذج الفلسطيني)، إلى اعتبارها سؤالا وجوديا نهماَ. ذلك ضمن خيط كرونولوجي بدأ بـ”أوراق الزيتون” ثم “عاشق من فلسطين” و”آخر الليل” و”العصافير تموت في الجليل”، حتى وصلت ديوان “أحبك أو لا أحبك” (1972). اصطدمت في هذا الديوان، مرة أخرى، بقصيدة “سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا”. أقول “مرة أخرى”، لأنني كنت قد قرأت القصيدة قبل ذلك، وانجذبتُ لمناخها. واعتقدت لفترة أن سرحان هو شخصية افتعلها درويش لضرورة شعرية بحتة، بغية إثقالها برمزيات سياسية وإيديولوجية وفنية. لذلك، لم تفضِ القصيدة بالنسبة لي، لأية إشكالية فردية موجودة على أرض الواقع، بل ظننت أن سرحان الذي “يشرب القهوة في الكافيتريا”، ويطرح أسئلة محرجة حول الوطن ومحيط هذا الوطن، هو فكرة أبعد ما تكون مستندة إلى أي حادثة واقعية

ليس مهما رقم السنة ولا اسم المكتبة. كان ذلك قبل اضطرار بائع الكتب المستعملة ذات يوم، إلى حزم بضاعته الورقية والإنتقال. عشرات الكتب، في الفاترينة الضيقة، كانت تزعق بأصواتها متراصّة كأنها في اختبار. ترفع صورة  لسياسي أو ثائر أصبح فيما بعد ديكتاتورا، أو مغنٍّ ملتزم، أو نظرية في التنجيم أو الأدب أو الفلسفة أو التاريخ، وعناوين أخرى وتصاوير لا مجال لتعدادها هنا. والزاروب، حيث المكتبة، يتمدد في موازاة نزلة البيكاديللي مقلّدا شارعا فيه مسرح مقفل. ومنذ أيام وأنا أمر وألتفت إلى كتاب ثبَّته البائع في الجهة اليمنى من الواجهة. عنوانه “سرحان سرحان، قاتل أم فدائي؟”. وثمة وجها على غلافه مرسوما بصيغة البوب آرت لشاب أسود الشعر. كتاب عتيق. وخطواتي تصبح وأنا أغادر من أمام واجهة المكتبة بعد تأمله، أبطأ. لا أجرؤ على سؤال البائع عنه، لسببين. أولهما أن الكتاب مغلّف بالنايلون والبائع بطبيعته حاد الطباع، ما يعني أنه كتاب مصفّح، معزول، وممنوع على القارئ معاينته قبل ابتياعه (وهو ما يتنافى مع طبيعة الكتابة، ومبدأ الكتب التي صُنعت لتُقْرأ فهي ليست بيضة حظ مكسوّة بقشرة من الشوكولاتة). وثانيهما مهابة الرقم المؤلف من خانتين وقد خُطَّ على غلاف النايلون بالحبر الصيني وإلى جانبه علامة الدولار. اتسعتْ بذلك المسافة بيني وبين الإجابة عن سؤال “سرحان سرحان، قاتل أم فدائي؟”. لكني عزمت على  الحصول على الكتاب. لففت هذه المسافة ورميتها كعقب سيجارة أمام باب المكتبة. الكتاب يحكي سيرة حياة سرحان سرحان. شاب قدم من القدس إلى الولايات المتحدة، واتهم بقتل السيناتور روبرت كينيدي. السيد كينيدي، الشقيق الأصغر لجون كينيدي، كان معروفا بمواقفه المعادية للعرب، والمستفزة للروح القومية العربية التي درج الترويج لها في تلك الفترة. كما إنه لم يدخر فرصة ليعلن ولاءه لاسرائيل واصفا إياها بعد حرب 1967 بأنها النموذج الأكثر إنسانية ويجب الاقتداء بها. مهما يكن من أمر، لم يكن ثمة ما يبرر قتل مرشح الرئاسة آنذاك، أو أي شخص حتى وإن عادى القضية الفلسطينية بهذه القسوة. قرأت من صفحات الكتاب ما اعتقدته كافيا لمدّي بخيوط قصة سرحان دون الغوص في تفاصيل حياته. أودعت الكتاب في مكان يناسبه في مكتبة البيت، وعزمت على قراءته في أقرب فرصة، ونسيت

قصيدة “سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا” قد تكون السجل الوحيد الذي يوثق موقف سرحان الشخص من القضية الفلسطينية في الذاكرة المعاصرة. سألت نفسي، “هل توفي؟”. لا. سرحان بشارة سرحان ما زال على قيد الحياة. هو في إحدى سجون كاليفورنيا. أصبح عجوزا. فقدَ شيئا من شعره، وسحبْ حقلُ الجاذبية خلايا جلد وجهه إلى أسفل. الخلايا التي تكاثرت وتكومت فوق بعضها وماتت وهرهرت دون ضجة على أرضية سجنه البعيد. سرحان مقيم خارج اهتمامات المنظمات الأهلية، وجمعيات حقوق الانسان. لم يطالب به الحقوقيون، ولا الأحزاب ولا “القوميات” العربية ولا الصحف ولا النشطاء ولا المفكرين. لم يُذكَر اسمه في أية جلسة بين المفاوضين الفلسطينيين والأميركيين. ماذا أعطيناك يا سرحان؟ رجعت إلى قصيدة درويش. قرأتها مرة أخرى. “ما أجبن الشعر”، قلت. ماذا يعني أن تُكتب قصيدة لسرحان سرحان المُفرد؟ وأي شعور يخامله الآن وهو يقرأ مرة أخرى القصيدة التي كتبها درويش عنه؟ لا بد أنها الآن قصيدة باردة. هل تستطيع الكلمات أن تخيِّط أشياء العالم بعزلة سجين منسي؟ درويش كتب القصيدة على اعتبار أن سرحان بالفعل قاتل روبرت كينيدي. أثارت قصة الاغتيال فضولي. ثمة فيديو على اليوتيوب. لا نرى سرحان سرحان. روبرت كينيدي يحيط به جمع من أصدقائه وهو يغادر المنصة في كاليفورنيا. نسمع أصوات رصاص، ويعتقل سرحان. لكن كيف تمكن الشاب الفلسطيني الخجول من إصابته رغم كل هذه الحشود، ومن مسافة قريبة؟ على كلٍ، الفيديو مغبّش، ولا بد أن سرحان كان يتربص به من مكان قريب. لم يعد شغلي قصيدة درويش، بل البحث في سرحان. اليوتيوب مرة أخرى. هنالك مقابلة له وهو شاب، يبكي ويقول “أتمنى أن يسود السلام في الشرق الأوسط”. طلب سرحان بعد فترة سجن طويلة، إطلاق سراحه، غير أن السيناتور إدوارد كينيدي (توفي عام 2009) وقف دائما بالمرصاد. سرحان اليوم، لا يتذكر أنه أطلق النار على روبرت كينيدي. يقول هذا للقاضي الأميركي، ويرد الأخير بما معناه أننا لا نتذكر جميع ما يحصل لنا في حيواتنا. صحيح سيدي القاضي، لكننا لن ننسى حادثة أودت بنا إلى السجن منذ عام 1968 حتى هذه اللحظة. لماذا يقوم سرحان بهذه المناورة الضعيفة؟ لكن، هل تتقاطع إدعاءاته مع ما يعتبره البعض ضلوع الـ”سي آي إيه” في العملية، وإلصاقها بسرحان سرحان كعربي فلسطيني؟ “هذيانات المؤامرة مرة أخرى” رددت في نفسي، إلى أن شاهدتُ برنامجا يبرهن فيه عالِم الخِداع الإنكليزي درين براون* أنه قادر على تجنيد أي كان لارتكاب جريمة قتل تحت تأثير التنويم المغناطيسي. براون نفسه، يعود إلى قضية سرحان سرحان، كنموذج واقعي للتأكيد على صحة تجربته

ما يدعو إما لفتح القضية مجددا أمام المحققين، أو على الأقل لتحفيز ناشطي الحقوق المدنية للقيام بحملة لإطلاق سراحه
سرحان سرحان مُفرد. فترة سجنه (1968- 2012) تختزل هزائم، اتفاقيات سلام، اجتياحات، غزو تكنولوجي، انفتاح اجتماعي، ثورة، إخفاقات، نزاعات أهلية وعرقية. يضاف إليها مئات البيانات والاعتصامات التي رُتِّبَتْ تطالب بإطلاق سراح فلان أو آخر ضمن شرط ما. كانت كلها أسماء معتقلين هم إما أعضاء سابقين في حزب، أو حركة سياسية، أو تجمع، أو تنظيم أو ميليشيا مسلحة، أو رابطة أو طائفة. الشارع العربي اختلفت درجة ديناميكيته فقط بحسب قوة الحافز المنشِّط له، أو دلالة هذا الحافز القيادية، أو درجة الأسطورة في صورته. سرحان ظل حالة شاذة في هذا السياق. فرمزية الشاب المقدسي بقيت رومانسية في المقام الأول، اجتماعية، فجة وواضحة المعالم. لم يكن بالإمكان أن يضاف شيء إليها، أو يؤخذ منها. وهي رمزية لم تكتسب زخما سياسيا، لأن النظام السوسيو-بوليتيكي العربي حال دون تعميم صورته، أو تفاعَلَ معها في أحسن الأحوال كقضية ظرفية. ولأن سرحان لم يكن منضويا تحت مظلة إيديولوجية، ولم يعتل سلماَ عقائديا للوصول إلى فلسطين. لا هو اليمين، ولا هو اليسار، لذلك، استبعدته كل المنظمات الفلسطينية من أجندتها، فلم يدرج اسمه في مانيفستو تشويقي كخطف طائرة أو احتلال سفارة أو احتجاز رهائن أو إطلاق صاروخ طائش. سريعا، أًزِيحَ سرحان إلى موقع المتفرج على الغليان الشرق أوسطي، من زنزانته. تحول من “قاتل أم فدائي أم ضحية؟” إلى “محايد مضروب بثلاثة”. سرحان مفرد وفرد وحرف واحد في صفحة بيضاء ومواطن خارج نظام الحزب أو الطائفة أو المنظمة أو الإيديولوجيا أو أي تكتل ذات مرجعية قبلية في تكوينه. وما عزله عن العالم العربي، لم يكن خصوصية قضيته، ولا بُعدها الجغرافي، ولا ارتباطها بعائلة غامضة (كينيدي) أفل نجمها سياسيا، ولا ظرفية الحدث آنذاك وفداحته، بل سلوك الجمهور العربي القائم على تعزيز الفاشستية وممارستها على نفسه ومن ثم الندم. وسرحان حالة خاصة، فردية جدا، لكنها تحمل من الدلالة ما يجعلها نموذجا صالحا لدراسة كتلة الجمهور العربي وبسيكولوجيته والظروف التي تؤثر في وعيه، أو تدفعه للإنفعال في الشارع.

قد يكون سرحان بشارة سرحان أقدم سجين في العالم. عزلته ستبلغ عامها الأربع والأربعين هذه السنة. أتخيله يحدِّق في إنسانية معزولة في حقدها آلاف السنين إلى الوراء. ويمكنكم أن تُضيفوا كرسياً إلى المشهد

http://www.youtube.com/watch?v=oC9J6O6soHA. رابط الفيديو*

مازن معروف – آيسلندا

(النص نشر في العدد الأخير من مجلة رمان)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s