في خوف الحاكم

كل نظام ينزع إلى ديكتاتورية ما، هو نظام يجوز ربط فترة إقامته بنيَّة واحدة: السعي إلى تقنيع خوفه. هذا بغض النظر عن أشكال القمع أو مستوياتها التي يمارسها أو ينشِّط دورها في المجتمع لإحكام قبضته. يتحتم علينا أن نعزل الديكتاتور كعيّنة “عرضية” في تكوينها، كي نفهم الدوافع التي تحثه على تحصيل مجتمع سلبي، يمتصّ ولا ينفجر. خوف النظام يكون جاهزاً قبل نشأة النظام نفسه، لا بعده. هو خوف له علاقة بالطبيعة النفسية للحاكم/ الشخص، ويسبق الخوف السياسي أو الظرفي الذي يستجد بسبب مصالح دول غريمة، أو تغييرات في أولوياتها، أو توزيع جيشها، أو تعديل استراتيجياتها، أو إقدامها على حلف سياسي، عسكري أو اقتصادي

أنظمة الطغاة، لا تقوم إلا على تطويع المجتمع بما يؤمّن للحاكم أرضية بصرية تناقض خوفه النفسي. يكون الحاكم في حاجة إلى حجة دامغة تطفو كبقعة زيت عريضة على وجه الماء، خافية السخام الأسود الذي يلمع في العمق. المجتمع خانعاً، يمثل بالنسبة إليه، مادة سينمائية/ مونوكرومية، ممنوع أن يتنفس أي جزء فيها مستقلاً عن المجموعة. إنه كحشد النقاط التي تكوّن خط الموجة، “لازم” أن تخضع للطاقة نفسها، وأن تتفاعل بالطريقة نفسها دائماً، سواء هبوطاً أم صعوداً. بينما يمثل الخوف النفسي، النيغاتيف غير القابلة تفاصيله للقراءة الواضحة. لأنها تفاصيل لا يريد صاحبها (الديكتاتور) الإعتراف بوجودها. يحظر على نفسه الغوص في أعماق ذاته لنبش هواجسها. بدلا من ذلك، يختار أن يوجه مناورته مع الذات عبر محور آخر. هكذا تبدأ شرعية الديكتاتور بأخذ اتجاه واحد: انطلاقا من خيوط بذلته العسكرية نحو تلك النقطة في دماغه التي منها ينبثق وهمه أنه على صواب. إنه في حاجة لعامل أكثر حميمية، لأن الشعب يمثِّل مادة يسلّم الديكتاتور بوجودها من دون أن يكون قادراً على تفسيرها. فسلوك الشعب حياله، هو عامل قابل للتفسير والتأويل، وقد يتأجج على حين غرة، وينفلت من قبضته. إذ لا يمكن الشعب أن يكون حميماً لدى الديكتاتور، ولا يمكن الديكتاتور أن يكون حميماً لشعب ما. الإثنان، الديكتاتور والشعب، في فترة معينة، لا يجرؤ أيٌّ منهما على الإفصاح عن هذه الحقيقة للطرف الآخر. هكذا، تتحول صورة الطاغية، في مرآته البسيكولوجية، مجرد رتق موصولة بخياطة ضعيفة. ذلك يولّد إرباكا يضاف إلى خوفه المنقول معه قبل تسلم السلطة. هذا ما يفسر تماثل سلوك أغلب الطغاة وتميّزهم جميعاً بالبطش والحزم والإنفعال والعناد والعصبية (عصبية الآلة العسكرية المعلنة على الأقل). وهذا ما يفسر أيضا عدم قدرتهم على تحمل مشهد تظاهرة ضدهم، ولا سماع هتاف يندد بهم او يدعوهم الى ترك السلطة. يصبح الامر بالنسبة إليهم مسألة شخصية بامتياز، وتتحول البلاد طاولة شطرنج مؤجلة، بينما يقف اللاعب الوحيد على طرفها شاهراً سكينه وجاهزاً لمعاقبة الخصم/ الشعب، لأن هذه الكتلة الديموغرافية فاجأت الديكتاتور بأمرين: أولاً قدرتها على نقل حجرها الوحيد، وثانياً حقيقة أنه لا يمتلك هذا الحجر. إن نشاط المجتمع فجأةً لاستعادة حقه، يراه الحاكم مجسّماً متمدداً لفشله. في كل يوم، يصبح وزن هذا المجسّم أكبر، وتتضخم ملامحه ويجوع أكثر. يصبح فشله فشلاً جائعاً. يوقن الديكتاتور فجأة أنه فقد اللحظة، وأن اللحظة انزلقت من قبضته، وأن قبضته مثقوبة. بفقدانه الشعب (الذي لم يكتسبه أصلاً)، يفقد الشرط الضروري لتصريف خوفه. لذلك يستعين بالنسخ المعدّلة لصورته، أقل تمزقاً، لكن أكثر هشاشة. هؤلاء أتباعه، الأكثر جهوزية لبذل ما أمكن لإعادة الشعب إلى طاولة الشطرنج مكبّل اليدين وأمامه حَجَرُه الوحيد. وفيما يمضي الشعب قدماً في تطوير نشاطه، سعياً لاستعادة حقه الانساني، ينشغل الديكتاتور بوضع الخطط لاستعادة الرقع التي سلبه إياها الشعب. الشعب يرتبط وجوده بقيمة إنسانية، والحاكم يقيس وجوده بقدرته على ملء ثقوب صورته المعطوبة. تالياً، هما يتحركان ضمن معطيين مختلفين، مما يفاقم من الممارسات القمعية

تحت هذه الممارسات القمعية، يتوارى محرِّكان: الأول خوف الديكتاتور كفرد، وهو خوف يتحرك في محور بسيكولوجي شخصي، لكنه يترجم في سلوك يفوق قدرة المجتمع الخامد، على التسليم بأمر الديكتاتور كـ”ظاهرة موقتة”. أما المحرك الثاني، فيكون ارتيابا جمعياً. يقوم مجموعة أفراد متحلقين حول الديكتاتور باستنساخ خوفه، وتعبئته في دواخلهم، كحدس وآلية دفاع، لا كخوف. مما يبرِّر لاحقاً، لهؤلاء، منهج حكم معيناً، أو طريقة. فيعملون كمجموعة متجانسة، ميكانيكياً، من دون أي لازم لمحاججة إيديولوجية، لأن نقيض فكرة الديكتاتور، يصب حتماً في حزمة أسباب خوفه، وعليه أن يكون خارج “الأمة”، مقتولاً، مسجوناً أو منفياً. ولأنه أولاً ارتياب، وثانياً ارتياب جمعي، يتحوّل نظام الديكتاتور إلى معمل متوتر، لإنتاج فتات قوانين تكسو المجتمع غصباً عن الناس، وهذا ما يحوِّل الحياة إلى أسلوب، والأفراد إلى أوراق كربونة، الأمر الذي يفضي إلى تثبيت حدود الحاجة الاجتماعية للفرد والعائلة والمؤسسة غير الحكومية. ينجح الديكتاتور في تعميم نسخة واحدة من الخوف، توازن خوفه الشخصي، وتطيِّر شعوره بالتوحد، ويتفكك عنده كل معيار من شأنه أن يتطرق إلى حالة الديكتاتور كنموذج بشري قلق. حيث يفترض أن الخوف المحصّن لفرد واحد يتفوق على خوف مكرر آلاف المرات في مجتمع أفراده غير محصّنين

مازن معروف – جريدة النهار

13/5/2012

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s