ملاك على حبل غسيل مازن معروف

يهمني رأيي
بالأشياء التي لا أهتم لها
يكتب مازن معروف في إحدى قصائد مجموعته الشعرية، “ملاك على حبل غسيل”، الصادرة عن دار رياض الريّس – الكوكب، متبعا ً هذا الإهتمام في نصه المفتوح على إصطلاح يومي مهمل وقاموس صوري، يحصل على مفرداته، في أغلب القصائد الستين، من مهملات شيئية يستخدمها الشاعر في تحطيمه أنساق الإستعارة التقليدية، وفي محاولته بناء أو ترتيب الأشياء المهملة والمتروكة على مكبات اللغة الصارمة في براديغم شعري، يتحدى به قساوة العيش، ويطرحه على طاولة التشريح في غرفة عمليات نصية، الحياة مريضة فيها، والشاعر طبيب يمارس الجراحة متألما ً لأنه لم يخدر جسده، الذي سيقذف به، في قصيدة “بنج”، في دلو هو بديل رحمي يرسمه في زاوية الغرفة، ويخرج منه مُصابا ً بدوخة تُنسيه أنه يحيا وهم طلاء الجدران الأزرق، الظاهر في تردد شعري، كمد وجزر البحر، يؤخره عن حسم أموره في خطوة واحدة، والإقتناع بالمكوث كسمكة في دلو أو ككائن في رحم، قبل أن يدرك “بأن المسألة/ خطأ في احتساب قوة الدعسات التي صدقت أنها أسماك/ مولودة حديثا ً/ خلف الباب
يتخلص الشاعر من الألم بالألم ذاته، “ألم أنيق كالطبشور/أستعيده لتكوين الصور السابقة”، ويتغلب على ضجره بضجره،”تعلمت مؤخرا/ أن أحب ضجري/ حتى أنني سجلته على كاسيت”، ومن فراغه يصنع لغة جديدة، بعيدة عن التكلف والمبالغة، باحثا ً عن تضميد جروحه تارة ً ونبشها تارةً أخرى. لذا لا نستغرب إذا رأى في تخطيه مرحلة الطفولة إزدواجية شعورية، تُظهر إبتسامة اللُعبة كحبل الإنتحار شنقاً: “أدرك أنني لم أعد طفلا ً../ لهذا السبب/ الدّب الذي احتفظت به/ كل تلك الأعوام/ سألقي به من نافذة الدور السابع/ بلا رأفة../ محتفظا ً فقط بالحبل الرقيق الذي خاطه أحدهم/ فوق وجهه/ على شكل إبتسامة/ ذلك الحبل../ أظن أنني أحتاجه”. في أحيان كثيرة، يختار الشاعر التنكيل بألمه العبثي، ساخرا ً من بداية تدور حول “مزيج مشكَّل من الضمائر” لأنه شخص نباتي، لا تلائمه الكانيبالية في القصيدة، ومن نهاية لا تقول “الأكثر كذبا ً من الشعر” وتخفف عنه عبء تلوين الحياة،”لأكون رجلا ً/ يألفه الضجر/ يلزمني/ علبة تلوين”، في انتظار مجيء الموت، “وهو أمر لا يّهم/ مجرد تسلية/ بإنتظار/ شيء عادي تماما ً”.

لا يترك معروف مجالا ً للشك في تصميمه على تمزيق الواقع وإظهار بشاعته المختبئة وراء جمال زائف، إذ ذهب بقصائده إلى حدّ الإنخطاف، متجاوزا ً إستطيقيا التشبيه المنطقي ومشددا ً على المعنى الهرمنوطيقي في تناول المألوف وجعله غريبا،ً “الأنتينات المصنوعة/ من عواميد فقرية سابقة../ القمر الأبيض/ الذي يمكن تفتيته/ وتحويله إلى مغاسل../ الطحالب تحت إظفر الأميرة../ الأسنان المزروعة/ كشواهد قبور/ في اللثة السفلى/ اللسان الميت / كشال”. ومع غياب مؤثر التغريب أو منهج التأثير الإغترابي على غرار النص المسرحي، يتورط القارئ في النص ويستسلم للإيهام الشعري. على هذا النحو، تقرأ قصيدة معروف بحالة حياتية متقطعة، تجمع الرعب والقساوة والكارثة، وتتقاطع داخلها النزعات التجريدية وتلك الخاضعة لترانسفير نفسي أو لمزيج بيو- شعري: “صوتي/خبز حاف/أحلم بتوزيعه على أعدائي المنهكين” أو”في كاحل كل منا/ ملليغرامات زائدة../ وزن الخطوات التي لم نقم بها بعد”.

يضاعف الشاعر المشهدية الواقعية، ويضعها إلى جانب مشاهد نصية غير شارحة، تعري الذات من خشونة الأوهام المحيطة بها. ليس في المضاعفة الشعرية أي أسلبة تعويذية أو إعتباطية دلالية من أجل إقحام التداع الحر نصيا ً والحفاظ على التناسق الشكلي في الإستفادة من المبتذل، بل يظهر التناغم في تجاور العبارات وتأليف اللقطة حتى لو بدت ملبدة شعرياً “تخيّلي معي/ طفلا ً/ يقف إلى جانبه طفل/ خلفه طفل/ بجانبه طفل آخر/ وأمامه طفل/ إلى آخره من الأطفال../ تخيلي/ يقفون جميعا ً/ ويطقطقون عظم أصابعهم الضعيفة/ في وقت واحد../ ألا يشبه هذا/صوت المطر؟”. وراء هذه المشهديات، خفة يُراد منها خلق إيقاعات شعرية تتنوع حسب الصدمة الإستلابية التي تحمل الشاعر على التعلق بحبل سري يربطه مع أم، بالكاد تغيب عن النص، كرمز يريد الشاعر إزالته، “أرفع أول هدية ربحتها في السحبة/ بها أشتري محّاية/ لأزيل وجهها/ وجه أمي/ أزيله بالكامل/ مبقيا ً على التجاعيد في الهواء”، وقص الحبل السري كي يصير ملاكا ً خفيفاً على حبل غسيل، بإمكانه أن يتخلى عن شريان يابس أو زيحا ً دماغيا ً للحاق بالموت أو للفت إنتباهه، بصورة شعرية تدجنه، تتلاعب بحقيقة مكانه، وتهدي الميّت بالونا ً يحمله إلى خارج القبر، “الموتى/أكثر من يفكر بإقتناء بالون/ نظراً / لثقل وزنهم/ الذي جعلهم يخترقون التربة/ بضعة أمتار/ ويمكثون هناك”، أو بدلة غطس تحميه من الإختناق تحت التراب “رجل يحمل زريعة/ يتدلى منها رجل/ تتدلى منه/ زريعة/ ثم رجل/ ثم زريعة/ فرجل../ فزريعة/ فرجل يرتدي ثياب غطس/ ويبقبق/ تحت التراب”.

يصر معروف على تهديد الزوال بالقصائد التي سيكتبها بعد رحيله إلى ضفة السر الأخير، و”كلها ستكون حول/ المرة الوحيدة التي استقلت فيها أمي قطارا ً/ مستمتعا ًيتصفيق متخيّل/ لذات الأكف/ التي لوَّحت لها”. كأنه رغب، في تلك المرة، أن يركب القطار إلى جانب أمه لكنه وصل إلى المحطة متأخرا ً عن الموعد، فتشكلت عنده عقدة ذنب شعرية يترجمها في قصائد، ما هي إلا صفير قطار ينتظره “برفقة جاك بريفير/ على المقعد الخشبي الأول قرب محطة كولونيل فابيان”، لكنه لا يأتي ليعيد ربط الإبن بأمه بـحبل جديد: “لكنها حتى لو أتت/ وأخرج من محفظته فراشة/ وأخرجت من سنها المكسورة/ حبل إطفائي/ وربطا الفراشة بالحبل/ وصفق الساحر في نفس اللحظة بيديه المجعدتين/ فإنك لن تستطيع حل معضلة/ أنْ لا أحد هناك/ قرب محطة مترو كولونيل فابيان/ ليبدي إعجابه”.
لا يهم الشاعر رأيه بالأشياء المهملة فقط، بل يهمه رأي هذه الأشياء ببعضها البعض، أن تبدي رأيها بلغتها الخاصة، “رأي مدفع رشاش/ بالذبابة/ رأي جهاز ريموت كونترول/ باليأس”، كما يهمه رأي شعراء فلسطين بالبحث عن استعارات ورموز جديدة، نجدها في حياتنا اليومية، “يهمني../ رأي الشعراء الفلسطنيين بالفستق الحلبي/ بدل الزيتون”. هكذا يهم مازن معروف أن يغني نصه بقاموس شعري جديد، وبمعالجة حديثة لموضوعات الغربة، الحب، الوحدة والموت وغيرها، “يهمني كل هذا/ كل هذا.. بهمني/ مع أن لا علاقة لي/ برأيي

روجيه عوطة – الغاوون

2 thoughts on “ملاك على حبل غسيل مازن معروف

  1. في عالم ستاتيكي متسارع ، أن اقبض على دهشة من هذا النوع نعمة تستحق الشكر .
    لستُ أدري إن كانت هذه مدونتك الرسمية أم لا ، ولم اشأ أن اترك المكان دون ترك وردة .
    لكل الاشياء الجميلة التي كتبتها ولم تكتبها بعد ..

    (F)

    • العزيزة هيفاء.. شكراً لكِ على كل هذه الورود التي تنضح من كلماتك قبل الوصول إلى الوردة الأخيرة.. الورود التي يجب علي أن أسلك بينها بحذر كي أكتب إليك رداً.. هذه مدونتي. وسعيد أنا أنّ الكتاب لقي إعجابك ولم يكن فيه مضيعة كبيرة لوقتك.. تحياتي وأتمنى لك أمسية لطيفة
      مازن

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s