موقف الشاعر السياسي.. إلى أين يفضي به؟

تمثِّل فترة الإنتداب التي شهدتها معظم الدول العربية بين الحربين العالميتين، أرضية سمحت بولادة أنشطة سياسية وفكرية، أتت على هيئة تكتلات جماعية مرنة، تتحرك من أجل تحقيق استقلال بعد حال الإنهاك بسبب الاستعمار العثماني. على هذه الأرضية، كانت تداعيات السياسة العالمية تتمظهر بشكل أو بآخر، لتصبَّ في الحدث المحلي، فتنعكس في إجراءات قمعية فجائية أو اعتقالات لم تخل من التعسف. كانت فترة الإنتداب تلك، وسطية. فالمثقف والشاعر والصحافي، وقفوا جميعا فيها متطلعين بعين إلى الوراء، وتحديدا نحو محاولات المتنورين كقاسم أمين وعبدالله العلايلي وجلال الدين الافغاني وغيرهم، بضرورة اللحاق بركب النهضوية الأوروبية (وإن كان في ذلك اعترافا ضمنيا بتأخر أمة أثرت العلم والفلسفة والطبيعة على يد علماء أقاموا في شبه الجزيرة العربية)، وبعين أخرى إلى الأمام، باتجاه مستقبل مظلل، لتعيين ملامحه عن قرب، تحتم عليهم العمل للانعتاق من نسخة الإحتلال الجديد. فالأوروبي، كمستعمر، راوحت صورته بين كونها ناتج مجتمع متقدم في ميادين الصناعة وإنتاج المعرفة، وبين كونها عدوا جشعا لا بد من مواجهته. وتزامنا مع اجتهاد المثقف العربي في تفكيك صورة الغربي وحيرته أمامها، كان لا بد لهذا المثقف أن يعاين جذور تخلفه والتي هي تركة اجتماعية نبتت وتعقّدت في تربة الاحتلال العثماني. كان العبء ثقيلا جدا على المثقف ذلك، ولا بد أن التغيرات التي أدخلت إلى العالم الحديث في العقد الاول من القرن العشرين، وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، بَترتْ محاولات النهضويين، أو أبطأت مفعولها بشكل ملحوظ وجمدتْ أثرَها على الفرد العربي، وما نتج عن تلك المحاولات ظل رنينه يتخبط، ويتطور بين مجموعة محددة من المثقفين. فالنضال انحصر، بعدما كان ثقافيا ونقديا، ليصبح نضالا سياسيا. وضُغِطتْ مفردتا “المستعمر” و”الاوروبي”، لتصبحا قائمتين في عبارة واحدة وهي “العدو”. وواقع وجود الأوروبيين من معسكر الحلفاء، كمنفذي انتداب في الحياة اليومية العربية، ساهم بتعديل صورة هذا الأوروبي المنتمي إلى مجتمع متفوق عن العربي. فلم يعد ينظر إليه إلا كطفيلي يسعى لاستغلال المواد الخام (وهو ما كان يفعله بطبيعة الحال) وتعزيز وجوده استراتيجيا. ولم تتح سياسة هذا المستعمر في المقابل، للمثقف العربي، لأن يبالغ في موضوعيته لقراءة هذا المستعمر كممثل لمجتمع خاض حربا عالمية أفضت به إلى هذه البقعة من العالم. وبدل أن يتحول الزمن العربي، إلى سلسلة كرونولوجية يسهم فيها العرب بتطورات مجتمعية وقيمية تنهل من النموذج الأوروبي وتحافظ في الوقت عينه على الخصوصية العربية وتخرج من الثلاجة لغتها المجمدة منذ القرن الثامن عشر، رجع الفرد العربي أميالا في الزمن، ليصبح عليه لزاما مقارعة المحتل لينعتق منه، وهو الشرط البديهي الذي يسبق أية محاولة نهضوية أو نقدية في الفكر أو المجتمع أو الدين. لكن هذا الفرد، مثقفا كان، أكاديميا، شاعرا، كاتبا أم صحافيا، لم يفقد توازنه في هوة الواقع المستجد والصعب. كان واضحا للأغلبية من هؤلاء أن لا بد من ثورة، لدحر المحتل، وريث العثمانيين. وتأجل سؤال النهضة نسبيا، وإن ظل نشيطا يتحرك بين عدد محدد من المفكرين.

لكن ما نتج بعد رحيل المستعمر الأوروبي، كان أشبه بالكارثة. وإن بدا أن موقع المثقف العربي والعالِم والشاعر (مقارنة بسيطة لنص أي شاعر عربي بنص شاعر أوروبي معروف ستبيِّن الفروقات الصادمة في المعالجة والأسلوبية) متأخرا الآن، إلا أنه كان متجاوزا تماما لحالة الانتداب الأوروبي. وكان من المفروض أن تتعزز البسيكولوجيا الجماعية العربية لكونها أخرجت من حالة الوصاية، إلى كونها أضحت رسمياً، مستقلة وقابلة لتحديد مستقبلها وفق الأسس الموضوعية وحق خيارات الشعوب التي كفلتها اتفاقية جنيف. فولادة البلاد العربية المستقلة ترافقت مع ولادة الكيان الإسرائيلي الذي بني على أسس قومية يهودية. وبدلا من أن يدفع ذلك العرب لتجاوز الإشارة إلى قومية مضادة (عربية)، اعتُبِرت سابقة للقومية اليهودية ومتفوقة عليها بوصفها موسومة بحضارة وانجازات علمية و”إسلامية” وأدبية وفلسفية (وهي كلها ارتدادات سلفية بطبيعة الحال)، إنتشرت حالة قومية، في الرقعة العربية الجديدة، كملاذ أخير ينبغي في طياته تجاوز كل الأحقاد الطائفية والقومية والعرقية المنتشرة في العالم العربي، وفي أحسن الأحوال، لم ينجح المثقف العربي إلا بتجاوز فخ هذه القومية نحو التمسك بإيديولوجيا معينة (شيوعية، اشتراكية.. إلخ.). في خضم هذه البيئة الجديدة، تطورت دفعة مختلفة من المثقفين، من دون أن تعمل على نقد هذه الحالات، وإنما الإنضواء في معسكرها. وكانت أغلب المعارك تدور بين مثقف يقيم في كادر فكري أو إيديولوجي ما، ونظام عربي يريد له الإقامة في كادر آخر. كانت تلك أول سقطة للمثقف العربي، سواء كان شاعرا أم كاتبا أم أديبا، ونجح قلائل فقط في معاينة التاريخ العربي بكل تعقيداته القبلية وشخصياته التي تعبر عن نماذج مصغرة للديكتاتور. والشاعر تحديدا كان يُجري مناظراته الفكرية ومقارعاته داخل قاعة النظام الرسمي وضمن شروط الحكم التي أوجدها هذا النظام، سواء مطمئنا على مقعد قريب من المنصة أم قابعا في زاوية آخر المكان.

والحال أن قصيدة الشاعر، لم تولد بدورها خارج مستجدات الأزمة السياسية المحلية، قبل النكسة وبعدها، وبغض النظر عن مستوى تظلل هذه القصيدة بتطورات القضية الفلسطينية، المركزية تحديدا. فلم يكن الشاعر فردا مستقلا بذاته، بل ظل منبرا إيديولوجيا مصغرا كثيرا ما كان يحاكي خطاب دول كبرى كالإتحاد السوفياتي مثلا. وبقي القاموس السوفياتي، حتى بعد سقوطه، مرجعا لبعض الشعراء يقرأون من خلاله العالم. وفي خضم تسارع التطورات السياسية الهائلة منذ مطلع الثمانينات، لم يتمكن شعراء عرفوا بمكانتهم، من تجاوز خطابهم الخاص وظلوا قانعين في كوة اجتهاداتهم الخاصة المبنية أساسا على الخوف من “آخر” ما. وكان الإسلام السياسي أحد أسهل النماذج لهذا “الآخر”. أما نقده، سواء كان بخلفية شيوعية أم “فكرية تقدمية” فإنه دغدغ متطلعات الولايات المتحدة والغرب، وأثلج بطبيعة الحال أنظمة حكم عربية، كما أوجد لاحقا حالا من التراضي الضمني بين هؤلاء الشعراء والأنظمة تلك.

وإذا كان موقف سعدي يوسف تحديدا من الثورة السورية، قد كثّف حوله إدانات واسعة ضمن أواسط شعبية وثقافية، فربما يجدر السؤال: لماذا هذا التفجع العام من موقفه؟ ألا تحتاج الثورات أن تشهد مثل هذه المواقف كي تعبر ببساطة إلى حقبة جديدة تُنزل خلالها عن كتفيها أثقال العهد القديم؟ وأي دلالة تتمخض عن موقفه هذا وتنازله التام عن قيمته الشعرية من أجل الخوض في أوحال شتم أو سب علني أو هجاء في قصيدة تفتقر للقيم الجمالية أو الأسلوبية؟ وأين يريد الجمهور من القصيدة أن تتموقع، خلف موقف الشاعر السياسي أم أمامه؟ وأية دلالات نستقرأها من موقف الجمهور نفسه لتفتيت النتاج الشعري لشاعر ما وهدمه والتنكر له باعتباره نتاجا زائفا، فقط بسبب موقف شخصي للشاعر؟ ولماذا يدعو جمهور فجأة لهدم تركة شعرية بعد أن يكون قد استهلكها وروَّج لها لعقود؟ ما صدر عن هذا الشاعر، ومثله بالتأكيد شعراء لم يبلغوا جرأته في الإفصاح عن مواقفهم، لا يدعو لأن نضع أكفنا على أفواهنا ونشهق، بل أن نقوم بمراجعة الظرف والمعايير التي نشأ فيه صوته الشعري، لكن أيضا، والأكثر أهمية ربما، أن ندرس موقف الجمهور العام من الشعر كقاض متأهب دوما، لإسقاط شاعر عن عليائه (أو حافته) بكل قصائده ورمزيته وتاريخه فقط لأن له رأيا مغايرا (وإن مغايرا باستفزاز) في لحظة لا تتناسب مع متطلبات الجمهور. القصيدة في هذه الحالة، تكون الضحية الأبرز والأسهل، والكل مستعد لأن يرمي بها في القمامة، كاتبها كما جمهورها. ويمكن تشبيهها بجذع شجرة مطمئن يقوم بنشره الشاعر من جهة والجمهور من جهة أخرى، وفي ظن كل طرف أنه سيبلغ عنق الآخر بعد قليل.      

 مازن معروف – مجلة “بيت الشعر”

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s