حول قصيدة الفيسبوك

قديماً وحديثاً، سادت العبارة الملتبسة والشهيرة “يحق للشاعر ما لا يحق لغيره”. وكان من حق الشاعر التلاعب بالقواعد، والبديهيات الإنشائية، وكتابة العبارة، والتحريك ومط الكلمة أو قصّ حرف فيها أو استبعاده، إلى ما هنالك. فالشاعر لم يمنح لانجاز فنِّه، سوى مستوعب لغوي محدد، وتفويض باستعمال العناصر الجوانية والبرّانية المحيطة به، سواء تلك التي تعلقت بالأنا وتفاعلاتها وذاكرتها أو الطبيعة والتفاصيل والأحداث اليومية والسياسة والدين.. إلخ. كل هذه كانت ما يمكن تسميته “وسائط المضمون”، أما بالنسبة لوسائط تمثيل القصيدة أو إظهارها، فقد تساوى الشاعر تماماً مع آخرين في استخدامها. ولم يشط في الحق عن سواه. وسواء كَتَبَ متناولاً السياسة العامة، أو الدين أو النظام العائلي، أو الاجتماعي، أو حتى الفني والشعري، كان محتاجاً بداية، وكغيره من الكتبة والتلاميذ ومنشدي المعرفة، لألواح الصلصال والطين، والصخر، وفي مرحلة لاحقة الورق المفروط، ومن ثم المجمّع بشكله الحالي، ككتاب. قبل أن ينصاع أخيراً، إلى سلطة وسائط الانترنت، وتحديداً، الفيسبوك.

تحوُّل الفيسبوك، كمنصة للشاعر، وراءه جملة من الأسباب، قد يكون أهمها، عدم اهتمام دور النشر بالشعر قياساً بالكتب الأخرى، وحاجة الشاعر (كي لا نقول جوعه) لجمهور يتفاعل معه أو يفتعل معه، أو فيه، القصيدة. الفيسبوك ميديا، والميديا لم تُستحدث إلا لتَستغِل وتُستَغَل. وإذا كانت شريحة العامة (أو الجمهور) قد وطأتْ أرضَ الفيسبوك قبل أغلب الشعراء، وتنبهت له، كمساحة عرض و”تفاعُل” و”تواصُل”. فإن الشاعر، بإنزال صورته (مجازياً) في الفيسبوك والقبول به كفضاء تواصلي ضروري، يكون قد انساق إلى حيث يتواجد الجمهور، بدل التفرد في مساحة شعرية يفلشُ فيها صوته على الملأ ويستدعي جمهوره إليه بالتفاعل مع هذا الصوت، سلبا أو إيجابا. ذلك أن أغلب بروفايلات الشعراء، تحوّلتْ في الفيسبوك إلى صفحات دعاية لقصائدهم، قصائد تبث على مدى الأربع وعشرين ساعة، كشريط الأخبار، الذي يريدك أن تفجع لمحتواه، أو تُذهل، وإن بالقوة.

بحث الشاعر عن الجمهور، ومن ثم رمي نفسه في أحضانه، ومن بعدها التفاعل معه بسرعة فائقة، مظاهر ملتبسة تناقض بشكل صارخ الأزمة التي يمر بها الشعر وواقع افتقاده إلى التواصل مع الجمهور، على الأقل بالصيغة الورقية. فلو كان كل هذا الجمهور، موجودا بفاعلية على أرض الواقع وسوق النشر ومعارض الكتب، لكان الشعر في أحسن حال، ولأَلّفَتْ كتبُ الشعراء تحديداً، عاملاً قوياً في تغذية الاقتصاد، وتنشيط دور النشر، وعليه، لكانت دور النشر قد أولت الشعر الاهتمام الأساسي، وبحثت بدورها عن الشعراء، ووفّرت عليهم كل العناء واحياناً التذلل أو استجداء الوساطات لنشر أعمالهم. هذه الظاهرة إذاً، ظاهرة انسحاب الشاعر إلى الجمهور، تُسَجَّل أولا وأخيرا، نقطةً ضد الشاعر. فهي لا تكشف فقط اعترافه ضمنياً بوجود مشكلة ما (قد تكون تتعلق بقصيدته او اسلوب كتاباته، أو مواقفه أو أو..)، وإنما تبيِّن هلع هذا الشاعر من وحدته، وتوقه لصبِّ صوته في الجماعة. الأمر مشابه لتلفزيون الواقع، بحيث يمكن للمشاهدين مراقبة خطوات الضيف، ويومياته من خلف الشاشة (وقد يكون تلفزيون الواقع احسن حالا لانك على الأقل تسمع الشخص، وبإمكانك أن تتعرف على نمط حياته، وأحيانا يأتيك بلا أقنعة، باهتاً وسخيفاً، لكن شفافاً)، ليصبح هذا الكائن المُشاهَد عاملاً يضاف إلى العوامل التي تدفع بحياة الناس في طاحونة الاستهلاك وإهدار الوقت. الشاعر هنا، يتحول بالنسبة لجمهوره عبر الفيسبوك، إلى مادة شبيهة بتلك، للمراقَبة والاستهلاك، ومرضاة هذا الجمهور. بدل أن يحافظ (وقد يكون هذا مستحيلا بالنظر إلى المنهج الذي يعمل بموجبه الفيسبوك) على موقعه في مبتغاه الأساسي، بصفته مُخْرِجَ القصيدة، أي القصيدة التي لا يمكن أن تخلو من قيمة أدبية ما في كليّتها.

لكننا نشير إلى نقطتين إيجابيتين هنا، الأولى تتعلق بغاية الشاعر. فهو إذ يدفع بنفسه في قنوات الفيسبوك وغيرها من مواقع التواصل الافتراضي، يحمل، بغض النظر عن مستوى شهوته في تعزيز الإيغو الخاص به، همّاً نبيلاً لنشر قصيدته والترويج لها. هو أيضا يدرك هنا، أن اعتراف الجمهور بقصيدته أولاً وتثبيت هذا الاعتراف ثانياً، هما العماد الأساس لرفع أناه، وإن عدم وجودهما يدمِّر تلك الأنا. اعتراف يأتي معطوفاً على شرط تواصل الجمهور معه وتجسيد هذا التواصل بموقف الكتروني (الـ”لايك” مثلا)، بدلا من إبقائه تواصلا روحياً، عاطفياً، خاصاً، سرّياً، يفقده إظهاره بهذا الشكل الاستعراضي، والمتفجع، قيمته (يمكن تخيّل فم مفتوح وعينين واسعتين إلى أقصى حد أمام نص). ونعني بالجمهور ككتلة، او عدد عليه أن يكون هائلاً و”ناطقاً” (أي معلّقا إيجاباً على القصيدة). النقطة الايجابية الثانية، أن هذا الجمهور الشعري “العريض”، شغّال أساساً على فيسبوك، ومثله مثل الشاعر، محتاج لوسيلة ما، أو حيلة، للتحاور مع صاحب القصيدة، وإن أذعن هذا الجمهور لواقع حفظ التواصل بينهما بطريقة لا تخلو من شبهة بطريركية.

إن ما بين الشاعر وجمهوره أو قارئه، على الفيسبوك، هو نوع من العلاقة التواطوئية الإنتفاعية، إلى أبعد الحدود. فالشاعر الذي يبتغي كسب تأييد لقصيدته، عليه، تأدية واجب اجتماعي، بأن يُعجَب بدوره بما يخطّه القارئ أو الجمهور على فيسبوك، دون أن يرفقه بملاحظات أو إشارات أو أي درجة من درجات النقد. بذلك، يعطي الشاعر جمهوره، الشرعية في المقابل، كجمهور متخصص بالكتابة والأدب. يعترف به كجمهور ممهور من قبله هو، الشاعر نفسه، ومن ثم يردُّه إليه. بالتالي، فإن المحافظة على هذا الجمهور، وصقله كمرجعية تقييمية هما في غاية الاهمية بالنسبة للشاعر. تصبح مرجعية هذا الجمهور، الشاعر نفسه. وفي إتجاه معكوس، تصبح مرجعية الشاعر، الجمهور نفسه. من هنا، يصبح استمداد الشاعر لشرعية قصيدته منوطا باعترافه بشرعية قصيدة القارئ. أي إنه كنوع من الصرافة. تبديل عملة بعملة أخرى. وبدوره، لا يستطيع القارئ التعليق على قصيدة على صفحة الشاعر، بقوله صراحة أنها “لم تعجبني” أو أن يبدي ملاحظات نقدية. سيورطه هذا في مشكلات مع القراء الآخرين، هذا إن لم تتفاقم المسألة بينه وبين الشاعر. أما أسباب هذا التراجع المفزع في التعبير عن الرأي صراحة، قد تكون بمجملها غير معروفة تماماً. إلا أنها تبقى في أحد جوانبها رهناً بالنفاق الذي يمارسه البعض سواء من هذه الجهة، أو تلك. فمن غير المنطق أن تكون كل التعليقات التي ترد أسفل قصيدة ما، مشتملة على عبارات تعني أن كاتب السطور مبدع، ورائع، ومتفوق، و و و.. بدون أن نلحظ اية إشارة نقدية. فإذا كان كل كتّاب الشعر على فيسبوك مبدعين، كيف نفسِّر إذاً تأخّر الشعر، واللغة، قياساً بالفنون البصرية أو السمعية الأخرى. بل وحتى تراجع القصيدة، على مستوى الصورة والدلالة والمعنى، قياساً بنصوص الخمسينات والستينات (كي لا نقول الثمانينات) مثلاً.

والقصيدة الفيسبوكية (إذا صحت تسميتها) لم تتمكن حتى الآن من إثارة أي جدال ولا طرح نقاشات حول ماهية الشعر والأسلوبية، واحتمالية استنباط موقف شعري ما، أو كتابة مانيفستو، فردياً كان أو جماعي، فيما يخص القصيدة. فهي قصيدة تُكتَبُ للإعجاب، لا للصدم، ولحشد الأسماء الإفتراضية حولها، وبالتالي، تنتهي صلاحيتها بانتهاء وقتها. الزحام شديد في بطن الفيسبوك، ولا بد لقصيدة واحدة أن يتاح لها الوقت لتأملها ومراجعتها. من هنا، يكون الشعر في فيسبوك قد تحول من مادة جمالية للمساءلة والاستفزاز والرفض وإعادة النظر “بـ”، إلى مادة للتسليم بأمر ما، تُبَثُّ ساخنة، وسرعان ما تبرد. وكل همها إيفاء قواعد الفيسبوك. وهو ما يفقد القصيدة بعض قيمتها، إن لم نقل الكثير من هذه القيمة. عجز قصيدة الفيسبوك عن توليد جدال، خصوصاً مع تكاثر الأدوات الشعرية والأساليب واحتمالات التعبير، يضعها كبرواز في حائط متأخر عن نوافذ ما نشتهيه. إننا نطل من نوافذنا القريبة، على نص هو في المقام الأول شعري، ومؤلفه شاعر، إلا أنه نص ينتمي إلى زمن أفل، وأسلوب كتابي مستعمل بكثرة وصياغات متعبة ومكررة، ولا جدوى من إعادة نبشه وابتذاله بهذه الطريقة.

بهذا المعنى، وعطفاً على ما نقوله، فإن قصيدة الفيسبوك لم تستطع اختراق الميديا الورقية، وهي الوسيط الأعلى قيمة من حيث رمزيته الحسية، وتاريخه أيضا وارتباطه بثقافات عدة تعاقبت ولعب فيها الورق دورا بارزا في إثرائها وتفعيلها. وبالتالي، فإن ما ينشر في الفيسبوك، لا يمكن أن يستنبط جدلا ينتقل إلى الورقة. الامر الذي يجعل من أرض قصيدة الفيسبوك عموما، أرضاً مسوّرةً لا يمكن أن تتمدد، ولو بفعل فيضان مهيب من القراء أو أصحاب “أعجبني”. فالقصيدة الفيسبوكية، إلى الآن، تمتاز بشخصية تجعلها تعمل بهدف أساسي كالقطن: امتصاص إعجاب الجمهور والالتصاق به. إنها إذاً قصيدة لا تَرُدُّ شيئاً معنوياً أو فنياً للقارئ، وقلما تضيف إلى عموم الشعر العربي شيئا جديداً.. هي في كثير من الأحيان مفتقرة للديناميكية والقدرة على التحاور، خمولة وسلبية إلى حد بعيد، بحيث لا تستفز ولا تقيم جدالا، ولا تطرح إشكالية بين القراء ولا تحوّل صفحة الشاعر إلى منبر نقاش. والشاعر يعمل كحارس لكتاباته، والكل يعلم أنه في كان ما، يراقب، ويتحين الفرصة للرد، وإن أغلب الاحيان مزوقاً ملطفاً مسالماً حريصاً على الالمام بجميع العواطف المحتشدة حوله.

الجدير قوله هنا، أن الفيسبوك، يؤمن بالنسبة للشاعر، تعويضا او مكافأة من نوع ما. بل وحتى نوعا من التكريم المتواصل واليومي. إنما، بحلة افتراضية. الامر الذي يتناقض أيضا مع موجبات ولادة القصيدة: الحياة. أي التماس مع الواقع بصورة أو بأخرى. فما يكتب على فيسبوك عموما، موضوعه عموماً عاطفي، أو سياسي. وكما اي قصيدة أخرى، أو عمل فني ما، فإن هذا النص المكتوب هو المنجز الذي يتم باحتكاك الشاعر، بصرياً وعاطفياً وحسياً مع بيئته. أسباب ولادة القصيدة تكون غالبا حياتية، واقعية، أي غير افتراضية. إنها في المقام الاول قصيدة غير افتراضية، لكنها تنقل بسرعة إلى ماكينة الفيسبوك، وتتحول إلى قراء افتراضيين، وتنجرف إلى السكون المطلق بعد أن تغزوها المواقف الإيجابية افتراضياً. والفيسبوك يسمح أحيانا بتكريس شعراء وهم في بداية تجربتهم. يبدون من خلال كتاباتهم، غير مطلعين كفاية على النتاج الشعري الحديث، وينهلون بفطرية الشاعر وببراءة من عالمهم – محيطهم – بيئتهم – مخبترهم، مكررين بعلم أو بدون علم، سابقات في الصورة والتشابيه وتظهير العلاقة بين مفردات الطبيعة وتفجعات الأنا. ومما يسهم في إيقاف هؤلاء عند عتبة معينة، هو اعتراف شاعر “كبير” بهم، كشعراء. يُجمَّدون في هذا الاعتبار، ولا يعود من مبرر، للكثيرين منهم، لأن يطوروا أنفسهم. وتكون هذه أولى مسامير نعوشهم كشعراء.

 أما المساحة التي يتيحها الفيسبوك لعرض القصيدة، فهي تقلص الفرص إلى حدود الصفر، أمام أية محاولة تجريبية مجددة في القصيدة. ولا نعني هنا على مستوى طريقة الكتابة، بل التعاطي الجديد مع الشعر، وفتحه على إمكانيات بصرية وسمعية وتآلفات منوعة مع أشكال فنية أخرى كالفيديو أو اللوحة. وهو الامر الذي يحتاج صالة، أو فضاء مفتوحاً لا مجرد رقعة بيضاء افتراضية. فالقصيدة عبر فيسبوك، تبقى رهناً بهذا المستطيل الذي بعد سطور يتحول من أفقي إلى عمودي. إلا أنه يبقى جامدا كقطعة الثلج، ولا يمكن لأي شاعر أن يقيم تجربة صوتية مثلا، أو برفورمانس (أداء شعري) عبر الفيسبوك. فمحاولات شعراء الولايات المتحدة وأوروبا وبعض بلدان آسيا في اختبار اللغة الخاصة بهم، ووضع خصائصها الصوتية كمكون أساسي (إن لم يكن رئيساً) مرن ومؤثر في القصيدة، لا يمكن إنجازها إلا في فضاء محسوس، وأمكنة مدروسة جدا، تتيح التفاعل والتناظر ما بين مواد مختلفة تكون معروضة مثلا ومرتبطة بالنص الشعري المقروء.

مازن معروف – “بيت الشعر” العدد الثاني – تموز 2012

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s