السيدة الأنيقة تحيا في عنبر للمجانين

يبدو أن بيروت مدينة منحوسة، ملعونة، موبوءة بجشع القادة التاريخيين. مرضها هو بسبب موقعها الجغرافي. أما فرصتها الوحيدة للنجاة، فهي في أن تغير البلدان مواضعها على الخريطة. السياسة، الاستراتيجيا، الغزوات، النزاعات الإقليمية والدولية، وصراع الشعوب القديمة والملوك، كانت دائما شؤونا لا تبتّ إلا بمرورها عبر هذه المدينة الصغيرة. تماما كما استوطنها الشعر، والفنون والجنس والمجون والعلم والثقافة والسياسة والاستراتيجيات. إنها المدينة التي دُمرت سبع مرات، أو أكثر بكثير، وأعيد بناؤها لاحقا. زلازل، خدعة من البحر، حقد من الملك فلان أو علان، زلازل أخرى، غزوات، كلها تناوبت على بيروت الصغيرة. إنه فعلا أمر مثير للاستغراب، وللشفقة واليأس. إذا راجعت تاريخ المدينة ونشأتها، فلسوف يصيبك مس. ستهرول لتتكلم مع نفسك قليلا، وستفهم مثلا أن الساسة الحاليين ليسوا سوى فواصل منثورة بشكل عشوائي في إحدى صفحات تاريخها. هم غير محترفين، لا في إقامة الحروب ولا في إشعال المدافئ، ولا حتى في التهليل لانتصاراتهم. ببساطة، إنهم هواة، والأكيد أن المدينة بعد أن ننام جميعا، تبدأ بالضحك ساخرة من سكانها. الحقيقة المرة، أن ما تغير في بيروت هو شكلها، لكن شرايينها ودورة الحياة فيها وطريقة إسقاط الأمور عليها، بقيت على حالها منذ زمن بعيد. بيروت مدينة إشكالية فعلا، وقد لا نقتنع بالشعر في هذه الحالة، بقدر ما نقتنع بالدراسات.

الشعر موجود دونما سبب واضح، وذلك لأن أحدا لا يستطيع تفسير الشعر، ولا مواضيعه. الجماليات التي تحضر في قصيدة معينة، قد تكون تصويرية، عاطفية، بلاغية، أو حتى شخصية لها علاقة بالشاعر وحده. لكن الشعر لن يسد رمق القارئ الجائع إلى الحقيقة، أي إلى حقيقة بيروت الملتبسة. فالمدينة تشبه اللعنة الجميلة، اللعنة التي لا تريد انت الافلات منها، ذلك أنها لعنة يجتمع فيها الألم بالفرح، القلق باللامبالاة، الشهوة بالترفع، الحظ بالموت. أسوأ ما يمكن فعله، هو أن تمتدح مدينة مشوشة. لأن هذه العاصمة، بلا ذاكرة، ونقولها بلسان ذابل. بيروت لا تتذكر أحدا. ليست مدينة لتتذكر، بل لتعاش، ضمن شروطها فقط. ذلك أن التمعن في تاريخها، سيكشف لك أن المدينة واقفة على مجموعة أسباب ثابتة، وأن خاصية الذاكرة، لا تنطبق عليها. فبيروت لم تتغير من الأساس ليكون لديها ذاكرة. الذاكرة تعني أن تمر أنت بمتغيرات، باستحقاقات تاريخية، تنقلك من موقع إلى آخر، في انسيكلوبيديا العالم. الذاكرة من التذكر، من اختلاف الحالة باختلاف الزمن، باختلاف الظرف الزمني، أي باختلاف المظهر والمضمون أيضا. لم تحد بيروت عن الحروب. كان عليها دائما أن تدفع الضريبة، والمدينة التي لم تتنفس يوما بشكل هادئ، لا تزال تدفع ضريبة تعدديتها، وموقعها الجيو السياسي على الكوكب.

بيروت مدينة يسعى إليها المجاز. ولا شك أنها دون سائر عواصم الجوار، كان يُنظر إليها كمادة خاصة للكتابة. بيروت مادة كتابية، وقد لا تتخطى هذا. قد لا تحتمل بيروت التأويلات الفلسفية والشعرية، واللغوية والإشكاليات المستحدثة في شأنها. لأنها مدينة عائمة، تتحرك دوما. وفي أفضل الاحوال، تتذبذب في مكانها. شوارعها تختزل أزمنة صغيرة لتفاصيل كالحرب، الجوع، الاغتيالات، التهجير، الكوارث الطبيعية، الهجرات، التفاوت الطبقي، شلل الحكمة، بدعة الساسة، الكذب، الخيانة، موهبة الاختباء خلف الوجه وتلقي الصفعات. وأن نعرف أنها مدينة بلا ذاكرة، فهذا بفي ذاته محرج لعواطفنا. كيف يمكن أن نحب مدينة ليست لنا؟ أن نحب مكانا واحدا للجميع وللاحتمالات المختلفة، ونعرف أنه لا يبقي شيئاً من سكانه؟ بيروت مدينة تشبه نقيضا ونقيضا آخر، متصلين أحدهما بالآخر، دوما كسياميين. كوكتيل من الاحتمالات. أن تحب، أن تصير فوضويا، أن تشعر بثقل في المعدة وحيدا على الكورنيش، أن تتعرض لمضايقة الهواء فجأة، أن ترغب بركل قطّ نائم على حافة سوبر ماركت. أن تجاهر برغبتك في إفناء الآخرين، ألا تتوقع حالة الطقس والزلزال الذي سوف يأتي، أن “تتزعرن” في لحظة واهمة، أن تتوهم أن المكان لك، لك وحدك، أن تطرد الآخرين، من دون أن تعرف أنك أصلا مطرود. أن تجرّب سلطتك، أن تدعو قبيلة منافسة إلى الرحيل، أن تكذب، أن تدعو الى تحطيم هياكلها، لتصنع من أحجارها فاكهة. ثم أن تصبح منجّما، بارعا في أمر واحد: بيروت أكثر تشوّشا من أن تُفهَم، أو أكثر بساطة من أن نبحث عن هويتها.

إنها المدينة التي أناسها تماثيل بأفواه مفتوحة. أفواه من الإسفلت، مفتوحة ومتصلبة. كل تمثال يظن أن بين فكيه، تحديدا على سجادة لسانه، تجلس الحقيقة، لذلك فإنه جاهز للبلع، بلع الآخرين بحجة هذه الحقيقة وحدها. أنت في بيروت لا تملك أصابع. لذلك فإن المكان لن تكمشه يوما، لن تلفّ أصابعك بنصف دائرة، حواليه. والمدينة لفرط ما أباحت نفسها للشعراء والساسة والطبيعة، ظلت محاطة بمثلث “الإستعارة – السلطة – الخراب”. دمّرها بعض الملوك واجتاحها البعض الآخر، تناوبت عليها الكوارث الطبيعية لتعيد تشكيلها، كما تناوب عليها الشعراء ليعيدوا كتابتها. ولم يتغير كيانها كمكان ولا ملامحها الشريرة. بيروت أصلا مكتوبة، وهي مكتوبة كما هي، بلا زوائد. لا تزال إلى اللحظة هذه تتصرف كما تصرّف بحرها ذات يوم: تراجع مسافة كيلومتر واحد إلى الوراء، وعندما نزل سكانها ليغنموا ثرواته التي كشفها لهم، عاد على شكل موجة هائلة وأغرق الآلاف منهم. هذه بيروت. من يغنم ثرواتها، يغرق فيها ويموت. لا استثناءات. إنها سوية في إقصاء الآخرين.

وهي بيروت المكتشفة، بالشعر، في الكتاب الذي أعدّه الشاعر شوقي بزيع “بيروت في قصائد الشعراء” (دار الفارابي)، ضمن أنشطة “عاصمة عالمية للكتاب”. المقدمة السهلة والجذابة التي وضعها بزيع، كشفت تاريخا قديما للمدينة، كما قاربت بين أشكال حياتية تشابهت بعض مظاهرها إلى حد كبير مع بيروت الستينات (الحراك الثقافي والسياسي والاجتماعي، السلطة، الجنس، الكحول، الحياة الليلية والنهارية للمدينة، إلخ.)، ومهدت لنا بلغة سردية رشيقة، الدخول إلى قصائد الشعراء (من اليونانيين القدماء حتى الحديثين مرورا بالعرب كإبن الرومي) من باب عريض، وإن ظلت حدوده مموهة. يمكن أن يقال إنها أنطولوجيا شعرية لمدينة تظاهرت مرات عديدة، بالاحتضار. ويمكن القول إنها بيوغرافيا لجماليات بيروت. هناك امران قام بهما شوقي بزيع من خلال الكتاب: جمعُ عدد كبير من الشعراء حول طاولة واحدة اسمها بيروت، وجمع اللحظات التي عاشها الشعراء وهم يكتبون عن بيروت. لذا فإن الكتاب لا يعكس فقط التنوع الثقافي والفكري والحضاري لهؤلاء الشعراء، وهم يجتمعون حول بيروت، بل يضغط لحظات الكتابة كلها، في كتاب، ليصبح عملا ليس شعريا وحسب، وإنما أيضاً استرجاعاً لأزمان متفرقة عاشتها مدينة واحدة، في الشعر، كما تعيش سيدة أنيقة في عنبر مجانين.

مازن معروف – جريدة النهار 2/3/2010

 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s