ديوان سريالي جديد لمازن معروف

لا يمكن إهمال ديوان الشاعر الفلسطيني الشاب مازن معروف الذي صدر حديثاً عن دار نشر رياض الريّس تحت عنوان “ملاك على حبل الغسيل”. فمن خلال ٧٤ نصا، تمكّن هذا الشاعر الذي وُلد وترعرع في بيروت من فتح فضاءٍ مثير وجديد للقصيدة العربية فضلا عن التأسيس لأسلوبٍ كتابي فريد يلائم خطابه الشعري.

وهناك ثمّة نقاط في نصوص معروف الجديدة تقرّبها من القصيدة الفلسطينية المعاصرة، كالتفاته الثابت إلى تفاصيل الحياة واستحضار مأساة وطنه كواقع حميم عن حياته الشخصية، أو ذاك التبادل الفجّ بين المخيّلة والواقع الذي يجعل من شعره انحيازاً صريحاً لقوة الحياة وانتصاراً على الواقع الأسوَد الذي وُلد ونشأ في ظلّه، أو بساطة لغته وتطعيمه إياها من حينٍ إلى آخر بعباراتٍ عامّية.

وفي ذلك، يواصل الشاعر، مثل العديد من الشعراء الفلسطينيين الشبّان، ما بدأه طه محمد علي وأكمله محمود درويش، أي دفع التجربة الشعرية إلى الدخول في شبكة من التناقضات والقلق لتشكّل بنية القصيدة وتغذّي مضمونها.

لكن هذه النقاط، على أهميتها، لا تختصر وحدها نصوص معروف الجديدة التي تنفرد عن نصوص معاصريه بتشييدها عالماً شعرياً خاصاً يتقاطع فيه الواقع والخيال، ويقطنه الشاعر كطفلٍ أو بذهنية طفلٍ فيفتح صندوق لُعَبه أمامنا وينطلق في اللهو والتخيّل والابتكار.

ولا نقصد بتشبيه معروف بالطفل التقليل من قيمة تجربته الشعرية بقدر التركيز على البُعد “اللُعبي” الظاهر في شكلها ومضمونها. وحتى حين يقول: “أدرك أنني لم أعد طفلاً”، لا يقصد الشاعر الإشارة إلى نضجه أو تقدمّه بالسن، وهو ابن الرابعة والثلاثين، بقدر ما يقصد التعبير عن مدى ولائه لعالم الطفولة الذي لا يزال فاعلاً فيه وفي كتاباته، وهو عالمٌ سحري أنقذه في السابق من محيطٍ لم يعرف سوى الحقد والقتل، وما زال يشكّل الفضاء الذهني الوحيد للمحافظة على إنسانيته.

سريالية 

ويلجأ معروف غالباً إلى وسائل طليعية أثبتت جدارتها في الماضي القريب ولم تفقد شيئاً من نضارتها حتى اليوم، ونقصد التقنيات السريالية والاستسلام في الكتابة أو الرسم لتداعي الأفكار والصور في الذهن، وتؤدّي إلى ربط وقائع أو أزمنة لا علاقة منطقية ظاهرة بينها، وهو ما يجعل بعض قصائده أشبه بسيناريوهاتٍ حالمة.

ومع أن معروف ليس الشاعر العربي الأول الذي يُسخّر التقنيات المذكورة لكتابة نصه لكن فرادته تكمن في قدرته على ابتكار صورٍ قوية ومبلبلة تتوالى لاستقائه إياها من داخل واقعه المرير واستثمارها للتعبير عن هذا الواقع. وفي هذا السياق نستشعر صورة الذباب الذي “يحوم فوق الميت لغسله من الكراهية”، أو صورة النملة التي “تحمل الرصاصة على ظهرها وتتبع الشاعر إلى الحرب”، أو صورة الجندي الذي “يلهو بمسدس من الماء مع بطة بلاستيكية”، أو تلك “الأسنان المزروعة كشواهد قبور في اللثة السفلى”.

وفي السياق نفسه تصبح الذاكرة في قصائد معروف “سمكةً ميتة”، والأمل “حشرةً فاتحة اللون ظلّت عالقة في بطن السمكة”، والزمن “ثأراً قديماً \ بين عقربَي الساعة \ اللذين يلاحقان بعضهما البعض”، والإنسان مجرّد “محّايات \ تتكوّم قرب بعضها البعض \ لتأليف هيكل عظمي \ يعود من المدرسة كل يوم \ ناقصاً قطعة”.

وباختصار، تبقى نظرة معروف إلى عالمنا رمادية مهما بلغ حدّ طرافتها. ونجده ينشد العزلة وإن تطلّب ذلك التآلف مع الضجر والفراغ. فيقول: “ذات يوم \ سأخلع الباب \ وأقف مكانه \ لأمنع نفسي من الخروج \ إلى حفرة العالم”.

ومع ذلك لا يفقد محبته للآخرين فيتمنى “لو كان له حُبّاً من خشب ودموعاً من مسامير لملء المدينة بالأكواخ”، أو يقلق حتى على مصير الفزّاعة التي “لن يأتي أحد لاصطحابها إلى المنزل آخر النهار”.

أنطوان جوكي – باريس (قناة الجزيرة)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s