رفع الألم إلى المجاز

في آخر صورة فوتوغرافية في كتاب “أحلم بزنزانة من كرز” (سهى بشارة وكوزيت ابراهيم) الصادر عن دار الساقي، لا نرى سوى كومة من الركام. تلك الكومة، التي لم تجد سبيلا لها ربما سوى معامل الترابة والحديد، لتكريرها، كانت قبل تموز 2006، معتقلا. الصورة التي التقطتها عدسة وائل اللادقي، تشبه اي خراب في أي مكان من العالم، خراب محايد، متنصل من ذاكرة من عايشوا المكان الذي كونه في السابق، خراب خبيث يبدو وكأنه ضحية عمل شرير، وهو كذلك إلى حد ما، لكنه أيضا خراب يقصد منه المساس بذاكرة عشرات اللبنانيين والفلسطينيين، الذين شكلوا يوما ما، الصيغة البشرية لنزلاء معتقل الخيام.

الليلة، توقِّع سهى بشارة “أحلم بزنزانة من كرز” في جناح دار الساقي في معرض الكتاب العربي والدولي (بيال). تحضر بشارة وتغيب كوزيت ابراهيم، شريكتها في المعتقل، التي عملت على كتابة النصوص، وصياغتها بالشكل الأدبي الذي خرجت لنا به، فيما كانت مهمة سهى، إسترجاع الذاكرة، من خلال لقاءات مع نزلاء سابقين للخيام. تقول كوزيت ابراهيم، في اتصال معها في باريس، بأنها لم تكن تنوي مطلقا الكتابة عن معتقل الخيام. كانت سهى تلح، وكوزيت تمانع، إلى أن أتى الطيران الاسرائيلي، وألقى بإحدى حمولاته المتفجرة، فوق المعتقل السابق عام 2006. عندها، أيقنت كوزيت، من غرفتها في باريس، بأن لا مفر هذه المرة، فمهمة الكتابة الآن لن تكون مجرد توثيق “نضالي” لها ولرفيقاتها، بل إن في الأمر أيضا، نوعا من استرجاع ذاكرة تعمد الاسرائيليون تفتيتها عبر قصفهم للخيام. وبين يوميات كوزيت، وسهى، وعشرات المعتقلات الأخريات، اللواتي تقاسمن الظروف الصعبة معهما، خرجت “زنزانة من كرز”.

للكتاب، أكثر من مدخل. فقد عمدت سهى إلى إرفاق صور لاشغال يدوية، أنجزتها السجينات (وربما السجناء أيضا)، بشكل سري داخل المعتقل. وبذلك، فإن الكتاب المقسم إلى نصوص قصيرة بالإجمال، لم يقف عند حدود كونه شظايا تراجيديا في تاريخنا المعاصر. بل تخطى ذلك، حيث أن الصور هذه، شكلت بالمقام الاول، جسرا للعبور ما بين مخيلة القارئ “البيضاء”، وما يرد في النصوص من ألوان قاتمة أو مشعة بشكل خجول. وعقب كل نص، تقريبا، هناك صورة ما، بل وهناك ربط ما بين النص والصورة. هذه هي قطبة العمل الاولى، برأينا، أي: نسب الأمل، والتحدي والمقاومة داخل الزنازين، إلى أفعال صغيرة، سرية، تدار في العتمة بتواطؤ شبه كلي ما بين السجينات. نكتشف أن هناك حركة ما، سعيا ما لابتكار حياة، لتوسيع العالم الداكن داخل الخيام، لتوسيع مساحة الزنازين، ورقعة الحرية. وهي حكايات قد تبدو عادية بالنسبة للمعتقلات، والمعتقلين، إلا أنها تأخذ بعدا آخر، أكثر أسطورية بالنسبة لنا، ذلك لأننا عندما نقرأ النصوص، لا نكون نعايش الألم الفيزيولوجي، بل نتخيل ألما ونحياه، وهو ألم مؤقت، ظرفي، بحسب مدة قراءتنا، وسرعة انهماكنا في شؤون أخرى. إذن، من هنا، يبدو أن كل “فعل”، أوردته بشارة وكوزيت في الكتاب، شبيها بالزهور التي تتفتح على غفلة منا، في زاوية ضيقة بين حجرين رمليين. والفعل هنا، يشكل أيضا محفزا لديناميكية، على المستويين الإنساني والفني (الصياغي)، تتحرك بموجبها الجملة، وتتتالى، منقادة إلى بوصلة عالمها الداخلي، وساعية في الوقت عينه إلى تمديد “حجم” هذا العالم.

لم ترتِّب كوزيت النصوص كرونولوجيا. وسواء كان ذلك مقصودا أم لا، فإن هذا التشتيت للحكايات الصغيرة، بعيدا عن السياق الزمني، جاء متماهيا إلى حد كبير، مع واقع أن المعتقل، بعد تدميره، تحول إلى “شذرات”، كما الذاكرة الجماعية للمعتقلين، في عام 2000. فبعد أن أمر إيهود باراك، بالإنسحاب من جنوب لبنان، وبعد أن حُرِّر أسرى الخيام، تبعثر المعتقلون، وذاب كل منهم في قسوة الأمر الواقع، ما عزز تشتت الذاكرة “التامة” والكليّة لهؤلاء. كل منهم يحمل حكاية عن يومياته، وكل منهم يتقاسم ومعتقل آخر، بعض التفاصيل، لكن أحدا لم يوثق “الخيام”، وربما لم يكن هناك وقت لهذا، ولا قدرة أيضا. وفي موازاة الذاكرة المشتتة، كان قصف المعتقل بمثابة غذاء للجدران التي اقامتها الحياة بين ذاكرة هذا وذاك، وبالتالي، امل الإسرائيليون، بامحاء المكان، وامحاء التاريخ أيضا، وأخطر من ذلك، إمحاء هويات العملاء ومرتكبي الجرائم داخل الخيام، كما وإمحاء واقع النزلاء المزري في الداخل.

هذه النصوص تعمل كـ”بلاي باك” إذا صح القول، معاكسة، ومعاندة لصورة معتقل الخيام وقد استحال ركاما. الإنفجار يعني، بالضرورة، تفريق المادة، وتشتيت الطاقة التي تربط جزيئاتها ببعضها البعض، وبالتالي، تشتيت اللحمة، لحمة المكان بالارض، بمحيطه، بزمنه، بتاريخ لا تزال آثاره متفشية كالمرض. أما الكتابة، وبالأسلوب الذي اعتمدته ابراهيم، فهي بمثابة لململة لنثار هذه اللحمة، أو ما بقي منها، ووضعها نصب الصورة الحالية للمعتقل (الهدم)، فالصورة تقول بأن المعتقل تلاشى، بعكس ما تحفظه الذاكرة. عندما نقرأ هذه اليوميات، لسهى ورفيقاتها، يجتاحنا شعور بأسى طازج، وحرقة ساخنة تعصر أمعاءنا. كوزيت وسهى، لم تتعمدا الإشارة إلى المعتقل بوصفه كمكان، فلا نص في الكتاب يسهب في استرجاع تفاصيل المكان من الناحية “الهندسية”، وما يرد عنه (حجم الزنازين، غرفة المقابلات، غرفة الشمس، الحمّام، الممر، النوافذ، “منشر الغسيل”، مكتب التحقيق.. إلخ.) يأتي في سياق عرض التفاصيل اليومية، والتي يمارسها “بشري” على بشري آخر. المكان يُشكل في مخيلة القارئ، طوعا، بشكل تلقائي وممنهج، ذلك أن الكتاب لا يجبرك على الالتزام بصورة “الخيام” دفعة واحدة، ولا يعمد لاستثارة مشاعرك القومية، أو النضالية بشكل مباشرة. هناك إذن مزيج من اللغة، والحقيقة. واللغة هنا، لا تنصاع للحقائق ولا تنزلق إلى شوارعها المفتوحة، ويتضح أن كوزيت ابراهيم، لم تتنازل عن ضوابط الجملة، وجماليات اللغة، والاستعارة، بأسلوب روائي، على حساب بورتريه المعاناة الشخصية. ليس ثمة حيادية مطلقة للكاتبة وهي تسرد ذكرياتها الممزوجة بذكريات سهى بشارة وآخريات. إلا أن التوازن الذي أقامته كوزيت ما بين الصور المختزنة عموما وصياغة الجملة، رفع الألم إلى مستوى مجازي، فني، بعيدا عن تفاصيل كتب المذكرات.

قبل عام ونصف، أتاني صديق ببعض النصوص، “هذه كتبتها كوزيت ابراهيم”. عرفت حينذاك، ومن قراءتي لها، بأنني امام حساسية ساحرة، وواقعية، تلامس النثر، لكننها تتأنى كثيرة كي لا تنزلق إلى الشاعرية. أذكر أن نص “النافذة” أدهشني كثيرا، وأصبت بالحيرة فعلا. فما قرأته لم يكن قصة، ولا شعرا، ولا حتى قصة شعرية، ولا نثرا. لم أكن أعرف وقتها أنها مجرد يوميات ثمينة، وأدبية، للمعتقل الشهير. الحساسية الأدبية هنا مستقاة أساسا من التوثيق، ولا دور للمخيلة بصناعتها، بل للأمر الواقع، وهذا ما يمايزها. الكتاب كذلك، ورغم مضمونه السردي، لا يخضع لسياق روائي من الألف إلى الياء، ذلك أن كاتبته، عمدت إلى التخفف من الألم، عبر زجه في يوميات، وشذرات من الذاكرة، حتى إذا انتهيت من قراءة الكتاب، ستجد أن في مخيلتك صورة متممة إلى حد كبير عن سجن الخيام، الذي شكلت اليوميات المعاشة فيه، القاسية والمتطرفة، إحدى الأجزاء الأساسية لصورته.

مازن معروف – جريدة النهار 2010

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s