قافلة الصحافيين الشهداء بدأت عام 1915 ثم كرّت السبحة

قبل سنتين من اغتياله في 12 كانون الاول عام 2005، سأل احد الصحافيين جبران تويني عما يعتقده في الموت، في موته تحديدا. يومذاك، لم يكن من الصحافي والسياسي إلا أن ضحك، مجيبا أنه لا يعرف، وأن المشكلة ليست في الطريقة التي سيموت فيها، فالقتيل لا يشعر بأزيز الرصاصة وهي تخترق جسده، يموت فحسب. قبل أن يختتم بجملة مفادها انه يرحب بالموت إذا ما أتاه، لأن الموت مشيئة الله. على الأقل، سيموت وضميره مرتاح

جبران تويني، آخر الشهداء الصحافيين في قافلة لم تتوقف يوماً إلا لتستريح قليلا، وتعبئ خزّانها من زيت الإشكالات السياسية الخام، قبل أن تكمل طريقها، منعطفةً في أكثر من اتجاه، راسمةً في طريق الكلمة، خطوطا غير مفهومة، خربشة مستهجنة، خربشة موقتة، لا يمكن إزالتها عن الطريق، غير أنها لم تعلّم الكتّاب سوى العناد في مواقفهم، والتشبث بلحم الحرية القاسي في كثير من الأحيان، والمهترئ في مفهومه، داخل وطن لا تزال الأمبراطوريات، صغيرة وكبيرة، تتسلل أظفارها تحت جلده، لانتزاعه من موقعه، ووضعه قريباً منها، أو في بطنها أحياناً. من اعتقد أن لبنان لقمة، فهو عصي على البلع، ومن ظن أنه جباية، فالأكيد أنها جباية لن تستقر في أي يوم من الأيام في كيس أحد

دفع جبران تويني من دمه، ثمنا لحرية ظلّت في عيون كثيرين، مستنسبة، ورهناً بالسياسة، والتسويات، المعلن منها، والخفي. حرية، لا تشبه على الإطلاق تلك التي ترد في المعاجم، والقواميس، والروايات، وقصائد بابلو نيرودا. حرية الأمر الواقع، الموحل، غير المثالي. الحرية الهشة كالبسكويت، السهلة الإنفراط، التي لا ينفع معها لا الغراء الأميركي ولا الروسي ولا حتى الصيني. أُريدَ لجبران إقصاؤه عن المنبر السياسي والصحافي. أُريدَ إلغاؤه. ظن مغتالوه أن في تغييب الرجل تغييبا تلقائيا لكلمته، لأثره، لكتاباته، لعصبه، لمواقفه، لديناميكيته، لانفعاله، وحتى لأسلوبه الصحافي المجدِّد. كثر اتفقوا معه، وتابعوه في مسيرته الصحافية والسياسية، اللتين عرفتا بنبرته الصريحة، النظيفة، وهي نبرة لم يكن ليتنازل عن أي شقٍّ من مضمونها لأي مصلحة، سوى مصلحة لبنان الحر، المساوي بين أبنائه، كما حلم به يوما. كثر أيضا عارضوه، واستهجنوا مواقفه، غضبوا وثاروا منها، وخلطوا بين حقّه ككاتب، وحقّه كلبناني، وسياسي منتمٍ إلى رؤيا معينة

.
مستغرَبٌ فعلا أن يتخذ أحدهم قراراً باغتيال كاتب. ماذا يحدث بعد ذلك؟ هل يتحلل أرشيفه مثلاً ويختفي؟ هل تمحى كلماته اوتوماتيكيا من على الصفحات؟ هل تتحول كتاباته رماداً ينفخ في الهواء فلا يبقى أثر من الرجل؟ هل باغتيال صحافي، يقوم الزمن، لحظة الإغتيال، بإعادة تكوين نفسه، فيزيل في ضربة فلاش كل ما يتعلق بهذا الصحافي، فتتلاشى مواقفه المسجلة على الفيديو، الإنترنت، وفي أرشيف الجرائد المحلية والعالمية؟ صعبٌ حقا، إن لم يكن مستحيلا، أن يتم شطب كاتب بشكل نهائي، خصوصاً في هذا الزمن الرقمي. على الاغتيال أن يرفق عندئذ، بطلب الى كل الناس، بأن يغسلوا أدمغتهم من صورة الضحية، وبأن يتلفوا كل ما يتعلق به: الأفكار والمواقف والمقتنيات والتسجيلات الصوتية وغيرها. وإلا سيبقى كل اغتيال لكل صحافي، منقوصا، معوقا، مشوها، لا يؤدي هدفه المنشود، بل يصبح كمن أراد أن يقتلع شوكة من عينه، فانتزع القسم العلوي منها، فيما يكون رسخ بذلك صعوبة اقتلاع قسمها السفلي الدقيق، والمغروس باحكام.
الاغتيال، يجعل من الصحافي كائناً مؤرشفا، ميكروسكوبيا، متملصا، وأصعب بكثير مما كانه في حياته. اغتيال المتكلم، وليس الكلمة، هو بمثابة تعبير عن العجز في دخول مساحة من الباب الديموقراطي، واستعمال الكلمة ندا للكلمة، والامتثال للحجج الفكرية، التي قد تؤيد أو تدحض وجهة نظر الصحافي. الاحتفاء باغتيال قلم، كلمة، مفردة للتعبير، موقف قابل للمناقشة والمناقضة، لن يكون ممكنا، في أي مجتمع بشري، لا يرى إلى توسيع الأفق الإنساني فيه، إلا بالدم، بدلا من  استثمار الرؤى، والرؤى المضادة لتمتين الركيزة الفكرية والدستورية التي يقوم عليها منطق الدولة.
جبران تويني، لم يكن الأول في قافلة شهداء الحرف، ولا الأخير ربما، فلطالما ابتكر البعض مسوّغات لتبرير اغتيال هذا الصحافي أو ذاك، ولطالما فجعوا أيضا بإعدامات ظُنّ أنها السبيل لتطويع مجتمع بأكمله، كتلاميذ يجرون تمرينا في الإملاء.
الحكاية من البدايات

حكاية لبنان مع الاغتيالات الصحافية، بعيدة، قارب عمرها القرن من الزمن. كل صحافي، أخذ في مماته حكايته الخاصة، وترك للتاريخ حجرا مؤسسا في صرح الوطن. بعض الصحافيين اعتبروا الطرف الأضعف، ليس هناك من يتظاهر ضد اعتقالهم أو موتهم، ولا من يدعمهم في ظل حكم عسكري، اتسم بوضعه قوانين هي في الحقيقة أعراف لا تستند الى دساتير مقررة. البعض الآخر، استُعمل كصندوق بريد، لإمرار رسائل للآخرين، وكمّ الأفواه، وتشبيك الأصابع. المثير للاستغراب والعيب، أن طرفاً ما، كان دوما يتذرع بأن للصحافي المقتول انتماءات “مشبوهة”، أو “عميلة”، حتى قبل تأسيس إسرائيل أو قيام ثورة تموز 1952 في مصر. التهم جاهزة، لجعل الكعكة القاسية سهلة المضغ.
البداية كانت بإعدام الصحافيين محمد المحمصاني وشقيقه محمود شنقاً يوم 21 آب 1915 في “ساحة الاتحاد” التي عرفت لاحقا بـ”ساحة البرج” قبل أن يستقر اسمها على “ساحة الشهداء”. تم ذلك بأوامر من جمال باشا، وقد استتبعت في 6 أيار 1916، بشنق سبعة صحافيين هم: أحمد حسن طبارة (صاحب جريدتي “الإصلاح” و”الإتحاد العثماني”)، سعيد فاضل عقل (أحد أبرز المعلقين السياسيين تلك الفترة، صاحب جريدة “البيرق”، ورئيس تحرير عدد من كبرى الصحف في لبنان كـ”النصير”، و”الاصلاح” و”لسان الحال”)، عمر حمد (كاتب في جريدتي “المفيد” و”الاصلاح”)، عبد الغني العريسي (صاحب جريدة “المفيد”، و”فتى العرب” و”لسان العرب”)،  الامير عارف الشهابي (محرر سياسي في جريدة “المفيد”)، باترو باولي (مدير جريدة “الوطن” ورئيس تحرير جريدة “المراقب”)، وجورجي حداد (صحافي في جريدة “المقتبس”، و”الرقيب” و”لبنان”). في 5 حزيران 1916، انضم إلى القافلة كل من الأخوين الصحافيين فيليب وفريد الخازن صاحبي جريدة “الأرز”، التي سخرت صفحاتها مدافعة عن امتيازات “بروتوكول جبل لبنان”، التي تنكرت لها الدولة العثمانية.
بعد إثنين وأربعين عاما على هذه المجزرة، وبالتحديد عند الساعة الأولى والنصف من فجر الثامن من أيار من العام 1958، ثقبت خمس رصاصات جسد نقيب المحررين السابق نسيب المتني، الذي دفع ثمن جرأة موقفه السياسي والمعارض لسياسات الرئيس السابق كميل شمعون. المعلومات ترددت لاحقاً حول قيام عناصر تابعة لاستخبارات عبد الحميد السرّاج، بتنفيذ الإغتيال بهدف إشعال الثورة ضد شمعون. معركة المتني لم تكن الأولى مع رؤساء الجمهورية، فالنقيب السابق، الجريء والعنيد (انتخب نقيبا للمحررين عام 1947)، كان قد خاض قبل ذلك معركة سابقة دفاعاً عن المبادئ ذاتها ضد عهد الرئيس بشارة الخوري دافعا به إلى الاستقالة في 18 أيلول 1952، تحت ضغط الرأي العام الغاضب والمستجيب دعوات المتني الى إضراب شامل عمّ لبنان ثلاثة أيام متتالية. أصدر المتني صحيفة “التلغراف” اليومية عام 1945 لتصبح الجريدة الشعبية الأولى آنذاك، والأقرب إلى المواطنين.
في مساء الإثنين 16 أيار 1966، اغتيل كامل مروّة صاحب صحيفة “الحياة” ورئيس تحريرها، داخل مكاتب الجريدة الكائنة في الخندق الغميق خلف “التياترو الكبير” في ساحة رياض الصلح. عند التاسعة إلا خمس دقائق، اخترقت رصاصة بطنه، وأخرى رئته. في 28 كانون الثاني عام 1946، أصدر كامل مروة العدد الأول من جريدة “الحياة”، ثم أصدر في عام 1952 “ذا دايلي ستار”، كأول جريدة باللغة الانكليزية في لبنان، فجريدة “لوماتان” باللغة الفرنسية عام 1959. بعد نحو أربعة أعوام على تأسيس “النهار” على يد جبران تويني، انضم مروّة الى الصحيفة البيروتية. شجعه جبران تويني على المضي في مسعاه الصحافي، وأفرد له في مكتب “النهار” في سوق الطويلة، غرفة لإصدار جريدته منها. فابتكر الافتتاحية القصيرة، في زمن المطوّلات أو “المعلقات” الصحافية، كما أدخل المكننة الى دنيا الصحافة في لبنان والعالم العربي، لينال لقب أبي الصحافة العربية الحديثة.
أما غسان كنفاني، الصحافي الفلسطيني والكاتب البارز، فقد افتتحت إسرائيل باغتياله مسلسل تصفيات لعدد من مثقفي منظمة التحرير الفلسطينية. ولد عام 1936 في مدينة عكا بفلسطين، وشغل منصب عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. عرف كصحافي تقدمي جريء، وقد دخل السجن نتيجة جرأته في الدفاع عن القضايا الوطنية أكثر من مرة. كان يمثل كمثقف يساري، تهديدا فعليا وإيديولوجيا للدولة العبرية، وقد استطاع على رغم حياته القصيرة، أن ينجز العديد من الروايات والقصص القصيرة، إضافة إلى مسرحيات تناولت في مجملها المخيمات الفلسطينية والوضع السوسيولوجي والانساني المدقع لسكانها. استشهد صباح يوم السبت 8/7/1972 بعدما انفجرت عبوة ناسفة كانت قد وضعت في سيارته تحت منزله في الحازمية شرق بيروت، ما أدى إلى استشهاده مع إبنة شقيقته لميس حسين نجم البالغة من العمر 17 سنة. وهو عضو في أسرة تحرير مجلة “الرأي” في دمشق، وعضو في أسرة تحرير مجلة “الحرية” فى بيروت، ورئيس تحرير جريدة “المحرر” في بيروت، ورئيس تحرير “فلسطين”، ورئيس تحرير ملحق “الأنوار” في بيروت، وصاحب “الهدف” ورئيس تحريرها في بيروت.
“إن لبنان يشبه لعبة صينية، عندما ترميها، تدور وتدور في الاتجاهات كلها ثم تجلس”، جملة أندره فونتين هذه، لعلها أشهر ما كان يستشهد به إدوار صعب الصحافي الذي لاقى حتفه في 16 مايو 1976 على يد قناص مجهول، حين كان متوجها من الأشرفية إلى مكتبه في الحمراء. رئس تحرير الصحيفة الفرنسية، “لوريان لو جور”، وهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر. كان معروفا بانتقاده لكل الفرقاء اللبنانيين لتقوقعهم على ذاتهم، وعدم انفتاحهم بعضهم على البعض الآخر للخروج بالبلد من عواصفه. إدوار صعب واحد ممن رأوا في لبنان قماشة تتمزقها العصبيات والعشائريات، لكنه آمن بأن لبنان الذي سيفقد السيطرة على نفسه لعشرين عاماً، لا بد أن ينهض في نهاية الأمر ويستعيد كيانه.
في صباح 20 حزيران 1979، اغتيل في بيروت، الصحافي العراقي عبد المجيد وصفي (خالد العراقي)، نائب رئيس تحرير مجلة “فلسطين الثورة” الذي اغتيل بينما كان يوصل إبنته الى روضة الأطفال. كما اغتيل أيضا في العام نفسه مراسل صحيفة “شتيرن” الالمانية كارل روبير ليفر في المنارة، غرب بيروت.
لكن أكثر الميتات بشاعة وسادية كانت من نصيب الصحافي سليم اللوزي. فقد عُثر عليه جثة هامدة في صندوق سيارته المركونة في حرج عرمون جنوب بيروت في 4 آذار 1980، ملقى على بطنه، وفي مؤخرة الرأس طلق ناري حطّم الجمجمة ومزّق الدماغ. أما ذراعه اليمنى فمسلوخ لحمها عن عظمها حتى الكوع، والأصابع الخمس سوداء نتيجة التذويب بالأسيد أو حامض الكبريت، وأقلام الحبر مغروزة بعنف داخل أحشائه من الخلف. هكذا وجدت جثته بعد 8 أيام على اختطافه في 4 آذار 1980، أثناء توجهه الى المطار بعدما حضر جنازة والدته. أصدر مجلة “الحوادث” عام 1956، وعشية قدومه إلى بيروت لحضور جنازة أمه، عرض عليه ياسر عرفات مرافقة خاصة، ريثما يعود أدراجه إلى لندن، لكنه رفض. خاض مع بعض الأنظمة العربية معارك شرسة على صفحات مجلته. وأصدر من لندن مجلة أسبوعية باللغة الانكليزية تحمل اسم  “Events”، موظفاً ومستكتباً فيها أهم الصحافيين الانكليز والأجانب، على رغم انه لا يتكلم الانكليزية ولا يفقه منها شيئاً.
في صباح 23 تموز 1980، كانت سيارة بداخلها عدد من المسلحين،  تطارد سيارة أخرى يقودها راكب وحيد، هو نقيب الصحافة آنذاك رياض طه. المطاردة انتهت لصالح السيارة الأولى، بتكلفة ست رصاصات من النوع المتفجر اخترقت رأس طه، وعنقه وصدره. واضعة حداً لحياة صحافي لامع لعب دوراً بارزاً من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف اللبنانيين، في عزّ صراعاتهم وتناقضاتهم وانقساماتهم. افتتاحياته في صحيفة “الكفاح العربي” كانت نموذجا واضحا لمواجهة غير متكافئة ما بين القلم والسلاح. كوفئ بأكثر من محاولة اغتيال، وبالضرب والتعذيب إضافة الى السجن، وتعطيل صدور بعض مطبوعاته، كمجلة “أخبار العالم”  التي صدر قرار قضائي بإلغاء امتيازها نهائيا، على أثر مقال بعنوان “خصمي وحاكمي” هاجم فيه رئيس مجلس النواب السابق صبري حمادة. انتخابه عام 1967 نقيباً للصحافة بالإجماع، اعتبر ظاهرة فريدة في لبنان.
في 29 آب من العام نفسه (1980) اغتيل صحافي في جريدة “اللواء” هو يحيى الحزوري في الشياح. وفي 9 تموز عام 1985 سقط  سمير سلام، رئيس تحرير مجلة “الفهرس” مع زوجته وولديه قتلاً في منزله في رأس بيروت. كما الصحافي حسن فخر الذي قتل بقذيفة صاروخية اطلقت على سيارته. كان فخر معروفا كعضو في مجلس نقابة المحررين، وعضو سكرتارية الاتحاد العالمي للصحافيين، قام بتشكيل تيار مناهض لاسرائيل، من داخل الحزب التقدمي الاشتراكي ومن خارجه، وقد أصدر هذا التيار نشرة لم تكن دورية بعنوان “أبناء الجبل”، ووقف بحزم ضد “الخطوط المفتوحة” مع اسرائيل، وقام مناضلوه ببعض العمليات ضد الجيش الاسرائيلي.
“تعذيب شديد وحروق مختلفة، إضافة إلى ست رصاصات من مسدس في عنقه ورأسه، ما أدى الى قلع عينه اليمنى. الرصاصات نفذت من مقدم الرأس الى مؤخره ومزقت السحايا الدماغية وأدت الى الوفاة سريعاً تاركة جميعها وشماً مما يدل على أن عملية التصفية (الجسدية) تمت من قرب”. هذا ما ورد في تقرير الطبيب الشرعي حول الصحافي سهيل طويلة الذي عثر عليه جثة هامدة في 24 شباط 1986 في محلة النورماندي في بيروت حيث مكب النفايات الخاص بالعاصمة. كان قد خُطِف قبل أربع وعشرين ساعة من منزله بعيد عودته من مبنى جريدة “النداء” الشيوعية التي كان يترأس تحريرها، إضافة إلى عمله كمدير عام مسؤول في مجلة “الطريق”. كان أحد الوجوه البارزة في صفوف “الحركة الوطنية اللبنانية”، ومدافعاً عن الثورة الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني في استرجاع أرضه. استهواه العمل الصحافي مذ كان يافعاً، وانخرط أيضاً في العمل السياسي الميداني، فضلاً عن نشاطه الفكري التنظيري في صفوف “الحزب الشيوعي اللبناني”، وتكرّس اسمه لاحقاً واحداً من منظّري “الحزب الشيوعي اللبناني” في عصره الذهبي. إلى ذلك، فقد كان ناشطا في صفوف عدد من الهيئات الإعلامية والجمعيات الثقافية والأهلية، وأحد قادة الرأي المؤثرين لبنانياً وعربياً. كانت افتتاحياته ومقالاته، في “النداء” أو “الطريق”، مرآة عاكسة للفكر الذي آمن به، كما لعبت دور المحرك الأساسي لشريحة من جمهوره اليساري. غداة اغتياله تصدرت افتتاحيته وكذلك خبر اغتياله الجريدة جنباً الى جنب.
بعد أقل من عام على حادثة اغتيال طويلة، وتحديدا في 17 شباط، كان دور حسين مروة الحائز جوائز أدبية عدة منها اللوتس. ثلاثة شبان وقفوا تحت شرفة منزل مروة في محلة الرملة البيضاء. تحدثوا طويلاً قبل أن يصعدوا الى منزله. طرقوا الباب، ففتحت لهم زوجته. سألوها “هل نستطيع أن نرى الأستاذ؟ لدينا موعد”. أجابت: “طبعاً، لكنه في فراشه، لا يستطيع المشي ليخرج إليكم، هلاّ تفضلتم بالدخول الى غرفة نومه”. دخلوا. استقبلهم مريضاً في سريره. أفرغوا في جسده بضع رصاصات. خرجوا من المنزل بهدوء. لم يرأفوا بالحال الصحية لإبن السابعة والسبعين. مروّة لبس العمامة لنحو أربعة عشر عاما قبل أن يخلعها بعد اطلاعه على الفكر الماركسي. أصبح كاتباً لزاوية “مع القافلة” اليومية في جريدة “الحياة” طوال سبع سنوات، إضافة الى كونه أحد أركان مجلة “الطريق”. عيّن رئيسا لمجلة “النهج” الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي. قال ذات مرة “ولدت شيخاً وأموت طفلاً”.
هو مهندس شعار استقلال 2005، وأحد أهم المفكرين السياسيين في لبنان. كان ذا رؤيا رصينة تجاه الحرية، فلم يقبل بالأمر الواقع والسياسات والاشتراطات المفروضة على لبنان. اغتياله، كان دلالة على استئناف “قنّاص” الصحافيين نشاطه. في صباح 2 حزيران 2005، سمع جيران سمير قصير في الأشرفية، صوت انفجار مقلقاً. هرعوا برفقة ابنتيه ليجدوا سيارة سمير قصير متفجرة وهو بداخلها. ضغط القاتل على زر لاسلكي صغير، لتنفجر عبوة ناسفة كانت موضوعة تحت مقعد الصحافي الأنيق حالما هَمَّ بتشغيل السيارة، متوجها إلى مبنى جريدة “النهار” كي يكتب مقاله الأسبوعي الذي يفتتح به الصفحة الأولى كل نهار جمعة. عرف بإيمانه المطلق بالحرية، وحق الشعوب في التحرر. وظل مشغولا بقضية فلسطين، التي شغلت وجدانه. وكان لا يزال طالباً يدرس الفلسفة السياسية والتاريخ المعاصر في جامعة السوربون، عندما فتحت له صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” الشهرية الفرنسية، صفحاتها. ومثلها فعلت صحف ومجلات عربية عدة. لوحق بسبب تحريضه على سياسات الأمر الواقع. وضُيِّق عليه أمنياً، مرات عدة. وضع كتبا في السياسة والثقافة والفكر والتاريخ. ورأس تحرير المجلة الثقافية الفرنسية “لوريان إكسبرس” الصادرة عن “لوريان لو جور” البيروتية. لوحق وهُدّد وصودر منه جواز سفره. كما مُنع بث برنامج كان يقدمه مباشرة على شاشة التلفزيون الرسمي عنوانه “دون تحفظ” في مطلع عام 2000، وذلك بعد عرض ثلاث حلقات فقط.
عند الساعة التاسعة من صباح الإثنين 12 كانون الأول 2005، أي بعد أشهر على اغتيال صديقه قصير، كانت أربعون كيلوغراما من مادة الـ “تي. أن. تي” مزروعة داخل سيارة أعدّت لاغتيال جبران تويني. عندما مرت سيارته في محاذاتها، انفجرت الأولى محولة سيارة تويني لهباً مشتعلاً. بدأ حياته متدرجاً على صفحات “النهار”، لينتقل بعدها الى مجلة “النهار العربي والدولي” الأسبوعية في باريس عام 1978، وليصبح لاحقاً رئيس تحريرها وهو لما يزل في مطلع العشرينات من عمره. عرفت المجلة على يده رواجاً محلياً لافتاً. وفي العام  1993، توجه تويني الشاب صوب الشباب اليافعين “فاتحاً” لهم ملحق “نهار الشباب” الأسبوعي، ليصبح طوال ثماني سنوات منبراً فريداً لكل أطياف الشباب اللبناني. وفي عام 2000، بدأت “النهار” مع جبران الحفيد حقبة ثالثة من عمرها، فمن جبران المؤسس إلى غسان إلى جبران. عمل بجدية على تطويرها تحريراً وإخراجاً وإنتاجاً، فضلاً عن ضخ دماء شابة في أقسامها المختلفة، فجددت الصحيفة التاريخية شبابها، وهي على أبواب السبعين. الافتتاحية الجريئة صباح كل خميس جعلت اسمه على رأس “لائحة الشخصيات المهددة بالاغتيال”، وذلك عقب أول زلزال سياسي – أمني ضرب البلاد عندما اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. شارك أيضا بفاعلية في تنظيم انتفاضة الاستقلال، وأطلق في 14 آذار 2005 قسمه الوطني الشهير. وانتخب في 29 أيار من العام نفسه (2005) نائباً عن الدائرة الأولى في بيروت، ليجمع بين يديه الصحافة والسياسة قبل أن تنال منه يد القتلة. يتذكر “النهاريون” القدامى جيداً عندما تبنت صحيفتهم حملة عنيفة ضد رئاسة الجمهورية، في عهد الرئيس شارل حلو  (1964- 1970). حينها، سأل أحد المستشارين حلو: “لماذا لا تقيم دعوى قضائية على النهار؟” فجاء جواب الرئيس قاطعاً: “لا أستطيع لأن دولة النهار أقوى من دولتي”.

مازن معروف – جريدة النهار 2010

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s