إيليا سليمان عن فيلمه “الزمن الباقي”: نعم أنا أتجه إلى الواقعية المفرطة

بعد ملاحقته من باريس إلى بيروت ومن ثم إلى باريس مجددا، إستطعت العثور على المخرج الفلسطيني إيليا سليمان الذي تنقّط كلماته الساخرة من فمه أغلب الوقت، يمتعك الحديث معه بقدر ما يجرحك أو يخوفك. إنه مخرج غير منضبط، لا يحدد إيقاعا مسبقا لأعماله، بل يؤثر المجازفة والخوض في التصوير منطلقا من تجربته الشخصية، كإيليا سليمان الإنسان الناصري البسيط، فيحول محيطه الخاص إلى عمل سينمائي بتفاصيل إبداعية فضفاضة. من العاصمة الفرنسية، حيث يقيم في الوقت الحالي، كان معه هذا الحوار:

1 – الأفلام الثلاثة “سجل اختفاء”، “يد إلهية” و”الزمن الباقي” التي قمت بإخراجها وكتابتها، تبدو وكأنها تريولوجي (ثلاثية)، إذ تدور أحداثها في نفس الأمكنة (المنزل، الحارة،..إلخ)، حتى أن الكاميرا في بعض المشاهد من الفيلم الأول لم يتغير موقعها سنتمترا واحدا في الفيلم الثالث. ألم تجد في هذا الامر مجازفة، خصوصا وأن معظم المخرجين يحاولون تقديم مواضيع مختلفة وبيئات لا تتضارب مع بعضها البعض؟

أفكر الآن بسؤالك. صحيح، كان في الأمر مجازفة كبيرة. لكنني لم أفكر بها إلا الآن. كان يجب ربما أن أخاف، او أبتعد، وأن أصنع فيلما بشكل عكسي. الجيد أنني لم أقم بتقييمها مسبقا كمجازفة. كنت أشعر بنفسي منجذبا إلى المكان نفسه، إلى حيث ترعرعت. الأغلب انني لم أكن اشعر بانني سأخرج فيلما على هذه الشاكلة. شيء ما كان يجر كل حواسي إلى المنزل مجددا، والحارة والمحيط والأصدقاء القدامى. “يد إلهية” هو حلقة الوصل بين الفيليمن الأول والأخير. مشهد الأم وهي تقرأ الجريدة وتأكل البوظة مثلا، يدل على الإحساس بالزمن، وإصرار الفرد على متابعة حياته حتى النهاية. هي تتوارى، لتستلذ بحبة بوظة، مدركة انها ممنوعة من أكل البوظة. إنه إحدى جوانب الإنسان الحزينة. الام تريد ان تحارب وتستمر. المسألة هنا ليست سياسية، بل شخصية. إنها حرب أخرى غير ملحوظة ربما. إذا تسنى لك مشاهدة المونتاج يوما ما، فسوف ترى ذلك الترابط بين كل الأشياء التي عشتها وثم قمت بعمل مداخلات صورية لها. الموسيقى مثلا، كلها مرتبطة بالواقع. ليس عندي استراتيجيات، لكنني كنت على اتصال بالموسيقى قبل البدء بالتصوير، وفي مرحلة التحضير للفيلم. كنت أشعر ان فترة السبعينات من القرن المنصرم، هي فترة فيروزية، لكنني نشأت كذلك على موسيقى صباح فخري، من خلال والدي. هناك ميلانكوني في أغانيه تحفز ذهني على تذكر أشياء في طفولتي ومراهقتي. لكن ورغم ان هذا النوع من الطرب، لا يفتح اية نافذة على الموسيقى الطربية التي تعودنا سماعها، إلا انني آمنت أن موسيقى اغانيه لا بد وأن تلائم المشهد. الامر أدهش محرر الفيلم. ولأول مرة، كان لدي مستشارة موسيقية هي ياسمين حمدان. كان هناك صعوبات. اردت كذلك أن أفتش عن الامكنة، ان أقف او أجلس تماما في المنزل حيث كنت اقف أو أجلس وأنا صغير. كانت عملية البحث عن موقع الكاميرا، في غاية المشقة، لأنني اعرف المنزل جيدا، ولي علاقة مع كل زاوية من زواياه وتفاصيله.

2 – لماذا هذا التوجه عند إيليا سليمان نحو إبقاء قدميه مغروستين في أرضية الواقع، فيما مخيلته تلامس السقف السوريالي، دون أن تتكمش به؟

نعم، انا اتجه من الواقع إلى الواقعية المفرطة (hyper realism). وبالحقيقة، فإن أفلامي تعكس تضخيم الواقع. لا أتكلم عن الشارع الفلسطيني. لكن ربما عن الشارع النصراوي. إنه تأليف سينمائي. كل تابلو هو قطعة معينة. وله مزاجه واستقلاليته وإيقاعه. ليس فيه بالضرورة شيئا سخيفا. هناك سياق كلامي، ربما دون الوعي العقلاني، او المنطق، لكن استمراريته تنبع من لعبة المونتاج الذي يضبط بدوره الأشياء. المونتاج هو أكثر ميتافيزيقية، مما هو “علاجي”. تحضيرالسيناريو يستغرقني الكثير من الوقت. استثمار المشهد هو اكثر ما يشغلني. منظر التاكسي هو مشربك، ويلزم أخذه إلى مطرح محدد. السؤال الذي يبقى هو: هل سيتم ضبط المشهد ام لا؟ إنه مسألة خطرة. أحيانا أصوّر مشاهد احتياطية او محتملة. المونتاج يرتبط بالشاعرية وليس بالشعر. هذه النقلات تخوفني، لأنني لا اريد الالتزام بالواقع مثلما هو. هناك كوريوغرافي مثلا، ونوع من التمزق الصوري. ليس هناك واقعية، بل تعود القصة والسرد والصورة لتكمل. مثل مشهد القفز بالزانة فوق جدار الفصل العنصري في “الزمن المتبقي”، أو عندما افجر الدبابة ببذرة مشمش في “يد إلهية” مكملا بكل هدوء نحو المستشفى لزيارة أبي. ليس هناك خط واحد في السيناريو. يخيل أحيانا ان هناك مواقعا في السيناريو لن تكون جيدة، إلا أن هذا النوع يثيرني. الخروج عن السرد ومن ثم العودة إليه. هذا مرفق باحتمال ان يفرط السرد، والفيلم معا. سأقول لك سرا، في “سجل اختفاء”، كنت راديكاليا جدا. قررت من البداية ماذا سأفعل. قمت بالتصوير مرتين. إما ألاقي أريحا او أوسلو. كان الانتاج مكلفا. لكنني كنت انتظر الحدث في الفيلم. أصور وانتظر غن كان سيحدث شيءخلال التصوير يعتبر بمثابة حدث لإكمال الفيلم. السيناريو لم يكن منتهيا. كان يقف عند مشهد الجنود الاسرائيليين الذي ينزلون بسرعة من سيارتهم العسكرية ليتبولوا على الحائط، قبل ان يعودوا بسرعة إلى السيارة. في هذا المشهد، يقع جهاز اللاسلكي من أحد الجنود (وهذا لم يكن مكتوبا في السيناريو). كان هذا الحدث. أمهلت فريق الانتاج شهرا واحدا، ذهبت وكتبت السيناريو على اساس ان الحدث هو وقوع اللاسلكي. واكملت الفيلم الذي نال جائزة في إيطاليا. كان ذلك ضربا من الجنون لن أكرره.

3 – لكن كيف أمكن إقناع المنتجين بسيناريو غير مكتمل؟

هذا لأنني كنت أنا المنتج. الآن اختلفت الامور، كل شيء أكثر صعبة. المنتج يريد ان يرى الفيلم الآن قبل أن يساهم في الانتاج. التسويق عملية تضغط أكثر فأكثر على مخيلة المخرج. لا أعلم إذا كان هناك مخرجون قادرون على الهروب من هذه الضغوطات. كان في السابق هامش أكبر من الحرية أمام المخرج. أناس عمالقة اضطروا إلى العمل كممثلين فقط لكسب المال واستخدامه في انتاج اعمالهم الإخراجية الخاصة. هناك تدهور في هذه الصناعة. كما ان هناك نوعا من الصمت والقبول الشبيهان بالصمت والقبول حيال المجازر والمآسي التي تحصل يوميا في أنحاء متفرقة من العالم. إنه خراب متصل بخراب آخر. هناك احتفالات سخيفة نسمع بها، كأن يقال ان الفيلم الفلاني حقق إيرادات مالية تفوق الثمانين مليون دولار. هذا جيد، لكن أين هي إيرادات الفيلم فنيا؟ معيب هذا الاحتفال بالشق اللوتاري المتعلق بالفيلم وليس الثقافي.

4 – كيف تفسر أن البعض يتوقع منك صناعة أفلام نمطية عن الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، كونك فلسطينيا من الناصرة؟

السؤال يكمن في ان ترسم الواقع بطريقة مختلفة. أن تحشر بورنوغرافيا العنف في فيلم، هو أمر لا يغير شيئا في معادلة الصراع. ليست مهمتي أن اتحدث عن عنف الاسرائيلي ضد الفلسطيني. الفيلم هو بحد ذاته عن العنف. لكنه العنف المعاش في هامش شخصي. انا لست مخرج أفلام وثائقية ولا ريبورتجات. ولا أحبذ أن اكون مونولوجا أو تأتأة عن الواقع، او احتمالاته. هذا ما اسميه “potential moment of truth”، التابلو عندي هو شاعري وليس واقعي. لا نحتاج وثائقيات عن العنف. العنف يأتي من النافذة، وكل ما عليك فعله هو إغلاق البيت لتجنبه. منظر سرقة الجنود لأغراض البيت في فيلمي الأخير، لم يأت من فراغ مثلا، بل من حكاية امرأة كانت قادمة للتو من شهر عسلها في بيروت، ووجدت فور وصولها، الجنود الاسرائيليين وهم يسرقون أشياءها. اليوم عمرها 75 عاما ولا تزال تبكي كلما تذكرت الحادثة. أرتني ثقوب الرصاصات التي أطلقها الجنود وقتذاك لتخويف زوجها ومنعه من مقاومتهم. هنا، كان الحدث تاريخيا. وانتقمت للمرأة بمشهد أصور فيه الجنود وهم يسرقون منزلا ويستمعون إلى ليلى مراد في الفونوغراف الذي استولوا عليه. العنف في هذه اللحظة، هو نوع من الغضب. القصة هذه تأثيرها أقوى بكثير من المنظر المادي كما هو. البعد الفني يلعب دورا في تحفيز مخيلة المتفرج، وإشراكه في الفيلم. في “سجل اختفاء”، “يفنتر” الجنود على الحائط. ليس في هذا المشهد ربما أي عنف، لكن طريقة نزول الجنود من الحافلة، وسرعتهم، كما وطريقة عودتهم إليها وسرعتهم الهائلة، تبشر بأن هناك عنفا سوف يحصل في مكان ما. إذن، هم اتوا من مهمة وهم ذاهبون إلى مهمة أخرى. قد يضحك المشاهد هنا، لكن هناك رسالة يجب إيصالها بشكل غير مباشر في النهاية. التاريخ يبرهن أن العمل الفني الذي يستهلك الحدث التاريخي، يضمحل تدريجيا ويموت. لا تتقوقع أفلامي في الهوية، بل في التجربة الانسانية. إنها تختصر رغبة لدي في تقليص العنف. بالنسبة لي، لا اريد للناس أن يتظاهروا بعد مشاهدة افلامي. يسعدني أكثر، إذا جعلتهم هذه الأفلام يشعرون بالجوع أو يضعون ماء لأزهارهم.

5 – لماذا انتهاجك شخصية الصامت في أفلامك؟ وهل للصمت دلالات فلسفية أو احتجاجية هنا؟

يكون السيناريو منطوقا في البداية. لكنني اعمل بجهد على تكثيف الحوارات واختزالها لإيلاء الصورة الأهمية الكبرى، بما يجعلها ضخمة ومفتوحة الدلالات. على السينما ان تعبر باللغة السينمائية، والمحكي هو الجزء وليس الكل. لا أريد أن أقدم معلومات مباشرة في أفلامي. من يريد المعلومات، فمن السهل الحصول عليها عبر الكتب والانترنت والأبحاث والدراسات والوثائقيات. لا تنس أن الصمت هو نوع من اللاتوازن او اللاإستقرار. هو يدعم القوة، ويهبط القلب في نفس الوقت، كما ويرسم فراغات امام المشاهد طالبا منه أن يملّيها. أنا لا أعتبره صمتا، لأن فيه إيقاعات، وأصوات. اجرب أن يكون الحوار مقتصرا على سؤال وجواب. مونولوجا مقابل المونولوج. إنه حوار المنظر. الجار في “الزمن المتبقي”، يتحدث، لكن ليس هناك حوارا مع فؤاد (أبي). نعيش اغلب الوقت في صمت متأمل. حتى الصمت مُسيّس، لكن بالطبع فيه احتجاج وفيه أيضا حزن. أحاول تكثيف لغة الحارة، التي أصبحت الآن غيتو إسرائيلي عزل الفلسطينيين عن بعضهم البعض. روح النكتة مثلا، مستوحاة من العائلة، من الأب تحديدا والأم. هناك الكثير من المواقف المثيرة للسخرية أو للضحك، آتية من نكات يطلقها إخوتي، او أحداث حقيقية جرت معهم. أمتص هذه الحياة في السينما بشكل نظيف ومبتكر ومختلف وأصيل.

6 – ماذا بعد أفلامك الثلاثة عن العائلة والمنزل والحياة الشخصية في الناصرة؟ هل سيقدم إيليا سليمان فيلم رابعا مكملا لسيرة أفلامه، أم سيتجاوز هذه المرحلة بأكملها نحو موضوع مغاير إلى حد ما؟

عندي فكرة. ممكن ان تكون مرتبطة بالافلام الثلاثة السابقة. لم أبدأ مرة في حياتي كتابة سيناريو ثابت. هناك دائما شيء مختلف وجديد يطرأ على النص. الكتبة تأخذك وتقاومك. تصطدم بمطارح وتحاول أن تجد المنفذ او طريق الهرب. لا تتوقع احيانا كيف ستكمل بعد عدة سطور. لولا السفر لكتبت أكثر. لا اريد أن أكرر. يجب ان يكون هناك بحث مكثف يؤمن لي الانطلاقة التي تكون دائما أمرا صعبا. هذه فترة مهرجانات وحوار بيني وبين الجمهور، الامر الذي استفيد منه كثيرا.

مازن معروف (باريس)
(جريدة النهار 2009)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s