السؤال الأخرس: لماذا؟

تسترجع ماري رشو من خلال روايتها “طفلة الكوليرا” (دار الساقي)، حقبة من التاريخ الخاص بالأرمن. تقوم بذلك من خلال الاتكال على ما تعتبره حقائق أرشيفية، لتصوغ لغتها الروائية من دون أن تبتعد قيد أنملة عن الحدث العام (مأساة الأرمن)، الذي لا يلبث أن يتخذ زاوية خاصة جدا، تعتبرها الروائية كافية لبناء عمل أدبي. لا بد في البداية، من الوقوف عند بعض الأسئلة حول ما يختص بالأرشيف التاريخي وأثره في بعض القوميات. فتاريخ القرن العشرين، شهد منذ بدايته تكثيفا غير مسبوق لناحية الحدث وتسارعه، ولانسحاب نتائج هذا الحدث على البشرية بشكل عام.

ضَعُفَ نفوذ الدولة العثمانية، ووهنت سلطة الأتراك، بعدما امتدت في مرحلة ما لتطال أفريقيا. لحماية إرث السلطنة العثمانية، لجأ الأتراك في نهاية الأمر إلى المارد الألماني، بشروط حددها هذا الأخير مسبقا. ترافق هذا مع اهتزاز الموقع العسكري لدول عدة، مما أدى إلى اختلال في موازين القوى بين الشرق والغرب بعد الحرب العالمية الاولى، إضافة إلى تغييرات ديموغرافية، نتيجة الإبادة، أو التهجير القسري أو الاختياري. لم يعد التشكيل المدني للأمكنة، مماثلا لما قبل الحدث. تالياً، فإن انسلاخ الانسان عن مكانه الأول، كان لا بد من أن يشكل مساحة إضافية في ذاكرة بعض الشعوب كتعويض نوستالجي أقله عن المأساة والحرمان من ملكية مكان الأجداد. ما حدث للأرمن، كان ممكنا في حق شعوب اعتبرت دون مستوى شروط الإنسان، بسبب اختلاف عرقها أو ديانتها او انتمائها الإيديولوجي. الغريب أن ما حدث للأرمن من مجازر إبادة وتهجير، وإبعاد وسخرة وحرمان، بقي إلى حد ما، رهن التجميد، إذا لم نقل النسيان. بقيت القضية الأرمنية، مسألة ذات طابع خاص وضيق يكاد لا يتجاوز أصحاب القضية المعنيين بها شخصيا. لم تأخذ المسألة بعدها الانساني بالشكل الذي حظيت به قضايا أخرى كالقضية الفلسطينية. ولا نعرف مثلا من المسؤول عن هذا الأمر. هل هو الجيل الثاني من الارمن مثلا؟ هل صحيح أن انشغال الأرمن بالصناعة والتجارة والانصراف إلى تثبيت اقدامهم على أرض المال، وتالياً تحقيق كينونتهم ووجودهم كأرمن اولا، ومن ثم كرجال أعمال او أصحاب نفوذ، هو ما تسبب بهذا التغاضي عن القضية؟ مهما يكن من امر، فإن ماري رشو، تطرحه من خلال شخصية الأب واهان، الذي كان طفلا في العاشرة من عمره حينما أجبر ووالدته آرشا على مغادرة الديار، بناء على أوامر الحاكم العثماني. آرشا الجدة، تحكي لحفيدتها لورا، قصة الأرمن، وألم الجوع والعطش والإذلال والإهانة المعنوية، المرافقة لهم في رحلتهم. تستثار الحفيدة، مما يضعها وجها لوجه امام ابيها واهان، الذي يبدو موضوعيا تجاه الأمر، أكثر من اللزوم. تمثل الجدة، برمزيتها في الرواية، الذاكرة او الأرشيف الحي. وهي تشكل بالإضافة إلى الوثائق التي تعتمدها لورا، كمّاشة للقبض على الحقيقة (او ما تعتبره لورا هكذا). فيما يمثل الأب، الذاكرة المتذبذبة بين الانحياز الى القومية الارمنية، وموضوعية مجوفة، يملأها واهان بالسخرية. لكن شخصية واهان، تبدو من خلال العمل كأنها البيان غير القومي للأرمن، لكن الضعيف، وغير القادر على الدفاع عن افكاره أو تثبيتها أمام مارد القومية الأرمنية (لورا). تستخدمه لورا، لدحض هذه الأفكار وتفتيتها، والانتصار على “وجهة النظر الأخرى”. تؤدي شخصيته دور الضفة الاخرى للعمل الروائي، وذلك من الناحية الفكرية وليس الجمالية الروائية. أما آفو، فيبدو على النقيض تماما من أخيه واهان. إذ يتمتع بمخيلة متأهبة للدفاع عن الارمن (هو الذي ولد نتيجة اغتصاب أحد قطّاع الطرق، لوالدته آرشا). فآفو يتمتع بصحة مريضة، فيما يبدو واهان الذي يكبر اخاه بعشر سنين، اكثر قوة وفتاوة. هذه هي الكماشة الثانية التي تلعب عليها ماري رشو، إذ يبدو العامل الفكري متنافيا مع العامل الجسدي. التقاؤهما في جسد واحد، يكون مستحيلا. هذا الجيل من أطفال الارمن الذين عاشوا المأساة، لا يتوافق فيه شروط الدفاع عن قضيته. هذا إذا اخذنا في الاعتبار، موقع كلٍّ من واهان وآفو الاجتماعي، حيث اضطر واهان لتحمل المسؤولية، والعمل كمصور فوتوغرافي منذ صغره، أما آفو فبرع في الدراسة منذ صغره وألف ثقافة عالية. من هنا يبدو ان كلا الأخوين، حوكم بالقضية، منذ نعومة اظفاره وخضع ميتافيزيقياً للحياة ما بعد المجازر.

يبدو أن قوام الرواية الأساسي هو التاريخ. وهو مشغول بمسؤولية عالية، لجهة البحث الذي قامت به رشو. جعلته حيزاً للمعادلة الروائية، ولم تعتمده كجسم أساسي لبناء الدراما في الرواية، موظِّفةً إياه جسرَ عبور إلى المأساة. فالكاتبة اهتمت أولا باستعراض ما ورد في المراجع التي لجأت إليها لتأليف “طفلة الكوليرا”، إلا انها لم تبذل الكثير من الجهد لرفع الرواية فوق مستوى التناقل الشفوي للتاريخ، الذي وإن بدا حاضرا، فإنه ثقيل وفج، وخال من أي ابتكار درامي أو إضافة تأخذ في الاعتبار ضرورة تغليف كل عمل فني بالقيمة الجمالية، بعيدا من القيمة التاريخية أو قريبا منها. على كل حال، فإنه أحد انماط الرواية الموجودة، شئنا هذا أو أبينا، لكن الفن يشترط مساحة أخرى من الوعي، وليس البصري فقط. فالتاريخ يتكون اولا من خلال العين والأذن، ومن ثم يتم تناقله عبر اللمس، من خلال أرشفة المادة البصرية – السمعية، بالكتابة. وهو يبقى في نهاية المطاف تاريخا، لا يجوز استنساخه أو نقله كما هو، ولصقه بخلفية شخصية ليتحول فناً. ذلك ممكن فقط حينما يحضر الوجود الفني والجمالي لعناصر تأليف الرواية والشخصيات وتعميق العلاقة بين الشخصية والمكان. لكن “طفلة الكوليرا”، وبقدر ما يبدو العنوان آسرا وجذابا، بقيت بعيدة عن هذه الجمالية المفترضة في العنوان، وعما توقعناه كذلك. فخطوط السرد مثلا، لم تتنوع ولم تلاعب الزمن، بل ظلت في مسار واحد، وهو التناقل المباشر من الجدة إلى الحفيدة (القديم إلى الحديث). وهذا أبسط وسائل الكتابة الروائية، وأكثر أشكال الحكايات كلاسيكية. لكن ضرورته هنا، مبررة لسبب أن ما حدث للأرمن جزء من ذاكرة الأرمن أنفسهم، مما يقوّي أواصر الربط بين صدقية المادة التاريخية والنسيج الروائي. وهناك إشارتان لا بد ان نتوقف عندهما، الأولى: أن رشو اعتمدت الدفاع عن الدين الإسلامي، لتطهر التاريخ من احتمال علاقة الديانة الاسلامية كمنهج، بما حدث للأرمن باعتبارهم غير مسلمين، وباعتبار الأتراك الذين ارتكبوا ما ارتكبوه، مسلمين، لكنهم مارسوا ما مارسوه من وجهة نظر فردية، لا تعبّر عن وجهة نظر الدين الإسلامي (تستعين الكاتبة بآيات من القرآن الكريم وبأقوال الأئمة، حول التعايش والتآخي مع الآخر، وبموقف شريف مكة الذي استنكر إبادة الأرمن وطالب بحمايتهم على اعتبار أنهم أهل كتاب). الثانية: أنها تحاول ألا تعمّم صورة التركي، على انه الآخر العدو، بإدخالها شخصية الدركي التركي مصطفى، الشاب الذي يحاول مساعدة الارمن الشيوخ والنساء والأطفال العزّل، الذين يؤلفون قافلة الترحيل. إن في الإشارتين السابقتين، أهمية كبرى لجهة تهذيب المادة التاريخية المؤرشفة، وضخها إلى الجيل الأرمني الحديث، بأفق أكثر اتساعا.

من هنا، تحتل الرواية مكانة من حيث اعتمادها السرد الشفوي للجدة الأرمنية، كمصدر أساسي للمعلومات، إضافة إلى أن هذا الأمر يشكل دعامة لسقف الواقعية التي تشتغل تحته رشو، وخصوصا أنها روائية تقف وجها لوجه أمام موضوع جاهز، سواء أكان قضية سياسية أم إنسانية. لكن هذا الخط الوحيد للسرد، والخارجي، تتفرع منه خطوط ضمنية للحدث الواحد، فتتداخل ما بين التاريخي – السياسي من جهة، والإنساني – الفردي من جهة أخرى. يتم تلاقح هذين الخطين او التقاؤهما من خلال الظلال التي ترسمها السياسة وانسحاب نتائج الحرب على الإنسان الأرمني بشكل مفارقات مؤلمة (طفل يعصر كومة من التراب آملا أن ينزل منها ماء، نساء يفتّتن روث البقر لإيجاد بعض الحبوب التي لم تهضم، الكوليرا أو التيفوس الذي أصاب بعض الأطفال، الصبايا الأرمن اللاتي يلقين بأجسادهن في البئر بسبب العطش الشديد، بعضهن يمتن، أما الناجيات، فتهرع إليهن النسوة، فيلعقن أثوابهن المبللة، أو يمصصنها).

تعيد رشو السؤال عن سبب المأساة، وتهجير الأرمن. وهو سؤال يخرج في الرواية على لسان لورا الطفلة، لكنه سؤال الحقيقة. سؤال “لماذا”، الذي يتخطى في طبيعته خصوصية المجزرة الأرمنية التي ألحقت العار بمفهوم الإنسانية جمعاء. هو السؤال الذي يمكن أن يطرح كذلك حول جرائم أميركا في حق الهنود الحمر، أو فيتنام، أو حول جرائم اليابان، أو مذبحتي هيروشيما وناكازاكي الكيميائيتين، أو محرقة الهولوكوست، التي أودت بحياة عدد كبير من اليهود الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أتباع ديانة مختلفة. وهو السؤال نفسه الذي يطرح حول مأساة الفلسطينيين الذين هجِّروا وشرِّدوا من بيوتهم على أيدي العصابات الصهيونية، الشتيرن، والهاغانا والأراغون. وهو السؤال الذي يمكن أن يطرح على حروب البلقان، ورواندا والسودان، والعراق، وهو ربما السؤال الذي قد لا تملك أي إجابة، الجرأة لمواجهته.

 مازن معروف النهار 9\10\2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s