رفع الألم إلى المجاز

في آخر صورة فوتوغرافية في كتاب “أحلم بزنزانة من كرز” (سهى بشارة وكوزيت ابراهيم) الصادر عن دار الساقي، لا نرى سوى كومة من الركام. تلك الكومة، التي لم تجد سبيلا لها ربما سوى معامل الترابة والحديد، لتكريرها، كانت قبل تموز 2006، معتقلا. الصورة التي التقطتها عدسة وائل اللادقي، تشبه اي خراب في أي مكان من العالم، خراب محايد، متنصل من ذاكرة من عايشوا المكان الذي كونه في السابق، خراب خبيث يبدو وكأنه ضحية عمل شرير، وهو كذلك إلى حد ما، لكنه أيضا خراب يقصد منه المساس بذاكرة عشرات اللبنانيين والفلسطينيين، الذين شكلوا يوما ما، الصيغة البشرية لنزلاء معتقل الخيام.

الليلة، توقِّع سهى بشارة “أحلم بزنزانة من كرز” في جناح دار الساقي في معرض الكتاب العربي والدولي (بيال). تحضر بشارة وتغيب كوزيت ابراهيم، شريكتها في المعتقل، التي عملت على كتابة النصوص، وصياغتها بالشكل الأدبي الذي خرجت لنا به، فيما كانت مهمة سهى، إسترجاع الذاكرة، من خلال لقاءات مع نزلاء سابقين للخيام. تقول كوزيت ابراهيم، في اتصال معها في باريس، بأنها لم تكن تنوي مطلقا الكتابة عن معتقل الخيام. كانت سهى تلح، وكوزيت تمانع، إلى أن أتى الطيران الاسرائيلي، وألقى بإحدى حمولاته المتفجرة، فوق المعتقل السابق عام 2006. عندها، أيقنت كوزيت، من غرفتها في باريس، بأن لا مفر هذه المرة، فمهمة الكتابة الآن لن تكون مجرد توثيق “نضالي” لها ولرفيقاتها، بل إن في الأمر أيضا، نوعا من استرجاع ذاكرة تعمد الاسرائيليون تفتيتها عبر قصفهم للخيام. وبين يوميات كوزيت، وسهى، وعشرات المعتقلات الأخريات، اللواتي تقاسمن الظروف الصعبة معهما، خرجت “زنزانة من كرز”.

للكتاب، أكثر من مدخل. فقد عمدت سهى إلى إرفاق صور لاشغال يدوية، أنجزتها السجينات (وربما السجناء أيضا)، بشكل سري داخل المعتقل. وبذلك، فإن الكتاب المقسم إلى نصوص قصيرة بالإجمال، لم يقف عند حدود كونه شظايا تراجيديا في تاريخنا المعاصر. بل تخطى ذلك، حيث أن الصور هذه، شكلت بالمقام الاول، جسرا للعبور ما بين مخيلة القارئ “البيضاء”، وما يرد في النصوص من ألوان قاتمة أو مشعة بشكل خجول. وعقب كل نص، تقريبا، هناك صورة ما، بل وهناك ربط ما بين النص والصورة. هذه هي قطبة العمل الاولى، برأينا، أي: نسب الأمل، والتحدي والمقاومة داخل الزنازين، إلى أفعال صغيرة، سرية، تدار في العتمة بتواطؤ شبه كلي ما بين السجينات. نكتشف أن هناك حركة ما، سعيا ما لابتكار حياة، لتوسيع العالم الداكن داخل الخيام، لتوسيع مساحة الزنازين، ورقعة الحرية. وهي حكايات قد تبدو عادية بالنسبة للمعتقلات، والمعتقلين، إلا أنها تأخذ بعدا آخر، أكثر أسطورية بالنسبة لنا، ذلك لأننا عندما نقرأ النصوص، لا نكون نعايش الألم الفيزيولوجي، بل نتخيل ألما ونحياه، وهو ألم مؤقت، ظرفي، بحسب مدة قراءتنا، وسرعة انهماكنا في شؤون أخرى. إذن، من هنا، يبدو أن كل “فعل”، أوردته بشارة وكوزيت في الكتاب، شبيها بالزهور التي تتفتح على غفلة منا، في زاوية ضيقة بين حجرين رمليين. والفعل هنا، يشكل أيضا محفزا لديناميكية، على المستويين الإنساني والفني (الصياغي)، تتحرك بموجبها الجملة، وتتتالى، منقادة إلى بوصلة عالمها الداخلي، وساعية في الوقت عينه إلى تمديد “حجم” هذا العالم.

لم ترتِّب كوزيت النصوص كرونولوجيا. وسواء كان ذلك مقصودا أم لا، فإن هذا التشتيت للحكايات الصغيرة، بعيدا عن السياق الزمني، جاء متماهيا إلى حد كبير، مع واقع أن المعتقل، بعد تدميره، تحول إلى “شذرات”، كما الذاكرة الجماعية للمعتقلين، في عام 2000. فبعد أن أمر إيهود باراك، بالإنسحاب من جنوب لبنان، وبعد أن حُرِّر أسرى الخيام، تبعثر المعتقلون، وذاب كل منهم في قسوة الأمر الواقع، ما عزز تشتت الذاكرة “التامة” والكليّة لهؤلاء. كل منهم يحمل حكاية عن يومياته، وكل منهم يتقاسم ومعتقل آخر، بعض التفاصيل، لكن أحدا لم يوثق “الخيام”، وربما لم يكن هناك وقت لهذا، ولا قدرة أيضا. وفي موازاة الذاكرة المشتتة، كان قصف المعتقل بمثابة غذاء للجدران التي اقامتها الحياة بين ذاكرة هذا وذاك، وبالتالي، امل الإسرائيليون، بامحاء المكان، وامحاء التاريخ أيضا، وأخطر من ذلك، إمحاء هويات العملاء ومرتكبي الجرائم داخل الخيام، كما وإمحاء واقع النزلاء المزري في الداخل.

هذه النصوص تعمل كـ”بلاي باك” إذا صح القول، معاكسة، ومعاندة لصورة معتقل الخيام وقد استحال ركاما. الإنفجار يعني، بالضرورة، تفريق المادة، وتشتيت الطاقة التي تربط جزيئاتها ببعضها البعض، وبالتالي، تشتيت اللحمة، لحمة المكان بالارض، بمحيطه، بزمنه، بتاريخ لا تزال آثاره متفشية كالمرض. أما الكتابة، وبالأسلوب الذي اعتمدته ابراهيم، فهي بمثابة لململة لنثار هذه اللحمة، أو ما بقي منها، ووضعها نصب الصورة الحالية للمعتقل (الهدم)، فالصورة تقول بأن المعتقل تلاشى، بعكس ما تحفظه الذاكرة. عندما نقرأ هذه اليوميات، لسهى ورفيقاتها، يجتاحنا شعور بأسى طازج، وحرقة ساخنة تعصر أمعاءنا. كوزيت وسهى، لم تتعمدا الإشارة إلى المعتقل بوصفه كمكان، فلا نص في الكتاب يسهب في استرجاع تفاصيل المكان من الناحية “الهندسية”، وما يرد عنه (حجم الزنازين، غرفة المقابلات، غرفة الشمس، الحمّام، الممر، النوافذ، “منشر الغسيل”، مكتب التحقيق.. إلخ.) يأتي في سياق عرض التفاصيل اليومية، والتي يمارسها “بشري” على بشري آخر. المكان يُشكل في مخيلة القارئ، طوعا، بشكل تلقائي وممنهج، ذلك أن الكتاب لا يجبرك على الالتزام بصورة “الخيام” دفعة واحدة، ولا يعمد لاستثارة مشاعرك القومية، أو النضالية بشكل مباشرة. هناك إذن مزيج من اللغة، والحقيقة. واللغة هنا، لا تنصاع للحقائق ولا تنزلق إلى شوارعها المفتوحة، ويتضح أن كوزيت ابراهيم، لم تتنازل عن ضوابط الجملة، وجماليات اللغة، والاستعارة، بأسلوب روائي، على حساب بورتريه المعاناة الشخصية. ليس ثمة حيادية مطلقة للكاتبة وهي تسرد ذكرياتها الممزوجة بذكريات سهى بشارة وآخريات. إلا أن التوازن الذي أقامته كوزيت ما بين الصور المختزنة عموما وصياغة الجملة، رفع الألم إلى مستوى مجازي، فني، بعيدا عن تفاصيل كتب المذكرات.

قبل عام ونصف، أتاني صديق ببعض النصوص، “هذه كتبتها كوزيت ابراهيم”. عرفت حينذاك، ومن قراءتي لها، بأنني امام حساسية ساحرة، وواقعية، تلامس النثر، لكننها تتأنى كثيرة كي لا تنزلق إلى الشاعرية. أذكر أن نص “النافذة” أدهشني كثيرا، وأصبت بالحيرة فعلا. فما قرأته لم يكن قصة، ولا شعرا، ولا حتى قصة شعرية، ولا نثرا. لم أكن أعرف وقتها أنها مجرد يوميات ثمينة، وأدبية، للمعتقل الشهير. الحساسية الأدبية هنا مستقاة أساسا من التوثيق، ولا دور للمخيلة بصناعتها، بل للأمر الواقع، وهذا ما يمايزها. الكتاب كذلك، ورغم مضمونه السردي، لا يخضع لسياق روائي من الألف إلى الياء، ذلك أن كاتبته، عمدت إلى التخفف من الألم، عبر زجه في يوميات، وشذرات من الذاكرة، حتى إذا انتهيت من قراءة الكتاب، ستجد أن في مخيلتك صورة متممة إلى حد كبير عن سجن الخيام، الذي شكلت اليوميات المعاشة فيه، القاسية والمتطرفة، إحدى الأجزاء الأساسية لصورته.

مازن معروف – جريدة النهار 2010

Advertisements

ديوان سريالي جديد لمازن معروف

لا يمكن إهمال ديوان الشاعر الفلسطيني الشاب مازن معروف الذي صدر حديثاً عن دار نشر رياض الريّس تحت عنوان “ملاك على حبل الغسيل”. فمن خلال ٧٤ نصا، تمكّن هذا الشاعر الذي وُلد وترعرع في بيروت من فتح فضاءٍ مثير وجديد للقصيدة العربية فضلا عن التأسيس لأسلوبٍ كتابي فريد يلائم خطابه الشعري.

وهناك ثمّة نقاط في نصوص معروف الجديدة تقرّبها من القصيدة الفلسطينية المعاصرة، كالتفاته الثابت إلى تفاصيل الحياة واستحضار مأساة وطنه كواقع حميم عن حياته الشخصية، أو ذاك التبادل الفجّ بين المخيّلة والواقع الذي يجعل من شعره انحيازاً صريحاً لقوة الحياة وانتصاراً على الواقع الأسوَد الذي وُلد ونشأ في ظلّه، أو بساطة لغته وتطعيمه إياها من حينٍ إلى آخر بعباراتٍ عامّية.

وفي ذلك، يواصل الشاعر، مثل العديد من الشعراء الفلسطينيين الشبّان، ما بدأه طه محمد علي وأكمله محمود درويش، أي دفع التجربة الشعرية إلى الدخول في شبكة من التناقضات والقلق لتشكّل بنية القصيدة وتغذّي مضمونها.

لكن هذه النقاط، على أهميتها، لا تختصر وحدها نصوص معروف الجديدة التي تنفرد عن نصوص معاصريه بتشييدها عالماً شعرياً خاصاً يتقاطع فيه الواقع والخيال، ويقطنه الشاعر كطفلٍ أو بذهنية طفلٍ فيفتح صندوق لُعَبه أمامنا وينطلق في اللهو والتخيّل والابتكار.

ولا نقصد بتشبيه معروف بالطفل التقليل من قيمة تجربته الشعرية بقدر التركيز على البُعد “اللُعبي” الظاهر في شكلها ومضمونها. وحتى حين يقول: “أدرك أنني لم أعد طفلاً”، لا يقصد الشاعر الإشارة إلى نضجه أو تقدمّه بالسن، وهو ابن الرابعة والثلاثين، بقدر ما يقصد التعبير عن مدى ولائه لعالم الطفولة الذي لا يزال فاعلاً فيه وفي كتاباته، وهو عالمٌ سحري أنقذه في السابق من محيطٍ لم يعرف سوى الحقد والقتل، وما زال يشكّل الفضاء الذهني الوحيد للمحافظة على إنسانيته.

سريالية 

ويلجأ معروف غالباً إلى وسائل طليعية أثبتت جدارتها في الماضي القريب ولم تفقد شيئاً من نضارتها حتى اليوم، ونقصد التقنيات السريالية والاستسلام في الكتابة أو الرسم لتداعي الأفكار والصور في الذهن، وتؤدّي إلى ربط وقائع أو أزمنة لا علاقة منطقية ظاهرة بينها، وهو ما يجعل بعض قصائده أشبه بسيناريوهاتٍ حالمة.

ومع أن معروف ليس الشاعر العربي الأول الذي يُسخّر التقنيات المذكورة لكتابة نصه لكن فرادته تكمن في قدرته على ابتكار صورٍ قوية ومبلبلة تتوالى لاستقائه إياها من داخل واقعه المرير واستثمارها للتعبير عن هذا الواقع. وفي هذا السياق نستشعر صورة الذباب الذي “يحوم فوق الميت لغسله من الكراهية”، أو صورة النملة التي “تحمل الرصاصة على ظهرها وتتبع الشاعر إلى الحرب”، أو صورة الجندي الذي “يلهو بمسدس من الماء مع بطة بلاستيكية”، أو تلك “الأسنان المزروعة كشواهد قبور في اللثة السفلى”.

وفي السياق نفسه تصبح الذاكرة في قصائد معروف “سمكةً ميتة”، والأمل “حشرةً فاتحة اللون ظلّت عالقة في بطن السمكة”، والزمن “ثأراً قديماً \ بين عقربَي الساعة \ اللذين يلاحقان بعضهما البعض”، والإنسان مجرّد “محّايات \ تتكوّم قرب بعضها البعض \ لتأليف هيكل عظمي \ يعود من المدرسة كل يوم \ ناقصاً قطعة”.

وباختصار، تبقى نظرة معروف إلى عالمنا رمادية مهما بلغ حدّ طرافتها. ونجده ينشد العزلة وإن تطلّب ذلك التآلف مع الضجر والفراغ. فيقول: “ذات يوم \ سأخلع الباب \ وأقف مكانه \ لأمنع نفسي من الخروج \ إلى حفرة العالم”.

ومع ذلك لا يفقد محبته للآخرين فيتمنى “لو كان له حُبّاً من خشب ودموعاً من مسامير لملء المدينة بالأكواخ”، أو يقلق حتى على مصير الفزّاعة التي “لن يأتي أحد لاصطحابها إلى المنزل آخر النهار”.

أنطوان جوكي – باريس (قناة الجزيرة)

يدا أبي – والعرض الموجز

مقال للناقد فيصل أكرم نُشِر في مجلة “الجزيرة” متناولاً العرض الذي كتبتُه لرواية “يدا أبي” (مايرون أولبرغ) والتي ترجمتُها عن الانكليزية لمشروع “كلمة” في أبوظبي

——————————

هل من الممكن أن تكتب عن عمل أدبيّ دون قراءته كاملاً؟ الجواب بالطبع: لا. غير أن ثمة حالات استثنائية تقرأ فيها عرضاً موجزاً عن عمل أدبيّ فلا تملك أمامه إلا المبادرة بكسر القاعدة الافتراضية والتعامل مع (العرض الموجز) كحدث ثقافي أدبي، في حد ذاته، ويستحق التوقف والتأمل ومن ثم الكتابة والإشادة

ذلك ما خلصتُ به فور انتهائي من قراءة العرض الموجز المعنون (عندما تكون لغة الإشارة أبلغ من لغة اللسان) الذي وصلني عبر البريد الإلكتروني عن رواية (يدا أبي) للأديب الأمريكي مايرون أولبرغ، المولود عام 1933 وهو العام نفسه الذي انطلقت منه أحداث روايته، وقد نقلها إلى العربية الناقد الفلسطيني الشاب المبدع مازن معروف، وصدرت حديثاً ضمن أعمال (مشروع كلمة) للترجمة، التابع لهيئة أبو ظبي للثقافة والسياحة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو المشروع الحاصل على جائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية للترجمة مؤخراً، وقد استحق ذلك الفوز بكل جدارة..

ما يعنيني هنا أن العرض الموجز للرواية مكتوب بلغة أدبية رفيعة، ويصف أجواء وأحداث الرواية بدقة متناهية لدرجة أشعرتني أنني قرأتُ الرواية كاملة حتى أعجبت بها (!) وهي حقاً تستحق الإعجاب، فهي تتحدث عن أب وأم من غير القادرين على السمع والنطق (الصم والبكم) يحكي عنهما ابنهما الذي ولد سليماً مكتمل الحواس قادراً على السمع والنطق ولكنه تربى على إشارات من أياديهما حتى كبر وأصبح هو المؤلف نفسه للرواية

ونحن هنا لسنا بصدد سيرة ذاتية طبيعية، فالمؤلف أديب محترف وله أعمال عدة منشورة في كتب، ولكنها لم تترجم قبل هذا العمل، فبعضها حكايات للأطفال وبعضها قصص وروايات وأعمال فكرية نال عنها جائزة تقديرية، غير أن هذا العمل (يدا أبي)، كما يبدو من العرض الموجز الذي قدمته المؤسسة الناشرة كتعريف بالرواية ومؤلفها ومترجمها وعممته على مختلف الصحف العربية، سيشكّل العلامة الفارقة في مسيرة مايرون أولبرغ الأدبية ويجعل منه واحداً من أهم الروائيين في العالم كما أرى، فروايته هذه أحسبها لن تمر مرور الكرام في زحمة الروايات العالمية -بخاصة الأمريكية في هذه المرحلة- لأنها قد لامست فئة لها وجودها في كل المجتمعات (وأعني ذوي الإعاقة النطقية تحديداً) ملامسة لها خصوصيتها وأثرها في تكوين المؤلف نفسه، ولم يحدث أن لامس عملٌ أدبيٌّ روائيٌّ هذا الجانب من الإنسانية بهذه الحبكة الأدبية الدرامية الواقعية التي لا تعرض ولا تقول ولا تحكي ولا تصف بقدر ما هي تبدع في أخذك من مكانك لتضعك في الصورة شاهداً ومراقباً ومتابعاً ومعجباً تغمرك الدهشة والتأملات في معظم الأفعال وردود الأفعال من الشخصيات وتجاهها بالمجمل، فبمجرد أن تتخيل الفكرة أو تتخيل نفسك وأنت في مطلع طفولتك تتعرف على العالم من خلال يديْ أبيك وهو يشير لك بهما عوضاً عن الكلام الذي تستطيعه وحدك ولا تجد من يشاركك به من أبويك، وبمجرد أن تتخيل أنك تكبر وتحتفظ في ذاكرتك بتلك الإشارات اليدوية الأبوية الآمرة والناهية والقاسية والحانية، ستجد أنك تعيش عالماً تعرف أنه موجود من حولك ولكنك لم تعشه قبل معايشتك للرواية التي تتجلى لك في (العرض الموجز) الذي لم أنقل منه أي شيء لأنه منشور في أكثر من مكان.. وقد ذكّرني ذلك بالعرض الموجز لفيلم (تيتانيك) الذي نشرته بمختلف اللغات المؤسسة المنتجة للفيلم عام 1998 فكان العرض المترجم إلى لغات العالم المختلفة مثاراً لاحتشاد الناس أمام دور العرض السينمائية في كل مكان تتوافر فيه شاشات السينما، ومنهم من كانوا يسافرون من بلد إلى بلد وهم يمسكون بالمناديل طلباً لمشاهدة الفيلم وذرف الكثير من الدموع على تلك الحادثة الأليمة وذلك الحب الذي ولد ومات في البحر، كما مات أكثر من ألف وخمسمائة إنسان كانوا ضحايا الباخرة المنكوبة..

أذكر في تلك الفترة مقالة افتتاحية لإحدى المجلات الثقافية العربية كانت تتحدث عن الفيلم بكثير من التأثر والإعجاب، وبالتحليل الأدبي والفني والنفسي والثقافي، ثم في ختام المقالة يذكر كاتبها أنه لم تتح له فرصة مشاهدة الفيلم حتى لحظة كتابته لمقالته تلك، غير أنه قد كوّن فكرته عن الفيلم من قراءته لما كتب عنه من عروض موجزة

وذلك ما حدث لي بالضبط وأنا أقرأ العرض الموجز لرواية (يدا أبي) وربما سأكتفي به ولن أبحث عن الرواية، لأن الفكرة قد وصلتني والحالة قد عايشتها من خلال ذلك العرض الذي لا أملك أمامه إلا تقديم خالص الشكر لمشروع (كلمة) في أبو ظبي على ترجمة الرواية أولاً، ثم على العرض الذي كتب بصياغة أدبية وافية وراقية تستحق الإشادة والإعجاب

فيصل أكرم – مجلة الجزيرة 14/6/2012

الثعلب الأزرق – رواية التقشف اللغوي ومينيمالية الموضوع

تقدم رواية الشاعر والكاتب الآيسلندي شون “الثعلب الأزرق” الصادرة عن منشورات تلغرام التابعة لدار الساقي، مفهوما مختلفا في المعالجة الدرامية، سواء من خلال الأسلوب أو ضغط الزمن أو توزيع الحدث على شخوص عدة بدلا من اقتصارها على بطل أساسي، ومحيط ثانوي. والواقع أن الكاتب الذي نال أرفع الجوائز الأدبية للشمال، يقدم للقارئ عموما جملة مقتضبة، تنفلت من أية ضرورات سردية، ولا تتنازل عن كيانها الفني لصالح الثرثرة السردية. ينعزل الفصل الأول من العمل، في أسلوب نثري، مقتضب/ مختزل، وغير بعيد في الوقت نفسه عن سلطة الجملة الشعرية. غير أن ما يعزز من الجمالية ههنا، هو التماثل الدقيق بين الموضوع وتقنية استعراضه. إذ نشهد أولا، مطاردة بين صياد وأنثى ثعلب

وبغض النظر عن احتمالات المعنى والرمزيات الاجتماعية والفلسفية التي تقيم تحت قشرة هذه المطاردة، فإننا نلتفت إلى بعدين. الأول سينوغرافيا المشهد: أرض أفقية نسبيا، عارية تقريبا، تتدخل فيها تقلبات مناخية (النورديك)، وتخترق البعد الثاني مباشرة. وهو البعد العمودي، المرتبط بالقرارات والتفاعلات النفسية لدى كل من الصياد والطريدة، دون إعطاء الأفضلية لواحد منهما على الآخر. هذا التوتر بين الجينة الجغرافية الفجائية، التي تفرض شرطها الطارئ على طرفي المطاردة، وبين المكوّن البسيكولوجي الذي ينعزل كمادة نشطة لا يفاضل فيها الكاتب بين إنسان وحيوان، يتم في لغة حيادية تقريبا، وغير متكلّفة. بمعنى أنها لغة تترك أمر تفسيرها لاحقا كمهمة من حق القارئ. وهي كذلك لغة شديدة التأني، متقطعة، نثرية، تشبه الوطء الحذر على الثلج، ويبدو الكاتب فيها وكأنه استخدم الممحاة أكثر مما استخدم القلم. في علم الرياضيات، يشبه الأمر تحديد مجموعة من النقاط تكوِّن مساراً بين محوريِّ إحداثيات. والواقع، أن المنهج الذي يسلكه الكاتب الآيسلندي، يقدم، احتمالات جديدة للتعاطي مع المفهوم القصصي والسردي

غير أن هذا التقشف في اللغة، يأتي ملغوما بإيقاع بطيء. فالتقشف لا يفضي بالضرورة إلى السهولة، والبطء لا ينتج الاستياء، والاقتضاب في العبارة لا يؤدي إلى فرض المتلقي حساباته على العمل.  تقطيع الجملة، وفصلها كخلية بصرية على حدة، ومن ثم تضمينها تشبيهات شعرية جديدة، ونبرة متهكمة، يجعل من هذه الجملة، مستوعبا صغيرا لإحدى مفارقات الحياة. ومن هنا، تتحول الحياة، إلى عينة منفصلة عن العالم، معزولة عن النظم البشرية الهائلة الحراك، منكفئة في تقاليدها الخاصة، بمعنى أصح، حياة مصونة تماما. وفي هذه العينة من الحياة، تتوالد حيوات أقل خفوتا، لكن أبلغ في حدتها، إضافة إلى عبثيتها في بعض أوجهها. قد يدل هذا على أن الجملة حكما كثيفة، وقد يكون هذا الاعتبار صحيحا إلى حد ما، غير أن ما يبعث على الارتباك، هو مرونة هذه الجملة الروائية في الوقت نفسه. وهذه التقنية في رفع الوجه الجمالي، تشكل معوّضاً عن النشرات الفاحصة للحياة والتي تكثر في العديد من الأعمال الروائية. ليبدو النتاج الشمالي الجديد، نسيجا مشدودا قوامه السرد والتأمل، كضفيرتيّ “دي أن إيه” معقودتين ببعضهما

الثعلب الأزرق” رواية لا تتوخى المينيمالية حصراً على المستوى التقني، ذلك أن المينميالية تنسحب حتى في مكوِّنيْها الزمني والإنساني. سقف العمل، لا يشترط بناؤه تطوّرا سياسيا عاما، ولا يستقدم تعقيدات مجتمعية أو دينية بالغة أو تضاربات فكرية عميقة أو جدالات وجودية مثلا. وبالتالي فإنها رواية لا تجاهر بإيديولوجية ما، كأن تقول مثلا أن هذه الإيديولوجية شأن سام مطلق يُستحَق الدفاع عنه ونقاشه، وتأليف دراما حواليه. إنها رواية الفردية، الأنا الملتصقة بحاجاتها، والمعرّضة للتشرذم والهذيان والصدمات غير المدعوة. أما قضية هذه الأنا، أو مسألتها، فتمس جذورها تاريخ الشخص ومؤلّفه البيولوجي والعاطفي، وتنطوي على انشغالات تصيب الكيان الفردي، أي أنها لا تنوي تأجيج إشكاليات “القضية الكبرى” في الحب والحرب والعبودية ونمط الحياة، أو استهلاكها. وكل ذلك يأتي موزعا كفتات بين ثنايا العمل. وما يثير الفضول، أن الكاتب تعمّد (كما يبدو لنا على الأقل)، تخليص الرواية من أية شخصية رئيسة مهيمنة، وتوزيع “الحياة”، وإن بشكل غير متكافئ، على الشخصيات. وهو توزيع أنيق، بحيث لو أخذنا أية شخصية من العمل، فإنه يمكن الانطلاق منها إلى كتابة الرواية بصيغة أخرى. بهذا نحن أمام عمل روائي متمهل حتى في بناء الادوار (بغض النظر عن مدى تطابقه مع الأرشيف). يتم فيه تسيير الظرف اليومي، بحيث تتقاطع تفاعلاته بخبث مع الطموح الفردي غير المنتبه

الرواية تستند إلى الفترة بين التاسع والسابع عشر من يناير 1883. بذلك، فإن أحداثها تنحصر في ما يتجاوز الأسبوع بقليل. قسّمها شون على ثلاثة فصول/ ثلاثة فترات. وعزلها عن بعضها ظاهريا. أي أن الأمر متاح أن نعيد قراءتها بترتيب آخر، بالتالي، التلاعب بالزمن وتنظيمه، من خلال سلطة الحدث نفسه، بما يخدم روزنامة المخيلة، وما يصب في خانة الأدب أولا، والإختبارات الجديدة التي باستطاعة هذا الفن أن يقدمها للقارئ

مازن معروف – جريدة النهار

11/3/2012

نقد الألم

أشياء كثيرة نكرهها في هذا العالم لنحبّ الشعر. لا بأس ربما. المشكلة تكمن في أن تحبّ أو أن تكره شاعراً. محمود درويش ثعلب أمسك بقطعة جبن وحوّلها إلى تفاحة بين فكّيه. تصوّر ما يأتي: جذع التفاحة النحيل مربوط بخيط، طرف الخيط الآخر مربوط بأصابعك. وهكذا، كلما التهم درويش التفاحة أكثر، وهمّ بابتلاعها، جرّنا نحوه دون أن ننتبه. درويش يتلذّذ بالشعر، فيما أتلذّذ أنا، كفلسطيني، بالألم الكائن في مركّب القصيدة. أحياناً تأتي فراشة لتقف على الخيط. اعتدت أن أنتظر الفراشة تلك كلما قرأتُ قصيدة لدرويش، وأعترف، في نصوصه الأخيرة، لم تعد الفراشة تأتي. مرّة أخرى، لا بأس. ولأقلْ: قصيدة درويش قد تبعث فيك الشعور بالغثيان أحياناً. غثيان لا بدّ منه. فلننظر معاً: درويش ولد يحمل منفاخاً. الآن تصوّر ما يأتي: أنت بالون ذابل، درويش يقدّم وجبة هواء. الهواء مزيج عناصر عدّة ومركّبات، غازات تتراقص من أجل الحياة، وملوّثات. عظيم. أنت تقرأ قصيدته، تنتفخ. أكمل معي: بالهواء، الألم، المناورة. تنتفخ بأسباب وعناصر المناورة. ترتفع. أنت مصاب الآن بالغثيان أو بالخفّة. لكنك في كلتا الحالتين، تعلو إنشات قليلة فوق مساحة الكلمات – الألم. إذاً لا بدّ من حدوث الإصابة بهذا الغثيان لتقرأ ألمك أيها الفلسطيني. الألم بالنسبة إلى الفلسطيني كقطعة الجبن المتعفّن. ألقى درويش القبض عليها. قلت هذا سابقاً. البارحة مثلاً استيقظت من النوم، جرّدت نفسي من الملابس وقمت بقياس المساحة المتبقّية من جسدي، التي لم تتحوّل إلى جبن متعفّن. النمل يحبّ هذا الصنف من الأطعمة، كذلك السمكة، الدبّ القطبي أيضاً، وربما النادل والجندي والصحافي. ربما حبيبتك، وأيضاً أنت. إذاً، الفلسطيني محاط بأسباب الألم، بأسباب البقاء على قيد الحياة. لذلك، هو أيضاً محاط بأسباب الشعر. درويش فتح الباب منذ أكثر من أربعين عاماً وأدخل الفلسطينيين مجرّته “الضيّقة”، أو على الأقلّ هكذا اعتقدت، لكنه انتزع الخزانة وصنع منها غرفة إضافيّة، والتابلو وجهاز الراديو وركوة قهوته ومواء قطته التي لم تكن يوماً له. أصبحت حجرته ملآنة بالغرف الإضافية. وهكذا أجدني في شعره أقرأ ملامح أبطال الأساطير، أقرأ نوافذ الأتوبيس، وخوذة الشرطي، أنفاس عامل البريد، ولهاث المنفضة الراكضة فوق الطاولة، بالضبط كما أقرأ، ما أمكنني، هاجسه الشعري.

الآن، أكتب الشعر برئة لا تشبه رئة درويش. يفعل مثلي العشرات من الشعراء الفلسطينيين، وربما المئات. الفلسطينيون ينتشرون كنباتات صبّار على هذا الكوكب. نباتات من أصل واحد، وربما من كيلومتر مربع واحد. لكن، مَن مِن هؤلاء جميعاً لم يمرّ بلحظة تعلّق بدرويش؟ أتكلّم على الأقلّ عن نفسي. لا يمكننا إنكار اللمبة التي نكتب تحت ضوئها الشعر. ليست الورقة البيضاء وحدها ما يستدعي الحبّ، بل أيضاً الضوء. ثمّة مثلاً النظّارات الطبّيّة، وربما شجار أبيك مع الحلاّق، وربما الصرصار الذي مرّ منذ دقائق من أمامنا ونحن نكتب. الكتابة عن درويش تجعلني أصاب بالرعشة. أنا أكتب عن عدوّي الذي أحببته قديماً. الشعراء أعداء بعضهم. يتصافحون فقط في قصيدة شعر، ولا يتصافحون داخل حانة أو ممرّ مستشفى. أكرّر، من منّا لم يُصب يوماً باختناق درويشيّ؟ لا أعرف بالتحديد الإجابة عن هذا السؤال، ولست مقتنعاً بالبحث عن إجابة له قدر اقتناعي بحتميّة ذرّ هذا السؤال في فضاء كراهية مازن معروف لمحمود درويش. مهلاً، الرجل يتنفّس غليونه. نظنّه يدخّن. لكنه لا. يتنفّس وحسب. نحاول أن نتنفّس معه. لكن فتحة الغليون الضيّقة لا تليق بثغرين، بأربع شفاه، أو ثلاث وعشرين. نناور، وندخل من الفتحة الأخرى، الأوسع حجماً. لكننا سرعان ما نعلق داخل عنق الغليون الضيّق. نحن فئران القصيدة، نلتفّ إلى الوراء لنعود أدراجنا. الخروج بعدها من حيث قدمنا حتميّ. نحدّق في الرجل بعدما خرجنا أحياء. نحدّق فيه مليّاً. نُصاب بكراهيته وبحبّ رائحة غليونه. درويش الآن يحثّنا على كراهيته، على إنكاره. تلك شروط اللعبة: أن تكره أو أن تحبّ. درويش يتشبّث بورائه ليخطو نحو الأمام بطيئاً، بألف عكّاز. تغيّر جهازه العصبي الشعري. وأصدّق هذا التغيير التقني في استخدام اللغة، ربما لضرورة فنّيّة، أو سياسيّة، أو بنيويّة لموازاة ما بعد الحديث في الشعر، أو النبرة، أو تشريح الحالة الفلسطينيّة. أنا لست مهتمّاً بالسبب، لكني في دواوينه الأخيرة وجدتُني تعثّرتُ ووقعت عيناي على الأرض. أعترف. ما زلت حاملاً جهازي اللاسلكي المصنوع من البلاستيك. واقفاً كباب في شقّة مهجورة. لكن منذ كتاباته الأخيرة، لم يعد درويش يلعب معي. إنني الآن لا ألتقط أي إشارة من جهازه اللاسلكي المصنوع أيضاً من البلاستيك. ربما نسي أنه ولدٌ محتاج للعب مثلي.

مازن معروف

مجلة «نقد» الفصلية، العدد 3، تمّوز 2007

خزّان من الأحداث والإشكالات في قالب روائي يستحق أن يُقرأ عالياً

تشبه رواية “شريدالمنازل” (دار النهار) للكاتب جبور الدويهي، بيتا مصنوعا من نوافذ، كل واحدة تطل على اتجاه ما. البيت موضوع في وسط الزمن، زمن الحرب اللبنانية. قد يكون الدويهي، الأديب الوحيد، لم يسقط في فخ الامتثال لطرف على حساب آخر خلال سرده للحرب اللبنانية، أو الانحياز عبر شخصياته المتنوعة إلى اتجاه إيديولوجي دون سواه، أو اتكائه على النقد لتنظيف ماضيه، أو تسجيل موقف إنساني رؤيوي شامل، كما هي الحال في بعض الأعمال الروائية التي يسقط أصحابها في بئر التنظير، أو محاولة إزاحة أسباب القتال إلى فلان وجماعته دون سواه. كما قد يكون الدويهي الوحيد استثمر مسألة “الإختلاف” الطائفي في لبنان، لنسج أرضية أدبية باهرة على أساسه، تنفذ إلى “خلاف” وجودي لدى فرد واحد. كذلك، فإن الدويهي لم يعتمد على التوثيق أو التاريخ أو الحكايةالشعبية المتداولة، كمكوّن رئيسي للعمل، فالرواية ليست سيرة مكان، ولا هي أيضا سيرة عائلة، أو طائفة في عينها، بل سيرة وطن بأسره، ينعكس مشظّى، أو نتفا متفرقة، كل منها حاضرة في شخصية فرد من أفراد الرواية. نستطيع على سبيل المثال استشفاف رمزيا تعدة من المشهد الوارد في أول الرواية: بوليس درّاج يصطدم بشاحنة “ترابة وطنية”، يقذفه الحادث في ملاّحة ويموت، يقف الجميع متفرجين، فيما يهرع بطل العمل نازلا من البوسطة التي كان يستقلها إلى بيروت وتحوي خليطا من الأديان. يحاول نجدة الدراج، لكن الأخير يكون قد فارق الحياة، يخرج عندها من الملاّحة و”الدم حتى ركبتيه”. يصل بيروت ويدخلها و”الدم حتى ركبتيه”

من يقرأ “شريد المنازل”، سيدرك حتما، أنها رواية لا تتسلق عمود الحرب الاعوج لتنصب رايتها فوقه. الحرب لا تغدو أبعد من ظرف حياتي، تفصيل “مطوَّل” يضطر الشاب، بطل العمل، والمسمّى نظام، أن يختبره. الحربهنا، موظفة بشكل دقيق، ومثير للاهتمام، حيث أنها اولا ليست حرب المفجوعين، ولاالتراجيديات، ولا البكائيات، ولا الفقدان، ولا التفجع، ولا التشوه، ولا الخسارة. هيحرب تساهم في تشكيل محيط البطل، فتدخله في متاهات شخصية، وعلاقات صداقة بين الطرفينالمتنازعين، “اليمين” و”اليسار”، الممتدين في اكثر من اتجاه، كأن كلا منهما ذراع،تتشعب في غير اتجاه، وتتلامس من بعيد مع الاطراف المتنازعين كافة. هذه الحرب،بوصفها حدثا جللا، تتقارب في العمل مع الخلفية الاجتماعية للبطل نظام. فالتناغم بين الخلفية الخاصة لشاب من شمال لبنان، والخلفية العامة لتاريخنا المعاصر، موجود بقوة. عوامل الربط كذلك، ما بين إشكالية الدين على المستوى الفردي، والمستوى الجماعي،والنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها هذه الإشكالية، اجتماعيا وسياسيا، تكاد تكون شديدة التماثل، عبر الأدب، وليس استعراض التاريخ، وهذا ما يرفع العمل إلى قيمةتتعلق بالخلق وخصوبة المخيلة ونضارتها، عوضا من حشره في مربع الوثيقة التاريخية.

فالشاب هو الشخصية الرئيسية في العمل، وقد اختار الدويهي أن يسميه نظام، الإسم الذي يتناقض مع حياته التي يسلك فيها ممرات متشابكة، تتعلق بالهوية الدينية أساسا، من دون أن ترتقي إلى رتبة المأزق بالنسبة اليه. إشكالية تظل محفوظة في “المرطبان” الديني، المحدود، من غير أن يسمح لها الكاتب، بامتدادات قد لا تتجانس مع بناء شخصيةنظام، منذ طفولته، وهي الشخصية المتذبذبة بين حالتين، وغير المنفصمة في الوقت ذاته. قد يكون بناء الشخصية الرئيسية في العمل، هو اول ما ينبغي النظر إليه، حيث انهاشخصية حيادية إلى حد كبير، محبة، كريمة، غير مشوبة بالنيات الخبيثة أو اللئيمة،عنيدة، واثقة ومنقادة إلى عواطفها. هذه مقومات، أسسها الدويهي امامنا في العمل،وعندما أدخل فيها الحدث الأكبر (الحرب)، أبقى هذه الحرب كتفصيل “مطول” كما ذكرنا،لأن في مقاربة شخصية نظام بشخصية الحرب، مجازفة قد تدفع إلى خلق مسافات واسعة وغير منطقية بينهما، مما قد يضعف من تماسك صفات نظام في العمل. لذلك، تشكل الحرب جزءا، مشوِّشا على مشاريع الشاب، من دون أن تنبثق منها ردود فعل تأتي بجعل نظام “بطلا خارقا”. هذا ما اعتمده الدويهي، لشخصية نظام طوال صفحات العمل حتى اللحظات الاخيرة، وقد شكّل الدعامات او البنى التحتية التي استطاع الكاتب أن يضع حولها الشخصيات الأخرى المختلفة ويحركها، وأن يتمدد في كل شخصية على حدة، حتى تصبح كلها شخصيات لووضعت في غرفة واحدة لتقاتلت حتى الموت، خصوصا أنها تنتمي إلى زمن هو الحرب. فنظام يجمع حوله الرفاق والاصدقاء، من مسلمين ومسيحيين ويساريين، و”أغراب” ورسميين،قرويين ومدينيين، متزمتين دينيا، وعلمانيين. يتم ذلك في سياق معقد وبديع، متسارع ومقتضب، ينهل من الخلفية الاجتماعية لكل من تلك الشخصيات، ويوظفها في الإشكاليةالأساسية: الدين.

رواية الدويهي، خزان من الإشكاليات والانتقالات التي توحي بأن هناك مسرحا مفتوحا أمام البطل، إلا أننا ندرك أنه مسرح محكم، مؤطر جيدا، عاطفي، يُخضِع شخصيته الأولى لشروط كينونته الإنسانية البعيدة، في وقت لم يكن هناك متسع للاستقلالية. أول ما يلفت في هذا العمل الجذاب، مسألتان لا يمكن الفكاك منهما: الاولى هي البناء الأدبي، المنسوج على أساس مساحتين: عائلة مسلمة لها ثلاثة أولادوبنت، وأخرى مسيحية لم يقدَّر لها إنجاب الأطفال. أما المسألة الثانية، فهي اللغة. عندما نتحدث عن اللغة هنا، فإن المفردة لا تحتمل أي التباس، أو تأويلات، بل نعني أن اللغة (ضبط الجملة، الإقتضاب في تصوير التفصيل الواحد، كثرة التفاصيل المختلفة فيوقت واحد، التزام اللغة المشهديات المتتالية التي تتحكم بدفق الزمن، وسرعته)، التي لم يتغير نسيجها طوال صفحات العمل، مثّلت أحد التوهجات الأساسية المرافقة للحدث الروائي، إذ استطاعت ألا تخضع لرتابة، وأن تبقى محافظة على تمايزها وبريقها واستقلاليتها حتى الرمق الأخير، في آخر مشاهد الرواية. وعلى رغم حصر المؤلف هذه اللغة في المستوى الثاني من الضمائر بشكل عام، وعدم تطرقه إلى ضمير المتكلم، إلا أنه تجنّب وقوعها فريسة المشهد، أو إيصاله إلى مأزق كتابي، فبقيت معاندة، متألقة، سريعة، بصرية، سهلة ممتنعة، واثقة، وعاطفية أيضا، لتؤلف في هويتها الموحدة، خلفية فنية، ترافق وحدة البطل نظام، ووحشته عن أمكنته الكثيرة التي نهلت منها حياته. هذا التقارب، بين أسلوب للعمل، هو في طبيعته حكواتي، أو سردي، مشوّق، بصري، وبين مضمون مرتكز إلى حد كبير على سيرة ذاتية لشاب، يضفي جمالية، ويحيل القارئ على التفكر في ماهية الخلق، وروعته.

يترك لنا الدويهي الفظاعة الكبرى الى النهاية، وهي التراجيديا المنفجرة في وجوهنا كقراء، إذا صح القول. ويجدر القول هنا إنه في موازاة إيلائه الاهتمام الأكبر للقصة، قياسا بالبناء الذي يحضر خاضعا لترتيب كرونولوجي،غير مجهد للقارئ عموما، ينقلب هذا كله في النهاية. ذلك أن الموت يبطئ من سرعة الزمنفي المشاهد الأخيرة، ويبقي سرعة الفعل وحده، ما يعني أن الامتثال للقصة لن يغدوالاولوية على حساب البناء، ومن ثم المخيلة المفاجئة دوما. أما النص الروائي، فيبقيه الكاتب مزينا بفظاعات ظرفية، مرحلية، كموت مرافق صديقه، او اعتقال صديقة سابقة، أو هرب فتاة أجنبية تعلق بها نظام على متن باخرة، او حتى توقيف البطل على أحد الحواجزالطيارّة، ووقوفه على حافة الموت. يناور الدويهي عبر هذه الفظاعات، كأنما يؤسس للتراجيديا المهيبة في الصفحات الأخيرة، التي لا تكف عن التكثف حتى الحرف الأخير. ما يبثه الدويهي المحترف إلى مخيلاتنا، يكاد يكون رذاذا لفجيعة يدّخرها ولا تتبدى مقدماتها في شكل مكتمل، ناضج، ومستقل، بل تتم تجزئتها انكسارات، أو حالات خسارة مؤسفة توضع في خانة الانكسارات. تتعلق بالمكان نفسه، غير الثابت، وإشكاليته، وواقع المعادلة اللبنانية التي تحكي انتماء المكان نفسه إلى ساكنيه، وليس العكس. بإمتلاك الدويهي لأشياء الرواية، كان سهلا عليه دخول الحدث “الجاهز”. اختار مثلا أن تتقاطع حياة نظام مع زمنين: الحرب وما قبلها. كما اختار له مكان نشأة بعيدا عن العاصمة الإشكالية، وبيئتين (مسلمة ومسيحية) تؤسسان للاحداث المتلاحقة، وهما بيئتان لاتوصفان بتزمتهما الديني، وإن أحيطتا بالتعصب سواء من الأقارب، أو أهل ضيعة حورا. نظام، يشكل بذلك، قناة دقيقة، حساسة ومتينة للعبور من بيئة الى أخرى، بعد تحميلها بالأسئلة التي لا تثقل بالإيديولوجيات. فهو عالق بين ديانتين، عائلتين، واتجاهين سياسيين أيضا أو إيديولوجيتين (منظمة العمل الشيوعي، خلية فرج الله الحلو، وجنان سالم حبيبته التي يعارض والداها الفدائيين واليسار). لم يعتمد الدويهي على التنظيرالإنساني، أو الفلسفي، أو السياسي، أو التاريخي، ولم يستعن بتفسيرات يخوض من خلالهافي استعراض وجهة نظره في العمل، وهو بذلك حافظ على نقاء شخصية البطل، ونظافتها،وحياديتها، متماهياً مع حقيقة نشوء هذا البطل في الشمال، وتعرفه إلى بيروت قبيل مرحلة “حرب السنتين”، وخلالها. من جهة أخرى، يكون الدويهي قد وظّف ثقافته، بجرعات متفرقة، يضخها هنا وهناك، في بعد لا يخرج عن منطق سيرورة البطل. فثبات الشخصيةوتغير الفضاء سمتان أساسيتان في “شريد المنازل”. وفيما تعد حَورا نقطة النهاية،والبدء، والتحولات المفصلية، مرجعا للعمل الأدبي وأحد مؤثرات تكوين شخصية البطل،وهي كمكان لإقامة ثابتة لتوما ورخيمة اللذين يعتنيان بنظام كإبن لهما، تبرز بيروت كمكان يسحق الفرد، ويجرفه بعيدا من أحلامه الدافئة. فنظام يشهد تغيرات شتى فيحياته، وينقاد، غير عارف، وموقتا، إلى صفوف منظمة العمل الشيوعي لمساندة أصدقاء حبيبته، من دون أن يصير في الضرورة رفيقا ملتزما العقيدة.

قد يستدل من إسمالرواية أنها رواية الأمكنة، وهذا تفسير مطبوخ جيدا ومتداول ولا يقل ابتذالا عن أيقراءة للرواية من باب عنوانها فقط. وعلى رغم إشكالية الأمكنة، وتنوعها، وضبابيتهافي حياة نظام، بل ودلالات كل منها، إلا أنها أمكنة يصار إلى تجريدها في نهايةالعمل، وهي أمكنة يبلور وجودها المأزق العام للبطل ولا يبهت ضوؤها فهي تبقى خلال العمل عصية على السيطرة والإنطواء على رغم الحدود السياسية والدينية والمسافات التيتقام بينها. إلا أن نشاطها وحرارتها يؤديان بها جميعها إلى الإنصهار، لتتكثف في مكان واحد، مستجد، يطرأ على القصة، وهو مكان غير معلوم في نهاية العمل، ولغز يشبه خلاصة الحالة الفريدة في لبنان. “شريد المنازل” رواية لبنانية بامتياز، تستحق أن يؤجل المرء شؤون حياته تفرغاً لقراءتها. إنها رواية تستحق فعلا أن تقرأ، وبصوت عال.

مازن معروف – جريدة النهار 2011

حسن داوود مشددا على بطء اللغة وتكثيف المكان في ذاكرة القارئ

يرتكز حسن داوود في عمله الروائي “مئة وثمانون غروبا”، على تقنية خاصة في السرد والوصف وجر المخيلة إلى تتبع إشارات يقدمها بأدنى تفاصيلها وأتفهها. حيث أن الجملة مكتوبة لتمهد، وتجعلنا مهيئين فيما بعد للتفاعل مع العقدة التي قد لا تُرى بعيدة عن مستوى المعيش في العالم العربي ككل. ودون أن نتمكن من القبض عليها كما يفعل داوود. هذا التمهيد الصوري، أو البصري المُفصل الذي سنعمل أوتوماتيكيا على استخدامه دون أن نتعمد ذلك، سيشكل ما يشبه الصرح المبني من أحجار صغيرة ومتلاصقة، حتى إذا لم تعد مرئية، إتضح تلقائيا ما يكسوها. وهو الحدث المستقبلي.

تتتسلل الرواية الى ذاكرة القارئ، وتنشئ ما بينه وبينها تواطؤ غير ناجز. وهو تواطؤ يستلزم بالدرجة الأولى زفرات من  التنفس الطويل لملاحقة ما ستؤول إليه بدل من استعجالها لأن كل تفصيل يقدمه حسن داوود سوف يحسب حسابه وبقوة فيما بعد وذلك لبناء التطور الأدبي كما وتمتينه على أرض ذات القارئ. وبذلك فإن رواية حسن داوود هذه، يمكن أن نسميها رواية القراءة الثانية، وليس الأولى فحسب. لأن حركة الزمن التي يعمل داوود على جعلها غاية في البطء، تجعل العوالم الصغيرة للأفراد تجد حيزا واسعا لها في مخيلة القارئ. يشكل نفاذها المنظم، فضيحة تُفكك الزمن وتعلن هشاشته، ما يجعل الأفراد كافة يبحثون بالمقابل عن عناصر أو إشارات بديلة يوثقونها إلى ذواتهم، ليروا المحيط من خلالها. هي ليست مجرد إشارات عابرة، لأن داوود سيلاعب بها المخيلة بمقص واحد ذراعاه القلم والسكين. يجرنا وراء الكلمات حينا ويخدشنا لننسحب وراء دم أبطاله أو ألمهم أو وحدتهم أو ضجرهم حينا آخر. هذه العلاقة السرية سوف تشترط من القارئ وقبل كل شيء، إعادة تموضع، دون أن تطلبها بشكل مباشر. فبدل أن يصير هذا القارئ مشاهدا للحدث الروائي، يحال إلى متلصص، أو كائن يقف على عتبة هذا الحدث، ويتجسس على كل من فيه. والحدث سوف يأتي على دفعات، أو جرعات صغيرة، قبل أن تتفكك مواقع كل من أبطال العمل المفترضة، وقبل أن تفضح الحياة والمؤثر الإجتماعي وعامل الزمن ضعف كل منهم. وهو أولا حدث على هيئة تطورات متسلسلة، تصيب العصب الانساني والتفاصيل التي تتبرمج من خلالها الشخصية الفرد الأضعف أو المحايد في الوحدة المجتمعية. وهو مجرد أو منزوع من دلالته أو أهميته إلا على من اختاره داوود من شخصيات الرواية ليخصه به. وهذه الخصوصية، تجعل لكل من أولئك، ملكية لحيز خاص، الذي يمهد له داوود بجعل القارئ يدبدب لاكتشاف العلاقة التي تحكم الفرد بالزمن السابق والحاضر والمكان المغلق. ذلك بفعل الحياة العنيدة التي ينزعها داوود من اليومي والذاكرة العامة، ليزرعها في صلب أولئك الشخوص خلال الصفحات. وهذه الزراعة بطيئة، وهي التي ستشكل المقوم الأساس الذي سينشأ على أنقاضه، كل فعل لاحق وكل تغير في البيئة وكل تسارع قد يصيب بنية التفاصيل.

يأتي إيقاع الرواية بطيئا بادئ الأمر، ويضعه داوود برفق أمامنا، لأنه يعلم ماهية المجازفة في إتباع أسلوبية لا تعتمد التكثيف وإنما استعراض الملامح الخاصة والبالغة الدقة لكل من شخوص العمل. وهنا تكمن الخطوة الأولى للاعب شطرنج ثقيل، يتنقل أول الأمر بحذر لكن كاشفا عن كل جنوده، بل ومقلبا في أحجاره أمامنا بغية حثنا على مشاهدة أشكالها. سنقول، مهلا نحن نعرف هذه الأشكال وتلك الملامح والتفاصيل، لكن داوود سيقول لنا، هذه الأحجار سيسهم ثقلها وصلابتها والخطوط التشكيلية لكل منها في صياغة الحدث العام الأعظم أو النهائي لـ “مئة وثمانون غروبا”. واللغة تكشف أكثر مما تخفي، وتكتنز الخلفية الحميمية لأبطالها بأسلوب رشيق، وكأنما شيء يسحبك من قدميك لتمشي باتجاه أحداثها. هي أشبه بالمخدر الذي تتعدد تحولات سكانه وصوره من دون أن يفقد ذلك شيئا من تماسك الوحدة العامة للسياق الروائي. واللغة غير المقشرة والنيئة، تشبهنا. ولفرط ما تشبهنا وتشبه يومياتنا، قد لا يحثنا هذا على مواصلة القراءة، وقد نتجاذب مع الكلمات لكن هذا ما يخدعنا، فبعد عدة صفحات، ستقشر اللغة نفسها بشكل أوتوماتيكي، لتكشف لنا مدى اتساع المدى النائم تحتها، كما ومدى اتساع رؤية شخوصها، وقابلية المكان الشديدة للتغير أو للتحول الى أمكنة تتخابط لتصبح الوحدة الكبيرة للحيز الواحد، عدة وحدات. وبذلك فهي لغة سردية تعمل على التكثيف والتكرار. وهما العاملان اللذان سوف يشكلا الدبوس الصغير الذي يجمع قطعتي قماش كبيرتين. فتُصِر على مشاهد معينة أو متخيلات أو أحداث فيما تستبعد أحداثا أخرى او تعمل على نأيها خارج كادر الصف الأول أو الأفكار الرئيسة.

إنه تفكيك المكان الذي يضاهي تفكك المجتمع بتغير توزيع الديموغرافيا كما والسياسة والظروف القاهرة وغير المتوقعة كالحرب. وتسطيح اللغة، يساوي إغنائها لكي تتمدد وتتشعب. وهي رواية التجاذب، والإيروسيا البريئة التي لا تقع ضمن خطة الشرير إنما يوقعها الكاتب في الطفولي واللعبوي. حسن داوود يستقي أحداث روايته وحوارات أبطالها من الحياة العامة واليومية مباشرة، فتأتي اللغة المشغولة بحرفية وكأنها مجرد ترجمة موظفة توظيفا أدبيا وجماليا لتفصح عن تفاصيل لا ننتبه لها. فالزهرانية، ضيعة صغيرة وتمثل كذلك المكان الذي لن تغادره الرواية ولا أبطالها الاربعة: الفتى الثخين وأخوه وليد وسلمى المكتنزة النهدين وتيسير المتهم بالجنون. هذا إضافة إلى الشاب “ميخا” والمحيط العائلي المتعلق بكل من هؤلاء وسكان الزهرانية عموما. فالحرب سوف تداهم الحياة البسيطة لسكان الزهرانية لتقلبها رأسا على عقب ولتساعد في التهجير والإفراغ السكاني بفعل الفزع المسبق، كما وميخا الذي يكره كل من هناك متسببا بقلق عام، بسترته العسكرية والسلاح المجهول المصدرالذي يأتيه. وميخا سيظل في العمل الروائي كائنا لا يسمح لنا بالتعاطي معه بشكل مباشر. ففيما يُعلن الصمت من خلال المكان واكتظاظه البطيء بالسكان، يظل الصخب صخبا داخليا ممنوعا من الخروج الى العلن، وهو الصخب الذي سوف يقلبه الكاتب للإيقاع بالزمن، كمسؤول أول في قولبة الذاكرة، التي ومهما بدت تافهة، إلا انها تقع في الحيز النفسي ليس إلا، ومن دون أية مبالغة او إسراف في التفسير. فتتركز طاقة الجملة الروائية على الوصف في المرحلة الأولى ومن ثم تفعيل هذا الموصوف بالحراك الانساني المتمثل بالصراع من أجل إثبات الذات (تيسير) أمام الأب ولاحقا من أجل قتل الخوف (ميخا).

الحادثة التي تقع لأقفاص عصافير تيسير بسبب زناخة شبان الزهرانية اليافعين وبالأخص ميلاد وميخا سوف تشكل الزمن الفاصل ما بين الزهرانية- الضيعة البسيطة، والزهرانية التي تصبح أكثر تعقيدا وانغلاقا على نفسها مما قبل. فالفعل هو الذي يعيد تشكيل الزمن، وبالتالي يسهم في وضع أسس التغييرات الكبيرة التي سوف تصيب البنية المجتمعية لاحقا. وهو سلوك جماعي، لا يرتبط بالضرورة ببلوغ مرحلة نضج إنساني أو فكري أو ثقافي. وهو أحيانا وباللا نضج، أو طبيعية السلوك، يمكن أن تنشا أنماط جديدة من العلاقات والارتباطات لأناس متجاورين يتقاسمون أدنى مقومات الحياة. غير أن كل أنماط الحياة المعاشة والتي يغلفها داوود بصفة الموقت، تحتل حيز التجريب “الزمن الأول ذاك، الذي وراء الخط، هو الزمن الذي كان سكان الزهرانية يجربون العيش فيه تجريبا “. الزهرانية كمكان مغلق سوف يغري الكاتب لضخ التجاذبات ما بين أشخاصها وصقلها واللعب بالزمن كمتغير يمكنه معه من استعادة ملامح تاريخ الضيعة القديم إضافة الى بنائه الشخصيات كما تقتضيه السياق القدري للرواية وليس فقط مخيلة الكاتب. وانقسام المكان الواحد أو وحدويته الى مكانين، واحد لأهل الضيعة القدماء وآخر يسكنه الغرباء الذين توافدوا الى الضيعة حديثا، يجعل من عالم الرواية أشبه بخلية واحدة تنقسم الى نصفين يحدق واحد منهما فقط بالآخر ويتمحص فيه كغريب. كائنات داوود ستقبل العيش وسط الضجر، وهو الضجر الذي سوف يؤلف المناخ الذي يوحد جميع السكان. محرضا إياهم على الكشف لمزيد ومزيد من خفايا النفس. والرواية لن يتنازل داوود عن حيويتها حتى الرمق الأخير، ولن يبدل شيئا من سير السياق الروائي للأحداث. وبذلك يضمن التنقل لشخوص روايته الأساسيين في كادر يتسع شيئا فشيئا وبشكل تدريجي وتصاعدي للنوستالجيا مقابل الفنائية، واللعب في مقابل الحب، والحيادية (للثخين) في مقابل الأخ المتورط بعلاقة جنسية سريعة مع سلمى. لن يلعب داوود لعبة الغميضة التي تعتمد إرسال القارئ إلى غياهب النفس البشرية، لتفكيكها وترويضها بحسب مسار الحدث التالي.

في مقابل ذلك، سنشهد انتقال الكاتب من الثخين وأخيه إلى سلمى، ومن ثم تيسير، ليصبح للرواية ثلاثة أعين تتحكم بالبصري وتؤطره باعتباراتها ورؤيتها الشخصية. هذا ما سيكشف أكثر من علاقة بين الإبن وأبيه، فمن الثخين اولا (علاقة نوستالجيا وذكريات وأثر ليس إلا)، من ثم سلمى (الأب المتفلت والغائب عن الواجبات المنزلية والتابع لنزواته ليس إلا) وأخيرا تيسير (الأب المستبد الذي يخضع المنزل ومن فيه وخصوصا تيسير لقانونه الرعوي الخاص الذي لا يعرف الرحمة). قبل أن نكون أمام تشابه مصائر الناس ومقتنياتهم: تيسير والعصافير، الثخين والألعاب، وسلمى والرحيل الى الدنمارك. هي رواية خيوط رفيعة من الضجر والخوف ومقارعة الحياة من أجل الأمل الذي حين لا يأتي، لا يكون أمامك سوى افتراضه.

مازن معروف – جريدة النهار 2009