مازن معروف في “ملاك على حبل غسيل”… يحترف المجازفة بلغته الجديدة

صحيح أنّ القصيدة ليست مجرّد كلام موزون ومقفّى، لكن ممّا لا شكّ فيه أنّ القصيدة خارج إطار الوزن والقافية يصعب تحديدها، لأنّ النثر الفنّي، عند العرب، هو الجغرافية اللغويّة الوحيدة التي يمكن أن تحتضن ما عُرف بالقصيدة الحديثة أو الحرّة أو قصيدة النثر.

من النصّ الأوّل Basketball يفتح مازن معروف في جديده «ملاك على حبل غسيل» باب الموت، فهو ميت برئتين تمارسان عملهما الطبيعي، وله أن يتعامل مع جثّته بحنان ربّما لأنّ الجسد أكثر الأوطان صدقًا: «جثّتي الرّطبة/ أكوّرها بحنان بين يدي/ ثمّ أجفّفها/ بآخر نفس زفرته قبل أن أموت». وله أيضًا أن يعتبر الموت جسرًا لكن لا شيء بعده واضح إلاّ «الأمام»، ما يعني أنّ مجرّد التقدّم، ولو عبر الموت، يُعتبر نقلة نوعيّة بصرف النّظر إلى أين وبالاكتفاء بمتعة ما اسمها «الأمام»: «مجرّد لفت انتباه/ إلى أنّني/ عضلة/ تستطيع بحيلة اسمها الموت/ قذّف نفسها إلى الأمام».
ولمعروف طريقته في المقاربة، إذ إنّه يخبّئ خلف ستار سخريته أوجاعًا إنسانيّة ووجوديّة كبيرة. ففي نصّ Hand made يحلم بصناعة كوكب مخصّص لأعدائه الذين سيجدون خيرات كثيرة تجعل الجميع يشبعون بسلام، أمّا الحرب فلن تكون إلاّ على آخر لقمة: «نقضم قطعه اللذيذة حين نجوع…/ القطعة الأخيرة منه/ القطعة الأخيرة فقط/ تستحقّ أن نتقاتل لأجلها». بهذه البراءة الساخرة يحاول مازن الهروب من كوكب الإنسان الذي لا يشبع إلاّ برغيف أخيه المصبوغ بدمه. وفي نصّ «S.O.S» يتجلّى الحسّ الإنساني مجدّدًا حين لا يجد مازن ما يتصدّق به سوى صوته، فيذكر بالخير أعداءه متضامنًا مع تعبهم قبل أن يتضامن مع العصافير البانية أعشاشها من قشّ الجوع: «صوتي خبز حاف/ أحلم بتوزيعه على أعدائي المنهكين…/ بتعليقه على أعمدة الكهرباء/ من أجل العصافير»… وبشكل مفاجئ يستدعي معروف إلى نصّه صورة ذات دلالة تتعارض مع ما قبلها وما بعدها: «وأن أيبّسه سقوفًا/ سرعان ما تنهار/ على رؤوس ساكنيها». انهيار السقوف على من تحتها يتعارض مع التصدّق بالخبز على عدوّ منهك وعصفور شريد، كما يتعارض مع إشباع سمكة نافقة وحقن كلب مدهوس بإبرة أدرينالين…

اللغة كائن
ينجح معروف في جعل اللغة كائنًا خفيف الظلّ، ويجهد عن سابق تصوّر وتصميم للإتيان بمجاز واقعيّ، إذا جاز القول، فمجازه مقطوف من خيال لا ينفصل عن ألم الواقع وأشياء الحياة اليوميّة البسيطة وكائناتها التقليديّة. وعلى سبيل المثال نراه في نصّ «أسطوانة» ينقل مشهدًا بكلّ واقعيّته ويذهب به إلى الفضاء الذي يريده: «لا نعرف من أين يأتي كلّ هذا الذباب/ وماذا يفعل / فوق هؤلاء الموتى…/ لكن كلّ ذبابة/ تتحرّك بطريقة مختلفة عن الأخرى/ لأنّ المطلوب منها/ عزف نوتة ما…/ أوقية ذباب/ تستطيع أداء أغنية روك/ في مستودع»… يجتاز الذباب والموتى في هذا الكلام المعنى الشائع للموت، فنغدو أمام مرايا مكسّرة يجمع صاحبها شظاياها كيفما يريد لا كيفما اتّفق. ومازن معروف يريد أن يكون جديدًا بجملة تشبهه، يريد ملاكًا على حبل غسيل لا ملاكًا يمضي مع سربه من سماء إلى سماء. واستكمالاً لحكاية الذباب والموتى يمضي معروف إلى موقف حاد ومتطرّف من الإنسان ليمسي الذباب مطهِّرًا للميت الذي إن وصل كما هو إلى التحلّل في الطبيعة قد يثأر زهرها من بعضه ويقتل غصن أخاه: «إنّها ربّما أغنية/ تدرّب الذباب طويلاً عليها/ لغسل الميت/ من الكراهية/ التي يحاول الآن نقلها/ متنكّرًا بهيئة جثّة نافقة/ إلى الطبيعة».
ويروق لمعروف أحيانًا أن يبني نصًّا متماسكًا كـ{داون تاون» فيحسن متابعة المعنى من ألفه إلى يائه: «أكرّج قلبي المثقوب/ على غطاء السرير/ يرتطم بالباب/ تاركًا زيحًا من الوحل خلفه/ … الزيح/ ذات ليلة/ سيسمن ويصير شارعًا/ الأصدقاء/ ذات ليلة/ سيسيلون من رأسي أثناء النوم/ وينامون تحت الأشجار/ وأنا/ ذات ليلة/ سأستيقظ خائفًا من الوحدة/ وأتبعهم». بنَفَس سرديّ تابع معروف «زيحه»وأوقف الأشجار إلى جانبه ورعاه إلى أن صار شارعًا يلد الأصدقاء ويؤوي وحدته…
ويروق له أحيانًا أخرى أن يبني نصًّا متماسكًا بفوضاه ويحتمل أن يكون عدّة نصوص كـ{دبّوس ملوّن»، فالمقطع الأوّل فيه يبدو نصًّا مستقلاًّ وما بعده يبدو استئنافًا: «وجهي/ يشبه المسيح/ لكنّني لست حطّابًا/ لأعمل من عظامي/ صليبًا/ وأعلِّق عليه جسدي/ كمعطف المختبرات المتّسخ». حتّى الجملة الأخيرة «كمعطف المختبرات المتّسخ» إضافة لا يحتاج إليها النصّ، إلاّ أنّ معروف شاءها لأنّها تدلّ على أسلوبه وربّما قد يكون خاشيًا الجدّيّة أو الرصانة اللتين ينضح بهما النّصّ فلجأ إلى إثباتها.

خارج الجملة
في أكثر من موضع يظهر معروف وكأنّه خائف من أن يصير خارج جملته فيستأنف الكلام بهدف التأكيد على حضوره الكثيف في نصّه، ومن الأمثلة على ذلك نصّ «دوران» الذي يقوده إلى نهاية يروب فيها النّمل: «يدي/ لن أغسلها/ عطرك/ الذي يتكمّش بأصابعي/ على الأرجح/ سيظنّ نفسه ملاكًا على حبل غسيل. /يدي /بعد قليل /ستركض نحو الشرفة/ هناك/ وتمطر فوق الزراريع/ تمطر كثيرًا/ وتدوخ/ وتدوخ/ كأنّها تروّب النّمل الذي وصل للتوّ». مجدداً، كان بإمكان معروف إنهاء نصّه بكلمة «غسيل»، غير أنّه تابع ووقع في تجربة الهدر اللغويّ الذي يتنافى مع شعريّة النصّ، ليصل إلى نهاية قد تكون تعني له الكثير إلاّ أنها بالغة السورياليّة وطاعنة في الغموض، ولا تبدو العلاقة مقبولة أو شهيّة، بالمعنى الشعري، بين يد تمطر نملاً وعطر على يد كأنه ملاك علق من حيث لا يدري على حبل غسيل.
يتّضح من «ملاك على حبل غسيل» أنّ معروف يبحر شعريًّا في اتّجاه التخلّص من كلّ الموروثات التعبيريّة، وهو لا يكتفي بحداثة النصّ على مستوى الشكل، أي بالتحرّر من الوزن والقافية، إنّما يرمي إلى الإفلات من شبكة اللغة التي يصطاد بها حملة الأقلام، وتأسيس لغة شخصيّة جدًّا، تستطيع أن تقول الحرب بلا دماء وحديد ونار، كما في نصّ «حرب» حيث نرى الولد يلهو بقبّعة، والسلحفاة، و: «الجنود البلاستيكيين / الذاهبين / للاستيلاء على الزرّيعة»، وتستطيع أن تقول الحبّ بملاك على حبل غسيل ونمل سريع الذوبان لا بالقاموس المنتسب إلى جغرافية الجسد والمشاعر…
في «ملاك على حبل غسيل» يتميّز مازن معروف بلغته الشعريّة، ويعقد زواجًا متينًا بين وضوح الواقع وغموض التعبير، ويجازف في نشر الملائكة على حبال الغسيل و{لمّهم» ساعة يشاء، وهو، بكلّ تأكيد جديد، وفي كلّ جديد… مجازفة.

 قزحيا ساسين – جريدة “الجريدة” الكويتية

تعقُّب محمود درويش – دراسة في قصيدته بين عامي 1964 و1983

نبذة

سلك محمود درويش (1942- 2008) في البداية بين خطين سياسيين رسما إيديولوجيا قصيدته بوضوح: المسألة الفلسطينية، وكانت وقوداً خاصاً لقطاره الشعري، والفكر اليساري، وكان ظاهرياً كجسم غلّف قلب ذلك القطار. كان ذلك في الستينات. لكن درويش سرعان ما أطلق لغة شعرية من نافذة مختلفة، أكثر اتساعاً من أي ظرف إيديولوجي. وأتت محاولته للانزياح عن “نظام” قصيدة التفعيلة الخطابية سياسياً آنذاك والمنبرية بطبيعة الحال، عبر ديوانه “أحبك أو لا أحبك’ (1972) من خلال النص التجريبي “مزامير”. درويش أفلح آنذاك في قراءة الشعر خارج المعطى السياسي الجاهز. لم يرد للقصيدة أن تنصاع لإغراء الفكر النضالي والانفعال والصراع، برغم رواج هذه الخيارات في تلك المرحلة (بين حربي 1967 و1973). وكان هذا الأمر أولى قفزاته للعدول عن نظام قصيدة غنائية رومانطيقية نوستالجية ظهر بها في كتابيه “أوراق الزيتون” (1964) و”عاشق من فلسطين” (1967). استتبع محمود درويش اشتغاله على اللغة، ووضع انعطافات في منهج القصيدة مع “مديح الظل العالي” (1983)، ومن ثم “أحد عشر كوكباً” (1992) الذي كان أول المداخل للغة مختلفة ستمثل الحقبة الأخيرة من حياته الشعرية وتمتد من “لماذا تركت الحصان وحيداً” (1995) حتى “لا تعتذر عما فعلت” (2008). حقبة سيفتح درويش الباب فيها على التأمل والمساءلات النقدية سياسياً وانسانياً ممرراً إياها في مصفاة القضية الفلسطينية. فنأيه عن أي منصب رسمي في منظمة التحرير الفلسطينية سيطلق يده خارج مظلة الأجندة السياسية للمنظمة. وستستقر فلسطينه، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي، في التاريخ والحكاية والاسطورة، كإشكالية قائمة أبعد من أي اعتبارات قومية.

قدمية الصراع وحساسيته ومستجداته، لن تحل جميعها دون ابتكار الشاعر لمجازيات شعرية “يومية” ومعاصرة، محاذية لاستحضاره لرموز “كلاسيكية” و”أسطورية” في المقابل. لكن تطوير الشكل الشعري، وتكثيفه بالرموز والتشكيلات اللغوية والمجازية، من جهة، وتعديل نقطة بدء القصيدة لتصبح “الحالة الفلسطينية” بتفاصيلها (بدل القضية الفلسطينية) من جهة أخرى، لم تؤدي إلى دفع درويش بعيداً عن جمهوره. على العكس، فصورته لا تخرج أحياناً عن إطارها الشعبي كـ”شاعر القضية الفلسطينية”. وكثيراً ما يُقرأ شعره من الباب السياسي المحض، ويُخضع أسلوبه لمحاكمة أوتوماتيكية مسبقة من باب واجب الشاعر النضالي. ولهذا، تضيع فرصة تفحُّص تطور الهوية في شعره من منظور الشاعر الشخصي وليس من بوابة القضية الفلسطينية. فهو حاول على الدوام شبك خيوط معجمه الفلسطيني مع الكوني والانساني. ومع التزامه فلسطين، انشق عن التفخيم الخطابي والمنبري والمباشر لينزح نحو الشعر ككينونة لغوية لا تشترط بعداً سوسيولوجياً أو ظرفاً سياسياً. كما عدَّل في قصيدته تدريجياً، وبحكم تعمُّق فهمه للحالة الفلسطينية، كي لا يعود يخاطب جماعة أو قبيلة أو شعباً، وكانت حياته ملحقة بمنظمة التحرير الفلسطينية، مما سحب عليه أكثر من انتقال وطرد وحب لمدن عديدة أخلص لها، كبيروت وتونس وباريس وعمان ورام الله.

وجد درويش نفسه متورطاً منذ بداياته بقضية فلسطين، بحسب المعنى السياسي والنضالي والواجب الطوبوغرافي، على حساب تورطه في الشعر، بحسب المعنى الجمالي أو التكتيكي. وحاول على قدر وعيه الشعري آنذاك، أن يكون شاعراً رومنطيقياً، على غرار مؤثره، الشاعر السوري نزار قباني (1923- 1998). نشر أول مجموعة شعرية بعنوان “عصافير بلا أجنحة” (1960)، وقد عكست قصائدها تقليداً شعرياً غنائياً لكنه تنكر لها لاحقاً. ليذيع صيته بعد ذلك مع ظهور كتابه “أوراق الزيتون” الذي يعتبر رسمياً اليوم أول مجموعة شعرية له.

في هذه القراءة، سنحاول دراسة تطور موضوعة الهوية خلال المرحلة الأولى (أو كما نعتبرها كذلك) من مسيرته الشعرية والتي، من وجهة نظرنا، تمتد بين عامي 1964 و1983، أي من ديوانه الأول وحتى صدور كتابه “مديح الظل العالي” (قصيدة تسجيلية) مع خروج المنظمة – بالأصح طردها – ومعها درويش، من بيروت عام 1982 تحت ضغط الاحتلال الاسرائيلي للمدينة، لتنتهي مرحلة النضال العسكري وليتجه الفلسطينيون بعدها نحو الخيار السياسي.

 دواوينه الأولى 

في “أوراق الزيتون” (1964) قدّم دوريش قصائد بلغة خاصة، تجاوزت مهمة التبشير بالمقاومة الفلسطينية. صحيح أن تلك القصائد في مجملها، تضمنت شكلاً مباشراً في الكلام الشعري وأحد أنماط الخطابيات السياسية الشعرية والإيديولوجية العاكسة ليسارية عميقة، كإبن لحزب “راكاح” الشيوعي الإسرائيلي، لكن درويش كان قد طرح في تلك المجموعة، جزءاً كبيراً من ريش الشاعر الذي يكتب شعراً مقاوماً فقط. شكّل الإغتراب، السمة العامة التي غلفت قصائد درويش في “أوراق الزيتون” (1964). وهذا الاغتراب، لولا معرفة القارئ بهوية محمود درويش كفلسطيني، لم يحمل سمات كبيرة أو مباشرة على إن له مصدراً سياسياً أو فلسطينياً طاغياً، إلا في قصيدة “سجِّل أنا عربي”. فهو اتخذ قالباً إنسانياً عاماً، وأُقرِنَ بألم العاشق أو الغريب، كما تجسَّد في أَوجه مختلفة، ناورت كلها للوصول إلى المحطة النهائية: الفلسطيني المدفوع إلى الخارج، إن لم يكن المطرود. فهو اغتراب في الهوية وانفعال داخل مأزق الانتماء، كما هو اغتراب عاطفي، فَقْد للحبيبة، وفيه استحضار بطبيعة الحال لمناخ هذا الحب وبيئته، أي المكان وظروف تشكل الذاكرة: تفاصيل اللحظة. لهذا، فإن درويش عكس ذاتاً ثائرة، غنائية، غاضبة، متلهفة، كل هذا في لغة تبوح وتستعرض حال الإنسان البائسة، بدون أن تبالغ في صنع جماليات شعرية فائقة. فالأولوية للألم، للقضية، لا للشعر، أي أن الكينونة الأولى هي الذات، وليس الفن الكتابي. درويش لم يكتب إلا وفقا للتفعيلة، والقافية، والغنائية الموسيقية والإيقاع الظاهر، وهي عناصر لم تكن لتفيد القصيدة في شيء لولا قدرة الشاعر الشاب آنذاك على تطويع اللغة الشعرية بعبارات سهلة ومن دون الغوص في إبهامات جافة. وضع القارئ أمام علاقة شائكة: فالحبيبة من جهة، والأرض من جهة أخرى، وهما قطبان كلاسيكيان، طغيا على قصائد العديد من الشعراء العرب الذين سبقوا درويش. كانت الأولوية بتظهير الأولى، فيما اقتصرت الثانية على قيمة بوصفها ناتجاً نهائياً ضخماً وثقيلاً، لا بد وأن يلقي ظلاً ما على الحبيبة، ليشيحها او يذوبها كرمز من رمزياته. “أوراق الزيتون” قدَّمت محمود درويش كشاعر رومانسي، لكن بألم مضاعف. فهو مكسور بين الحب والبلاد، الحضور والاغتراب، الذاكرة والحاضر، والنسيان والتمدد في مكان متخيل. لكن نبرته رغم هذه الأثقال، ظلت غنائية، فيما لم تستحوذ نصوص المجموعة على صياغات حد الإذهال أو المفاجأة. العلامات المبكرة لشعريته تجلت في قدرته على تطويع اللغة في التفعيلة والتعبير بوضوح شديد أحياناً كثيرة، كما كيانيته كشاعر بعيداً عن القصيدة نفسها، بحيث أن احتكامه لقافية لا يعني انصياعه التام لها، كقاعدة نهائية، إذ يختتم الكثير من قصائده على نحو مفاجئ وراديكالي يخرج عن تناغم الأبيات السابقة موسيقياً، بل يبدو، إذا ما عُزِلَ عن جسد القصيدة، وكأنه جملة عابرة لا تعني أكثر من وصف قصصي “ما زال في موقدكم حطب/ وقهوة.. وحزمة من اللهب”.

كانت قصيدته تتمدد نحو النفس المجهَّزة أصلاً بعذاب اللجوء، لتكشف عن عذابات في العاطفة، والقلق الوجودي، وعطف الأنا على الأممية، ومبالغة في استعراض الألم، كضربة كف على وجه الماء. فبسيكولوجيا الشاعر في “أوراق الزيتون”، هي بسيكولوجيا غير عملاقة، ولا رئيسة، ولا هي تمثل المحور الأول للقصيدة، وإنما تأتي في سياق عملاني كأضحية، أو تأملي، أو تفصيلي للفقد العام، أو الخسارة الكبرى. كان واضحاً أن محمود درويش في قصائده الأولى، استدار نحو غربته أولاً كفرد مسحوق وعنيد، لكنه أيضا فرع للهوية الفلسطينية، ومستوعب يستطيع فيه رسم القصيدة الرومانطيقية، اليسارية الاتجاه عامة. قصيدة تخترق الخسارة وتنفذ إلى الموت كمصير سوداوي وشبه محتوم، لكن لا بد منه. لذلك، يكون التحدث عن الموت كوسيلة للتحرر، وإفداء الأرض، العائلة، الحبيبة، القلب، الوطن. وفي ديوانه الأول، سيجمع العديد من النصوص الشعرية التي يغض الطرف عن الأنا، بوصفها السؤال الأول، ليتمدد هذا الأمر نحو مساءلة الحبيبة، بوصفها الكائن المخاطب، وبالتالي العلة التي تبرر كل شعرية العاشق المعذَّب، الذي تطل كتفه على أرضه البعيدة المسلوبة. وهو ألزم امرأته بهوية محددة، هوية اشترطها الشاعر كما اشترط الظرف الذي يُضيئها هو فيه، ليمددها أو يقلصها بحسب توتر النص “رأيتكِ أمس في الميناء/ مسافرةً بلا أهل.. بلا زاد/ ركضت إليك كالأيتام/ أسأل حكمة الأجداد:/ لماذا تسحب البيّارة الخضراء/ إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناء/ وتبقى رغم رحلتها/ ورغم روائح الأملاح والأشواق/ تبقى دائماً خضراء؟” (“عاشق من فلسطين”). فجمالها مثلاً، ارتبط بتغرب الشاعر ووحدته، أما إعلاء صورتها فجاء كتشديد على إعمال المفارقة بين حاله كشاعر عاشق، ومعناها كامرأة تتحرك في الوطن ويتحرك الوطن في صورتها هذه. غير أنه أبقى عليها صورة منفردة في العالم، مصغراً التفاصيل، ومضخماً ظرفها الإجتماعي الذي احدثته النكبة. قدم درويش قصيدة مقاومة في المحصلة، أريد لها أن تحمل دلالات على أسى مضبوط، وأن ترد صوت الشاعر إليه بعد أن يجوب في الوطن والحبيبة وإشكالية المكان. ولعل المفتاح الرومانسي الذي لجأ إليه درويش، جعل صوته يأتي ممزوجاً بنبرة الطبيعة، برموزها، وبما تستطيع هذه الطبيعة أن تحمله من ملحمية مخفّفة كما في قصيدته “صوت وسوط” والتي يبدأها بـ “لو كان لي برج/ حبست البرق في جيبي/ وأطفأت السحاب” لينهيها بانفعال غنائي أوضح “لكنّ صوتي صاح يوماً/ لا أهاب/ فلتجلدوه إذا استطعتم/ واركضوا خلف الصدى/ ما دام يهتف: لا أهاب!”. ومن هنا، نشير إلى تكرار مفردات في شعره كـ: الدم، البرتقال، الريح، القيثارة، النار، لاجئ، المطر، العاصفة، الزيتون، الضوء، النبع، الغريب، الأزهار، القمر، الرغيف، الصليب، القمح، السنابل، الذئب، الغابة، العيون السود.. إلخ، مشدداً في الغالب على صورة مُغنّ يجوب الشوارع معذباً وباحثاً وناثراً حبه.

هذه المعالجات الرومانطيقية للوطن اتكأ فيها درويش على استحداث مسافة نفسية أو سياسية، بينه وبين فلسطين. مسافة، كانت ضرورية له من الناحية الشعرية كي يعزل أولا الجوانب غير اللازمة التي تحيط بكل من النقطتين الأساسيتين: الفرد – الوطن. ثم كي يحوِّل هذه المسافة إلى خيط تنجدل حوله كل المعطيات الفيزيائية، للمكان والزمان، التي تخدم مهمة واحدة: تصوير حنينه لفلسطين بأعلى كثافة عاطفية ممكنة. كان بديهياً أن تقوم علاقته بالوطن على أساس التضخيم. أي أن ينفخ الشاعر صورة فلسطين، كبلاد غير مُنالة، تزامناً مع نفثه النار في جرحه كلاجئ فلسطيني، مبيناً للعالم، كل القروح المتوارية تحت الجلد وكل الاهتراءات الصوتية التي تنسل من الابتسامة. كانت علاقة درويش بالوطن علاقة التباس، مقامة على أسس عاطفية، ساذجة إلى حد ما، وانفعالية وثورية ووجودية، وحتى عدمية. إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يشيَّد منصته الشعرية على أرضية سياسية لزجة، تتكوَّن تربتها من خليط إشكاليات الأنا والمواطنة والهوية والانتماء والجذور. فهناك محمود درويش الفلسطيني، ومحمود درويش المواطن المنتمي إلى أقلية عربية في دولة عبرية مستحدثة، ومحمود درويش حامل وثيقة ورقية (الهوية الاسرائيلية) يشترطها واقع أن هناك احتلال وأن ثمة دولة سلبت شعباً أرضه، وهناك أخيراً محمود درويش الفرد، المحكوم بحسب الطبيعة الإنسانية للبشر، بمخالطة أصدقاء وزملاء إسرائيليين سواء في المدرسة أو الشارع أو حتى حزب راكاح الشيوعي الاسرائيلي الذي انضم إليه باكراً، من دون أن يتنازل عن حقه السياسي بالدفاع عن فلسطين من داخل أروقة المجتمع الإسرائيلي نفسها. خلاصة هذه التشعبات أن درويش أخذ يبحث، في شعره، عن وطنه فلسطين داخل فلسطين المعدلة جينياً بسبب قيام دولة اسرائيل كنظام عسكري واجتماعي وعقائدي وديني.

 إلا أن هذه الانسلاخات عن الهوية الفلسطينية، كانت دوماً الدليل إلى نوستالجية درويش وبكائياته حول الوطن، في أول مجموعتين شعريتين له. وهي تشظيات لم ينتج عنها قبل قصيدة “جندي يحلم بالزنابق البيضاء” (ديوان “آخر الليل” 1967) ما هو خارج التزام المواطن البديهي ببلاده. فالوطنية ظلت مسألة مادية، مسألة التزام، يفرضها بعد تربوي، ويعززها واقع نهائي بوجود محتل، وهو واقع لشدة قسوته، يكون بعيداً عن أي نقد فلسفي أو تاريخي أو اجتماعي. لذلك، اقتصرت صورة الإنسان في كتابيه الأولين، على صورة الفلسطيني، صاحب البلاد، والأصل. وقد استبعد دوريش كل ملمح محتمل لإنسانية العدو، إذ كان عليه أن يمتثل لواقع أرض محتلة يتعاطف معها إنسانياً ويسارياً، تعاطف يمر بتعاطفه مع ذاته كمحمود درويش اللاجئ. لذلك، احتكرت الضحية المشهد، ولم يعط الفرصة لأي صوت بأن يختلط مع صوتها. فكان على صوتها أن يجيء موسَّعاً، ممدداً في الطبيعة والفضاء والموت والحب والغضب. ذلك قبل أن يقدم درويش صورة مغايرة للعدو، وتحديداً منفِّذ هذا العداء، أي الجندي الإسرائيلي. فـ”جندي يحلم بالزنابق البيضاء” والتي يتحاور فيها الشاعر مع جندي سئم الحرب، تبدأ بسؤال حول معنى الوطن “يحلُمُ بالزنابق البيضاءْ/ بغصن زيتونِ/ بصدرها المورق في المساء/ يحلمُ، قال لي، بطائر/ بزهر ليمون/ ولم يفلسف حلمه.. لم يفهم الأشياء/ إلا كما يحسّها.. يشمّها/ يفهم، قال لي، إنّ الوطنْ/ أن أحتسي قهوة أمي/ أن أعود في المساء/ سألته: والأرض؟/ قال: لا أعرفها/ ولا أحس أنها جلدي ونبضي”. هنا، ينزع درويش، أو يؤجل بالحد الأدنى، صورة الفلسطيني الثائر والعاشق الحزين، الذي ندخل إلى قصيدة عبره، فلا نلمح أثراً لذلك الخراب الذي شدد عليه درويش في بداياته سواء كان خراباً بسيكولوجياً أو بدنياً للاجئ، أو خراباً مجازياً متمثل بفوضى الإنتماء والارتباك اللذين يعانيهما سكان الأرض المحتلة. في هذه القصيدة، يتحول الصوت من كونه صوت الأنا إلى صوت الآخر. ويصبح الكائن المُحتل هو المرجعية، وإن ببعد عاطفي، لتبيان العلاقة الشاذة، أو غير السليمة، مع الأرض. درويش أنحى جانباً المكوِّن الثوري لقصيدته، ليعتمد على قراءة غير عالية النبرة للواقع الفلسطيني، ومن عيني جندي اسرائيلي هذه المرة. انتقال حاد من صيغة الإنسان – الضحية إلى صيغة الإنسان – الجندي، لم يكن مستنسباً إلى خصوصية فلسطين، بل آثر درويش أن يمدد معنى الوطن في شروط إنسانية مجردة من جغرافيا المكان ودلالته المعنوية ورمزيته الخاصة الدينية. يؤدي ذلك إلى تشابك الملامح المكونة لمفهوم الضحية مع بعضها البعض. فالجندي، كالضحية، يحلم، يريد زنابق بيضاء، ولا حاجة لضعفاء يقتلهم. ولعل الشاعر قلص فكرة الوطن إلى حدود الفهم الفردي غير الإيديولوجي “ولم يفلسف حلمه لم يفهم الأشياء إلا كما يحسها”. الانسان هنا مينيمالي، غير خارق، خطابه يولد من التعب ويندرج في البساطة. إنه إنسان مرتد على وظيفته، أي على الظروف المؤسسة لحالة الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، وعلى الوحشية، وهو في حاجة لركن يلجأ إليه، واللجوء هنا ليس سياسياً بل عاطفي. أما الأم، فتتواضع صورتها وتؤنسن، إذ هي ليست الوطن مجازاً، بل الرحم الذي خرج منه هذا الجندي إلى العالم. لتنتفي بذلك الأواصر التي تشد الكائن إلى المكان. ويتلاشى ذلك الالتزام البديهي والأفقي بالوطن. فالوطن لا يعدو أكثر من وجهة نظر. وطن مفرغ من المعنى، محاط بالعبثية، ولا يتجاوز في معناه السؤال الوجودي المؤسس لمفهوم العلاقة بين الفرد والهوية، وماهية الانتماء. يحيد درويش في هذه القصيدة عن مفهوم الجغرافيا، ويتحول الأداة العسكرية إلى ما يشبه محراثاً يفلح به بسيكولوجيا الجندي وذاته القلقة ويعرّضها للهواء. إلا أن إرجاع مجمود درويش الأرض إلى إطار الإشكالية، لم يكن ليبلغ مراده دون إرجاعه “عدوه” إلى مظهره الإنساني الأول، إلى مكوناته العاطفية والإنسانية، وإلى التباسات العلاقة مع الضحية، حيث يفرغ فعل القتل الفيزيولوجي من أي غاية ليصبح شبيها بالعدم. عدم ناتج عن صراع ديناميكي، يستعاض به عن ذلك العدم الذي تنتجه فكرة الموت.

وإذا كانت هذه القصيدة تشكل أول خطوة في المسافة التي سيقطعها درويش مبتعدا عن شعر البدايات المنبري واليساري الهوى، فإن قصيدة “قاع المدينة” (العصافير تموت في الجليل – 1969) ستحمل أولى سمات التجريب لدى ابن البروة، وإن في الشكل على الأقل. فقد أدخل الشاعر توزيعاً صوتياً في القصيدة، فتح له باباً لتوسيع سينوغرافيا رمزية الموت والنضال والثورة. بذلك تخلص درويش من التزام بالصوت الأحادي في القصيدة، أو بالعمود الفقري الواحد. وسيهيئ له هذا الأمر ابتكار اسلوب شعري يجمع بين متتاليات حسية وبصرية من جهة، وأخرى رمزية، رباطاً بينهما بفعل وحدات لغوية أو مفردات، تعمل كمفاتيح سرية أو كأقفال “تتفجرين الآن برقوقاً/ وأنفجر اعترافاً جارحاً بالحبّ: لولا الموت/ كنت حجارة سوداء/ كنت يدا محنّطة نحيلة/ لا لون للجدران:/ لولا قطرة الدم/ لا ملامح للدروب المستطيلة/ (والعائدون من الجنازة عانقوني/ كسّروا ضلعين/ وانصرفوا/ ومن عاداتهم أن يسأموا/ لكنهم كانوا يريدون البقاء /خرجت من جلدي/ وقابلت الطفولة)”. كانت هذه أولى العلامات الدالة على قدرة درويش اللغوية من جهة، وامكاناته في ابتكار جماليات في دائرة التراجيديا نفسها. وإن لم نجرؤ على القول بأن درويش بلغ حالة متحررة بالكامل من سلطة التراجيديا وإيقاعها الرتيب، فبإمكاننا القول بأنه، على الأقل، وسع محورهذه التراجيديا شيئاً فشيئاً، ذلك أن درويش يتحرك وسط الموضوعات الثابتة نفسها (الحب، الموت، رمزية الجلجلة والصلب، الدم، الأغاني) وقصيدة “قاع المدينة” ستكون في مجملها نموذجاً مصغراً جداً وخجولاً ربما، عما سيكتبه الشاعر عام 1983، ونعني قصيدة “مديح الظل العالي”.

ولعل الموت هو القطبة السرية في قصيدة درويش. وهي المحور الذي ظل دوماً يستفزه، لا بوصفه مفهوماً ميتافيزيقياً، بل كحالة تضمه إلى المأساة الإنسانية العامة. ربما لتجاور الشاعر مع نسخ عديدة من الموت خلال حياته، سواء كان موتاً بأسباب نضالية او سياسية أو حتى حيادية. فدرويش يفتتح كتابه “العصافير تموت في الجليل” بقصيدة “لوحة على جدار”، بحيث يتوزع المشهد خارج كادر الجغرافيا، مبتعداً عن خصوصية الحالة الفلسطينية، فلا يسميها، ولا يبثها في القصيدة. الشعر هنا يكون عليه تجاوز المشهد المادي، التصويري، كما النضالي. إنه محاولة لتأمل الموت، كهوية نهائية. لذلك، يحضر المشهد مشذَّباً، مستقلاً عن الأسباب السياسية التي تدفع إلى كتابة قصيدة. مقابل تمسك درويش بالرمزية أو الإبقاء عليها قدر الإمكان، كما فيه احتفاء ساخر بالموت والهزيمة. ما يشد صوت الشاعر إلى أقرانه البشر، لا يعود الحياة، بل الموت. تماثل الجسد مع الجسد، خارج إطار الهوية، حال دخوله السكون النهائي “ونقول الآن أشياء كثيرة/ عن غروب الشمس في الأرض الصغيرة/ وعلى الحائط تبكي هيروشيما/ ليلة تمضي، ولا نأخذ من عالمنا/ غير شكل الموت/ في عز الظهيرة”. وهو إذ يكرر الجمل الثلاث الاخيرة في قصيدته، يبقي درويش على غنائية مقصودة، وهو عامل يضاف لتعزيز قوة جماليات أخرى تتمثل في التزامه التفعيلة والقافية والإيقاع. وهي عناصر قام عليها جسم القصيدة الحديثة (التفعيلة) وكان درويش لا يزال متمسكاً بها، كقانون. ضمنه، يعتمد تدوير المجاز والعودة من جديد إلى صورة الموت، كيقين، ما يمد القصيدة بمناخ هذياني نوعاً ما. وكأن الشاعر أراد إحالة الموت إلى نقطة البدء، لا النهاية. إنه نفخ للصوت الفلسطيني في المساحة الإنسانية “أي جسم لا يكون الآن صوتاً/ أي حزن/ لا يضم الكرة الأرضية الآن/ إلى صدر المغني؟!”.

أما في قصيدة “مطر ناعم في خريف بعيد” فيرتبط الموت بأسلوب الحياة نفسها، أو نمطها المفروض على الفرد. ويلاحظ القارئ تحولاً في معالجات الموضوعات ذاتها (الموت، الوطن). فالشاعر يرفض في هذه القصيدة الموت ذا النمط الواحد، الذي يتقاسمه الجميع كمصير محتوم أسبابه محددة ومفهومة. لكن ذلك يترافق مع ارتداده عن أي التزام بالوطن كمحصلة كبيرة ومطلقة. إنه إعلان درويشي مزدوج ضد التعب.  فما بين حالة الوطن والموت قنوات يتردد فيها الصوت الفردي الفلسطيني إلى أجل غير مسمى “لا تقولي أنا غيمة في المطار/ فأنا لا أريد/ من بلادي التي سقطت من زجاج القطار/ غير منديل أمي/ وأسباب موت جديد”. انعطف درويش في هذه القصيدة بصورة الوطن. لم يعد الوطن الفلسطيني الذي ينبغي النضال من أجله، بل بات الوطن – الشيء. إنه أي غرض قد يستفز الجانب الانساني من الفرد. كان الشعر الفلسطيني بحاجة طارئة إلى إخراج الوطن من كونه مكتب وظيفة، إلى كونه عاملاً معنوياً يستفز جماليات الفرد المخلوع من أرضه. لذلك، لم يعد هذا الوطن مطالباً بتحقيق ذاته ككيان سياسي أو اجتماعي أو حتى تراجيدي، بل بتقمص صورة الأشياء الحميمة (الشاعر يريد “أسباب موت جديد”). درويش يحتفظ بجملة غنائية، لكنها نفسية، تراوح بين المناخ السوريالي الكبير ورمزية التفاصيل.

في عام 1970، سيكون ديوانه “حبيبتي تنهض من نومها” متضمناً قصيدة ستشير إلى وصوله قريباً إلى النثر، ممزقاً البروتوكول الشكل الشعري الذي انتهجه سابقاً. “كتابة على ضوء البندقية” ستشتمل على سياق سردي، قصصي نوعاً ما، بحلة نثرية، مع احتفاظ درويش ببناء تفعيلي مبطن فيها، وموسيقى خافتة وإيقاع صوتي ساكن. في هذا النص، سيحال موضوع الهوية إلى الأنثى الإسرائيلية. وسيسجِّل درويش إشكالية القومية اليهودية وتعقيدات التفاعل الإنساني مع الجار الفلسطيني. هذه المرة، لن يقتصر الامر على موضوع الهوية ككيان تعريفي اجتماعي للكائن، بل سيختار درويش المفهوم القومي، في مقابل التزامات الصراع الحربي والسياسي وحتى العقائدي مع الفلسطيني. ترتسم هوية الأخير ضمن كادر من ممنوعات. ويتم في القصيدة محاصرة وجوده، بتجريد فتاة يهودية من أي حق بإقامة علاقة حب معه. إلا أن درويش، سيظهر هذه الإشكالية في أسلوب ملحمي، مظهراً سيطرة لافتة على اللغة العادية، ومتجهاً لحماية قصيدته من أي انزلاق ممكن في الخطابية الواقعية. لذلك، فإن القصيدة التي تحكي قصة امرأة (شومليت) تنتظر حبيبها الجندي في البار، ستتضمن استعارات عميقة تبيِّن مأزق اليهودي، بين التزامه الوطني الاسرائيلي من جهة، وتراجعه إلى إنسانيته المرتبكة وألقه العاطفي الهش من جهة أخرى. في مقابل ذلك، سيتم تأجيل صورة الفلسطيني، ولن تكون هويته موضوعاً أساساً للمعالجة، بل تفصيلاً يأتي في سياق تعقيدات تحيط به ومحرمات تفرضها المؤسسة الدينية والسلطة العسكرية في آن. يقول درويش في إحدى مقاطع القصيدة، متحدثاً عن شومليت “فجأة عادت بها الذكرى/ إلى لذّتها الأولى، إلى دنيا غريبة/ صدقّت ما قال محمود لها قبل سنين/ كان محمود صديقاً طيب القلب / خجولاً كان، لا يطلب منها/ غير أن تفهم أنّ اللاجئين/ أمة تشعر بالبرد،/ وبالشوق إلى أرض سليبة/ وحبيباً صار فيما بعد/…./ كل قومياتنا قشرة موز/ فكرتْ يوماً على ساعده/ وأتى سيمون يحميها من الحب القديم/ ومن الكفر بقوميتها”. تجرأ الشاعر على معلجة الحالة الفلسطينية من زاوية كان التطرق لها أمراً غير مسموح إلى حد بعيد. وفي هذا النص، يدخل قارئه في دهاليز أسئلة لا تولد إلا من رحم الحياة اليومية المتقاسمة بين الاسرائيليين والفلسطينيين أو ما يسمى “عرب 1948”. فالشاعر يتنازل عن كبريائه العالي كفلسطيني ثائر في قبضته الحق، ويرسم نفسه بدلاً عن ذلك ككائن يومي هش، مضيئاً على أبعاد دقيقة للصراع مع العدو بالزي العسكري، لا المدني اليهودي. أسئلة تركها برسم الحرب، والحب، والواجب والدفاع ومفهوم الوطن واللاجئين، والصداقة والعشق والحاجات العاطفية للإنسان الفلسطيني في مقابل كفاحه الوطني.

في الكتاب نفسه، نقرأ في قصيدة “الجسر” عن ابنة وأبيها وجندي قديم يرفضون البقاء لاجئين تحت علم وكالة الغوث، ويقررون العودة إلى ديارهم تسللاً عبر جسر. يرفع درويش الخطابة إلى مرتبة الملحمة مستعيناً بأدوات لغوية، تبطئ المشهد في حدود قصوى، وبالتالي تتيح الفرصة للقارئ كي يتأمل التناقضات بين عاطفة العائدين ومعوقات واقع الأرض. يرد في القصيدة حوار بين الابنة والأب “قال الشيخ منتعشاً: وكم من منزل في الأرض/ يألفه الفتى/ قالت: ولكن المنازل يا أبي أطلال!/ فأجاب: تبنيها يدان”. وهو ما يذكر بقصيدة درويش “أبد الصبار” في كتابه “لماذا تركت الحصان وحيداً” (1995)، إذ يرد حوار مماثل موضوعه العودة وتفصيله البيت، بين إبن ووالده “لماذا تركت الحصان وحيداً/ لكي يؤنس البيت، يا ولدي/ فالبيوت تموت إذا غاب سكانها”. من جهة أخرى، فإن درويش، الذي يكون إلى الآن أحاط بمسألة الهوية من جوانب عديدة، بات مسلحا ضد وجوب الإلتصاق بظلها الفلسطيني، ما سيمهد له الإنطلاق في مرحلة لاحقة، وإن متأخرة زمنياً (بدءا من عام 1995)،  في موضوعات أنثروبولوجية، واركيولوجيات شعرية للإشتغال على معنى الإنتماء، لا موقعه، لاجئاً إلى قدمية الأرض وأسطورة الصراع والارتباط بالتاريخ والحضارات القديمة التي مرت في فلسطين، بما يتجاوز اللحظة وما تشترطه. فالفلسطيني قد لا يملك صك ملكية مطلق وأبدي لكامل فلسطين، وكذلك اليهودي. إلا أن الأنا الفردية في شعر درويش ستظل مذوَّبة تقريباً في الصوت الجماعي، وهو الصوت الذي سيتسع ليتشظى مراراً في الطبيعة والروح الانسانية والسياسة والبطولة والإدانة. سينتج بذلك درويش لغة تتلاءم مع راهنية اللحظة آنذاك، بالنظر إلى الظروف الاجتماعية والحقوقية التي تغلف شعباً مهجراً بأكمله، والتي تعيد المشهد إلى صفر التحليل. مع ذلك، فإن النفاذ إلى هذا الصوت الجماعي، سيتم في بعض الأحيان فقط بالاعتماد على زاوية الفرد الفلسطيني كما في قصيدة “سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا” (ديوان “أحبك أو لا أحبك” 1972). سيطرق درويش مجدداً على نوافذ الهوية، وبصورة طارئة، باللجوء إلى سيرة حياة سرحان سرحان، الشاب المقدسي الذي اغتال روبرت كينيدي عام 1968 الذي عرف بعنصريته تجاه العرب وبانحيازه العلني للإسرائيليين واصفا إياهم بأنهم مقياس للإنسانية. يحكى أن سرحان صرح قائلاً بعدها “فعلت هذا من أجل بلدي”.

الهوية مرة أخرى، هي المحفز الطارئ، والموضوعة الشعرية الأشد إلحاحاً. وجودها على صفحة الإشكالية العربية الاسرائيلية، سيطوي داخله الفرد الفلسطيني، ليصبح كل موقف يعلنه هذا الفرد أو كل موقف يتخذه صغيراً أو مصغراً أمامها، حتى وإن كان فعلاً يودي بصاحبه إلى زنزانة المؤبد. هي بالتالي القاموس الأضخم الذي لن يفكك فيه التاريخ وشأن الأرض والإنتماء وحسب، وإنما كذلك كل اللواحق العنفية الناتجة عن هذا الوضع. فيها ستفكك كل ردات الفعل الفلسطينية، بوصفها (أي الهوية) الشأن الأكثر قدسية، والغرض غير الممسوس، وغير المسموح بنقضه وإنما بتلمس ملامحه. رغم هذه المنزلة المهيبة للهوية، فإن درويش سيستعين لقراءتها بأبعاد فعل الاغتيال الذي اتهم فيه سرحان. وهو اغتيال سيناتور أمريكي (لا إسرائيلي) تم في الولايات المتحدة (أي خارج حدود خارطة فلسطين التاريخية/ خارج السياج الشرق أوسطي). هذا الواقع سيرد درويش إلى المسافة، جغرافياً هذه المرة، للعمل على تحميضها في القصيدة “ورائحة البن جغرافيا”. لذلك، لن تظهر الهوية ككتلة مضخمة وبارزة مرة واحدة، بقدر ما سيتم جمع ملامح “القاتل الذي قتل قاتله” (هكذا يصفه درويش)، ونثرها في فضاء القضية/ الهوية المنفلشة، ليُدين وبرمزية عالية هذه المرة، قتلاً سياسياً للفلسطينيين. ستشكل الثنائية المستجدة “الفرد- الهوية” الهاجس الأكبر ونقطة بدء جديدة لدرويش، إما لتعريف مفهوم هذه الثنائية، شعرياً وجمالياً وسياسياً، أو للإقرار بإشكالياتها وضبابيتها. تطوِّق هذه الهوية شروط هذه الثنائية التي سيحاول مكوناها الإنفصال أو الإنصهار، بحسب الإيقاع الذي يتبدل شعريا، والأصوات المتداخلة مرارا (الشاعر، الجماعة الفلسطينية، سرحان الحاضر، سرحان الغائب). درويش سيوجد بذلك مناخاً هذيانيا في عمومه، غنياً بنثارات الوطن، أو ما نتج عنه. نثارات تنطلق بحدة في أكثر من اتجاه، كل منها يفحص ببعد خاص، المسافة واللحظة والمصير.

سرحان، الذي يشكل المحور الأول في القصيدة، ستجرد ملامحه من إشاراتها البيولوجية، فهو ليس الجهاز الآدمي، بل الغياب. والقصيدة لا تواجهه مباشرة، بل تقف أمام الأجزاء التي بقيت منه بعد تحويله إلى كائن مجازي، طيف غير خارق بقدر ما هو مرتبك. ففي “سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا” سيقدم درويش صورة جديدة عن المقاوم الفلسطيني. ذلك أن سرحان ليس ضحية بالمطلق، ولا هو قاتل بالمطلق. ستتذبذب صورته بين هذين النمطين. هو الفلسطيني المتملص من كل الأسباب والإيديولوجيات القومية والالتزامات المقدسة بفلسطين والمتورط في الوطن فقط. والوطن بالنسبة لسرحان، قيمة يقينية، ثابتة، غير أنه غير مرئي. بعيد ومتراجع أحيانا لكي يصبح وطنا نفسيا. ودرويش سيحرك قصيدته في ثالوث “سرحان – الهوية – الوطن”، قبل وبعد لحظة اغتيال كينيدي، نافذا إلى الشعب الفلسطيني كنسخة إنسانية واحدة ومجردة يتداعى أمامها الكون، كما يتداعى الصوت الفلسطيني الجهور “وسرحان متّهم بالسكوت، وسرحان قاتل/ وما كان حبّا/ يدان تقولان شيئا، وتنطفئان/ قيود تلد/ سجون تلد/ مناف تلد/ ونلتف باسمك./ ما كان حبّا/ يدان تقولان شيئا.. وتنطفئان/ ونعرف، كنا شعوبا وصرنا حجارة/ ونعرف كنت بلادا وصرت دخان/ ونعرف أشياء أكثر/ نعرف، لكنّ كل القيود القديمة تصير أساور ورد/ تصير بكارة/ في المنافي الجديدة”.

في هذه القصيدة، سيوازن محمود درويش فنياً بين مكونات شعرية عدة بالإبقاء على مستوى عال من الرمزية الواقعية في شعره “وكان يقيس السماء بأغلاله”، خالطاً ذلك بشذرات طفيفة من سيرة حياة سرحان “وسرحان يضحك في مطبخ الباخرة/ يعانق سائحة، والطريق بعيد عن القدس والناصرة” محددا معنى الشاب الذي اغتال السيناتور بـ: اتجاه الوطن. الإنسانية لا تحمل تعريفا معينا هنا، وهي ورطة القصيدة، وغاية درويش ليست بتأطيرها بل بتكسيرها وإفراغها من المعايير الأخلاقية أو الإلتزامات التربوية. إنها مفهوم نسبي، لا يرسو في مربّع، تتدخل فيه الظروف، ويقاس بحسب الزاوية التي تنظر منها شريحة اجتماعية إليه. وفي إدانة سرحان إدانة لمحيط عربي وغربي غير سوي مع القضية الفلسطينية. هي ليست محاولة شعرية للدفاع عن سرحان، بقدر ما هي إعلان صورته ذلك أن إدانته تعني إدانة لصوت الجماعة المتكثف فيه “وفوق سواعدنا/ فارس لا يسلم (وشم عميق )/ وفوق أصابعنا كرمة لا تهاجر (وشم عميق)”. الأنا مرة أخرى، هي أنا الجماعة، وكل مسرح يرسمه فرد يكون متسعا للكل.

وإذا كان سرحان ألزم درويش بإزالة جزء من بورتريه المناضل الفلسطيني لرميه في فضاء السؤال حول الوطن، فلا شك أن الشاعر ألقى القبض على نموذج متطور للفدائي الفلسطيني، وبالتالي لتعقيدات الصراع وتشعباته والعنف السياسي الذي أنتجه بعد هزيمة العرب 1967 (اغتيال بوب كينيدي تم عام 1968 والقصيدة نشرت عام 1972).

لكن قصيدة “مزامير” (يفتتح بها ديوانه “أحبك أو لا أحبك”) حملت علامات مغايرة في النمط الدرويشي على الأقل. فها هو يفاجئ القارئ وللمرة الاولى بإعلان نثريته، قالبا الطاولة على أصول تقنيته الشعرية، نائياً عن سلطة التفعيلة والقافية، ومشدداً على إبراز السرد والجملة غير المغلفة بالموزاييك. يكرر درويش موقعة الوطن في هذه القصيدة، والحبيبة، والذات، في عناصر رمزية وملحمية حاضرة في قصائده السابقة (الزيتون، الريح، الدم، الزوبعة، البلابل.. إلخ.). وكأن كل نص شعري هو اختبار آخر منكس الرأس، للّغة، مقابل فلسطين. كذلك يكرر بحثه عن سبب الموت “أيّها الوطن المتكرر في الأغاني و المذابح/ دلّني على مصدر الموت/ أهو الخنجر.. أم الأكذوبة؟”. عمود القصيدة الفقري يتكون من شريطين مجدولَين، لكل منهما مناخه وإشكالاته: عاطفي متمثل ببوحه عشق الأنثى (بمحفزاته المعنوية تجاه فلسطين) وعقلاني متمثل بالقلق الوجودي الناتج عن شعور دائم بالخسارة. كل منهما يحضر مستقلاً عن الآخر، بصيغة مقطع طويل. وفيما يختار درويش للأول لغة شعرية تفعيلية ذات إيقاع زمني بطيء (وهو ما يقدم لنا شاعراً متأملاً متمهلاً يقرأ العالم بعاطفة رزينة)، يُعتقُ الاخرى في لغة حرة كلياً، نثرية سردية ثاقبة، تصب مباشرة في قلب الفكرة وتنبشها بدون اللجوء إلى مكياج الرمزية المبهمة “أيّها الوطن المتكرر في المذابح و الأغاني/ لماذا أهرّبك من مطار إلى مطار/ كالأفيون../ والحبر الأبيض/ وجهاز الإرسال؟!/ أريد أن أرسم شكلك./ أيّها المبعثر في الملفات والمفاجآت”. هذا التنويع بين أسلوبين في القصيدة الواحدة، والذي يشهده شعر درويش للمرة الأولى، سيتكفل بصنع جماليات التركيب البنيوي، وسيمدها بنكهة خاصة، تعطي الفرصة للقارئ لالتقاط انفاسه.

ديوان “محاولة رقم 7” (1975) تضمن قصائد كان بينها “تلك صورتها وهذا انتحار العاشق”، “طوبي لشئ لم يصل!” و”طريق دمشق”. وهي، إذا صحت التسمية، ثلاثية حملت البشائر التقنية لـ”مديح الظل العالي”(1983)، تلك القصيدة التسجيلية الضخمة التي سيقفل بها درويش مرحلة شعرية والتي تشكل فاصلة في مسيرته من حيث خصوصيتها البنيوية. من القصائد الثلاث نقرأ “أحاصركم: قاتلاً أو قتيلْ/ وأسألكم شاهداً أو شهيدْ:/ متى تفرجون عن النهر حتى أعود إلى الماء أزرقَ/ أخضر/ أحمر” و”أنا ساعة الصفر دقّتْ/ وشقَّتْ / خلايا الفراغ على سطح هذا الحصان الكبير الكبير/ الحصان المحاصر بين المياه/ وبين المياه/ أعِدُّ لهم ما استطعتُ” (طريق دمشق)، و”الطائرات تمرُّ في عرسي/ فاختزلَ الفضاءَ، وأشتهي العذراءَ/ إنَّ الطائرات تمرُّ في يومي وفي حُلمي تمرّ الطائرات/ فأشتهي ما يُشْتَهى/../ لا لون لي/ لا شكل لي/ لا أمس لي/ إن الشظايا حاصرتني/ فاتّسعتُ إلى الأمام/ وصرتُ أعلى من مدينتنا./ أنا الشجر الوحيد”.(تلك صورتها وهذا انتحار العاشق)، و”حملوا مقابرهم/ وساروا في مهمتهم/ وسرنا في جنازتهم/ وكان العالم العربيُّ أضيق من توابيت الرجوع/ أنراك يا وطني/ لأن عيونهم رسمْتكَ رؤيا… لا قضيَّة!” (طوبى لشيء لم يصل). نستطيع من خلال هذه المختارات أن نستشف الأفق المتوتر الذي يضع فيه درويش جملته. وهو يستعين بالواقع المأزوم عسكرياً وسياسياً مظهراً براعة تخييلية في استثمار المشهد البصري ورفعه إلى مستوى خرافي، كحياة يختلط فيها ترتيب الاشياء ولا يعود لأية قوانين فيزيائية (القوانين التي تربط عناصر المشهد البصري ببعضها البعض) أي مسوغ خارج “المنطق الشعري”.

يلاحظ ان درويش تراجع عن الرمزية قليلاً، لصالح واقعية نيئة كان لا بد من الانغماس فيها. فالشعر، يصير ضرباً من الهرطقة والتخاذل أمام المأساة. تغيرت الأولوية الجمالية إذن عند درويش، ووضعت التطورات السياسية على الأرض (لبنان تحديداً) في كفه الأخرى نبرة واقعية قاسية، وتهكمية إلى حد كبير، مقابل ما احتفظ به في اليد الأخرى من شظايا صورة الفلسطيني، كمقاوم ثابت خارج سلطة الزمان والتاريخ والتجاذبات. بدأ درويش البحث عن صورة الأنا الفلسطينية هذه المرة، كمسرح مباشر لصوت القضية، وكعينين تريان العالم العدمي بغضب. لذلك كان لا بد من توحيد القيمتين الإنسانية والوطنية في إحدى مرحل شعره. فكان تضخيم الأنا، عبر تلاحمها بالمكان – فلسطين، أو على الأقل برمز المكان (أي المخيم الفلسطيني) وهو ما سيسجله في قصيدة “أحمد الزعتر” (ديوان “أعراس”- 1977).

في عام 1976، حوصر مخيم “تل الزعتر” (شمالي شرق بيروت) من قبل ميليشيات الكتائب اللبنانية تعاونها بعض الاحزاب اليمينية، مدعومة من قوى عربية إقليمية. قتل الآلاف، وشردوا من مآويهم الركيكة. هُدِمَ المخيم وأبيد بالكامل، وتوزع ما بقي من الفلسطينيين الأحياء على المخيمات الأخرى. كانت المأساة الأولى من نوعها التي تطال الفلسطيني في بلاد عربية. مأساة مزدوجة، انفجرت في وجه الجماعة الفلسطينية – اللاجئين (ومن خلفها الفرد) والمكان المؤقت – المخيم. نسخة ملحمية وحزينة عن الواقع المرير أصلاً أدرجت في روزنامة الفلسطيني. تلاشي الحياة في هذا المخيم، وكل علاماته، دفعت درويش للانتباه إلى عدم فصل “أنا” اللاجئ، عن المكان هذه المرة. فعنوان قصيدته يحمل قطبين هما “أحمد” ويشكل الأنا في حدود المقاتل/ اللاجئ/ العاشق/ وسائل النضال ومسوغاته/ الذكرى/ البيان/ المتجه نحو الوطن و”الزعتر”  ويرمز للمكان المؤقت/ الأسوار/ العزلة/ المخيم الممتد نحو مدن عربية أخرى. “وأنا البلاد وقد أتَتْ/ وتقمّصتني/ وأنا الذهاب المستمرّ إلى البلاد/ وجدتُ نفسي ملء نفسي”. لم تعد الهوية هنا مسألة شعرية للسؤال، ولا إيديولوجية، ولا حتى رمزية، بقدر ما أصبحت يقيناً مكتملاً، هوية مشدودة إلى الألم لا الإشكالية “”. وهو ما شكل انعطافة جديدة في خط درويش الشعري. فالواقع فرض نفسه ورد بشكل طارئ الفرد الفلسطيني إلى درويش لينثره مباشرة في الوطن. كان في القصيدة محاولة من درويش لموازنة الإحباط على الأرض، باستيلاد أسباب أخرى لحماية الطيف الفلسطيني وإعلائه فوق حيثيات هذا الواقع نفسه. هكذا يدخل درويش ويخرج من وإلى النتيجة القاسية والممغنطة، سواء مرغماً أم مطيعاً. “لا وقت للمنفى و أغنيتي/ سنذهب في الحصار/ حتى نهايات العواصم”. غير أن الأنا التي اكتشفها بصيغة جديدة، ستشكل جوهرته الشعرية، فيعيد صقلها مراراً لتأخذ شكلاً متملصاً من أي إطار اسطوري بحت في “مديح الظل العالي”.

ستشتمل هذه القصيدة على تحولات في الصوت وإبراز صيغ وحالات إنسانية لمعالجة علاقة اللاجئ بمنفى طُرِدَ منه (بيروت) وتشريح للبسيكولوجيا الفلسطينية (بين النقد الذاتي والتمسك بثوابت النضال)، حتى ستبدو القصائد الثلاث التي أشرنا إليها في “محاولة رقم 7” وقصيدة “أحمد العربي” (1977) كتمارين لإرساء لغة “مديح الظل العالي”، التي تكشف دماغاً شعرياً قادراً في أصعب الظروف وأقساها (مراحل الحرب اللبنانية بين عامي 1975 و1982) على استثمار الواقع فنياً. فالحلقة الأخيرة من سلسلة العمل الفدائي في بيروت والتي تمثلت بحصار الجيش الاسرائيلي لفلول منظمة التحرير في بيروت عام 1982، لمدة 88 يوماً، واضطرار مقاتلي المنظمة للمغادرة بعدها، وضعت الشاعر في مواجهة معنى المكان الموقت (معنى بيروت الجارة القريبة لفلسطين وأول مدينة عربية يجتاحها الجيش الاسرائيلي، بعد احتلال القدس عام 1967)، مقابل صورة اللاجئ الدائم النزف والمطرود باستمرار والخارق، والمعجون بالتعب والخسارة وبذل الدم واللحاق بالوطن عبر كل البوابات.

في هذه القصيدة، سيبتعد محمود درويش عن الرمزية البلاغية مسافة كافية تتيح له تفحص الواقع الذي أصبح الآن أمام هذه الرمزية بعد ان كان قابعاً وراءها في القصائد السابقة. فخزان وقوده الشعري سيستمد من قوة هذا الواقع الجاهز بكل تعقيداته، سياسياً وإنسانياً. ذلك أن حصار بيروت كان من أقسى الحروب القصيرة الأمد وأشدها كثافة، وأمام هول الحرب المستعرة، كان معنى المنفى يتجدد كل يوم، كسؤال مُلِحّ، المستقبل المجهول كذلك، والألم الذي يتطور في عمقه ليتسع الزمن الحاضر والسابق. كان المعطى البصري الجاهز أبلغ من أن يُستعاض عنه بتشكيلات رمزية فضفاضة مبهمة قد تشتت المعنى وتفتح الباب على تأويلات عدة.

كان هذا تحولاً نسبياً في قصيدة درويش. فقد آثر الشاعر تخفيف النص في بعض مواضعه من الرمزية الثقيلة وتجريد هذه الرمزية من سلطتها وسلخ طبقات المعنى عنها.  لهذا، يعود مبرراً انزلاق درويش في بعض المقاطع من قصيدته إلى لغة خطابية سردية مباشرة استفزازية وعاطفية، تعرّي الواقع بنفضه كما هو، بنسخة بصرية لا مجازية “يبذل الرؤساء جهداً عند أمريكا لتُفْرِجَ عن مياه الشرب/ كيف سنغسل الموتى؟”، أو “كَمْ سَنَة/ وأنا أَصدِقُ أُن لي أُمماً ستتبعني/ وأنكِ تكذبين على الطبيعة و المسدَّس/ كَمْ سَنَة”.

وانشداده إلى عصب الواقع كرجل يسند ظهره إلى لوح تخرج منه مسامير صغيرة، دفعه إلى بناء القصيدة كخريطة شعرية لتجربة الفلسطينيين في بيروت (بين عامي 1970 و1982)، والسياسات التي تلاعبت بالثورة الفلسطينية أو مهدت لتحويل مسارها، دون أن يلتزم خطاً كرونولوجياً “هذه الصحراءُ تكبر حولنا/ صحراءُ من كل الجهاتْ/ صحراءُ تأتينا لتلتهم القصيدةَ والحساما”. فالفدائي في أعلى درجات الواقع لا يعود خارقاً، بل كائناً قابل لارتكاب الخطأ واشتهاء ما يريد “لم تسمعيني جَيِّداً لم تردعيني جيداً لم تحرميني من فواكهكِ/../ حريتي فوضاي/ إني أَعترفْ/ وسأعترفْ/ بجميع أَخطائي، وما اقترفَ الفؤادُ من الحنين”. غير أن التورط شعرياً في تظهير اللحظة بكل عوراتها، سيقابله انسحاب حاد إلى موروثات تاريخية واجتماعية ودينية تفسر هذا الواقع من جهة، وتثبت، ولو شعرياً، بأن الفلسطيني الحجر الأكثر طزاجة في الطريق المعبد بالنضال. وكأن درويش أراد قياس العصر الخاص بأدوات الكل. وقياس العلاقة ببيروت في إطار محدد “وحدي أدافع عن جدارٍ ليس لي/ وحدي أدافع عن هواء ليس لي/ وحدي على سطح المدينة واقفٌ/ أيوب ماتَ وماتتِ العنقاءُ، وانصرفَ الصَّحابَة وحدي/../ كم كنتَ وحدكَ تنتمي لقصيدتي، وتمدُّ زندكْ/ كي تُحوِّلها سَلالِمَ، أو بلاداً، أو خواتمْ”. غير أن ذلك كله، لم ينأى به عن أسس صورة الفدائي، في ثوابت عقلانية تجلت إما بالتشديد على مقاومة العدو، ضمن واحدة من أجمل صوره الشعرية “حاصِرْ حصَارَكَ.. لا مفرُّ/ سقطتْ ذراعك فالتقطها/ واضرب عَدُوَّك.. لا مفرُّ/ وسقطتُ قربك، فالتقطني/ واضرب عدوكَ بي.. فأنت الآن حُرُّ”، أو عاطفية كمخاطبته للجيل الفلسطيني الثالث “نامي قليلاً، يا ابنتي، نامي قليلا/ الطائراتُ تضُّني. وتعضُّ ما في القلب من عَسَلٍ/ فنامي في طريق النحل/ نامي قبل أن أصحو قتيلا”.

الدلالات الرمزية دينياً والتي تمسَّك بها، ضمت أورشليم وأشعيا (نبي في الديانة المسيحية. أطلق سنة 734 نبوءة عن العذراء وعمانوئيل ومولده. وهاجم الوثنية والكفر. وقد روي أنه قضى في القدس، بعد أن شطر جسمه إلى شطرين). يقول درويش “أُنادي أشعيا : أخرج من الكتب القديمة مثلما خرجوا، أَزقَّةُ أورشليم تُعَلِّقُ اللحم الفلسطينيَّ فوق مطالع العهد القديم”. كما أورد عبارات من مثل “الله أكبر”، و”إقرأ باسم الفدائي الذي خلقا” (المحرّفة عن آية قرآنية تقول “إقرأ باسم ربك الذي خلق”)، وأمكنة من مثل يثرب (كمرجعية معنوية للعرب والاسلام) وهيروشيما وصبرا وشاتيلا “صبرا هوية عصرنا إلى الأبد”. وهي دلالات استرشد بها لتوثيق خصوصية الهوية الفلسطينية بجذر ثقافي ديني عام. وبالتالي زرعها في معنى أعلى، مرتبط أساساً بالخلود، كتعويض عن الخسارة السياسية على أرض الواقع، كما ولإدانة المحيط المعني بصقل الوجع الفلسطيني حتى ذلك الوقت.

مازن معروف شاعر الألم الفردي

ينحاز الشاعر الفلسطيني مازن معروف في مجموعته الشعرية الثانية «ملاك على حبل غسيل» الى رؤية الواقع من حدقة الغرابة. إنه يفعل ذلك منذ العنوان الذي يأخذنا نحو ملامسة تستعير الغرابة للدلالة على لا واقعية ما نرى وما نسمع من كلّ ما حولنا

مازن معروف في «ملاك على حبل غسيل» (منشورات رياض الريس – بيروت – 2012) يقترب من «قصيدة التفاصيل» ولكن بروح أخرى ورؤى مغايرة. القصيدة هنا تتأمل شواهد الواقع فتراها في جزئياتها أكثر من اهتمامها بجزئيات الأحداث السَردية. هي بهذا المعنى شهادة حدقة تعيد بناء ما تراه على هواها، وهو هوى يزيح الصورة الشائعة، ويؤسس لتفاصيل أخرى يراها الشعر وينتبه الى فسيفسائها

على طرف الباب

تتكئ سلّة المهملات الصغيرة

في غرفتي

يبتغي مازن معروف «لوحة»، فيؤسس مفرداتها بصور شعرية، لكنه سرعان ما ينطلق منها الى ما هو حميم وشخصي، فالواقع والروح الفردية يتبادلان الفعل، يفعلان وينفعلان، على نحو نجد القصيدة معه مثقلة بحزن شفيف

جثتي الرطبة

أكوّرها بحنان بين يدي

ثم أجففها

بآخر نفس زفرته قبل أن أموت

في «ملاك على حبل غسيل» يضم مازن معروف صوته الى عدد من الأصوات الشعرية الفلسطينية الشابة التي تتنكّب عن تقليدية الانغماس المباشر في بانوراما التراجيديا الفلسطينية، وتذهب بدلاً منها نحو قراءات روحية لأحزان الفلسطيني واغتراباته الفردية وعصف الوحدة في أركان روحه. هي معادلة أخرى، مختلفة تماماً، بل إن الشعر خلالها يختبر جدارته في تعبيريته بجماليات فنية كما برؤى المخيلة وأفكارها:

عندي حلم بسيط

أن أصنع كوكباً آخر

يتسع

لجميع أعدائي

أسبقهم إليه

وأسكنه موقتاً

نقضم قطعه اللذيذة حين نجوع

القطعة الأخيرة منه

القطعة الأخيرة فقط

تستحقُ أن نتقاتل

لأجلها

ننتبه هنا بالذات الى قصائد تتخفف من ثقل الغنائية التقليدية في الشعر الفلسطيني «الوطني». أعني هنا احتفال الشعر بما هو حميم وخاص ينزُّ بالتأكيد من وجع المأساة الوطنية، ولكنه لا يبتغي تصوريها في عموميتها. ليست القصيدة هنا «بانوراما» الحدث الوطني، ولا سردية تروي تفاصيله، بل تحقق دورها في انتباهها الشفيف الى المحنة الفردية. سأقول إن «ملاك على حبل غسيل» لا تبحث عن بطولة من أي نوع، فالحدث العام الذي قبض طويلاً على روح الشعر الفلسطيني ونصوصه لا يلبث هنا أن يخلي مكانه لاستقراءات عميقة لكل ما يحدث

في المجموعة شغف بالرَسم: هنا بالذات يستعيد الشعر لياقته إذ يعود إلى حقائقه الأولى، أعني العلاقة الفاعلة بين أفكاره وبين ريشة الفن المسكونة برغبة التعبير من دون الارتهان إلى أية «ضوابط» تنتمي الى النقد التقليدي الوفي لتقليدية الشعر

أدرك

أنني لم أعد طفلاً

لهذا السبب

الدب الذي احتفظت به

كل تلك الأعوام

سألقي به من نافذة الدور السابع

بلا رأفة

محتفظاً فقط بالحبل الرقيق الذي خاطه أحدهم

فوق وجهه

على شكل ابتسامة

ذلك الحبل

أظنّ أنني أحتاجه

قرأت مجموعة مازن معروف «ملاك على حبل غسيل» فأعادتني إلى روح تجربة شعرية فلسطينية رائدة لم تعد متداولة كثيراً هذه الأيام، هي تجربة الشاعر الراحل توفيق صايغ. لا يتعلق الأمر هنا بتشابه أو تناص من أي نوع أو درجة، ولكن تحديداً باحتفال القصيدة بما هو شخصي، حميم وإنساني «خالص»، وبما يجعل الشعر تعبيراً فنياً حيوياً عن غياب التوازن في حياة تطفح بالألم والاغتراب

مازن معروف يزجّ قصيدته هو أيضاً في حرائق الروح، والتي كانت تبدو حرائق «صغيرة» وشبه هامشية، ولكنها على رغم ذلك تناسب الشعر وتليق به

انها قصائد التجربة الثانية لشاعر شاب يحمل صوتاً خافتاً يصلنا ونسمعه بحب

جريدة الحياة – راسم المدهون 25/7/2012

 

 

 

ملاك على حبل غسيل مازن معروف

يهمني رأيي
بالأشياء التي لا أهتم لها
يكتب مازن معروف في إحدى قصائد مجموعته الشعرية، “ملاك على حبل غسيل”، الصادرة عن دار رياض الريّس – الكوكب، متبعا ً هذا الإهتمام في نصه المفتوح على إصطلاح يومي مهمل وقاموس صوري، يحصل على مفرداته، في أغلب القصائد الستين، من مهملات شيئية يستخدمها الشاعر في تحطيمه أنساق الإستعارة التقليدية، وفي محاولته بناء أو ترتيب الأشياء المهملة والمتروكة على مكبات اللغة الصارمة في براديغم شعري، يتحدى به قساوة العيش، ويطرحه على طاولة التشريح في غرفة عمليات نصية، الحياة مريضة فيها، والشاعر طبيب يمارس الجراحة متألما ً لأنه لم يخدر جسده، الذي سيقذف به، في قصيدة “بنج”، في دلو هو بديل رحمي يرسمه في زاوية الغرفة، ويخرج منه مُصابا ً بدوخة تُنسيه أنه يحيا وهم طلاء الجدران الأزرق، الظاهر في تردد شعري، كمد وجزر البحر، يؤخره عن حسم أموره في خطوة واحدة، والإقتناع بالمكوث كسمكة في دلو أو ككائن في رحم، قبل أن يدرك “بأن المسألة/ خطأ في احتساب قوة الدعسات التي صدقت أنها أسماك/ مولودة حديثا ً/ خلف الباب
يتخلص الشاعر من الألم بالألم ذاته، “ألم أنيق كالطبشور/أستعيده لتكوين الصور السابقة”، ويتغلب على ضجره بضجره،”تعلمت مؤخرا/ أن أحب ضجري/ حتى أنني سجلته على كاسيت”، ومن فراغه يصنع لغة جديدة، بعيدة عن التكلف والمبالغة، باحثا ً عن تضميد جروحه تارة ً ونبشها تارةً أخرى. لذا لا نستغرب إذا رأى في تخطيه مرحلة الطفولة إزدواجية شعورية، تُظهر إبتسامة اللُعبة كحبل الإنتحار شنقاً: “أدرك أنني لم أعد طفلا ً../ لهذا السبب/ الدّب الذي احتفظت به/ كل تلك الأعوام/ سألقي به من نافذة الدور السابع/ بلا رأفة../ محتفظا ً فقط بالحبل الرقيق الذي خاطه أحدهم/ فوق وجهه/ على شكل إبتسامة/ ذلك الحبل../ أظن أنني أحتاجه”. في أحيان كثيرة، يختار الشاعر التنكيل بألمه العبثي، ساخرا ً من بداية تدور حول “مزيج مشكَّل من الضمائر” لأنه شخص نباتي، لا تلائمه الكانيبالية في القصيدة، ومن نهاية لا تقول “الأكثر كذبا ً من الشعر” وتخفف عنه عبء تلوين الحياة،”لأكون رجلا ً/ يألفه الضجر/ يلزمني/ علبة تلوين”، في انتظار مجيء الموت، “وهو أمر لا يّهم/ مجرد تسلية/ بإنتظار/ شيء عادي تماما ً”.

لا يترك معروف مجالا ً للشك في تصميمه على تمزيق الواقع وإظهار بشاعته المختبئة وراء جمال زائف، إذ ذهب بقصائده إلى حدّ الإنخطاف، متجاوزا ً إستطيقيا التشبيه المنطقي ومشددا ً على المعنى الهرمنوطيقي في تناول المألوف وجعله غريبا،ً “الأنتينات المصنوعة/ من عواميد فقرية سابقة../ القمر الأبيض/ الذي يمكن تفتيته/ وتحويله إلى مغاسل../ الطحالب تحت إظفر الأميرة../ الأسنان المزروعة/ كشواهد قبور/ في اللثة السفلى/ اللسان الميت / كشال”. ومع غياب مؤثر التغريب أو منهج التأثير الإغترابي على غرار النص المسرحي، يتورط القارئ في النص ويستسلم للإيهام الشعري. على هذا النحو، تقرأ قصيدة معروف بحالة حياتية متقطعة، تجمع الرعب والقساوة والكارثة، وتتقاطع داخلها النزعات التجريدية وتلك الخاضعة لترانسفير نفسي أو لمزيج بيو- شعري: “صوتي/خبز حاف/أحلم بتوزيعه على أعدائي المنهكين” أو”في كاحل كل منا/ ملليغرامات زائدة../ وزن الخطوات التي لم نقم بها بعد”.

يضاعف الشاعر المشهدية الواقعية، ويضعها إلى جانب مشاهد نصية غير شارحة، تعري الذات من خشونة الأوهام المحيطة بها. ليس في المضاعفة الشعرية أي أسلبة تعويذية أو إعتباطية دلالية من أجل إقحام التداع الحر نصيا ً والحفاظ على التناسق الشكلي في الإستفادة من المبتذل، بل يظهر التناغم في تجاور العبارات وتأليف اللقطة حتى لو بدت ملبدة شعرياً “تخيّلي معي/ طفلا ً/ يقف إلى جانبه طفل/ خلفه طفل/ بجانبه طفل آخر/ وأمامه طفل/ إلى آخره من الأطفال../ تخيلي/ يقفون جميعا ً/ ويطقطقون عظم أصابعهم الضعيفة/ في وقت واحد../ ألا يشبه هذا/صوت المطر؟”. وراء هذه المشهديات، خفة يُراد منها خلق إيقاعات شعرية تتنوع حسب الصدمة الإستلابية التي تحمل الشاعر على التعلق بحبل سري يربطه مع أم، بالكاد تغيب عن النص، كرمز يريد الشاعر إزالته، “أرفع أول هدية ربحتها في السحبة/ بها أشتري محّاية/ لأزيل وجهها/ وجه أمي/ أزيله بالكامل/ مبقيا ً على التجاعيد في الهواء”، وقص الحبل السري كي يصير ملاكا ً خفيفاً على حبل غسيل، بإمكانه أن يتخلى عن شريان يابس أو زيحا ً دماغيا ً للحاق بالموت أو للفت إنتباهه، بصورة شعرية تدجنه، تتلاعب بحقيقة مكانه، وتهدي الميّت بالونا ً يحمله إلى خارج القبر، “الموتى/أكثر من يفكر بإقتناء بالون/ نظراً / لثقل وزنهم/ الذي جعلهم يخترقون التربة/ بضعة أمتار/ ويمكثون هناك”، أو بدلة غطس تحميه من الإختناق تحت التراب “رجل يحمل زريعة/ يتدلى منها رجل/ تتدلى منه/ زريعة/ ثم رجل/ ثم زريعة/ فرجل../ فزريعة/ فرجل يرتدي ثياب غطس/ ويبقبق/ تحت التراب”.

يصر معروف على تهديد الزوال بالقصائد التي سيكتبها بعد رحيله إلى ضفة السر الأخير، و”كلها ستكون حول/ المرة الوحيدة التي استقلت فيها أمي قطارا ً/ مستمتعا ًيتصفيق متخيّل/ لذات الأكف/ التي لوَّحت لها”. كأنه رغب، في تلك المرة، أن يركب القطار إلى جانب أمه لكنه وصل إلى المحطة متأخرا ً عن الموعد، فتشكلت عنده عقدة ذنب شعرية يترجمها في قصائد، ما هي إلا صفير قطار ينتظره “برفقة جاك بريفير/ على المقعد الخشبي الأول قرب محطة كولونيل فابيان”، لكنه لا يأتي ليعيد ربط الإبن بأمه بـحبل جديد: “لكنها حتى لو أتت/ وأخرج من محفظته فراشة/ وأخرجت من سنها المكسورة/ حبل إطفائي/ وربطا الفراشة بالحبل/ وصفق الساحر في نفس اللحظة بيديه المجعدتين/ فإنك لن تستطيع حل معضلة/ أنْ لا أحد هناك/ قرب محطة مترو كولونيل فابيان/ ليبدي إعجابه”.
لا يهم الشاعر رأيه بالأشياء المهملة فقط، بل يهمه رأي هذه الأشياء ببعضها البعض، أن تبدي رأيها بلغتها الخاصة، “رأي مدفع رشاش/ بالذبابة/ رأي جهاز ريموت كونترول/ باليأس”، كما يهمه رأي شعراء فلسطين بالبحث عن استعارات ورموز جديدة، نجدها في حياتنا اليومية، “يهمني../ رأي الشعراء الفلسطنيين بالفستق الحلبي/ بدل الزيتون”. هكذا يهم مازن معروف أن يغني نصه بقاموس شعري جديد، وبمعالجة حديثة لموضوعات الغربة، الحب، الوحدة والموت وغيرها، “يهمني كل هذا/ كل هذا.. بهمني/ مع أن لا علاقة لي/ برأيي

روجيه عوطة – الغاوون

مازن معروف.. السريالية والغربة والتنظيم الميكانيكي

بيروت (رويترز) – اذا كان من بعض تحديدات الشعر الغرابة واحداث مفاجآت في نفس القارىء مع ما قد يخلقه ذلك من لذة غريبة في نفسه فلا شك في ان مجموعة مازن معروف “ملاك على حبل غسيل” قدرا لا بأس به من الشعر

قصائد الشاعر والصحافي الفلسطيني المولود في بيروت مازن معروف تحفل بأجواء سريالية وبغرابة غير عادية تبدو احيانا كأنها مقصودة من خلال تنظيم ميكانيكي يؤدي نوعا ما عند كثرة تكراره الى القضاء على قدر كبير من الدهشة الاولى التي شعر بها القارىء في البداية

العنوان نفسه “ملاك على حبل غسيل” على جمال الغرابة فيه يحمل الى الذهن ما يروى عن “الجدل البيزنطي” وكم ملاكا يمكن ان يجلس على رأس ابرة.

تكاد القصائد كلها تفيض بتلك السريالية والغرابة الى درجة ان القارىء قد يشعر بأن هناك تكثيفا لحال واحدة واعادات في تقاسيم متشابهة تتناول بمنهجيتها الواحدة كل ما تقع عليه العين. ولعل في ذلك ما قد يخفف الشعور باللذة الجمالية التي تعاد اسبابها وتعاد وتعاد دون ان يشعر القارىء بنفس جديد في المسألة

صدرت المجموعة في 150 صفحة متوسطة القطع عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت وتوزعت على 74 قصيدة معظمها قصير. عناوين عدد من القصائد ورد باللغة الانجليزية

القصيدة الاولى حملت عنوانا بالانجليزية هو “باسكت بول” او كرة السلة. وفيها يقول مازن معروف

على طرف الباب
تتكئ سلة المهملات الصغيرة
في غرفتي

جثتي الرطبة
أكوِّرها بحنان بين يدي
ثم أجففها
بآخر نفس زفرتُه قبل أن أموت
وأختار من الدماغ
زيحا متعرجا ونظيف
أضعه على الأرض بعناية
أقف خلفه
وألقي بالكرة التي صنعتها للتو
في فم السلة

مجرد لفت انتباه
إلى أنني
عضلةٌ
تستطيعُ
بحيلةٍ اسمها الموت
قذف نفسها إلى الأمام

من يتوقع مشاعر فياضة وحرارة عاطفية وصورا دافئة فمن الصعب ان يعثر على هذا في شعر مازن معروف الذي يبدو كثير منه كأنه نتيجة عملية “تسلية” فنية تسعى الى ابراز الغريب المذهل في صوره وتراكيبه

القصيدة الثانية حملت عنوانا بالانجليزية ايضا هو “ببل جام” وهو اسم “علكة” شهيرة معروفة بقدرتها على صنع الفقاعات. يقول الشاعر

قد أبصق صوتي
قد يخرج آخذا شكل فقاعة مجعّدة
قد أربط الفقاعة بشريان يابس
يخرج من فمي
وينوصل بالحنجرة
قد أبحث للفقاعة عن سماء
ومن سوء الحظ
قد يحدث أن أجد السماء تلك
عندئذ
قد أثبّت الفقاعة جيدا ً على الأرض
ثم أمنحُها ركلة
ثم يكونُ أن تراني رجلا ً متدليا ً من فقاعة ترتفع في الهواء
قد أسمي ذلك كله
فرح

في قصيدة عنوانها الانجليزي هو “هاند ميد” اي صناعة يدوية نجد انفسنا امام فكرة يود الشاعر ان يقدمها لنا فأوردها بقدر من الغرابة التي يبحث عنها لكنها مع ذلك جاءت تقريرية ميكانيكية باردة. قال

عندي حلم بسيط
أن أصنع كوكباً آخر
يتسع
لجميع أعدائي
أسبقهم ٳليه
وأسكنه مؤقتا
نقضم قطعه اللذيذة حين نجوع
القطعة الأخيرة منه
القطعة الأخيرة فقط
تستحق أن نتقاتل
لأجلها

قصيدة “الغميضة” فكرة اخرى منظومة في قصيدة قصيرة. يقول

لو كانت ﺇصبعي
ممحاة
لأودعت العالم
مكانا آخر
بحجة
أنني ألعب الغميضة

في “باراشوت” يعبر عن حاجة انسانية بشكل حبل في ما لا يخلو من الطرافة. العالم بحاجة الى الابتسامة. يقول

أدركُ
أنني لم أعد طفلا
لهذا السبب
الدبّ الذي احتفظت به
كل تلك الأعوام
سألقي به من نافذة الدور السابع
بلا رأفة
محتفظاً فقط بالحبل الرقيق الذي خاطه أحدهم
فوق وجهه
على شكل ابتسامة
ذلك الحبل
أظن أنني أحتاجه

في “تصويب” يقول

ألا تعرف الفزاعة
أن أحدا
لن يأتي
لاصطحابها
ٳلى المنزل
آخر النهار؟

في “حاجيات” يقول الشاعر

أريد
نملة
تحمل رصاصة على ظهرها
وتتبعني
إلى الحرب
أريد
قمرا ً من أكواع المقاعد
تعلق داخله النظرات التي نرسلها في الفضاء وتضيع عادة وتصبح ثآليل
أريد بغلا
ناقما
لركل أصوات الآخرين المتكمشة
بحنجرتي
أريد متشردا ً يسعل بقوة
في وجهي
لأرتفع
عن
عماي

في “توق دائم” يقول

قلم الرصاص
يحيا وهو يستفرغ أحشاءه على الورقة
هو مثلنا
غير مقتنع
بوظيفته
لذلك
توقُهُ دائما للوصول إلى الممحاة
في الطرف الآخر

وتتكرر الصور ومعظمها لا يتناول مشاعر او حالات نفسية بل مناظر اعادت نفس الشاعر صوغها في اشكال جديدة غريبة

في “نزيف” يقول الشاعر

نافذتي ذابلة
وعلى وشك أن تنهار وتسيل على الجدران
حاملة معها إلى المنزل
كل مكونات المنظر الخارجي
رصيف، قبعة، صوت، إيماءة، أوتوبيس
أوتوبيس
يجد مكانا مناسبا
قرب مفصل ذراعي المفكوك
والمركون قرب المدفأة
بسبب أن عنكبوتا دخله
لكن كل هذا لا يحدث
لأنه ببساطة
منطقي
ولأن الأبيض المتراكم في الخارج
سيبقى وحيدا
وتافها
ولن يجد من يلوِّح له
بنقطة دم مطاطية
نزلت من أنف راكب غادر الأوتوبيس
مطاردا
العنكبوت

من جورج جحا

ملاك على حبل غسيل لمازن معروف: نمط جديد في كتابة القصيدة الشبابية

العنوان الذي يستخدمه الشاعر الفلسطيني مازن معروف لديوانه “ملاك على حبل غسيل” (الصادر عن دار الكوكب، رياض الرّيس للكتب والنشر، 2012)، أقلّ ضوءاً، مقارنةً بالقصائد التي تضمّها دفتا المجموعة والتي لا مبالغة بالقول إنها ذات نبرة جديدة ولافتة

محاولة الشاعر عنونة مجموعته بجملة مركّبة لا تقول صورة صادمة، تنبئ بأنها ستدخلنا الى متن شعري طفولي، وتساهم صورة الغلاف التي تشبه صور غلف كتب الأطفال في خلق هذا الشعور. لكن القارئ المعجب بالشعر الحديث الذي يكتبه الشباب في بيروت، سيكتشف العكس، وأن الشعر في “ملاك على حبل غسيل” يرسم نمطا جديدا في كتابة القصيدة الشبابية الحديثة من حيث وصف الضجر والقلق الخاص والتبرؤ من العالم الخارجي، أو إعادة وصفه بسوريالية تملك صلابتها بل وقسوتها في قلب الواقع

ينفرد مازن معروف في تسفيه العلاقة بالجسد، أي علاقة الكاميرا المتشبثة في عيني الشاعر بالجسد الذي يحملها، فيبدو الجسد كعلبة من العظام تحمل كاميرا أعلى الرأس، وحينها يتحكّم الشاعر بفصفصة جسده عظمة عظمة، ويمنح تلك العظام أدوارها في الحياة المرسومة داخل القصائد، وفي تركيبة القصائد البنيوية، فتصير العظام والهيكل العظمي في صلب معنى القصيدة ومبناها أيضا

تواتر ورود عظام الجسد في القصائد، سواء منفصلة لتشكل هيكلا عظميا، أو مكتملة كهيكل عظمي سينفرط، سببه أن الشاعر يقلب مسيرة الحياة ليجعلها تبدأ من الموت وتنتهي الى الولادة وليس العكس. فكائن قصيدته ميت يعود الى الحياة دائما، وهذا ينطبق على الأشياء المحيطة بهذا الكائن الذي يراكم التحوّل في داخله ليفرزه أو ليبصقه على العالم الخارجي الذي لا يحضر سوى كمسبب للضجر، وللبطء القاسي، وللتخلي. كأن الوجود الخارجي ليس سوى حالة غرائبية دائمة التبدّل والإنقلاب بينما الجسد “العظمي” مجرد مشاهد لهذا العبث، وفي الوقت عينه جزء من سينوغرافياه

“سأعطيهم أكفا من الخشب- ليلوحوا لي بها- بعد أن أكون طردتهم” (ص 25)، “لأن ذراعيَّ كانتا نحيلتين بسماكة نفق لدخول وخروج حشرة زاحفة، لم أضمك بشدة” (ص27)، “كأن رجلا يخلع عظمة ساقه السليمة ويستعملها كعكاز” (ص31)، “هذا العصفور على مسكة الباب المصنوعة من ضلع سابقة، مجرد اعتباط” (ص33)، “وجهي يشبه المسيح لكنني لست حطابا لأعمل من عظامي صليبا” (ص60. يحضر “الفاعل” في القصيدة كقطعة من العظام يستعيد الحياة من خلال موتها، فينقل حالته الى ما يحيط به: خشب النوافذ الذي يشتاق الى الشجر، الباب الذي يجب أن يسدّ كي لا يؤدي الى حفرة العالم، الذاكرة التي تتخلى عن دورها باسترجاع الماضي لتتحوّل الى صانع لعالم آخر كان لـ”مكوّناته” أدوار أخرى غير تلك التي منحناها إياها وباتت مسّلمات. الضغينة التي ينزلها عن كتفيه لترتاح لكنها تلاقيه مجددا بعد بضع خطوات. قلم الرصاص الذي يتوق للعودة الى الممحاة لأنه غير مقتنع بوظيفته

يتقصد الشاعر أن يصوّب على الأشياء ليفتتها ويعيدها الى طبيعتها الأولى، وهو يفعل ذلك بقسوة وببطء، كمن يخرمش أظفاره على الزجاج. يتقّصد تبطيء المشاهد لكي يرينا شناعة فعله ونتأكد أنه يقوم به بملء إرادته، فانتقام بطل القصائد من المشاهد وتركيبها، معلن. ولا يحتاج الى كثير حصافة لينفضح: “سأرمي حجرا في الهواء… حجرا، حجرا في الهواء. حجرا أصيب به نفسا عابرة… بالصدفة” (ص 118). “سئمت اللون الأزرق. أمد إظفري وأقشر السماء… بعنف” – ص 108

في القصيدة الأولى يدفعنا الى مشاهدة مسار الحجر وإصابته هدفه، في القصيدة الثانية يعرض أمامنا السأم العاري ويطلب منا الإعتقاد أن العنف دواؤه. هذا اللعب الإنقلابي في سير الزمن من الموت الى الحياة، وفي إعادة الإعتبار الى الأشياء لا بتأثيرها على من يعيش بينها بل بتأثير نزقه هو عليها، هذا اللعب ينطبق على شكل القصيدة التي تبدو غالبا مكتوبة بالمقلوب، كأن الشاعر ينتقل بها من النهاية الى البداية بالمعنى التقني للكتابة. فنهايات القصائد غالبا ما تبدو باهتة وغير مفاجئة مقارنةً بالجمل التي تبدأ بها، عدا عن كون تسلسل الصور في متن القصيدة يبدو كأنه يتقدم نحو الخلف، كإعادة فيلم ببطء من نهايته الى أوله. وهذا ما يجعل الجملة التي تبدأ بها القصيدة كأنها ما كان يجب أن تختتم بها، والخاتمة ما كان يجب أن تبدأ بها. لذا يمكن قراءة القصيدة في “ملاك على حبل غسيل” من النهاية الى البداية. وقد يكون هذا الأمر مقصودا ولو غير واعٍ، أي الإنتقال من صدمة الصورة الى الهدوء في نهايتها، كالناظر الى ما خلّفه الإعصار. هذا الافتراض يمكن تأكيده من خلال شخصية “المتكلم” في القصائد، ذاك الذي “يشقلب” العالم ويعيد قولبته، ويسخر من موجوداته وأدوارها، ويشعر بأنه يمكن أن يقطع شفتيه ليصنع إبتسامة كبيرة تلائم العالم، ولكنه لا يعلن في أي لحظة أنه يرغب بتغيير هذا العالم، بل ولا يرغب بتغيير وضعيته هو نفسه في هذا العالم. كل ما يطلبه هو إعلان النزق، وتبرير وجوده فيه، ورسم صورة قاسية وبهية للضجر الذي يكتنفه، ونكء الجرح المختوم الذي لا يزال أثره واضحا في كل كائن بشري

“تعلّمت اخيراً أن أحب الضجر. حتى أنني سجّلته على كاسيت” (ص122). “أمشي… لا لأمشي بل لأحقق رغبة ظلّي بأن أرافقه وهو يتنزّه” (ص74). “ليكون لديه ابتسامة كبيرة تلائم العالم… يجيء كل صباح بمشرط ويزيل شفتيه” (ص72). “جالسا على ضرس كبيرة. منتظرا داخل فم كبير. ابتلعني منذ ولدت” – ص 73

بعد “الكاميرا لا تلتقط العصافير” و”كأن حزننا خبز”، تبدو مجموعة مازن معروف الثالثة كأنها تقطع مع هاتين المجموعتين بأدوات قص وتفكيك لم يكن قد استخدمها سابقا

  فيديل سبيتي

جريدة النهار – 19/2/2012