الشاعر الفلسطيني مازن معروف أمام ملاك على حبل غسيل

صدر عن دار الكوكب الشقيقة لشركة رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت كتاب جديد للشاعر والصحافي الفلسطيني مازن معروف، حمل عنوان: ملاك على حبل غسيل وعلى مساحة ١٥٠ صفحة من القطع الوسط

\يضمّ الكتاب نحو سبعين نصاً قصيراً يحاكي فيها الشاعر نفسه في خواطر عن المرأة والوحدة والموت، والملل، إلخ
واللافت ان الشاعر يبرع في ملاحظة ما حوله من الأشياء الجامدة فيدبّ فيها الحياة، مستعملاً بكثرة التشابيه التي تظهر أدواته كثيراً أو الاستعارة كقوله مثلاً: أركن ظلي كشاحنة مستعملة أو نهاري أصفر كأسنان حشاش أو كما يقول في قصيدة “سأم مرة أخرى” صفحة ٦٧

لقلبي

ككل الناس

باب

لكن مخلوع

لكثرة ما تدخلين إليه

وتخرجين

يمتلك مازن معروف أدوات اللغة ويطوّع مفرداتها لإيصال المعنى الى القارئ مباشرة. وكثيراً ما يتجاوز المعنى مجرّد الخواطر الى أفكار عميقة تلامس الفلسفة.
كما يقول في قصيدة بعنوان كائن ص ١١٣ – ١١٤

أكره بدء قصيدة

بـ “هو”، “هي

أو “هما”، “هن”، “أنتِ”، “أنتَ”، “أنتما”، “أنتم” أو “أنا
أكره بنفس الحجم أن
أبدأ قصيدة بمزيج مشكّل
من الضمائر التي ذكرتها للتو

ذلك أنني شخص
نباتي

جريدة الأنوار 15/2/2012

Advertisements

عن “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” لمحمود درويش

بعيدا عن الجدال القائم حول مجموعة محمود درويش الأخيرة “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” (دار رياض الريس
للنشر)، والتي اختلف الشعراء والنقاد حول الأخطاء فيها، ونوعيتها، ومسؤولية محررها الزميل الروائي الياس خوري، فإنها كمجموعة شعرية، يمكن اعتبارها الصوت الأخير لدرويش، أو الكلمات الأخيرة التي آثر أن يشتغلها قبل رحيله. ما نقدمه هنا، لا يتعدى منطق القراءة الشخصية، الخاضعة للذوقية والمفهوم الخاص لجماليات الشعر في هذا الديوان. وهي في طبيعة الحال قراءة لن تتفق وآراء أخرى. غير أن الإختلاف يضيف في النهاية، إلى ما هو سابق ولا يأخذ. ونحن هنا لا ندعي صفة النقد، لما هو مكتوب. هي محاولة، ليس أكثر، لوضع العين على المجاز


يبحث درويش عن معادلة إنسانية بسيطة، أو أقل تعقيدا من المترتبات الايديولوجية والفلسفية للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. يستعيض عن معادلة اللحظة المختنقة تحت ثقل التاريخ، بلحظة من نوع آخر، أقل صخبا وذات امتداد رحب، وهي اللحظة التي يتآلف الزمان فيها ككتلة، مع الفعل الانساني العادي، الذي يصنع تكراره الذاكرةَ اليومية، وتالياً يوطد علاقة الإنسان بالمكان- الجغرافيا، ويؤسس لتاريخ مغاير وأشد عنادا، مما يمكّنه من استباق خطوة الآخر، على الخانة الطوبوغرافية كما يلعب دور الموثّق الحاضر لعلاقة الكائن الأزلية مع الأرض القديمة. لكن من دون أن يوغل في الحنين، ليظل على الحافة، حافة تركيزه في صوغ الواقع بما يتلاءم وفرضية الصراع الراهن، واللاعادل السياسي، لكن من دون أن تقدم شعريته تنازلات


لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، يمثل كلمات أخيرة لدرويش. كلمات مسنونة برفق كأسنان منشار مطلوب منه أن يقطع شجرة إسمنتية من دون إحداث غبار يشيح الأفق المختبئ خلف الشجرة. وهو أفق الفلسطيني الذي أراده درويش أن يستعيد أرضه باسترجاع علاقة الحضارات القديمة بفلسطين، ومن ثم إستدراك العوامل المشتركة بين إنسان تلك الحضارات وفلسطيني القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين: “نحن أبناء الهواء الساخن – البارد/ والماء، وأبناء الثرى والنار والضوء/ وأرض النزوات البشرية”، أو حين يقول “نحن من نحن، ولا نسأل/ من نحن، فما زلنا هنا/ نرتق ثوب الأزلية”. غير أن هذا كله لا يجعل درويش بعيدا من إدماج ضرورة الفعل المقاوم، كحركة متواترة وحية تتوافق مع حركة تدفق التاريخ إلى الجملة الشعرية. وبذلك يؤلف الشاعر توازنا مزدوجا، فمن ناحية، هو لا يوغل في الحلم، حين يتكلم عن الميثولوجيا، بل يوقظ بالواقع نفسه وشعره وفكرته عن الصراع. ومن ناحية ثانية، يوطد قوة فعل المقاومة الانسانية، ويضعها جهارا أمام عدوه، بالعناد الذي يملكه لاعب شطرنج، وسط الركام. إنسان درويش هنا، يمتلك ملامحه الخاصة الغاضبة، لكنها لا تبدو قلقة أو خائفة. يحضر الإنسان محصنا بحتمية الأشياء، وإحتكام الطبيعة النهائي لها. وهو إذ يدرك هذا الامر، يلجأ الى النفاذ الى قلب هذه الطبيعة، واختراق مفرداتها الساكنة أو غير الملاحظة، مما يجعله يتنفس قليلا خارج دائرة المأساة الفلسطينية وتشعباتها على المستوى الإيديولوجي والفلسفي والميثولوجي والتاريخي والعاطفي، وكل ما تحتمله سوى ذلك


نجد درويش في هذه المجموعة ناشطا في خلايا الحياة كلها واللون والمرح، والذات: “أنا المعافى الآن/ سيد فرصتي في الحب”. يحتفي بها وكأن بهاءها يحضر للمرة الأولى أمام عينيه، بعكس العناصر التي تؤلف دائرته الصغرى – المنزل – حيزه” “ومرآة أمام البيت تعرفني وتألف وجه زائرها”. وإذا كان الموت في دواوينه الأخيرة احتل مساحة كبيرة من موضوعات كتابته الشعرية، فإنه هنا يعاود الظهور، لكن بثوب مغاير، فهو لم يعد الشبح الذي يستنفر غضب الشاعر، وخوفه الذي يعمل على تفتيته من خلال مقارعة الموت، وكأنهما جلادان في استاديوم روماني كبير، يجلد أحدهما (الموت) الآخر (الشاعر) بفكرة قدومه، فيما يتذرع الآخر بالوجود والشعر والحلم والتاريخ والشخصي والفن والأمل وتآلف الحواس مجتمعة مع هذا الكائن (الموت) الذي لطلما مر بجوار درويش- الفلسطيني لأكثر من نصف قرن خلت. لذلك، يعدل درويش من موقعه قليلا ليتسع المعنى أكثر في اتجاه الحياة نفسها وليس الموت هذه المرة: “كل شيء يصطفي معنى لحادثة الحياة/… ربما خبأت خوفي من ملاك الموت عن قصد، لكي أحيا الهنيهة بين منزلتين: حادثة الحياة وحادثة الموت المؤجل ساعة أو ساعتين”. أو كما يقول في المقطع الأخير من قصيدة “لاعب النرد”: “عشر دقائق تكفي لأحيا وأخيب ظن العدم/ من أنا لأخيب ظن العدم؟”. إنه اعتراف الشاعر بالموت كحقيقة مجتزأة بالتساوي بين البشر، ومختبئة. لكن هذا الاعتراف الأليف بالموت، يساهم في المقابل في رسم الشعرية المغايرة في اتجاه هذا الموت. فبدل أن يكون الموت هاجسا، نراه صديقا أو كائنا متظللا خلف الفرح الأخير، وكأن الحلم الشخصي وليس المجازي للشاعر، هو السم أو المخدر الذي يجعل الموت يتراجع خطوتين، ليجعلنا درويش نتلمس شفقة العملاق الأخيرة والحاسمة نحو ضحاياه، وأيضا من القصيدة ذاتها: “وإن كان لا بد من حلم، فليكن مثلنا… وبسيطا/ كأن نتعشى معا بعد يومين/ نحن الثلاثة/ محتفلين بصدق النبوءة في حلمنا/ وبأن الثلاثة لم ينقصوا واحدا/ منذ يومين/ فلنحتفل بسوناتا القمر/ وتسامح موت رآنا معا سعداء/ فغض النظر”. أو كما في المقطع الأول من قصيدة “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” إذ يقول عن الموت: “فأدى تحيته العسكرية للغيب/ ثم استدار وقال: إذا أردتك يوما وجدتُك”. مسايسة درويش الماكرة للموت تؤجله قليلا، غير أن المؤجل ههنا لا يلبث أن يتوارى أشواطا من الزمن، لأن ضخ درويش المسبق للذاكرة في هذه القصيدة الاستثنائية “لاعب النرد”، يبدو كأنه يساعد الشاعر نوعا ما في طرد هذا الموت أو نفيه بحجة الحياة الهائلة التي يتم استدراكها واستباقها للفظة “الموت”. هناك عامل يحتمل إضافته هنا، وهو عودة درويش الى الأولي – الأولوي، في البحث عن الهوية وإدراك كينونتها، والتي باتسامها فلسطينيا، تتعرض بين لحظة وأخرى لما يشبه الولادة والموت، المتتاليين وكأن الشاعر يعيش أكثر من طفولة وأكثر من دلالة حياتية (قصيدة على محطة قطار سقط عن الخريطة)، غير أن كل ولادة تأتي تحريضا على إعادة القراءة لمناخ أو ذاكرة كائنه – نفسه السابقة. الولادة التي تلي الموت لا تنتظر شرعية النظام البيولوجي، وإنما النظام المجازي والزمني النوستالجي الذي لا سقف له. يحين موعد هذه الولادة لتشير في اتجاه النسيج الزائف الذي ابتكره الآخر – الإسرائيلي وتفككه ببطء من دون أن تدخل في مباشرة معه: “كان حاضرنا يربي القمح واليقطين قبل هنيهة، ويُرقِّص الوادي”. ولقصيدة “لاعب النرد” موقع خاص من المجموعة، لأن محمود درويش يعود بها الى زمنه الأول، غير المحاط بالإيديولوجيا، واشتراطات واقع الأرض على الفرد الفلسطيني، والإرهاق الذي يرافق المطرود لاستعادة الهوية بالتاريخ، والتلاحم مع كينونة الذات المقهورة للشعوب الأصلية في أميركا واليونان وإسبانيا، والرحيل القلق والمتقطع من الجغرافيا الأولى واليها. فالشعر لا بد أن يخضع في مكان ما لقانون الصور التي تنزفها الذاكرة، ولا بد من استقدام العبارة من متتالية بصرية وليس مجازية أولا، غير أن سقوطها النقي وغير المزخرف على بياض الورقة، يماثل تلك الضربات المتلاحقة لمطرقة على الحديد المعلق في الهواء. النظام العروضي والإيقاع الموحد، يشذب العبارة، ويشحنها بطاقة تحرض على التآلف الحتمي معها. لذلك نقرأ طفولة درويش وموقفه العام من الدنيوي، التي يوازنها بتذكّر الناضج لتفاصيل جد شخصية ولا تلمس جدلية الصراع إلا من خلال تكريس الإنتماء، إنتماء الشاعر طفلا إلى أرضه (كما في قصيدة طللية البروة). وهذا أكثر من كاف


تشكل الطفولة ضفة مجهولة لا يمكن بلوغها بسوى الحنين ما يطرح قصيدة شعرية بيبلوغرافية، أو إعلانا أخيرا لذات محمود أمام الشعر “فهل كنتُ طفلا كما تدعي أمهاتي”. فالفعل المضاد للبريء، يشترط في طبيعة الحال وجود نقيضه، أي البريء، والبريء هنا يحال في قصيدة درويش تلك، على معناه الدلالي الأقرب، وهو الطفولة، التي يعجنها الشاعر بالمصادفات أو الحظ “ولست سوى رمية نرد ما بين مفترس وفريسة”، وقبلهما الخوف (الذي يخصص له قصيدة تحمله كعنوان). فالحدث العام يفرض نفسه قبل الابتكار، ويكون على كل ابتكار جمالي أن يتملص من خانة رد الفعل بعد ذلك. إلا أن درويش، وبعكس الإبتكارات اللغوية والجمالية في دواوينه السابقة، يجنح هنا إلى استذكار فراره من الأرض (الحدث الأول) من دون أن يكون ثمة اتساع لشيء في صدره أكثر من الخوف على “مقتنياته” الشخصية (الأب، الإخوة، القطة، الأرنب) في إشارة الى وجوده ضمن معادلة سياسية مسبقة: “ولم أجتهد/ كي أجد/ شامة في أشد مواضع جسمي سرية”. إلا أن هذه المعادلة لن تطول حتى يتكشف الاهتمام الدرويشي المتزايد بتعريتها وفضح هشاشتها، من خلال تسليطه الضوء على أحد إحتمالات الحياة، والذي وإن أتى بمستوى مجازي محض، وليس ماديا، غير أنه يُستخدم في القصيدة كأداة لحشر المتنافسَين، العدو وعدوه، في حالة الترقب المشترك والحذر ومن ثم تشابه سمات المأزق الداخلي في كل منهما، مما سيستدعي تآلف الطرفين ولو موقتا، ضد ما يمكنه أن يكون غيبا يفتت منظومة الصراع المفترض، ويشرذم موقع كل من العدو وعدوه الآخر في سمفونية الصراع المرهقة. ففي قصيدة “سيناريو جاهز” نقرأ: “يقول السيناريو: أنا وهو/ سنكون شريكين في قتل أفعى/ لننجو معا/ أو على حدة”. تتخذ الذات الدرويشية منحى إحتفائيا بالوقت الحاضر، معطوفا على الزمن والحب، كطرفي مناظرة يتواجهان مع الشاعر. الثالوث الذي يحضر في قصيدة “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، هو الزمن والحب – الأنثى والذات، مع كل التشعبات الممكنة لكل عنصر من عناصر هذا المثلث على حدة، وما ينتج من شرارت حين يتفاعل عنصران أو الثلاثة معا. المستند الاستعراضي للفكرة الشعرية وللمعاني والدلالات تنطلق من الحوارية التي يقيمها الشاعر الحاضر مع الأنثى بصيغة الغائب. تعدادية الصوت ومستويات علوه أو انخفاضه، يتمخض عنها الكثير من ثقافة الشاعر العامة على الورقة، فيثير مثلا التاريخ واللحظة الحاضرة والمنظر الطازج والحسي بالكامل والذكريات والمتوارث الشعبي والعائلي، ثم يتحصن هو خلف كل تلك المفردات، ليعيد إنتاج هويته كمحمود درويش فقط، بصفته نموذجا فلسطينيا خاصا سرعان ما يُحال أوتوماتيكيا على العام في سيل من الاستعارات والمجازيات. تخرج هذه الهوية مطوقة بهالة قوة الخلود (للفلسطيني) في مقابل خلود القوة للإسرائيلي


تتعدد الأصوات، في تخاطب مباشر وغير مباشر (قلت، قالت، قال…). ففي صيغة “قلتُ” والتي يستخدمها الشاعر لذاته، هناك تكريس لحضور الكيان الفلسطيني، في مقابل صيغة “قالت/ قال” (كما في قصيدة “قمر قديم” و”ورغبت فيك، رغبت عنك”) والتي تستخدم في القصيدة للإستدلال على أثر الآخر (الأنثى أو الـ”هو” أو العدو وذلك على اختلاف الحيز المعطى لكل منهم في القطعة الشعرية)، ومن ثم إحالة هذا الآخر على صيغة الغائب، وتالياً تشتيت كيانه المفترض (في حالة العدو)، أو وضعه على مسافة كافية للتمحيص به (في حالة الـ”هو” أو الأنثى)، مما سيخدم الإرتقاء بصاحب الحق (الفلسطيني) على الاسرائيلي، الذي يحضر بمستويات صوتية أدنى، مقارنة بمستوى الأنا المثقفة والأكثر معاندة في استعراض الحجج، والأكثر علوا. تلفت في هذه المجموعة الأخيرة، الغنائية الواضحة، وكأنها عودة إلى شكل كتابي اعتمده في مجموعاته الأولى. إضافة إلى المراثي الثلاث المهداة إلى كل من إميل حبيبي ونزار قباني وسليمان النجاب، الذين يعمل درويش على إيقاظهم من خلال تكثيف لحظة ما تتعلق بكل واحد منهم، أو محيطه أو تصرّف سلوكه العام، ومن ثم إمدادها بدفق عاطفي وشخصي يُقذف تباعا عبر الكلمات، لنكتشف الأثر الذي شغله كل من هؤلاء في حياة درويش (فهو كتب ديوانه الأول “عصافير بلا أجنحة” متأثرا إلى حد بعيد بأسلوب نزار قباني، لكنه لم يسمح بإعادة نشره على الإطلاق). قد يجوز القول إن مجموعة “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، تتحرك في مناخات ذاتية ونوستالجية وسياسية إلا أنها لا تفلت في المجمل من منظومة الحنين الذي يكمش معظم القصائد من الداخل، وكأنها محاولة أخيرة يقوم بها درويش لاستعادة الذاتي، عبر ثنائية الشعر والأرض، وما بينهما

مازن معروف – جريدة النهار 2009

ملاك على حبل غسيل لـ مازن معروف

 

http://www.annahar.com/article.php?t=adab&p=3&d=24631

      ملاك على حبل غسيل لـ مازن معروف

 جريدة النهار – 27/ 1/ 2012

صدرت لزميلنا الشاعر والناقد مازن معروف، مجموعته الشعرية الثانية “ملاك على حبل غسيل” لدى “رياض الريس للكتب والنشر/ الكوكب”، في لغة شعرية يطغى عليها الطابع الأليف، لكن الماكر، حيث ينغمس التفصيل اليومي العابر في الشعري، آخذاً منه ما يمنحه القدرة على مواصلة عيشه في فضاء القصيدة. 74 قصيدة لا تتعدى الواحدة منها صفحتين من القطع الصغير، من أجوائها أن الشاعر يغرس “شاليمونة عصير” في جرحه، حيث “على الأقل سيتعلم الذباب بهذه الطريقة كيف يكون مهذباً وهو يتناول الطعام” – جريدة النهار

نصوص حديثة للشاعرين مازن معروف وحازم العظمة.. عندما تذهب الصورة إلى ما لا ينبغي أن تكون عليه

جريدة المستقبل – الثلاثاء 17/ 1/ 2012

جهاد الترك

نصوص تخرج من أشكالها التقليدية لتتقمص المشهد الاحتمالي للصورة الشعرية. تتخلى بتلقائية عن أجسادها المعهودة لتصبح، هي عينها، جزءاً من الرؤية وصيرورتها المتحوّلة في اللغة والذاكرة. نصوص أخرى تنكفئ على دائرتها الضيقة في بؤرة من السكينة الصامتة. تصوران أوليان يمكن الاستدلال بهما، على الأرجح، لقراءة مجموعتين شعريتين صدرتا حديثاً عن دار رياض الريس. الأولى بعنوان “ملاك على حبل غسيل” لمازن معروف، والثانية بعنوان “عربة أولها آخر الليل” لحازم العظمة. تتوخى الأولى مقاربة للحالة الشعرية من خلال ان العناصر المكونة للصورة لا تُنشد لذاتها. إنها، على الأغلب، محطة عابرة وسريعة إلى حيث لا ينبغي للصورة أن تكون. صيرورة الصورة هي الصورة نفسها. هي ظلالها. تصوّر لانحياز الصورة الى الوجود والعدم في آن. عدمها هو وجودها. والعكس صحيح أيضاً. الاحتمال في هذا السياق منفتح على الاثنين معاً بقدر ما يتحول الوجود عدماً محتملاً، والعدم وجوداً محتملاً. تنحو المجموعة الثانية منحى مغايراً. تنحاز بدورها الى المشاهد المنزوية. تخرج من الصخب إلى الصمت ثم تستقر هناك. النصوص الاولى مشرّعة على متاهة الصيرورة الشعرية. الثانية مشرعة على متاهة الصمت.

“ملاك على حبل غسيل”
ستون نصّاً، على وجه التقريب، يتوزعها فضاء معقّد من الرؤية الشعرية المحتملة. لا تنتظر هذه الأخيرة استقدامها إلى النص لكي تتجسّد في المفردات. لعلها تترقب هذه النقلة لكي تبقى في دائرة الاحتمال. لكي لا تولد في عملية شعرية كهذه هي أشبه بولادة قيصرية متعسّفة. ومع ذلك، قد يتحول النص عينه، صيغة احتمالية مشرّعة على الظلال بالقدر الذي تنحاز فيه الصورة إلى الصيغة نفسها. النص بما قد ينطوي عليه من بؤرة للجاذبية تستدعي إليها بالضرورة الصور المتكوّنة في ذاكرة اللغة، سرعان ما ينقلب على وظيفة الاستحواذ هذه. ليصبح بعد ذلك من النسيج الاحتمالي للصورة. لا يعود، والحال هذه، مستقراً رتيباً ودائماً للمشهد الشعري المتغيّر. قد يُصاب بلوثة الاحتمال ليغدو محطة موقتة يستقبل فيها الصورة لبرهة انتقالية. للحظة عابرة إلى ظلّ بعيد. وقد تفترض هذه التقنية، في الأساس، رؤية لا تعوّل على النص، كبنية ثابتة، كثيراً. ولا تراهن عليه كثيراً. ولا تحمّله أكثر ممّا يحتمل. قد يستبدل شاعر، مثلاً، بنية النص، ببنية الصورة. وفي هذا إحلال لبنية مكان بنية. وقد يقدم شاعر آخر، على سبيل المثال، على إحلال ظلّ الصورة مكان بنية النص. وفي هذا، على الأرجح، إحلال ذو طبيعة مغايرة. فإما أن تستجيب الصورة المتحوّلة لبنية النص الثابتة، فتصبح من معدنها، من تصلبها، ومن ثقلها أيضاً. وإمّا أن يستجيب النص، في بنيته الوطيدة، لتحولات الصورة، فيصبح أكثر ميلاً لأن يتشبه بها.

الجسد الثقيل
لعلّ نصوص مازن معروف في كتابه الجديد “ملاك على حبل غسيل” تتضمن شيئاً كثيراً من هذا القبيل. نصوص قصيرة، بطبيعة تكوينها، وأحياناً قصيرة جداً، إلى الحدّ الذي يكاد فيه هذا النص أو ذاك، أن يتحرّر من جسده الثقيل. أن يتفلّت من جاذبية هذا الجسد. يعزّز هذا التصوّر، بشكل أو بآخر، ان الصور الشعرية التي تتدفق على النص، غالباً ما تمسّه مسّاً. ما أن تقترب منه حتى تبتعد عنه. لا تثقل عليه. ولا تقاربه بمنطق الغصب. ولا تفرض نفسها عليه. يجتهد الشاعر في أن يلزم نفسه بهذا المنحى قدر المستطاع مستخدماً معايير تلقائية، إذا جاز التعبير، من شأنها أن تحيل مشاهداته من طبيعة وثيقة الصلة بما ينبغي أن تكون عليه الصورة وهي تنتقل من طور في الرؤية إلى طور آخر. غير أنه يدرك، في قرارة نفسه على الأغلب، بأنه يتعذر على الصورة، في مسيرتها الاحتمالية أن تبلغ ما ينبغي أن تكون عليه. لماذا؟ لأنها ذات صيرورة متحركة في كل الاتجاهات. ولأنها كذلك، فإنها لا تنشد شكلاً محدداً بعينه، ولا معنى محدداً بذاته. الصيرورة، في هذا السياق، أكثر نكراناً لغيرها ووفاء لذاتها. الصيرورة هنا هي الصورة عينها في طور التشكل. في طور التفلت من الاشكال والهيئات والمعاني الثابتة. لا فرق حقيقياً بين الصورة والصيرورة، سوى أن هذه الأخيرة قد تبدو ظلاً يلوح من البعيد للصورة، وان الأولى هي الظل ايضاً الذي يستقطب الصورة. الاثنتان، الصورة والصيرورة، تكونّان معاً العملية الشعرية التي لا تصل الى نهاية المطاف. ولا ينبغي لها أن تصل إلى مكان محدد في زمان ومكان محددين. على هذا الأساس، تصبح كلتاهما عنصرين مغايرين للزمان والمكان في صيغتهما المألوفة والمتداولة. تغدوان من النسيج العميق للزمان والمكان في طبيعتهما الشعرية. النص، في اطار هذا التصور، هو مكان وزمان محتملان للصورة والصيرورة. غير أنهما لا يأتلفان معه ولا يتقاطعان فيه ولا يستجيبان لجاذبيته. النص، في شكله المعهود، من بقايا الزمان والمكان خارج العملية الشعرية. الصورة والصيرورة، كما توحي بهما النصوص، لا ينتميان إلى هذه البقايا لأنهما لا يستهدفانها. لا يزمعان على الاقامة في هذه البقايا. في جوف هذه الفضلات. ومع ذلك فهما يقاربان الزمان والمكان العائدين الى النص في طبيعته المكانية الثقيلة، من زاوية أنهما محطة غير إلزامية يفترضها النص في تحولاته المنحازة إلى المتاهة.

مكونات عابرة سبيل
هل تتماهى هذه التصورات الأولية بالنصوص المتضمنة في المجموعة الجديدة لمازن معروف؟ الأرجح نعم في حدود ما تقترب النصوص من هذه التصورات. بدليل أنّ الصورة في ما تنطوي عليه من تحولات منفتحة على تحولات، هي منفتحة، في الوقت عينه، على ما تصبو إليه خارج أشكالها المفترضة، وبعيداً أيضاً عن المعاني التي تعيد إنتاجها في النص. الصورة، في هذا الاطار المحتمل، لا تشبه مكوناتها، ولا تتشبث بها، ولا تركن إليها. ولا تلتفت وراءها بدافع من حنين إليها. الصورة لا تقترب من عناصرها المكونة لها، إلا بالقدر الذي تحتاج إليه مرحلياً من أجل أن تتخطاه بعد ذلك إلى ما عداه. وهذا يتطلب، بطبيعة الحال، ألا تكون هذه العناصر منكفئة على ذاتها، معتدة بذاتها، مشدودة إليها لا تستطيع التفلت من جاذبيتها. تكاد نصوص المجموعة توحي بأن عناصر الصورة الشعرية فيها معرضة لأن تتخلى عن ذاتها، أن تتنكر لها، أن تخونها، وأن تغدر بها في اللحظة المناسبة. عناصر عابرة سبيل على طريق افتراضي تسرع الخطى نحو شكل افتراضي، الى هيئة تكمن في ما ينبغي أن تكون عليه. ولكن هذه البغية افتراضية، في طبيعتها نتيجة لرؤية احتمالية إلى الأشياء والعالم والكون. الصورة تندفع في هذا الاتجاه لتصل في خاتمة المطاف إلى ما لا ينبغي أن تكون عليه. إلى ما ينبغي ألاّ تكون عليه. ولأن الأمر كذلك، على الأغلب، فإنّ عناصر الصورة لا تعود تمثل نفسها بقدر ما قد تشير الى ما لا تمثله ولا ينبغي عليها أن تمثله. ترتحل الى الزمن المتكوّن في الحالة الشعرية، إلى المكان المتكون في العملية الشعرية. ومع ذلك، فإنّ هذين الزمان والمكان لا قيمة مصطلحية لهما، ولا جدوى حقيقية لهما لأنهما يشكلان مفهومين افتراضيين دائمي التقلب بين الوجود الاحتمالي والعدم الاحتمالي. لا وجود لهما إلا بالقدر الذي يحملهما على التنكر لهذا الوجود. ولا عدم لهما إلا بالحد الذي يجعلهما قابلين للتنكر لهذا العدم. الوجود مرحلة انتقالية للذهاب إلى العدم. العدم مرحلة انتقالية للذهاب بالصورة إلى وجود احتمالي آخر. الوجود والعدم، في هذا السياق، يعيدان انتاج عناصر الصورة الذاهبة الى ظلالها المفترضة. الى صيرورتها المحتملة. الوجود والعدم، والزمان والمكان والصورة وصيرورتها، أفكار شعرية تحمل النص على أن يتخلى عن شيئيته، عن مركز الجاذبية فيه، عن قناعاته المسبقة، عن تردده وخوفه، عن احجامه عن اجتياز المسافة المحتملة المتبقية للولوج الى المتاهة. هناك في الظلال المبعثرة على ظلالها، الخارجة من ظلالها، المتشظية من ظلالها، يعود الشعر الى قلقه القديم. الى حالته التي كان عليها قبل أن يندرج الكون تحت قائمة المسميات. عندما كان الوجود والعدم مشروعاً مدهشاً لاعادة تشكيل الكون في حيّز الوجود، واعادة تشكيله أيضاً في حيّز العدم. الوجود يحتاج إلى العدم ليتخلص من هيئته المألوفة. العدم يحتاج إلى الوجود ليتخلص من عدميته.

“عربة أولها آخر الليل”
ستة وثلاثون نصاً تسترخي بهدوء في سكينة الصمت. لا شيء يعكّر صفوها سوى ان الشاعر يرقبها من بعيد. ثم يعبّد لها الطريق ليستحضرها إلى دائرة الصورة. ولعل هذه المشاهد التي يتشكل منها فضاء الكتاب لا تفتقر الى ما يعزز عزلتها وانكفاءها وانسحابها من دون ضجيج يذكر إلى الزوايا البعيدة في الذاكرة. ومع ذلك فهي حاضرة كما هي في لغة حازم العظمة. لا يتطلب استدعاؤها إلى النص جهداً كبيراً لتنتقل من ذاكرة الشاعر إلى ذاكرة اللغة إلى ذاكرة النص. تنطوي، في الأغلب، على مشاعر دافئة لا تبعث على استفزاز للغة من أجل أن يعمد صاحبها إلى تفكيكها، أو بعثرتها بعنف، أو حتى محوها لنسج وقائعها من جديد على نحو لم تكن عليه في هيئتها الأولى. قد تبدو هذه المشاهد، والحال هذه، مستقرة في ذاتها لذاتها. لا تتملل، على الأغلب، من ثقل السكينة الشاسعة التي تغلّف مساحاتها الصغيرة أو الكبيرة. لا تبدو عرضة للانجراف إلى متاهة الرؤية. والأرجح أن تقوقعها في عزلتها البعيدة وانسحابها من دائرة الضوء، أمران يقيانها الشر المحبّب للمتاهة. وينأيان بها، في الوقت عينه، عن إغراء السقوط في متاهة اللغة. في تلك الهاوية السحيقة التي تتحوّل فيها اللغة جحيماً يحرق المفردات، يحيلها رماداً، عدماً لتولد من جديد، فيولد معها العالم من جديد. نكاد لا نقع على شيء من هذا القبيل في نصوص الكتاب، وان يكن ان الصور الشعرية المغرقة في سكينتها، المنسجمة مع كينونتها التي تراءت للشاعر، منفتحة في الوقت نفسه على صمتها، على مزيد من انزوائها في حركتها الداخلية التي قلما تبارحها إلى خارجها. ومع ذلك، فإنّ الانفتاح على فضائها الصامت قد يبدو مشروطاً، إلى حد كبير، بقدرة الصورة على الانسجام مع التحولات الكامنة في دائرة الصمت أو ممانعتها لها.

ذاكرة اللحظة
تروي النصوص، على الأرجح، قصتها مع ذاتها من دون أن تقفل أبوابها نهائياً مع الخارج. غير أنّها تبدي حنيناً أكبر إلى ما يدور خلف كواليسها هي بغض النظر عما يجري وراء الكواليس الأخرى. الشاعر، في هذا الاطار، مشدود إلى تلك اللحظات الصامتة المتدفقة في صمتها هي. بالمثل، تتآلف اللغة مع هذا الصمت الذي يبدأ مع اللحظة وتنتهي معها وفيها. المفردات تستجيب بدورها لهذه الحالة. ذاكرتها متشبثة بذاكرة اللحظة. والاثنتان ترتبط احداهما بالأخرى على نحو لا تشذ احداهما عن السياق الذي تفترضه الثانية. قد توحي هذه المعادلة بأن الصمت قد أوصل المفردة إلى خاتمة الطريق. أو أنه أحجم عن استثارة ذاكرة المفردة. لتصبح هذه الأخيرة مكتفية بذاتها، مع أنها تتوثب في داخلها إلى أن تتوسع باحتكاكها مع مفردات أخرى تترقب ذلك خارج دائرة الصمت. الصمت، في ما تؤول إليه الصورة الشعرية، هو تلك المساحة مترامية الأطراف التي تشبه المتاهة بشكل أو بآخر. تتحرك فيها المفردة بحرية قصوى استعداداً للخروج من السكينة إلى العالم. ولا ينبغي أن يؤدي الصمت إلى الاعتقاد بأنه يغلق على اللغة الأبواب ويقفل عليها المنافذ. نصوص حازم العظمة تنطوي على شيء كثير من هذا التململ الذي يدفع اللغة إلى الخروج من الذاكرة الصامتة إلى الصورة المتحركة.

من نصوص مازن معروف

باراشوت

أدركُ
أنني لم أعد طفلاً..
لهذا السبب،
الدبّ الذي احتفظت به
كل تلك الأعوام
سألقي به من نافذة الدور السابع
بلا رأفة..
محتفظاً فقط بالحبل الرقيق الذي خاطه أحدهم
فوق وجهه
على شكل ابتسامة.
ذلك الحبل..
أظن أنني أحتاجه.

تعارف

حين يرتطم الهواء
بزجاج النوافذ
ويرتدّ معكوساً
إلى الوراء..
فإنه بذلك
يحاول أن يشمّ نفسه..

عن الموت

حين نموت
الكلمات التي لم نقلها بعد،
تتحوّل إلى فقاعات،
لنفخ الجسد
وتهريبه خارج الحفرة أثناء نوم حارس المقبرة.
لكن اللوح الحجري فوق جثتنا
يصطدم بنا،
رافضاً أن يزيح.
لذا
نستعين بحشرات لا نحبها في الغالب
دودة من هنا
وأخرى من هناك..
كل حشرة تقضم كلمة
من تلك الكلمات..
مخلفة وراءها
لا شيء.
لا شيء سوى
محَّايات
تتكوَّم قرب بعضها البعض
لتأليف هيكل عظمي
يعود من المدرسة كل يوم
ناقصاً قطعة.

الضجر

تعلمتُ أخيراً
أن أحب الضجر.
حتى أنني
سجَّلتُه على كاسيت.

و.. حازم العظمة

أحمد

العظاءةُ في الحديقة
لا تدل على أحدٍ…
وجذورُ اللبلابات مقلوبةً..
، علبةٌ من صفيح أزرقَ
في منتصفها جُذور حمراءْ…
كَسرة الفخار التي كَتب عليها “أستراغون”
وذراعان من حبل تهرّأَ
منذ يومين
وجذور اللبلابات مقلوبة
تحت نجوم أيلولَ
مدينة من صخورٍ وأعشاب
دائماً ما نعودُ..
في هضبةٍ سوداءَ، منهمكينَ
على ثوبٍ باتساع مدينةٍ من صخورٍ وأعشابَ
ترفُّ بهِ ريحُ الليل
… هديرُ البحر لا يصلُ
مشغولين
عربة آولها آخر الليل
فوق قِماشة ثوب كبيرٍ
نلمّ أطرافها
كلما بعثرتها الريحُ
… هدير البحر لا يصلُ

مفتونينَ
على حافة ثوب قديمٍ
نعيد من المشهدِ مدينةً كانت هناكَ
تشبه جبالاً ناعمةً
ومَفازاتٍ ليليةً
نطويها على سواعدنا
… نخلّصُها
من حطامِ هواءٍ قديمٍ
صخوراً..
وأعشاباً
وشجيراتٍ قصيرة
ومساربَ رمليةَ

البحرُ لا يصلُ

مازن معروف: قصيدة تلتقط الرغبة

كما في مجموعتيه السابقتين «كأن حزننا خبز» (2000)، و«الكاميرا لا تلتقط العصافير» (2004)، يعرّض مازن معروف الشعر لمزاجٍ تختلط فيه الجدية باللعب. في مجموعته الجديدة «ملاك على حبل غسيل» (الريس)، لا تزال الكتابة مسألة شخصية بالتوازي مع كونها طموحاً لإنجاز قصيدة أكثر نضجاً. النضج هو محاولة إقناع القارئ بأنّ هناك آلاماً وندوباً تتحصّل من اللعب أيضاً، بينما الشعرية ليست سوى أن تكون النبرة معاصرة ومنتمية إلى زمنها وقاموسها الشاب. هكذا، تصبح السيرة اليومية مكوناً جوهرياً للكتابة، وتحضر الفكرة العادية إلى جانب الفكرة المدهشة طالما أنّ القصيدة هي تأويلاتٌ سريعة لهذه الأفكار.

يكتب الشاعر الفلسطيني قصائده بمعجم يومي، مستثمراً التفاصيل المهملة ومشهديات الواقع والاستيهامات الذاتية. لا تذهب القصيدة أبعد من ذلك، لكنّ صاحبها يثق بقدرة هذه العناصر على ترجمة مزاجه الذي قد يكتفي بفكرة لاهية

مثل «لو كانت إصبعي/ ممحاة/ لأودعتُ العالم/ مكاناً آخر/ بحجة/ أنني ألعب الغمّيضة»، أو يلهو بفكرة أكثر تعقيداً مثل «قلم الرصاص/ يحيا وهو يستفرغ أحشاءه على الورقة/ هو مثلنا/ غير مقتنع بوظيفته/ لذلك/ توقهُ الدائم للوصول إلى الممحاة/ في الطرف الآخر». لا نجد في هذه الفكرة تأملاً وصفاءً يُطيلان أمد التأثير الشعري، ويكثّفانه في داخلها. إنّها كتابة تتأمل نفسها بسرعة قبل أن تصل إلى القارئ … لكنّ الشاعر نفسه لا يريد أكثر من مباغتتنا بأفكار مماثلة. التأمل السريع يتجاور مع مزاجٍ غاضب لا يتوقّف عن تحويل الأفكار إلى قصائد، تكشف عن سوء تفاهم أنطولوجي مع العالم: «سئمتُ اللون الأزرق/ أمدّ إظفري/ وأقشر السماء/ بعنف»، يقول الشاعر في قصيدة «سأم»، ويخترع استعارة مبتكرة في قصيدة «تعارف»: «حين يرتطم الهواء/ بزجاج النوافذ/ ويرتدّ معكوساً/ إلى الوراء/ فإنّه بذلك/ يحاول أن يشمّ نفسه». المزاج نفسه حاضر في قصائد أطول، لكنها خاضعة لضبطٍ أسلوبي مشابه. لا تغيب الأنا الضجرة والمعطوبة عن المجموعة، فنقرأ: «ذاكرتي كيس خيش مستعمل/ ينقّط ملائكة/ جمعتهم في السابق»، و«نظارتي/ حيوانٌ يقودني/ إلى تقاطعٍ هادئ/ في رأس امرأة»، و«نهاري أصفر/ كأسنان حشاش»، ولذلك «سأخلعُ شفتيّ/ ذات يوم/ وآكلهما كتحلية/ سأخلع قفصي الصدري/ ذات يوم/ لأنني لستُ ميتماً/ لتجميع الملائكة/ وذات يوم/ سأخلع الباب/ وأقف مكانه/ لأمنع نفسي من الخروج/ إلى حفرة العالم».
ثمّة سريالية خفيفة، وممارسات كولاجية محببة يحرص الشاعر على توصيل الدهشة المدسوسة فيها إلى القارئ، كأن يكتب «رغبة» مقلوبة مثل: «أمشي/ لا لأمشي/ بل لأحقق رغبة ظلي/ بأن أرافقه/ وهو يتنزّه»، أو يُبطئ بثّه السريع للأفكار والصور، ليكتب قصيدة «أسطوانة» التي يتحرك معناها فوق أحشاء أكثر عمقاً وتأملاً: «لا نعرف من أين يأتي كل هذا الذباب/ وماذا يفعل فوق هؤلاء الموتى/ لكن كل ذبابة/ تتحرك بطريقة مختلفة عن الأخرى/ لأن المطلوب منها/ عزفُ نوتةٍ ما/ أوقية ذباب/ تستطيع أداء أغنية روك في مستودع/ أو فوق جانب من البحيرة/ إنها ربما أغنية/ تدرّب الذباب طويلاً عليها/ لغسل الميت من الكراهية التي يحاول نقلها الآن/ متنكراً بهيئة جثة نافقة/ إلى الطبيعة

حسين بن حمزة

جريدة الأخبار 13/1/2012

 

كيم أدونيزيو.. المجازفة بالسرد الشعري

“خاسران على الناصية” هو عنوان المختارات للشاعرة الأمريكية كيم أدونيزيو (ترجمة سامر أبو هواش)، الصادرة ضمن أنطولوجيا الشعر الأمريكي المعاصر، عن دار الجمل ودار كلمة. والشاعرة الأمريكية مواليد العام 1955 (تذكر بعض المراجع أنها مواليد 1954)، وهي امرأة مطلقة، تعيش مع ابنتها، حاصلة على ماجستير في الآداب، تمارس التدريس الجامعي في كلية غودار (Goddard) وتعيش في أوكلاند (كاليفورنيا). لكيم أدونيزيو أربع مجموعات شعرية هي “نادي الفيلسوف”، “جيمي وريتا”، “قل لي” (وهي المجموعة التي تنافست فيها على الجائزة الوطنية للكتاب)، و”ما هذا الشيء الذي يدعى الحب”. إضافة إلى روايتين هما “روعات صغيرة” و”أحلامي هناك في الشارع”. أصدرت أيضا وبالاشتراك مع الشاعرة دوريان لوكس كتاب “رفيق الشاعر: دليل إلى متع كتابة الشعر” كما صدر لها كتاب مؤخرا بعنوان “عبقرية عادية”.

وكيم واحدة من الشعراء الإعترافيين الأبرز أمثال روبرت لويل وبلاث وآن ساكستون. لكن أدونيزيو استطاعت أن تحفر ملامح مملكتها الشعرية الخاصة، وذلك باتكائها على موضوعات الخسارة والفقدان والغياب، والأخير يحضر شبحه في معظم القصائد حتى يبدو وكأنه المحفز الأكثر تأثيرا على اتجاهها الشعري، وطريقة كتابتها للقصيدة، استعراضا ومعالجة، حتى يمتد هذا الغياب ليبدو قاسما مشتركا في كل ما يقع داخل رؤيتها الخاصة لأشياء العالم.

من الناحية التقنية، لا بد أن يلاحظ القارئ وإن عن طريق الخداع، بأن السمة الأبرز التي يتمدد تحتها الشعر الأدونيزي، هي التلقائية. تلقائية هادئة، مشغولة بمزيج إنساني، يتنقل ما بين الغضب، والاعتراف، واللؤم، واللامبالاة، والرقة، والانكسار، والتعاطف وأحيانا محاولة تشتيت صورة تم سلخها مسبقا عن كيان الشاعرة نفسها، كأنثى.  يخيل لك بأن هذه القصائد مكتوبة بعصب واحد، عصب مئات الكائنات البشرية المتشابهة. ومن خلاله تتتالى عناصر القصيدة وتتكثف على الورقة وفي وقت قصير. وكأن المشاهدات اليومية التي تصيب عين أدونيزيو تترافق مع ردة فعل شعرية وسريعة تجرها للكتابة في الشارع، أو على رصيف مجاور لسوبرماركت، أو على كنبة مملة، أو في الردهة الجامعية، أو في غرفة مريض، وذلك بسبب قدرة الشاعرة على استيلاد القصيدة من حركة السوسيولوجي، والحياتي (لا يخص هذا البشر، بل يطال الحيوانات والحسي- اللامرئي كالذرة مثلا). يخيل لك بأن الشاعرة الجميلة واقفة شديدة القرب من موضوعها الشعري، أو على الأقل من كافة عناصره، لتدوّن شعريا ما تصادفه. لكن ولادة القصيدة هي بشرط الوجود المسبق لمحفز الكتابة العاطفي أو الفكري (سواء إتخذ ضعفا أو قوة).

أدونيزيو لا يزيح شعرها عن المربع الوجودي الشديد الغليان. تعمل ذاكرتها على تمديده أو تقليصه بحسب متطلبات التعبير عن وعيها، كما وبحسب كمية التوتر الذي هو يغلب على نبرتها الشعرية في أكثر قصائدها. من هنا تعمل قصيدتها على طي الزمن، لتكتفي بعصر المكان في الفعل الإنساني سواء كان هذا الفعل مباشرا أو غير مباشر. وهو يستلزم انسحابا إلى داخلها، إلى ماضيها الشخصي، المرتبط بفترة النضوج بشكل أساسي أكثر من ارتباطه بمرحلة الطفولة. هذا ما يصلك وأنت أمام سياق شعري رفيع وغير متشرذم، واضح وصارخ في آن معا دون أن يصاب بالتشتت. لأن نبرة كيم الشعرية تتفاوت من قصيدة إلى أخرى وذلك بهدف السيطرة على الوحدة العامة (كمغلف برّاني، أو كنواة شعرية جوّانية) لموضوعها.

وقصيدة كيم أدونيزيو ممنهجة ما بين الشكل الشعري والشكل القصصي (أو حكايا اليوم الواحد)، وكأن السياق القصصي شرط للتعبير الشعري ولتماسك الموضوع أو “الحبكة” أحيانا، الأمر الذي يقع ضمن المنظور العام للاتجاهات الأمريكية المعاصرة حول القصيدة. وإذ يستعاض بشعرية الفكرة على حساب فكرة الشعر، نجد غيابا للجملة الشعرية المنفردة، أو الاستعارة أو المجاز. ذلك أن الشكل القصصي يسحق الجملة الشعرية الواحدة بشكل تام، لكنه يجعل لبعض الجمل قيمة جمالية تشع بوقاحة في وجوهنا. تستعيض الشاعرة عن المجاز (كأحد أهم شروط القصيدة) والذي لا يزال كثيرون يعتقدون بضروريته. تنحيه جانبا وتختزله، باستعمالها أسلوبا تصويريا كليا يجري توظيفه من أجل تصوير مشهد شعري واحد، لكنه شديد الأناقة. هكذا يتم العمل على متتالية من جمل عادية، تتلاحق وكأنها أجزاء من مشهد عام، بل وكأن إحداها شرطا لوجود الأخرى. مفرغة من وحدة الزمن، وشيئا ما، المكان. فغالبا ما تتم الاشارة إلى المكان بتجريد عال، وما يهيمن هو الفعل الانساني خيرا كان أم شريرا، وهو الفعل الذي يؤسس لدراما شعرية الحياتة، تلتقطها الشاعرة بخلفيتها الخاصة- وعيها الخاص بالمحيط- الخسارة.. هناك الكثير من التروي عند كتابة هذا الشعر، بسبب ما تحمله الجملة الشعرية الخاصة به من مسؤولية. ذلك أنها جملة ثقيلة، مؤطرة بالخاص والعام في نفس الوقت، ومنفلتة من ركاكة التصريف، وتقريرية المعنى أو انزلاق اللحظة الشعرية. لتظهر بملابس الشعر- الموقف- الذي تجاوز لحظته للتو. لكنها والشاعرة الأمريكية المطلّقة والوحيدة، لا تقدم لقارئها شعرا متحذلقا أو متشاوفا، بل ولا تسمح لهذا القارئ الغريب بأن يسافر في تأويلاته بعيدا، أو أن يتجاوز العبارة المباشرة. كيم تضع من متلقيها تحت إمرة حيزها الخاص، بالمعنى المادي المرافق لضرورة العيش، أو متطلبات الحياة الخاصة والمدينية. وهي بذلك متخففة وقارئها مرتاح، ورشيق. يستطيع أن يستشعر قساوة شاعرته من دون أن يصاب بضيق التنفس.

وهذا هو سر كيم أودينيزيو، أن ترفع الأشياء البسيطة، من رمزيتها الوظيفية لتدخلها أولا في شراكة عاطفية تؤلف بدورها ذاكرة مغايرة، وأكثر نشاطا من الذاكرة السابقة أي الماضي. وتعيد ترتيب حياتها السابقة فيتم تجيير ما كان تفصيلا مهملا لإعادته إلى الحياة من جديد وإلى دائرة الضوء، لتؤنس وحدتها بها. بذلك تستطيع أودينيزيو رفع الحياة برمتها لتصبح حالة شعرية قائمة، وليهبط الشعر على مقومات الحياة التي تعيشها سواء كان ذلك من الكماليات أم من الضروريات. فيعاد تشييء الشيء، لوضعه في حيز آخر، له علاقة بالخسارة، وتصبح خسارتها الخاصة أكثر بريقا عندما تتشارك بها جميع ملامح الغرفة، البيت، الحديقة، الزوج- الحب السابق..إلخ. فتزيين الحياة، لا يتم بغير أشياء الحياة، ولا حاجة للاستعانة بسوريالية هنا، أو ميثولوجية هناك، ولا رمزية متعالية، ولا حس بامتلاك الأنا الشعرية. وهو تزيين بغرض محاولة ترتيب غرفة مشاعرها الخاصة، كي تبتعد مثلا عما هو مشترك اجتماعي وتدخل القارئ في قاموسها الخاص الذي تستخدم مفرداته لإعادة وضع العين على المشاعر بدل من أن تكون هذه المشاعر، هي ملك الجزء الأنثى منها.

وقلة هم الشعراء الذين يقومون بكتابة الشعر خارج المؤثر الحياتي اليومي كالمدينة والعمل والمنزل والمزرعة والتلفزيون والاحاطات البصرية العامة والتفاعلات الحسية كذلك والتي تشكل نسبة هائلة في حياة إنسان التكنولوجيا، والانسان الأمريكي المبرمج وفق السيستم والسرية. هنا تكمن براعة الشعراء الأمريكيين عموما، في تحويل اللحظة الحياتية العابرة، والخاصة بهم، أو نقل المشهد المألوف إلى المساحة الشعرية التي تتجاوز ثنائية الفعل- اللحظة. هذا الأمر يشترط توفر الحساسية التي تمكنهم من ولوج العالم المتكثف حواليهم في أكثر اللحظات انعطافا، لتفكيكه وفقا لمزاج فلسفتهم الخاصة وفهمهم العام لقوانين الحياة والطبيعة والجسم البشري (الصحة، المرض، الموت، ذبول العاطفة،..إلخ) وشروط البقاء في المدينة التي يمكن تشبيهها بفكي تمساح، في احتمال أن يطبقا عليك بشكل فجائي، سواء توقعت هذا أم لم تتوقع.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

فلورنس آي.. الشعر على طبق النبرة القاسية

على الرغم من اعتمادها على ما يطبخه الواقع وما تنسجه المادة داخل دائرة حياتها، لتحويله إلى مكوّن شعري، إلا أن فلورنس أنطوني تستطيع أن تترك ضوءها الخاص في مخيلة القارئ، وهو ضوء بقدر ما يسطع، يلسع في الوقت عينه. ذلك أن واقع المرأة الشاعرة، لا يضاهي واقعنا من حيث كمية الألم والدراماتيكية التي يحتويها، ذلك أنه واقع لا يرتبط فقط باللحظة الحاضرة، بل يأخذ الماضي حيزا هائلا منه، ليتجاوز الشخصي، أو ذلك الخاص بالشاعرة، فيتسع كماضي للحروب السابقة وشخصياتها، جنودها وبرابرتها، كما هو سكانها المجهولون، الذين مضوا ولم يعد لذكراهم أي نصيب لولا ربما حساسية الشاعرة الاستثنائية في بعثهم إلى الحياة على الورق.

يلفنا الفضول ونحن نقلب في قصائد الشاعرة ضمن المختارات الصادرة عن دار الجمل ودار كلمة بعنوان “سوداء كليلة البارحة”. ففلورنس أنطوني (آي)، ولدت في تكساس عام 1947، أما نشأتها فكانت في أريزونا، حيث عاشت طفولة مدقعة، وكان زوج أمها الفقير يحاول جاهدا التكفل بإعالة الزوجة وابنتها. تتعرف أثناءها على كتابة الشعر من خلال مسابقة شعرية أقيمت في مدرستها، ويدفعها ذلك إلى تجريب كتابة الشعر، لكن من دون أن تسمح لها الظروف بالاشتراك فيها (كان على العائلة أن تنتقل سريعا إلى مطرح آخر في بلاد العم سام). إلا أن ذلك التجريب سيسمح لها بالتعرف على موهبتها في كتابة الشعر، وكان هذا جائزتها المثلى. و”آي” تنحاز بشكل حاد إلى هذا الإسم بالمقارنة مع اسمها “فلورنس أنطوني”، وهو الإسم الذي اختارته بنفسها ويعني “الحب” باليابانية. نالت “آي” جوائز كثيرة من بينها “ناشيونال بوك أوورد” و”أمريكان بوك أوورد”، وهي تمارس تدريس الأدب الياباني في جامعة أوكلاهوما، وهي تقيم في الولاية ذاتها. الشاعرة الأمريكية ذات الأعراق المتعددة والممزوجة بشكل عجيب في داخلها، لا تسمح للواقع المرمي حولها، وعلى رغم كثافته، من فرض نفسه كقلب مادتها شعرية، لأنها لا تختاره كواقع- كمي، أو كمعطى جاهز، ذلك أن ما يهمها منه، هو الجانب المتعلق بها شخصيا، ومن هنا فإن شعرها وبسبب اتساع رقعته الانسانية، لا يمكن أن نقرأه بمعزل عن معرفتنا بملامح عديدة من حياتها الشخصية. وبفضل ذلك، يأتي التركيز في قصائدها على كل تموضع خفي في المجتمع، كالعنف المنزلي (علاقة الأب بالإبن/ بالإبنة وبالعكس)، والعلاقات العاطفية والجنسية الفاشلة، والشنق (قصيدة الجلاد)، وردات الفعل الشخصية لأفراد معذبين ولمراهقات، (بمعنى السلوكيات السلبية غير المعروفة على الملأ والتي تبقى اجتماعيا، في إطار ردات الفعل الشخصية لا أكثر ولا أقل)، بكافة صوره، دون أن تنحاز في نهاية الأمر سوى للشعر، الذي يرتفع أعلى من نبرة المعنِّف والمعنَّف في النص المكتوب.

لكن العنف الذي تصر عليه فلورنس، لا ينسحب فقط على شخصيات صورتها جاهزة للقارئ، بل أيضا هو عنف يتم إعادة تشكيله في المنازل والبيوت والشوارع الضيق، أي أن العنف المختبئ تحت ستر العائلة الآمنة، حيث قسوة الأب، أو قسوة أحد الأبناء تجاه بعض أفراد العائلة. هذه القسوة تعطي انطباعا مرافقا للشاعرة التي ولدت لأب ياباني أقام علاقة عابرة مع أمها في محطة بنزين، الأمر الذي سوف يؤثر على صورة الأب في قصائدها، والتي تصل إلينا دوما مطعونة بالتشرذم، والقسوة والسلوك الشرير عموما. كما يعاد تظهير الإبن على أنه حاضر لممارسة عنف ما تحديدا تجاه ذلك الأب (ويمكننا من ذلك الإستدلال على جانب من فكرة الأب المرسومة في ذهن الشاعرة المصدومة بفقدانه من الأساس). مواضيع أخرى تشكل حيزا لأن تتحرك الشاعرة فيه، هذه المواضيع مثل الفقر، ونواتجه (وهي الخلفية الاجتماعية التي تربت في ظلها عندما كانت طفلة).

“آي” واحدة من شاعرات أمريكا المعاصرات، ذوات النبرة الصادمة التي تبلغ العبث في بعض الأحيان. وهي لا تكترث لأي موروث شعري، أو أي ارتباط أو التزام أدبي بمعنى اتباعها نهجا كتابيا، فلا هي اعترافية، ولا هي رمزية، ولا سوريالية، ولا حتى واقعية كليا، لا ترسم لنفسها السير على خطى شاعر أو آخر، أو على سكة شعرية جاهزة بقدر ما تلتزم اعتقادها بالجمال الموجود في كل ما يحيط بها. لكن هذا الجمال المديني، لن تتم ترجمته إلا عبر المرور بكينونتها كأنثى، والتي هي بالتالي معبر لحديقة أخرى قوامها: الجنس والألم (بشقيه الرومنطيقي والفيزيولوجي).

هذان الاتجاهان يتقاسمان شعرها. من هنا تجد أن اللصوص مثلا، والقتلة المشهورين، والمجرمين الذين نالوا لقبهم من خلال أفعالهم اللاأخلاقية، تجد كل هؤلاء يعودون إلى مسرح الحياة، موضوعون داخل أنبوب من الشعرية العالية. وهم غذ تستخدمهم الشاعرة أنطوني، في قصائدها، فإنما لتعيد منحهم وجها إنسانيا فقدوه أو أفقدتهم إياه الحياة. وهو وجه ليس تجميليا بكل الأحوال، وفلورنس لا تقع في خطأ الحكم الأخلاقي عليهم، أو إعادة محاكمتهم، بل هم موجودون لتقول الشاعرة من خلالهم، بأن الشعر لا يقتصر على مواضيع الخير، والحب، والسعادة، والحلم، والفرح، وأسى الفقد، ومناورة الحياة، بل يتخذ الشعر من نفسه مستوعبا كبيرا يستطيع فيه أي فعل أن يعاد اكتشافه، لقراءته مرة أخرى، واستشفاف الإنساني منه. وهؤلاء هم وليدة مجتمع سواء ميكروسكوبي (على مستوى العائلة) أو ماكروسكوبي (على مستوى النظام الحياتي الأشمل). وهو ما يفسر اختيارها لشخصيات سياسية مترافقة مع دراما حياتية كروبرت أوبنهايمر، مارلين مونرو، ليف دافيدوفيتش برونشتاين، جون كنيدي، جيمس دين، ياسوناري كاواباتا، ميشيما، جايمس رايت، وابن عمها جون (قصيدة مرثية) وغيرهم.

تمد شخصياتها بعذابات متخيلة، إضافية وذات وظيفة محددة، وهي ترسيم ذلك الاطار الشعري بناء على تفاصيل ألم تلك الشخصيات (أعيرة الرشاش الآلي/ أصابت زوجتي في رجليها/ ثم رسمت خطا متعرجا على جسمها/ اخذت المقص/ شققت ثوبها/ وتمددت فوقها ساعات/ اخترق الدم ثيابي/ وحين حاولت النهوض لم أستطع/../ أستيقظ عندئذ. كابوس آخر./ أنهض عن مكتبي، أمشي إلى غرفة النوم وأجلس أمام مرآة زوجتي). لكن سؤالا سيبقى حاضرا وهو: هل رحيل “آي” بشكل خاص إلى السياسة ورموزها الأشهر في فترة طفولتها (كممارسين أو متعاطين أو لغويين أدباء وشعراء، أو فنانين)، هو محاولة لإعادة تفكيك النظم التي كانت تحيط بكل واحد منهم، كما وإظهار هشاشة الأسباب التي شكلت مفصلا في التاريخ العالمي الحديث بشكل عام والأمريكي بشكل خاص؟

لن تتكل الشاعرة على المنطق الحسي المباشر لتصوير الزمن من خلال أبطالها، وبدل من ذلك، يجري إعادة هذا الزمن إلى الوراء بالتوازي مع الفعل الذي يحدث، أي الذي يتحرك بالمنطق الفيزيائي في اتجاه واحد، أي إلى الأمام. وبالتالي، فإن الزمن يذهب في اتجاهين متعاكسين عند هذه الشاعرة الإستثنائية، فهو أولا زمن يتحرك إلى الوراء بحسب تصوير تفاصيل الأبطال وما علق على وجوههم وجباههم، وثيابهم وأصابعهم، ومن ثم يتم تفعيل هذه الشخصية او تلك (وهي شخصيات لم تعد على قيد الحياة، ومعظمها مهمل أي أن لا أحد يتذكره)، وتفعيل الشخصية لا يتم إلا من خلال استحضار لمقطع من الماضي وزج الشخصية فيه (قصيدة الوادي)، وبالتالي فإنك لا يمكن ان تعيد كتابة شخصية ما، أو الكتابة عن شخصية ما من دون أن تبدأ من حيث انتهت هذه الشخصية، وهي تنتبه بشدة إلى وجودها بالمقابل، فهي لن تغيّب أبدا نفسها على حساب الأولوية المعطاة لشخصياتها، ولذلك يتداخل صوتها الخاص كشاعرة مع أصوات أبطال قصائدها، وإذا كان صوت أبطالها آتيا من تجربة جد شخصية، وتاريخية بمعنى ارتباطها بمؤثر تاريخي (كالحرب مثلا)، فإن صوتها الخاص كشاعرة، ينبع من تعدد انتمائها العرقي (تصف نفسها بأنها نصف يابانية، ثمن شوكتية نسبة إلى قبيلة شوكاتو الهندية، ربع سوداء وواحد إلى ستة عشر ايرلندية). وهو التعدد الذي ينفخ فيها الرؤية باتجاه تمدد انساني، لذلك تراها مستنبطة شخصياتها باستخدامها العدسة الأشمل، بتصويبها على شخصيات عاشت في ظروف مختلفة، لكن ذلك لم يمنعها بأن تتوحد فيما بينها بالألم، وكأنها تقول بأن مهما اختلفت مزايا المؤسسة الاجتماعية والمترتبات السياسية، فإن البشر محكومون بالعذاب، وهو العذاب الذي يصنع لكل منهم صوته الخاص. وهذا المؤثر للتعدد العرقي يشحن بطاريتها بطاقة شعرية هائلة، تدفعها على القفز فوق المعطيات البشرية المتعلقة بالقومية والخيارات السياسية، والجغرافية والهوية. وقد لا نغالي إذ نقول بأن “آي” هي الشاعرة الوحيدة التي تستطيع ولوج أي زمن سابق من دون أن تفقد إحساسها بالزمن الحاضر والواقع الذي تعيشه.

 مازن معروف – جريدة النهار 2009