رياضيات

يضع بين أسنانه سيجارا ً نيئا
يمضغه
يرسم في الهواء خيطا ً متينا ً وأفقيا ً بارتفاع ثلاثة سنتيمترات
وسبعة مليمترات ونصف عن الأرض
ثم
وعلى ارتفاع متر وعشرة سنتمترات ومليمترين
يضيف نافذة جميلة
يباعد بين الخيط والنافذة مسافة تكفي لأن يتعثر بالخيط
ويهوي مائلا
ويرتطم عنقه بخشب النافذة
ويفلت رأسه المهترئ
ويسقط على المارة الذين نسي أن يرسمهم.
مسافة تكفي لأن يحس لاحقا ً بأنه سيجار
نفض أحدهم رأسه بضربة واحدة
وتركَه على حافة النافذة
ومضى

من كتابي “ملاك على حبل غسيل” – دار رياض الريس 2012

Advertisements

إميلين

1 –

كل شيء يبدو بائسا، أو بطيئا عند الدخول إلى ماكينة الحياة التي لا ترحم أو تغفر لأحد أخطاءه. المدينة، بكل ما تحمله على ظهرها. ظهر المدينة يبدو متعرجا، محدودبا أو مسطحا، أو مثلا دائخا. إنه ظهر واحد للوهلة الأولى، لكن له أكثر من عمود فقري. المدينة تحمل البنايات، الزراريع، تستقبل حبات المطر المنهكة من محاولات القفز المتكررة من على ظهر الغيوم. للغيوم أيضا ظهر. ولفرط ما كانت تنظر الى الناس وتضحك عليهم، صمموا على أن يبلغوها ذات يوم. أن يزرعوا نبتة فوقها ومن ثم أن ينتظروا أن تنزل شروشها في الهواء، حتى تبلغ سطح الأرض. ليتمكن الناس بعدئذ، من الإمساك بتلك الجذور ويشدّوا الغيمة الى تحت. كانت تلك الزراريع المفترضة فخاخا صغيرة، وديعة، وساكنة من أجل الإيقاع بالغيوم وتعبئتها داخل مرطباناتهم، كي تمطر ماء للشرب في المطابخ الفقيرة، لا على الطرق.

2-

هنالك دوما أحد ما سيترك كيس نايلون في جيبك الخلفي، ويغادر المدينة. لأنه يعرف أنك سوف تصاب بالاختناق، بعد قليل، بعد هذه اللحظة بالضبط. سيكون امامك أن تتخلص في حركة أكروباتية من ثيابك كاملة، لتبقى عاريا. مزلطا ومكسوا بالشوك، كالأمل. لن يستطيع أحد لمسك مجددا، لمس جسدك الذي سوف ينفجر عند أي محاولة لأحدهم وضع إصبعه على… أنت، عليك. ستُخرج رئتيك أولا من وسط العظام المكومة بعضها فوق البعض، ستتنهد لأنك نجحت في إخراج رئتيك من كومة العظام. لكنك لن تعرف ماذا تفعل بتلك الرئتين، ربما ستقوم بتقطيعهما قطعا صغيرة، ثم توزعها على رواد المقهى، حيث أنت هناك. توزعها على أنها علكة. منتج جديد. تتبدل نكهته الكريهة بعد بضع دقائق. ثم تحدق الى جميع أولئك وهم يمضغون العلكة (كلانا نعرف أنها ليست علكة، بل نتف من رئتين). يمضغون ويواصلون ما كانوا يفعلونه من دون اكتراث بك. وأنت لا تزال تتفرج. سترى نفسك أيضا، جالسا معهم. أعني جالسا الى طاولة وحدك، لا تكلم أحدا ولا تسلّم على أي كان. تأتي ثقيلا، بكل تلك القضبان الحديد في شفتيك. سبعة وعشرون قضيبا وضعها الطبيب في شفتيك. تسعة عشر في السفلى، والثمانية الباقية زرعت في الشفة العليا. من أجل ألا يصاب فمك ذات يوم، بالتلعثم أمام امرأة جميلة. هذا ما قاله الطبيب لك. كنت طفلا جميلا. ووافق أبوك هازّاً برأسه، على ما قاله الطبيب. لكنك تعرف أن ثقتك بأذنيك كانت عالية، لهذا لم تصرخ في وجهها. سمعت الطبيب يهمس لأبيك بالإنكليزية بأن الشفة العليا مصابة بالتصدع، واحتمال كبير أن تنهار نتفا نتفا فوق السفلى. سيكون محكوما عليك العيش بشفتين ملتصقتين، بل بوجه نازل قليلا إلى تحت. ستدرك عندها قوة الشفاه. شفتك العليا نازلة ساحبة معها الوجه كله قليلا إلى تحت. والوجه ساحبا معه الكتفين، لتظهر وكأنك مُنحن. لهذا تمشي منحنيا. يظنك الناس كذلك. المسألة كلها ليست سوى خطأ في تقدير ثقل الشفة العليا. الشفة التي لم تستطع أن تحمل الثمانية قضبان التي وضعها الطبيب. نزعتها في الحمام الملاصق لغرفة العمليات. نهضت عن السرير، متذرعا بمثانة ممتلئة. خرجت لتنزع القضبان جميعها. ووضعت مكانها رفاصات. هل تذكر النوابض تلك التي انتزعتها من سريرك لأنها تشعرك بالغثيان وبأنك عائم. النوابض التي كنت دوما تحملها في جيبك الخلفي، حيث الآن كيس نايلون، أخرجتها أيها الصغير، بينما أبوك والطبيب يتحدثان في أمور طبية. أخرجتها كلها، سبعة وعشرين نابضا. وحدقت مليا الى وجهك. لتعود إلى غرفة العمليات بعد أربع وأربعين ثانية وإثنتي عشرة دقيقة وابتسامة. لم يلاحظ أحد تبدلا في الوجه. تحديدا في الشفتين. النوابض تلك التي لم تسمح لنفسك بخلعها من شفتيك، كل تلك الفترة من حياتك إلى أن كنت واقفا هناك أمام البيانو الأسود الكبير تُقبِّلك إميلين.

3-

ستعبران الشجرة الأولى. الشجرة المتسخة. التي تبتسم كبائعة أمامها سمك بائت. ستقف أنت وتهز الشجرة. لكنك لن تستطيع. لأن أحدا لا يستطيع أن يهز شجرة، بلا عضلات أو أرض معترف بها رسميا. أبطال الكارتونز يفعلونها أحيانا. يهزون شجرة عملاقة، فقط بهزّ ورقة واحدة منها. الشجرة عندها من نفسها. تلتفت إلى هذه الفكرة. أبطال الكارتونز. الأشياء حولك ملونة ولزجة. كأنها مرتبة فقط منذ قليل من الوقت. ملوّنة كأمكنة الكارتونز. ومُرّة في الوقت نفسه. لذلك فأنت لا يمكنك مد لسانك ولعق الشوارع، كما كنت تفعل قبلا. ليس في إمكانك فعل ذلك الآن. ليس لأنك الآن نظيف أو جنتلمان بل لأنك لا تريد الإلتصاق بحافة أو عمود معدني أو لافتة أو يد شحاذ. يد الشحاذ هنا هي عبارة عن خطأ في تقدير كمية اللون المطلوبة لرسم زرّيعة. ستهز الشجرة بعنف. الشجرة التي ابتدأت بها هذا المقطع. لكنك لن تلهث. ولن تبدو عاجزا. لأنك مشيت لتصل. وليس لأن تمرّن عضلات الساقين. خطأ في تقدير الوقت اللازم لشفاء شجرة من الخرس. لكنك لا تأبه. أيها العنيد في موته وفي حياته، وفي إصراره على البكاء خلف قنينة الغاز المفتوحة. وفي ارتداء السراويل التحتية البيضاء، التي تفضح تسلل مجموعة من حيوانات منوية صغيرة خارج العضو الذكري. تتسلل وكأنها في تلصص لاختبار نظافة العالم قبل النزول إليه. حيوانات منوية لا تكترث بأيّ رقعة جغرافية أنت تنتمي. لا تكترث بهويتك كفلسطيني، ولا بالقلق الذي تحمله بين ضلوعك وتفوح منه رائحة نتنة. حيوانات منوية وحسب. ولن تسألك الظهيرة عن الركبة التي أنت تركل بها الطابة. تتخطى أول شجرة، الثانية… السابعة. تصل إلى شجرة صغيرة. توشك على التحدث معها. على هزها. تمد إميلين ذراعها نحوك. تَوَقّف قليلا. يدها تمسك بفمك. تقول إميلين للشجرة: “أما أنتِ، فما زلت صغيرة… عودي عندما تكبرين لنتحدث معك”.

4-

ستعرف ذات يوم أن الحب، لا يمكن أن تجده بأن تتسلل بين نثارات التبغ في الكيس الفاخر ولا بأن تغطس في فنجان القهوة. لكنك ستكون عنيدا، كزيز يحاول اختبار العيش داخل سخّان ماء في الصحراء. ستغطس. غامرا رأسك وأنفك وشحمة أذنك، والجرح في حاجبك الأيمن، بالسائل الأسود. القهوة. لن تعوز سوى قشة عصير مستعملة، للتنفس. وعلبة كبريت لإضاءة الظلام المختبئ بين حبيبات البنّ السوداء. ستسأل عن عدد الأذرع التي قطفت، وطحنت، وحملت تلك الحفنة الصغيرة من المادة الداكنة لصناعة هذا الفنجان الصغير الذي سقطت أنت فيه. وإميلين تتأملك. هي لا تزال جالسة على حافة الفنجان. فوق. لن تكون مجنونة بقدرك. وستكتفي من وقت الى آخر بالاستماع الى هدير الشاحنة، التي وضعتَ أنتَ عليها كل كلماتك. كُلَّ ما حفظته من الكلمات. الشاحنة التي تدفشها بذراعيك المستعملتين في وقت سابق، لتنظيف أكشاك الحمّام، وفرك بلاط الصيدلية، وبيع الجرائد، والتنقيف على النجوم الزنخة، ومطاردة الفراشات التي تنكز رأسك من تحت المخدة. وإميلين قدماها الصغيرتان تركلان جزيئات الهواء بفرح. والظلال التي تتوارى تحت أظفارها، تبدو ملائمة للعب الغميضة هناك. وأنت ترسل لها القُبل المجعلكة، كلاعب بايسبول. وشعرها طائرة صغيرة لن تسمح أنتَ لذلك الولد الجميل، بأن يستعيرها ويمتطيها ويهرب بها. ومن قال لك إن ذلك الولد الجميل، جميل بحق؟ ستحدق أنت الى عينيه، ويفعل هو بالمثل. ستتبادلان جملة اعتراضية عن الوطن. على الأرجح شتيمة، أو بصقة. ثم ستتصافحان. لكنك بعد ذلك ستشعر بندم. ندم يتسلل كخيط إبرة، تحت الجلد. قبل أن يدخل في الجدار المقابل لك. في السقف. في فتحة الحنفية. في علبة الأحذية. في ابتسامة ذلك الرجل الذي لا تعرفه. وفي نعاس القطة. وفي سلّة السمك التي نسيها صياد على المقعد الخلفي لحزنه الذي على شكل دراجة معدنية. والوطن الذي أرسلته بعيدا بعيدا، ثم ادَّعَيْتَ أنه فضّل البقاء هذا اليوم في المنزل، لأنه أصيب في ركبته، ببصقة أحد الأطفال في المخيم الفلسطيني. هل تتذكره؟ لا. ذلك الوطن. الأفضل أن تعلّقه في سلسلة تتدلى من لسانك كدولاب يويو صغير. يبتعد ويقترب وفقا لكيفية تحكمكَ أنت بأعصاب الرأس واللسان بشكل خاص. وهذا أفضل من أن تجعله، ينفرد بك خلف حبة فوشار سمينة، في أحد الأحلام. وإميلين تناولك ممحاة صغيرة، لتزيل بها وزن العالم الزائد، والعجلات التي لم يعد في حاجة إليها، هذا العالم، للتنقل، على كرسيه المدولب. وهي تضحك. كطفلة تخفي وراء إصبع قدمها، المرفوعة عاليا في الهواء، تظاهرة من الفزاعات التي لم تعد تجد عملا، منذ صارت المدينة، مدينة.

5-

لن تقول مرة أخرى شيئا مفيدا عن الأمل. لن تصحبه معك إلى الحانة، لتُسكِرَه، ومن ثم تغرقه في المغسلة. أو تحشر رأسه في جورب ياسر عرفات غير الظاهر في الصورة. لن تضحك عليه حين يعلق كحبة دواء داخل تجويف عين نملة كفيفة. ستقول له، أنت مجرد أمل. وأقل من أن تكون قشة، لتغطية جرح بسيط. ولست حتى حيوانا أليفا لتقف أمام السفارات وتخرّ بدعة، طالبا العلكة أو ما تبقّى من سندويشات الحراس. أنت مجرد خرافة محشوة داخل بلعوم المطرودين من الحياة. ولن تحاول إخراجه من فم الديك بالقوة. ولن تقدمه الى الغرباء في المناسبات السعيدة، على أنه كيس مصل يعمل عندك. ولن تخلطه مع الشاي المثلّج، ليبدو كأنه بصقة صدّقت في وقت ما، أنها حامضة سعيدة، في الإعلان. سيكون مجرد أمل يتكمش بمؤخرتك كذيل دبق، تطرد به الأصدقاء، حين يتضاءل حجمهم، وتجذب به ذبابة ريفية، من ضيعتك البعيدة.

6-

وأصوات الرصاص، التي كانت تثير فيك الرغبة في الضحك. ستأتي أنثى الزيز الآن، وبعد كل تلك السنوات، لتضع بيوضها في جوف الخراطيش المعدنية الفارغة. سترحل إلى هناك. وحيدا مرة أخرى، لتخلع قدميك وتضرب بهما تلك الرقعة الاسفلتية، حيث كان مقاتل ينام، ويلهو بالنرد ويكافئ نفسه ببعض الأمل. تلك الطلقات الفارغة، ستنهض مرة أخرى. بعد أن تكبر الزيزان الصغيرة داخلها. ثم تطير متعرجة، في الهواء. وكأنها بطاريات محدودبة، ورخيصة الثمن، في غرفة تجارب تابعة لوكالة فضاء، حيث افتقار الجاذبية أمر غير مقلق. حيث إميلين في غرفة مجاورة، تعمل على وصل النجوم جميعها بخيط واحد، قبل أن تسجل إسم أول نملة تمشي على ذلك الخيط.

7-

ستفتح كتابا عن الحرب. وترسم حبّك لإميلين كحائط مقشور في إحدى صوره. وليس على إحدى صوره. هناك فارق هائل بين على وفي. أي أن حبّك سيكون جزءا من المشهد العام المفزع في ذلك الوقت. إذاً، من الأول. تُكرر: سترسم حبّك قرب سيارة إسعاف بثلاثة دواليب، يجري العمل على إصلاحها قبل استئناف إطلاق النار. أو مثلا ترسمه بعد الذراع المقطوعة بقليل، وتحديدا قرب النبتة التي تضحك في الخلف. وقد يحتمل كذلك أن يكون حبّك قديما. كعلاّقة مفاتيح مثلا، في جيبة مفكّر نسي يديه مرة على حافة مصنع الشوكولا. وذهب إلى المنزل. وهو في انتظار تلك اليدين لتأتيا ذات يوم وتفتحا له الباب.

8-

حبّك آخذ شكل قشة معقوفة، تسند جانبا من السماء التي توشك على الوقوع. رائحة الدم تتسبب عادة بدوخان الأشياء الواضح أنها عملاقة. كمخزن الفاكهة. وحمالة القنابل الهيدروجينية. كصحون الطعام التي تنكسر بلا سبب في المطبخ. والمشكلات العائلية التي تتدحرج على الطريق. والقجة المخلوع بابها المعدني لدخول الخيبة. أيضا كل الأشياء التي نحلم كذلك بأن تكون عملاقة ذات يوم. كأول تسديدة كرة سلة. وأول قصيدة. وأول تظاهرة ضد جيش العدو. وأول لكمة على العين. وأول قبلة على درج بناية. وأول رقصة بريك دانس في الحمّام. وأول استعمال للشوكة والسكين. وأول غسيل معدة على سرير غرفة طوارئ. ذلك ما سيجعلك فخورا. حبّك أيها المرخيّ، يسند السماء. لكن السماء مائلة من الجانب الآخر للعالم. حيث الفراشة الصغيرة تدور داخل طنجرة ألومنيوم. وتعود الى إميلين مرة أخرى. سترسم طريقة حكيها، على مسكات الأبواب في ممر المستشفى، حيث كنت قبل أربعة وعشرين عاما ممددا في الغرفة التي ذكرتها منذ بضعة أسطر. وترسم طريقة سعالها على بلاستيك خزانات لعب باربي. ثم تأتي بإبرة، لتمتص بعض اللون الأصفر من الشمس. وتعبئه في كيس خيش، لدهن زجاج البيوت في أوقات الفراغ. ولأن الشمس إذا ظلت ثخينة وبهذا الحجم، فهي لن تتمكن من لعب الروليت معك حين يكون مزاجك سيئاً. ستتنازل عن الشعور بالارتياح الذي يتسبب به توقف سقوط الشوك المعدنية عن الدور السابع. ثم ترحل إلى أقرب ملجأ نمت فيه، وتترك الملصق معلّقا فوق أحد الثقوب. ثم إلى أقرب سلة باسكيت بول صنعتها من كرسي خشبي مجوّف عندما كنت في الصف التاسع. تُجَعْلِكُ الملصق وتقذفه داخلها. ولن تسأل من دعا الملصق إلى هذا المشهد. الملصق الذي نزعته من أحد الأزقة، من دون أن يراك أحد. وعلّقته ليتدلى من سقف غرفة إميلين الصغيرة، وصدّق أنه قمر حملتْهُ الجنيّة التي عرفت أنهم سيقطعون التيار الكهربائي. ستكون إميلين واقفة تحته، في انتظار أن يضيء، كأنها حديقة من أطفال يحاولون إخافة العتمة، بأسنانهم الصغيرة.

9-

أسنان صغيرة على وشك أن تسقط
على وشك أن تصير في الهواء، فراشاتٍ غائبة عن الوعي

مازن معروف – جريدة النهار (الملحق الثقافي) 2010

العودة إلى دوستويفسكي

العودة إلى دوستويفسكي، أو “تلك العتمة الباهرة” للطاهر بن جلون. 40 في المئة من الناس اختاروا ألا يقرأوا كتبا على الإطلاق طوال حياتهم. كل كلمة تشبه ذئبا يعوي في اتجاه ما. كل عتمة تشبه قياسا ما. قياسا لنقاوة الدم، نشاط خلايا الدماغ، قدرة الكائن على سلخ فكرة الموت كأنها فروة تحتية بين جلدة الرأس والجمجمة. في الشهر الماضي، تلقى كاتب فلسطيني في غزة استدعاء من سلطات “حماس”. قيل له إنه سيُسأل عن بعض الامور. لم يعتقلوه عنوة. ادخروا حصته من المذلة لتبديدها عليه في غرفة التحقيق. عُصبت عيناه في الصباح التالي بعيد وصوله إلى مركز الشرطة. ثم ألفى نفسه واقفاً بعد وقت ما الى جوار شخص لا يعرفه. سنسمّي الشخص برهان. ضُرِبَ برهان على جسده، ثم أُمِر الكاتب بالضحك عليه. رفض. ضُرِب بدوره، وعُذِّبَ في غرفة الحمام قريبا من الكرسي، الكرسي المستخدم لإفراغ الأمعاء من زوائد الطعام. بروتينات مسحوقة، وجزيئات نشويات عملت عليها العصارات لتحطيمها، ثم سلكت في الأنابيب المعوية طالبةً الخروج. لا نعرف المدة التي استغرقها آخر من جلس على الكرسي لتخفيف وزنه من المواد الفاسدة، وهذا في كل حال مهم. بعدها وقّع الكاتب ورقة، وخرج. لكن، كان عليه القدوم مجددا في الصباح التالي. قيل، لإنهاء الإجراءات. لم يتغير شيء. عولج الكاتب بحصّة تعذيب أخرى. ثم أطلق سراحه. في اوائل التسعينات من القرن المنصرم، صُدِم العالم لوجود معتقل تحت الارض، في حفرة، بعيدا من النور، معتقل في الظلام إسمه تزمامارت. في أحد بلدان المغرب العربي. أُزيل في ما بعد، ووضعت مكانه شجرة سنديان كبيرة، أعني وضعت بالقوة. أحد الناجين روى قصة صموده في تلك الحفرة لمدة عشرين عاما. بلا ضوء. بلا جسد. كان عليه إبقاء دماغه حيا. دماغه فقط. حياً، يعني نظيفا، فارغا. خالياً من نشارة الذكريات. كتب الطاهر بن جلون قصته في “تلك العتمة الباهرة”. رسالة أحد المعتقلين الى زوجته أودت بالمكان، وبالعتمة أيضا. أي أن حفنة من الكلمات فعلت ذلك. كانت هي الأمل. والأمل هنا كلمة طرية، فاقدة العظام، هلامية، كحيوان بحري بدون عمود فقري. كلمة ضعيفة جدا وليست في الضرورة تحصيلاً حاصلاً. كلمة لا محل لها في الفوضى الانسانية. عندما كان أستاذ اللغة يصر على إقناعنا بقوة الكلمة وسلطتها، كنا نضحك سرا. نسخر منه. ففي بلادنا، ليس للكلمة أي مغزى. إنها عبء. أمرٌ علينا توارثه مرغمين. لم يقل الاستاذ إن الكلمة وحدها لا تكفي، يلزمها تخصيب. تماما كالأورانيوم، أو كالرحم. نحن مغمّسون بالأحماض الأمينية الحارقة. من بين ملايين الحيوانات المنوية، واحد فقط ينجح في الوصول إلى البويضة. الرحلة شاقة، يموت الباقي خلال سباحته داخل الرحم. يحترق. أحماض يفرزها الجدار الأنثوي بغية الحماية، أو ربما لأنه ضجر. تموت كلمات عديدة نكتبها. تموت من تلقاء نفسها. الضجر مرة أخرى. تموت لأنها لا تخصّب إما لِعِلّةٍ فيها وإما لعلّة في قارئها. “ويكيليكس”، الموقع الإخباري المتخصص في نشر الوثائق السرية، أخضع البنتاغون له. واشنطن لا تدري كيفية التملص من هذا المأزق. نشر الموقع الالكتروني سبعا وسبعين ألف وثيقة سرية عن الحرب في أفغانستان. فضيحة تزمامارت. تماما كفضيحة القتل من غرفة مكيفة بالريموت كونترول. تجلس الفتاة في قمرتها في واشنطن او نيويورك او حتى قريبا من مدينة ملاهٍ. مجهزة بمقبض، تحرك بواسطته طائرة بلا طيار. من مسافة آلاف الكيلومترات. يتحول الهدف افتراضاً. لا دلالة على إتمامه إلا ما تبعثه لك الاقمار الصناعية. قتل على طريقة الـ”بلاي ستايشن”. يعلن لاحقا سقوط مدنيين بغارة من طريق الخطأ. تخسر الفتاة. عندما يحذف أحدهم مقطعا من كلماتك، فأنت تخسر أيضا. لا. هو من يخسر. أو هي. لا فرق. أنت تفتقد فقط. تفتقد الرغبة في الكتابة مجددا. لأنه عالم من التسويات. الطريف أنك عندما تشتري لوالدتك نصف كيلو من الطماطم الحمراء والصلبة، فإن البائع لا ينظر في وجهك. لا يهمّه من تكون. معدة. مجرد معدة. وستُفرغ تماما بالطريقة نفسها كما آخر رجل دخل حمّام التعذيب في غزة. على الكرسي. جلوساً. العودة إلى دوستويفسكي، لفهم الشخوص، الكآبة، الجريمة، الفرح، الغضب. لتبرير كل شيء. حتى أن “شْرِكْ” الغول صار محببا. جميلة هوليوود أحيانا. ذكية دائما. صفحاتنا التي نكتب فوقها، مثقوبة. تنزّ منها الكلمات. لذلك لا يبقى أثر لما نكتبه. وهذا يبطئ من تزايد وزن العالم. يبقى أن الكتابة في بلادنا، تمرّن على توقّع رائحة ما بعد إحراق جثة. وهذا سيتكرر في انتظار فيضان شبيه بما يحدث في باكستان، أو غضب تربة – كما في الصين – وسحل نفسها على مئات الناس النائمين مثلنا. لا فرق، طالما أننا سنستيقظ في الوحل

مازن معروف – جريدة النهار 2010

إلى فيتوريو أريغوني

كليك. صفحة بيضاء أخرى تفتح على شاشة اللابتوب. سيكون علي ملؤها بالكلمات. أقصد، الكلمات المفيدة. قدر الإمكان. كليك آخر على أحد المواقع الأخبارية. “العثور على جثة ناشط سلام إيطالي وصحافي في غزة”. في العادة، لا أكترث لمثل هذه الأخبار. لا يستوقفني الضحايا الأبرياء ولا الضحايا غير الأبرياء ولا الضحايا السذج ولا الضحايا النادمون لأنهم أصبحوا ضحايا ولا الضحايا لحظة يدركون المأزق الأخير لهم في الحياة، المأزق الحتمي، ذا الاتجاه الواحد، المأزق التصاعدي، الذي يكون عليهم تسلقه حتى أعلى نقطة فيه: الموت. الضحايا لا يستوقفونني. ليس استهتارا أو استخفافا، بل تخففا من الجدال الذي يحتم عليّ حالهم أن أعيشه مع نفسي. يضعني الضحايا أمام سؤال اللاجدوى. أتشردق. لماذا لا نستقيل من هذا النشاط الاجتماعي، ونترك الأمر للطقس مثلا؟ الزلازل. الهزات الإرتدادية. إنزلاقات التربة. الفيضانات. التغير المناخي. الاحتباس الحراري. الإنقراض. أليس الطقس جديرا في تغيير موازين القوى على هذا الكوكب؟ فلنقدر القوة (بمقياس إسحق نيوتن وحده) اللازمة لهزة أرضية لتدمير مفاعل نووي. فوكوشيما مثلا. أو لهدم مخبأ لسلفيين يحتجزون ناشطا إيطاليا. ولنكن أكثر تحديدا، مخبأ لسلفيين يحتجزون ناشطا إيطاليا لأن لديهم مشكلة مع حركة إسمها “حماس”. مع إفتراض أن الهزة اللطيفة ستحدس رائحة الناشط، خوفه، توتره الأخير، لون العصبة السوداء التي على عينيه، المسافة بين شفتيه المفتوحتين، كتفيه الساكنين، سماكة الأصابع التي تمسك برأسه من الخلف وتثبته أمام كاميرا. نفترض ذلك لأننا إنسانيون، وهذا متناقض تماما مع توق الاستكانة إلى الطبيعة، الإستعانة بغضبها، أعني، ما كنا نقترحه قبل قليل. يبدو الأمر عبثيا. لا مفر. حسنا الإنساني التافه يرصدنا، إنه كزينة باهتة تتدلى من سقف غرفة بعد حفلة عيد ميلاد. إنسانيتنا، لا مفر من الإصطدام معها. الآن مثلا. تسألني كارلا عن الهدية التي وعدتها بها لأنها انجزت امتحان الرياضيات بنجاح. كارلا لا تحب الرياضيات على أية حال. تكتب لي على الماسنجر متسائلة وغاضبة “اين الهدية التي وعدتني بها؟”. لا أعتذر لها. لا أرد. هل أقول لها بأنني مشغول بكتابة تحليل عن الإنسانية، او عن لحظة سقوط الإنسانية في الحفرة؟ كارلا في الصف الخامس، وهي لا تكترث، وهذا أفضل. يكفيني أن أحب البلاد من بعيد. فلسطين. أنا البسكويتة، وأنتم أصحاب الفيلة العملاقة، ويوم تحررون البلاد، سأقف، أعدكم، على أعلى تلة وأدحرج نفسي كي أستقر في خرطوم فيلكم الأكبر. فيلكم القائد. قبل كل هذا، سأكون الجبان. أعرّف نفسي على هذا الأساس وأرتاح. وإلى أن يحين موعد استراداد الغنيمة من الإسرائيليين، سأكون منشغلا بجمع الحشائش المفيدة لأجسادكم التي عليها ذرف الطاقة والخلايا الجلدية والسوائل الكيمائية والاوامر العصبية والـ”كَكّا” أثناء وضعكم الخطط. جمع الحشائش يتطلب مهارة، وجهدا، ودراية بالنباتات، فأنا لا اريد لكم أن تصابوا بالإسهال أو الحساسية أثناء المعركة الفصل. لا يعطس الجندي في المعركة ولا يطلب إذنا من قائده كي يقضي حاجته. لذلك، لسنا متأكدين من عدد الجند الذين ماتوا وبطونهم ملأى بالخراء، اولئك الذين ارادوا فقط أن يتغوطوا قبل الإلتحام مع العدو. رغبتهم الأخيرة والقليلة. لا أكثر. أشد المآسي قسوة. أن تأخذ خراءك معك إلى العالم الآخر. إهانة حقيقية للعرق الآدمي. لذلك، أنا على الأرجح، لن أرد على هواتفكم النقالة والأرضية وإيميلاتكم، ورسائلكم الصوتية والإلكترومغناطيسية. هل انتم مقتنعون بهذه الحجة؟ أرجو ألا تكونوا. لأنكم ستتفاجأون بعدئذ. السيد فيتوريو أريغوني مثلا. جالسا على الكرسي، هادئا، مستغربا (أو هذا ما نريد أن يكونه: مستغربا). هكذا تكافئه الشعوب. هل طلب قضاء حاجته قبل شنقه؟ سيكون عندئذ قد حمل مواده المعوية معه إلى المقلب الآخر من العالم، تاركا حبه لفلسطين وتضحياته وكتاباته ولحظاته السعيدة والحزينة في قلوب أصدقائه. القلوب الشبيهة بقجج الاطفال. الآن يعرف محبوه أنه كان يجمِّع في قججهم أجزاء حياته، مكتفيا لنفسه بكومة خراء في بطنه تليق بهذه اللحظة: أن يكون ضحية سجال بين حماس وذلك الفصيل السلفي. ثم يرحل. لا يستأهل هذا العالم مزيدا من القبح، مع انه قبيح. قلت لصديقتي قبل قليل: سأضع رأسي في حوض زريعة فارغ. أتعلمين لماذا؟ كان عليها أن تقول “لماذا؟”. إنتظرت قليلا. وبعد أن لفظتْها، أجبتُها متحمسا: القبل التي لم أذرفها لكِ، سأتركها تسيل وتتجمع في حوض الزريعة ككومة من أوراق الشجر الصغيرة. الآن، أعدِّل قليلا. ما رأيك يا صديقتي، لو نجعلها حبات بازيللا بدل أوراق الشجر؟ حبات البازيللا تهبط أسرع. الهواء لا يمارس عليها قوة تعارض قوة الجاذبية (تخيلي تمرين الفيزياء حول الباراشوت في الصف الاول ثانوي). أوراق الشجر تهبط أبطأ. أعني، سنضيع الوقت ونحن نتفرج على أوراق الشجر وهي تستقر في الحوض. الوقت الزائد هو كل ما يلزم للسيد فيتوريو لكي يُعدَم. في إحدى التظاهرات في غزة، وقف السيد فاء (سيصبح فيتوريو من هذه اللحظة فاء*) ذات يوم أمام الكاميرا، كبوباي. عضلاته بالفعل كبيرة. وشم على بايسبس ذراعه الايمن: “مقاومة”. صار عنده “فلسطين” في رقبته، و”مقاومة” على زنده. خارطة ومانشيت. كان عليه أن يرسم حول كوعه، كيس زبالة أسود، بحيث يقفَلُ الكيس أوتوماتيكيا ما أن يشد السيد فاء عضلاته. * فاء السببية: فدائي، فائت، فجوة، فتى، فظ، فرد، فوشار، فسحة، فرق، فخ، فحوى، فوبيا، فلة، فم، فرح، فوق، فناء، فزاعة، فلسطين، فوكوشيما، فالحليب الذي وضعت فيه البابونج والعسل وتركته يبرد ثم سكبته بهدوء في المجلى، فإلخ. لا شأن لي بالفقراء والجوعى. سيموتون بأمعاء فارغة. نسخة من “عدّى النهار” على اليوتيوب: عبد الحليم حافظ يلعب الغميضة مع صدام حسين وجهادي ملثم في شوارع غزة. نسخة أخرى: بيانو، محمد منير، صور من حرب الـ73 أو 67. لا فرق. شأن الهزيمة شأن الفوز. فوز: فاء أخرى. شقلبة الأمل. إستحداث الإنتباه. ثقل عجلات الاسعاف. العربات. هواء العناية المركزة. الفشل. فاء أخرى. فيتوريو. الأصدقاء يعصرون غيمة ناشفة. كليك. الإنضمام إلى صورة الجنة. شقلبة الأمل. كليك. شقلبة الامل. مشِّط شعرك. كليك. صفحتك على الفيسبوك. إستياء إصبع القدم غير المرتاح بهذه الوضعية داخل الحذاء المائل أسفل الجثة. كليك. نفخُ بالونات بعامود فقري مجوّف. تجميع غدد تنتج دمعا وتعليقها على مشجب. وداع بطة بلاستيكية. قياس القوة التي تلزم نملة كي تفقس. إنعاش عجوز في الغرفة المحاذية لمختبر فيزياء. كارلا مجددا. سرقة نظارة الدالاي لاما أثناء نومه وتفكيره بالحشرات. ثم، فـ ـيـ ـتـ و ر ـيـ و: سبعة. كليك. اختيار سبع كلمات من هذا النص وترتيبها قرب بعضها البعض: تشردُقُ – بوباي – ببسكويتة – أثناء – لعبه – الغميضة – في – عالم – إلكترومغناطيسي. تسعة. غششتُ مرة أخرى. كليك

مازن معروف

القدس العربي – الأربعاء 20 نيسان 2011

أربّي لاجئاً صغيراً في داخلي

1-

 لم أعد أفهم الحرب. كما لم أعد أفهم هذا الفلسطيني الذي أحمله داخلي وأدور به في مدينة ملاهي الحياة. الفلسطيني أحد لاجئي 1948. أنا لم أعد لاجئاً. في المقابل لم يعد أيّ فلسطيني لاجئاً. كل ما في الأمر أننا، كفلسطينيين، يحمل كل منا داخله لاجئاً صغيراً ويربّيه. لا يعنيني من هذه الحرب سوى مشهد البغل المقتول قرب عربته. عربته ظلّت بخير، وقد رأيتها، أقسم لكم، تنكز البغل، صامتة. ظننتهما يلعبان الغميضة بادئ الأمر، ظننت أنه كان يختبئ منها، وقد أخذه النوم قليلاً لأنه متعب، وأنها وجدته، وقد حان دوره الآن كي يغمض عينيه وتختبئ هي. أعتذر عن بلاهتي. غير أنه سقط ميتاً في أحد الازقة. على فكرة، سأقول لكم لماذا مات البغل. كان يحب فتاة صغيرة. كان يقف مقابل شُبّاكها المربّع. ويبتسم. لكنها لم تنتبه اليه مرة. من ينتبه أصلاً الى ابتسامة بغل؟ عندما جاء الرجل ذو اللحية، وأخذها من يدها الصغيرة، ووضعها بين شريحتي خبز، أكلتْها الطائرة الشريرة بلسانها الطويل المتدلي من السماء. خاف البغل من الوحدة، رسم على وجهه لحية، ودهن اللحية بالعسل. ثم وقف في الزقاق. كان أشهى من الفتاة. قِطعُ الفوسفور الأبيض، كانت الزينة الأخيرة الملتصقة على جسمه العاري والميت. لكن، لماذا لم تقم العربة ولمرة واحدة بجرّ جثته، في محاولة لردّ الجميل على الأقل. كان على الصبية المقطوعي الأذرع أن يتجمعوا خلف العربة وينفخوا كلهم لدفشها. بعيداً من البغل.

2-

ما نراه مجرد وهم. لم يهدم أحد جدران البيوت. هي لا تزال واقفة، لم تهو، ولم تتناثر. كل ما في الأمر، أن تلك الحيطان كانت تحلم بأن تصبح لاعبة تنس. الآن تسنى لها ما تريد. هي تقف. تنتقي طفلاً مشاغباً، وتتقاذفه. يصير هو مجرد قِطَع. يهرع الناس لجمع أشلائه وتركيبها. الناس في تلك المدينة البعيدة، يحلمون بدورهم، منذ زمن، ببيضة “كيندر”.

3-

 لم أبك مرة واحدة منذ بدء الحرب. غدد الدمع منشورة على حبل غسيل معدني في الخارج. وهي قد تقلصت بفعل تبَخّر السوائل منها، وجفّت. وأنا في حاجة لإعادة نفخها. يلزمني فقط مشهد في صحة سليمة. مشهد يكون عادياً ومملاً. سأخترع واحداً. فلنفترض أن مشوّهي هذه الحرب هم في حفلة تنكرية. وأن جلودهم الممسوخة، هي أقنعة اختاروها ليقوموا بإخافة قذائف الطائرات، ولذلك تنفجر القذائف في الهواء قبل أن تطأ الاسفلت. تنفجر لأنها خائفة. لهذا يرجع المعدن المستخرج من الأرض الى أرضه، قبل أن يرجع الفلسطيني البعيد.

4-

 بالنسبة اليَّ، لا أعتقد بإمكان إتمام عمل فني ما، وبخاصة الشعر، من دون اتصاله بحياة ما. الشعر كيس مصل الحياة. وثنائية الشعر – الحياة تكاد تقف وجها لوجه مقابل ثنائية الحياة – الموت. ما يبدو مشتركاً بين هاتين الثنائيتين، هو الحياة، بفوضاها وهدوئها، ببساطتها وتشكيلاتها الساهمة في التعقيد، غالب الاحيان. بألفتها تجاه سكانها، وبغضها لهم. الحياة كائن لا يتخلى عن تنفسه. الحياة موسومة بالعناد. هذا العناد يتجلى في رغبة واحدة تتقاسمها المخلوقات جميعها. النملة على حافة الشبّاك، النبتة التي تُهرّب جسمها من شقّ في مبنى مهجور، الفراشة التي نعلم ماذا تفعل حين ينزل مطر هائل أو حين يفجّر أحدهم نفسه على مقربة منها، مثلاً. أسمّي كل هذه المخلوقات، عمّال تنقيب. عمّال الحياة، التنقيب عنها وسط كومة هائلة من الدقائق الميتة، المتساقطة سهواً، ربما، عن ظهر الزمن، ذلك الذي لا يكترث لأحد. الحياة موسومة بالصخب. الصخب عمود الحياة الفقري. يقابله في الجهة الأخرى، خلق داخل قصيدة. الشعر، إذاً، باختلاف مقاييسه، وجه آخر يحدّق في وجه الحياة عبر قناة نحيفة جداً، أقرب ما توازي في نحافتها خيط عنكبوت رقيقاً. القناة اذاً، ما بين الشعر والحياة، قناة لاستشفاف الحب، وإعادة صناعته. الشعر يبني عالماً هو مزيج من واقعية لا تتنازل عن صلابتها، وحزمة من أحلام شفافة كالساتان، عالماً قد يلوّن الشاعر سماءه، بالأزرق أيضاً، لكنه على الأقل، يكون صنع سماءً باللون الأزرق، له وحده، على ورقة بيضاء. المعادلة اذاً بسيطة. هناك الخلق، وهنالك الصخب.

الخلق محاولة، قد تبدو يائسة، للخلود. لكن الصخب قد يحوي الموت، الصراع، الكراهية، القتل، العزلة، كذلك الألفة، الحب، السكينة، السلام. القطة التي تلحس فراءها غير الباهظ، لتنام بعدها، ربما تحت هيكل سيارة مفخخة سابقا. إنه ليس صخباً أليفاً بكل الأحوال. داخل احدى خاناته، يقف قاتل ما. داخل إحدى خانات الشعر، يقف شاعر ما، يقيس الزمن والانساني، داخل الحياة. القاتل والشاعر يتجاذبان أحدهما الآخر، الأول في اتجاه الموت، الثاني في اتجاه الحياة – المعيشي، لاستنباط الافتراضي، الأجمل، الأكثر قرباً نحو الكمال. الشاعر أُسمّيه، ورّاق الجدران البالية داخل الغرفة – الحياة. القاتل أُسمّيه، النافذة الموصدة، التي تشعر خطأً، بأن لها الحق المطلق في الوقوف بمفردها داخل الغرفة – الحياة.

القتل يعني أن تقصي كائنا عن تناول الأوكيسجين، الابتسامات، كذلك الألم. يعني أن تبلل آلاف الوجوه بالدموع، أن تبلل آلاف المنازل بالظلمة، آلاف الشجرات باللون الأصفر. الشاعر، حين يأتي القتل، يخلع عينه ويرمي بها في ساحة الجريمة – مسرح العرض. عينه التي تتدحرج على الأرض، تتسبب لزوجتها في التصاق مشاهد ما بها، بعض الدم، والأخشاب، والهواء الكثيف، وربما المارة. الشاعر، على الطرف الآخر من الحكاية، يستعيد عينه، يسجل المشهد ثانية على الورقة، لكن بإعادة تنظيم الزمن – ترتيب الشخوص، المكان والمخيلة، أي… مخيلة القاتل، محاولا النفاذ بأشياء الحياة داخل خرقة الموت، أو الموت داخل أبيض الحياة، الذي ليس أبيض تماماً.

الخلق جندي الحياة. لا يفعل القتل معه شيئاً. القتل ظل يتمشى بلا قدمين. تخيّل، مساحة ظل تسيل فوق أشياء الحياة. يقابل هذا السيلان، صراخ قصيدة ما، أو لوحة ما ولدت للتو.

القاتل والشاعر محاربان قديمان، الأول بإطلاقه رصاصة ما في اتجاه الحياة – المادة. الثاني في محاولته حرف الرصاصة عن مسارها الأصلي، ولو تسنّى له ذلك، ازالتها خارج المشهد اليومي بالممحاة. الشاعر يصنع حائطاً صغيراً ويضعه في وجه الرصاصة. الرصاصة تصنع ثقباً في الحائط. القاتل يبتسم. الشاعر أيضاً. يأتي عصفور في النهاية، يضع عفشه وحاجياته داخل الثقب، يصنع عشاً… ويبقى هناك. العصفور ساعي بريد، يسلّم الشاعر مغلّفاً يحوي إصبعين معقودتين على شكل إشارة النصر، ثم يثبّت الإبتسامة على شفتيه، ويرحل موقتاً.

العصفور يحدد بالضبط النصر والهزيمة، وأن ثمة خلقاً وثمة إفناء. الخلق يقفز فوق مادية الأشياء، فيما يتخبط الإفناء في مستنقع المادية. الإفناء، إفناء المادة الصرف من دون المساس بمنهج الحياة، أو جوهرها أو رغبة ساكنيها في البقاء على قيدها. هكذا، يظل الشاعر في محوره الذي بلا جدران أو أسلاك شائكة أو ألغام محيطة أو قناصة محيطين. فيما ينصرف القاتل الى عمله كالمعتاد. قد يأتي قاتل آخر بعد حين، لسنا ندري، وفي اللحظة التي يكون يحشو فيها بندقيته أو يزرع قنبلة تحت مقعد سيارة، سيكون ثمة شاعر، ربما في الشارع ذاته أو المبنى، أو الكافتيريا، يُخيّط حياة أجمل بقليل على الورق.

5-

 يقف الشهيد بعينين إضافيتين، الى جانب عينيه الأصليتين، وسط المربّع الذي زواياه: غزة، دمشق، بيروت وصنعاء. يدحرج كل عين نحو زاوية ما، تذهب العين، ينتظر طويلاً عودتها. تأتي أمه، وتعيده بغضب الى برّاد الموتى في المستشفى

مازن معروف

جريدة النهار – 2008

إلى محمود درويش

الذكرى الثانية لموتك محمود درويش. البياض الذي تستحقه. الفراغ الذي تستحقه. الخفة. الصمت. إزالة العصب الذي يصل الحاجبين المعقودين ببعضهما تعبيرا على العبوس. العصفور الذي ظللتَ تلوِّح بجثته الميتة لعشرات السنين. سرحان الذي تركتَه في الطبعة الاولى من كتاب “أحبك او لا أحبك”. البحر الذي جمعته ذات يوم في البانيو وأنت تفكر في نص طويل يشبه سفينة نجاة تُنفخ بالفم. ضجة ماكينة القهوة في إكسبرس على كورنيش بحري يقف مصدقا أنه يستطيع منع بيروت من القفز في الماء. الطفل الذي يحدق في نهدي أمه دون أن يفهم فائدة هذين الشكلين الزائدين في الجسم. ثرثرة رجل لم يسمع بك من قبل. لا الذاكرة، ولا الشعر، ولا عكازي حيوان أليف على قناة أنيمل بلانِت، ولا الملعقة ولا الفنجان ولا الثلاجة ولا تفقد ممرض لأدوات الطعام الخاصة به والموضوعة في الدرج السفلي الفارغ داخل براد موتى مستطيل. ولا الكلمات المثقوبة كجورب متهم. ولا الحزن المفخخ بقنبلة مصنوعة من جلد قط نفق قرب مصعد. ولا تشاؤم والدتي. ولا كسل أختي. ولا إتكال أبي على وكالة الناسا لإنقاذه من الموت في غرفة بنافذة تطل على كيس. ولا تعب النادلة من الوقوف قرب رجل عجوز أنيق يسيل لعابه بينما يتكلم. ولا شجرة نتحكم بفتحها وإغلاقها كمظلة. ولا رأس رجل نستخدمه لتفتيت الصخور. ولا وجه حبيبتي وهي تنفخ جرثومة لزيادة حجمها. ولا سعة مستودع لكاسيتات فيروز المزورة. ولا خيبة طبعة سادسة لكتاب. ولا تقلص الجلد البشري أثناء إطلاق الـ”أر. بي. جي”. ولا أكل كيس من السكاكر داخل مفاعل نووي. ولا ابتسامة مثبتة ببرغيين. ولا رجل يزيحني باحترام عن الكرسي ويجلِسُني مكاني. ولا شتم شاعر خلال سباق للسيارات في كاليفورنيا. ولا التحديق في لون ترابي على خلفية صوت لياسر عرفات. ولا حقيقة أن مقتل شخص واحد فقط معدل مقبول لكل عبوة ناسفة. ولا مرور الـ”أر. بي. جي” فوق مصنع أكياس دواء. ولا صوت القداحات المتكرر في متجر بيانو. ولا الكمامة المثبتة على وجه رجل إطفاء أثناء ممارسته الحب. ولا اختناق عاملة الهاتف أثناء لعبها الغولف. ولا المكوث في تجويف أنف لتمثال عملاق. ولا قضاء يوم كامل في قياس نسبة الرطوبة في الهواء. ولا اشتباك معطف سوبرمان بعصفور صدفة. ولا الحشرات التي أيقظها إطلاق فان غوغ رصاصة على نفسه. ولا إصابة ساندريللا بفوبيا منتصف الليل. ولا عدّ الكلمات في نص مُهدى إلى محمود درويش. ولا قياس مساحة الأرزة على وثيقة سفر لفلسطيني في بيروت. ولا بصق قطعة كاوتشوك في وجه فراشة من وقت لآخر. ولا قياس مساحة الفراشة التي هبطت على الأرزة في وثيقة السفر. ولا رفع طرف الفم النازل قليلا باستخدام ساق معقوفة لإحدى الكائنات اليابسة. ولا “لا جدوى” رفع طرف الفم قليلا. ولا الفشل في إطلاق الكتف كطائرة ورقية بعد الركض مسافة طويلة في منتزه للعجزة. ولا التوغل في أحشاء جرثومة منفوخة لاخراج دبابيس. ولا دهن صور الشهداء بالنافتالين. ولا الدبابيس التي استعملت لتعليق صور شهداء في أمعاء جرثومة. ولا تطوير امرأة جينيا وتحويلها إلى قمر عاكس للضوء. ولا ركل كرة العرافة على كوكب خال من الهوايات. ولا تقديم رأس حمامة لصانع فكرة “السحبة” كتذكار. ولا البياض. ولا الصمت. ولا الخفة. ولا الاحتفاظ بنَفَسِكَ الأخير في أنبوب. ولا الفتحة ولا الكسرة ولا الواو. ولا الحظ. ولا بداهة أن يكون هناك “ولا”. ولا نقيض ما ورد هنا أو هناك أو هن. ولا ملء جمجمة فارغة بالماء والاعتناء بسمكة.. إسمع.. فلنتعادل لمرة واحدة على الأقل؟ لا أنت ولا أنا.. استدعاء تشارلي تشابلن إلى هذا السيرك مثلا وإرغامه على المشي فوق الزيح الفاصل بين البحر والسماء

مازن معروف

جريدة النهار – 2010

حول بسام حجار

سأبدأ مرة أخرى بموت بسام حجار. رحل واحد من أهم من كتبوا شعرا منذ الثمانينات. شاعر خاص. رحيله جرعة هائلة من الحزن تسبح في عروقنا. جرعة أفقدتنا توازننا لبعض الوقت. لكن الموت أحد فروع  الحياة، والحياة إحدى فروع الشعر. كثر لم يسمعوا قبلا ببسام حجار، والبعض قال إن موت بسام حجار يعني أن إسمه تَجَلَّدَ فقط. بسام لم يكن ظاهرا بالمعنى الفيزيولوجي. كان أشبه بكائن خفي، شبح لا وجود إلا لاسمه عبر مترجماته وشعره. موت بسام حجار أيقظ في ذاكرتنا بعضا من أسئلة قديمة لم تكن بذلك المبلغ من الجدية. لماذا حين يموت شاعر، تكثر هالاته البيضاء وترانا منشغلين في الكتابة عنه وكأنه عصفور سقط في محرك طائرة بوينغ؟ قال لي ناشر منذ بضعة أيام بأن مثل هذه الأمور لم تعد تحدث في أوروبا. أعود، لماذا تَكَرُّر الأسماء الشعرية والأدبية ذاتها في الظهور على ورق الجرائد، عند موت كل شاعر أو أديب، حتى لتحسب أن هؤلاء لا يحتفون بالميت وحسب، بل ويحتفلون بالموت أيضاً؟ لا أقصد أن أكون شريرا. الموت حقيقة كامنة في الفن، وإن اختلف الفلاسفة حول شرعيتها كحقيقة. وكل حقيقة هي حدث صافٍ. أفلا ينبغي عندئذ على من يكتب عن بسام حجار (وأنا واحد من هؤلاء) أن يكون واحدا ممن هم على معرفة به، ما يعطي النص المكتوب صدقية تتوازن على الأقل وصدقية الموت؟ فأنا مثلا لم ألتق به أبدا ببسام حجار. وعليه، هل نحن دجالون أمام الموت؟ واذا كنا فعلا كذلك، أهو لأن الموت هاجس ننشغل به منذ وعينا المبكر؟ أما الأمر الثاني فهو حول الشعر نفسه. فأن يموت شاعر كبسام حجار ولا تصيب شظاياه الا بعض المشتغلين بالأدب والشعراء خصوصا، ذلك يعني أن الشعراء جميعهم ميتون قبل أن يموتوا. فهم اذا ماتوا لن يحزن لأمرهم الا رفاق “الصنعة”. وكأنهم ديناصورات عملاقة، قوية جدا لكنها عاجزة عن التكاثر وهي محكومة بالفناء لا محالة. وعليه، لماذا يحدث أن تجد في بيروت عشرات الشعراء دون أن تجد حركة شعرية ما، على الأقل واحدة؟ كل شاعر منعزل في كتابة الشعر على هواه، وتعدد الأسلوب الكتابي محضر خير، لكن أين الموقف الشعري العام مما يحدث في العالم من تطورات سياسية وثقافية واجتماعية، ودخول مفردات جديدة كالراب (على سبيل المثال وليس الحصر) ميتم الفن عموما؟ هل اجتمع شعراء بيروت مرة من أجل إنقاذ الشعر، ومن أجل تحفيز العامة نحو التفاعل معه، سلبا أو إيجابا، لا يهم؟ إحدى أكبر المشكلات تكمن في غياب المهرجانات الشعرية عن هذه العاصمة بالذات. وكأنها ممنوع عليها ذلك. إننا كشعراء شباب، لم تتح لنا فرصة التلاقح الشعري مع شعراء أوروبا او آسيا أو أمريكا، ونحن على خلاف جيل الريادة الشعرية الثالثة (وديع سعادة، عباس بيضون، بول شاوول، بسام حجار، سركون بولص..الخ)، يحمل كل منا بوصلة طائشة، ويريد أن يهدم ويبني، ويهدم ويبني الى ما لا نهاية. نحن ببساطة بحاجة الى اطلاق مانيفستو شعري، بحاجة الى أن نجتمع ونناقش، أن نضع أفكارنا على الطاولة الكبيرة لتصبح قبيلة من النمل النشيط، الذي يستطيع العمل حتى ولو لم يكن هناك نجمة تضيء من بين الغيوم. موت بسام حجار وضع في وجوهنا بريقا أصفرا يبشر بموتنا إذ لم نكن أكثر جدية بشأن الشعر الذي نزعم تعاطيه.

مازن معروف – جريدة النهار 2009