السيدة الأنيقة تحيا في عنبر للمجانين

يبدو أن بيروت مدينة منحوسة، ملعونة، موبوءة بجشع القادة التاريخيين. مرضها هو بسبب موقعها الجغرافي. أما فرصتها الوحيدة للنجاة، فهي في أن تغير البلدان مواضعها على الخريطة. السياسة، الاستراتيجيا، الغزوات، النزاعات الإقليمية والدولية، وصراع الشعوب القديمة والملوك، كانت دائما شؤونا لا تبتّ إلا بمرورها عبر هذه المدينة الصغيرة. تماما كما استوطنها الشعر، والفنون والجنس والمجون والعلم والثقافة والسياسة والاستراتيجيات. إنها المدينة التي دُمرت سبع مرات، أو أكثر بكثير، وأعيد بناؤها لاحقا. زلازل، خدعة من البحر، حقد من الملك فلان أو علان، زلازل أخرى، غزوات، كلها تناوبت على بيروت الصغيرة. إنه فعلا أمر مثير للاستغراب، وللشفقة واليأس. إذا راجعت تاريخ المدينة ونشأتها، فلسوف يصيبك مس. ستهرول لتتكلم مع نفسك قليلا، وستفهم مثلا أن الساسة الحاليين ليسوا سوى فواصل منثورة بشكل عشوائي في إحدى صفحات تاريخها. هم غير محترفين، لا في إقامة الحروب ولا في إشعال المدافئ، ولا حتى في التهليل لانتصاراتهم. ببساطة، إنهم هواة، والأكيد أن المدينة بعد أن ننام جميعا، تبدأ بالضحك ساخرة من سكانها. الحقيقة المرة، أن ما تغير في بيروت هو شكلها، لكن شرايينها ودورة الحياة فيها وطريقة إسقاط الأمور عليها، بقيت على حالها منذ زمن بعيد. بيروت مدينة إشكالية فعلا، وقد لا نقتنع بالشعر في هذه الحالة، بقدر ما نقتنع بالدراسات.

الشعر موجود دونما سبب واضح، وذلك لأن أحدا لا يستطيع تفسير الشعر، ولا مواضيعه. الجماليات التي تحضر في قصيدة معينة، قد تكون تصويرية، عاطفية، بلاغية، أو حتى شخصية لها علاقة بالشاعر وحده. لكن الشعر لن يسد رمق القارئ الجائع إلى الحقيقة، أي إلى حقيقة بيروت الملتبسة. فالمدينة تشبه اللعنة الجميلة، اللعنة التي لا تريد انت الافلات منها، ذلك أنها لعنة يجتمع فيها الألم بالفرح، القلق باللامبالاة، الشهوة بالترفع، الحظ بالموت. أسوأ ما يمكن فعله، هو أن تمتدح مدينة مشوشة. لأن هذه العاصمة، بلا ذاكرة، ونقولها بلسان ذابل. بيروت لا تتذكر أحدا. ليست مدينة لتتذكر، بل لتعاش، ضمن شروطها فقط. ذلك أن التمعن في تاريخها، سيكشف لك أن المدينة واقفة على مجموعة أسباب ثابتة، وأن خاصية الذاكرة، لا تنطبق عليها. فبيروت لم تتغير من الأساس ليكون لديها ذاكرة. الذاكرة تعني أن تمر أنت بمتغيرات، باستحقاقات تاريخية، تنقلك من موقع إلى آخر، في انسيكلوبيديا العالم. الذاكرة من التذكر، من اختلاف الحالة باختلاف الزمن، باختلاف الظرف الزمني، أي باختلاف المظهر والمضمون أيضا. لم تحد بيروت عن الحروب. كان عليها دائما أن تدفع الضريبة، والمدينة التي لم تتنفس يوما بشكل هادئ، لا تزال تدفع ضريبة تعدديتها، وموقعها الجيو السياسي على الكوكب.

بيروت مدينة يسعى إليها المجاز. ولا شك أنها دون سائر عواصم الجوار، كان يُنظر إليها كمادة خاصة للكتابة. بيروت مادة كتابية، وقد لا تتخطى هذا. قد لا تحتمل بيروت التأويلات الفلسفية والشعرية، واللغوية والإشكاليات المستحدثة في شأنها. لأنها مدينة عائمة، تتحرك دوما. وفي أفضل الاحوال، تتذبذب في مكانها. شوارعها تختزل أزمنة صغيرة لتفاصيل كالحرب، الجوع، الاغتيالات، التهجير، الكوارث الطبيعية، الهجرات، التفاوت الطبقي، شلل الحكمة، بدعة الساسة، الكذب، الخيانة، موهبة الاختباء خلف الوجه وتلقي الصفعات. وأن نعرف أنها مدينة بلا ذاكرة، فهذا بفي ذاته محرج لعواطفنا. كيف يمكن أن نحب مدينة ليست لنا؟ أن نحب مكانا واحدا للجميع وللاحتمالات المختلفة، ونعرف أنه لا يبقي شيئاً من سكانه؟ بيروت مدينة تشبه نقيضا ونقيضا آخر، متصلين أحدهما بالآخر، دوما كسياميين. كوكتيل من الاحتمالات. أن تحب، أن تصير فوضويا، أن تشعر بثقل في المعدة وحيدا على الكورنيش، أن تتعرض لمضايقة الهواء فجأة، أن ترغب بركل قطّ نائم على حافة سوبر ماركت. أن تجاهر برغبتك في إفناء الآخرين، ألا تتوقع حالة الطقس والزلزال الذي سوف يأتي، أن “تتزعرن” في لحظة واهمة، أن تتوهم أن المكان لك، لك وحدك، أن تطرد الآخرين، من دون أن تعرف أنك أصلا مطرود. أن تجرّب سلطتك، أن تدعو قبيلة منافسة إلى الرحيل، أن تكذب، أن تدعو الى تحطيم هياكلها، لتصنع من أحجارها فاكهة. ثم أن تصبح منجّما، بارعا في أمر واحد: بيروت أكثر تشوّشا من أن تُفهَم، أو أكثر بساطة من أن نبحث عن هويتها.

إنها المدينة التي أناسها تماثيل بأفواه مفتوحة. أفواه من الإسفلت، مفتوحة ومتصلبة. كل تمثال يظن أن بين فكيه، تحديدا على سجادة لسانه، تجلس الحقيقة، لذلك فإنه جاهز للبلع، بلع الآخرين بحجة هذه الحقيقة وحدها. أنت في بيروت لا تملك أصابع. لذلك فإن المكان لن تكمشه يوما، لن تلفّ أصابعك بنصف دائرة، حواليه. والمدينة لفرط ما أباحت نفسها للشعراء والساسة والطبيعة، ظلت محاطة بمثلث “الإستعارة – السلطة – الخراب”. دمّرها بعض الملوك واجتاحها البعض الآخر، تناوبت عليها الكوارث الطبيعية لتعيد تشكيلها، كما تناوب عليها الشعراء ليعيدوا كتابتها. ولم يتغير كيانها كمكان ولا ملامحها الشريرة. بيروت أصلا مكتوبة، وهي مكتوبة كما هي، بلا زوائد. لا تزال إلى اللحظة هذه تتصرف كما تصرّف بحرها ذات يوم: تراجع مسافة كيلومتر واحد إلى الوراء، وعندما نزل سكانها ليغنموا ثرواته التي كشفها لهم، عاد على شكل موجة هائلة وأغرق الآلاف منهم. هذه بيروت. من يغنم ثرواتها، يغرق فيها ويموت. لا استثناءات. إنها سوية في إقصاء الآخرين.

وهي بيروت المكتشفة، بالشعر، في الكتاب الذي أعدّه الشاعر شوقي بزيع “بيروت في قصائد الشعراء” (دار الفارابي)، ضمن أنشطة “عاصمة عالمية للكتاب”. المقدمة السهلة والجذابة التي وضعها بزيع، كشفت تاريخا قديما للمدينة، كما قاربت بين أشكال حياتية تشابهت بعض مظاهرها إلى حد كبير مع بيروت الستينات (الحراك الثقافي والسياسي والاجتماعي، السلطة، الجنس، الكحول، الحياة الليلية والنهارية للمدينة، إلخ.)، ومهدت لنا بلغة سردية رشيقة، الدخول إلى قصائد الشعراء (من اليونانيين القدماء حتى الحديثين مرورا بالعرب كإبن الرومي) من باب عريض، وإن ظلت حدوده مموهة. يمكن أن يقال إنها أنطولوجيا شعرية لمدينة تظاهرت مرات عديدة، بالاحتضار. ويمكن القول إنها بيوغرافيا لجماليات بيروت. هناك امران قام بهما شوقي بزيع من خلال الكتاب: جمعُ عدد كبير من الشعراء حول طاولة واحدة اسمها بيروت، وجمع اللحظات التي عاشها الشعراء وهم يكتبون عن بيروت. لذا فإن الكتاب لا يعكس فقط التنوع الثقافي والفكري والحضاري لهؤلاء الشعراء، وهم يجتمعون حول بيروت، بل يضغط لحظات الكتابة كلها، في كتاب، ليصبح عملا ليس شعريا وحسب، وإنما أيضاً استرجاعاً لأزمان متفرقة عاشتها مدينة واحدة، في الشعر، كما تعيش سيدة أنيقة في عنبر مجانين.

مازن معروف – جريدة النهار 2/3/2010

 

 

 

Advertisements

المثقف والوحل

يقول المفكر الايطالي غرامشي، إنه يمكن اعتبار الناس جميعهم، مثقفين. كلٌّ ضمن اختصاصه، إلا أن لا أحد منهم يلعب دور المثقف، باستثناء المثقف المعرفي. وهو المثقف الذي لا ينحاز الى سلطة سياسية، ولا يلعب دور المروّج لأفكار جاهزة، خدمة لقومية ما أو هوية جغرافية، بقدر ما يكون دوره أرحب إنسانيا بحيث يتعذر على أي جهاز سلطوي استيعابه أو امتصاصه. وعلى ما يورده المفكر الراحل إدوارد سعيد في كتابه “صور المثقف”، فإن المثقف هو الشخص الذي لا ينزلق في وحل اللغة الجاهزة والمصنوعة وفقا لخدمة حكومة، أو جمعية أو جهة قومية. بل هو من يؤسس للغة مغايرة، تناور وتستفز الشعوب والحكومات على السواء، بأن تضع جهارا، اللمبات الصغيرة في جسد الواقع المعتم. المثقف ههنا يشبه عاملاً يحمل مرايا، ويقدم اليك فرصة تتيح لك رؤية وجهك، بكل تقسيماته وتشوهاته، عارفا أنك ستغضب، أو تصرخ أو تستنكر أو ترفض، لكن في الوقت ذاته، لا يكون في مقدور الذات تحطيم هذه المرايا، أو محوها

عندما أقرأ الحرب، أرى أنها لعنة لا تزال تلاحق من اشتغلوا بها. أيا يكن هؤلاء، وعلى اختلاف جنسياتهم. فالحرب بعد انتهائها بالمعنى الفيزيولوجي الميكانيكي، أعيد فرز كل أربابها، كلٌّ بحسب موقعه. فمن كان فلسطينيا، وضع على طاولة مفاوضات واحدة مع عدوّه الاسرائيلي، ومن كان لبنانيا، أعيد إلى موقعه الأولي، أي قبل بدء الحرب تحديدا. إلا أن هذه الحرب، وعلى الرغم من غنى النماذج (بالمعنى الدلالي على اختلاف المشاريع السياسية) البشرية والخطب الإلغائية التي نشطت في جسدها، لم تقدم الى المكتبة العربية أي رؤية نقدية، من شأنها الاستدلال على الخطأ وتصويب عين القارئ، تحديداً القارئ ذا الهوية اللبنانية أو الفلسطينية. هذا الأمر مرده إلى غياب تام أو شبه تام، لدور المثقف غير المنحاز، أو المثقف الذي يتعاطى مع التاريخ على أنه معلم أكبر لا يمكن التهاون معه، وهو أشبه بحمولة ثقيلة، لا يمكن تركها في الظلمة، بحجة أن كل محسوس متوار، أو غير مضاء، يظل أكثر أمنا بالنسبة الينا، مقارنةً بوضعه تحت الشمس والتأمل في ملامحه.
نحن كلنا نحمل وزر هذه الحرب، وهذا ليس لأنه كان لنا مشاركة فيها أو موافقة على سِيَرِها، فأنا كالكثيرين من أبناء هذا الجيل، لم يكن لنا ولا لأهلنا، لا ناقة ولا جمل، وربما لو سألنا المتقاتلون يومذاك، وقد كنا أطفالا، لقلنا ربما، أعطونا كمشة كلل لنلعب في تلك البؤرة معا بدلاً من أن تستخدموها أنتم لتحصين خندق أو بناء متراس. أتمنى ألا أنزلق إلى مطرح شعري هنا، ذلك لأن الشعر لا بد أن يلعب دورا تجميليا، على الأقل بإحالة المشهد الثقيل على ذلك المطرح من الذاكرة حيث تنشط الاستعارات

تفتقر حياتنا اليومية إلى المثقف الذي ينصرف إلى صوغ الأفكار الجديدة، بدل اشتغاله، كمندوب مبيعات لا تتغير أساليبه بالاقناع قياسا بما تبدو عليه بضاعته القابلة للتغير. في كل الاحوال، لا تبدو المهمة سهلة، في خضم التكاثر الهائل لطرق التواصل التكنولوجي، والعجقة التي تعوق فرصة انعزال فرد من أجل التشبث بخيوط قراءة موضوعية، للعمل لاحقا على رؤية معاكسة، تصطدم لا لتصدم، وإنما لتولّد حسا لدى الكثيرين بإمكان الاستقلالية عن روح الطائفة أو المذهب أو الهوية – الهوة، أو الجماعة أو الحزب أو السلطة، من دون أن يمس هذا باحترام القوانين المدنية، بل هو على العكس، يساهم في تعزيزها في المجتمعات التعددية كلبنان، أو في مجتمعات لا تزال تسعى نحو إيقاظ واقع مغاير، كما يحدث في أراضي السلطة الفلسطينية

إن ما نعانيه جميعا، كمشتغلي معرفة، أو كساعين للوصول إلى هذا الموقع، هو وعورة الطريق التي ينبغي اتباعها، لبلوغ حالة الانحياز المطلق الى الإنسان، على اختلاف قوميته أو هويته أو إثنيته أو معتقده أو خلفيته الثقافية والتربوية أو الفكرية. الطريق وعرة لأسباب عديدة، منها أن هذا المثقف، تهيئ له خلفيته المعرفية، نوعا من تبصر مبكر تجاه محيطه، وأحيانا يكون هذا تبصرا كاذبا وغير حقيقي. إلا أنه يأتي دائمل بفعل اعتياد المثقف ربط الأسباب المحتملة بنتائج تبدو بالنسبة إليه حتمية وتشكل له أشبه بسلسلة من مخاوف لا تلبث أن تبتلعه بدل أن يقوم هو بتذليلها وتبسيطها والعمل في اتجاه مغاير لها. هذا بالاضافة إلى التأثير الناجم عن كون المجتمع قد تحوّل شبكة من علاقات مبنية من أجل غاية واحدة هي تعزيز الفردانية، باستخدام الجماعة كطريق أو كحماية

من هنا تتشكل دائرتا خطر بالنسبة الى المثقف، الاولى هي الأضيق ويمتثل فيها ما يراه من عوامل تهدد انتماءه الطائفي أو الديني أو القومي أو المحلي. أما الدائرة الثانية، وهي الكبرى، والأبعد قليلا من الأولى، فتستلزم رؤيتها القفز فوق مستوى المصلحة الذاتية، لرصد ما يتهدد المجتمع بكل فئاته، كي لا نقول الوطن. إلا أن هذا الأمر يستلزم من المثقف إيجاد لغة مشتركة تخاطب الجميع، وهي لغة يمكن أن تكون بعيدة عن السياسية المباشرة، أو العمومية، لتدخل مثلا في حالة الإقتصاد المتردي، أو في خصوصية ما، كواقع تشابه الصعوبات التي تحيط بأفراد مختلفي الانتماء الديني أو الفكري، أو الثقافي، إلا انهم يجتمعون تحت مظلة الانتماء الجغرافي الواحد، الذي هو جزء ضئيل من مجتمع انساني عام، لا مناص من التماهي معه في مرحلة من المراحل

مازن معروف – جريدة النهار 2009

موقف الشاعر السياسي.. إلى أين يفضي به؟

تمثِّل فترة الإنتداب التي شهدتها معظم الدول العربية بين الحربين العالميتين، أرضية سمحت بولادة أنشطة سياسية وفكرية، أتت على هيئة تكتلات جماعية مرنة، تتحرك من أجل تحقيق استقلال بعد حال الإنهاك بسبب الاستعمار العثماني. على هذه الأرضية، كانت تداعيات السياسة العالمية تتمظهر بشكل أو بآخر، لتصبَّ في الحدث المحلي، فتنعكس في إجراءات قمعية فجائية أو اعتقالات لم تخل من التعسف. كانت فترة الإنتداب تلك، وسطية. فالمثقف والشاعر والصحافي، وقفوا جميعا فيها متطلعين بعين إلى الوراء، وتحديدا نحو محاولات المتنورين كقاسم أمين وعبدالله العلايلي وجلال الدين الافغاني وغيرهم، بضرورة اللحاق بركب النهضوية الأوروبية (وإن كان في ذلك اعترافا ضمنيا بتأخر أمة أثرت العلم والفلسفة والطبيعة على يد علماء أقاموا في شبه الجزيرة العربية)، وبعين أخرى إلى الأمام، باتجاه مستقبل مظلل، لتعيين ملامحه عن قرب، تحتم عليهم العمل للانعتاق من نسخة الإحتلال الجديد. فالأوروبي، كمستعمر، راوحت صورته بين كونها ناتج مجتمع متقدم في ميادين الصناعة وإنتاج المعرفة، وبين كونها عدوا جشعا لا بد من مواجهته. وتزامنا مع اجتهاد المثقف العربي في تفكيك صورة الغربي وحيرته أمامها، كان لا بد لهذا المثقف أن يعاين جذور تخلفه والتي هي تركة اجتماعية نبتت وتعقّدت في تربة الاحتلال العثماني. كان العبء ثقيلا جدا على المثقف ذلك، ولا بد أن التغيرات التي أدخلت إلى العالم الحديث في العقد الاول من القرن العشرين، وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، بَترتْ محاولات النهضويين، أو أبطأت مفعولها بشكل ملحوظ وجمدتْ أثرَها على الفرد العربي، وما نتج عن تلك المحاولات ظل رنينه يتخبط، ويتطور بين مجموعة محددة من المثقفين. فالنضال انحصر، بعدما كان ثقافيا ونقديا، ليصبح نضالا سياسيا. وضُغِطتْ مفردتا “المستعمر” و”الاوروبي”، لتصبحا قائمتين في عبارة واحدة وهي “العدو”. وواقع وجود الأوروبيين من معسكر الحلفاء، كمنفذي انتداب في الحياة اليومية العربية، ساهم بتعديل صورة هذا الأوروبي المنتمي إلى مجتمع متفوق عن العربي. فلم يعد ينظر إليه إلا كطفيلي يسعى لاستغلال المواد الخام (وهو ما كان يفعله بطبيعة الحال) وتعزيز وجوده استراتيجيا. ولم تتح سياسة هذا المستعمر في المقابل، للمثقف العربي، لأن يبالغ في موضوعيته لقراءة هذا المستعمر كممثل لمجتمع خاض حربا عالمية أفضت به إلى هذه البقعة من العالم. وبدل أن يتحول الزمن العربي، إلى سلسلة كرونولوجية يسهم فيها العرب بتطورات مجتمعية وقيمية تنهل من النموذج الأوروبي وتحافظ في الوقت عينه على الخصوصية العربية وتخرج من الثلاجة لغتها المجمدة منذ القرن الثامن عشر، رجع الفرد العربي أميالا في الزمن، ليصبح عليه لزاما مقارعة المحتل لينعتق منه، وهو الشرط البديهي الذي يسبق أية محاولة نهضوية أو نقدية في الفكر أو المجتمع أو الدين. لكن هذا الفرد، مثقفا كان، أكاديميا، شاعرا، كاتبا أم صحافيا، لم يفقد توازنه في هوة الواقع المستجد والصعب. كان واضحا للأغلبية من هؤلاء أن لا بد من ثورة، لدحر المحتل، وريث العثمانيين. وتأجل سؤال النهضة نسبيا، وإن ظل نشيطا يتحرك بين عدد محدد من المفكرين.

لكن ما نتج بعد رحيل المستعمر الأوروبي، كان أشبه بالكارثة. وإن بدا أن موقع المثقف العربي والعالِم والشاعر (مقارنة بسيطة لنص أي شاعر عربي بنص شاعر أوروبي معروف ستبيِّن الفروقات الصادمة في المعالجة والأسلوبية) متأخرا الآن، إلا أنه كان متجاوزا تماما لحالة الانتداب الأوروبي. وكان من المفروض أن تتعزز البسيكولوجيا الجماعية العربية لكونها أخرجت من حالة الوصاية، إلى كونها أضحت رسمياً، مستقلة وقابلة لتحديد مستقبلها وفق الأسس الموضوعية وحق خيارات الشعوب التي كفلتها اتفاقية جنيف. فولادة البلاد العربية المستقلة ترافقت مع ولادة الكيان الإسرائيلي الذي بني على أسس قومية يهودية. وبدلا من أن يدفع ذلك العرب لتجاوز الإشارة إلى قومية مضادة (عربية)، اعتُبِرت سابقة للقومية اليهودية ومتفوقة عليها بوصفها موسومة بحضارة وانجازات علمية و”إسلامية” وأدبية وفلسفية (وهي كلها ارتدادات سلفية بطبيعة الحال)، إنتشرت حالة قومية، في الرقعة العربية الجديدة، كملاذ أخير ينبغي في طياته تجاوز كل الأحقاد الطائفية والقومية والعرقية المنتشرة في العالم العربي، وفي أحسن الأحوال، لم ينجح المثقف العربي إلا بتجاوز فخ هذه القومية نحو التمسك بإيديولوجيا معينة (شيوعية، اشتراكية.. إلخ.). في خضم هذه البيئة الجديدة، تطورت دفعة مختلفة من المثقفين، من دون أن تعمل على نقد هذه الحالات، وإنما الإنضواء في معسكرها. وكانت أغلب المعارك تدور بين مثقف يقيم في كادر فكري أو إيديولوجي ما، ونظام عربي يريد له الإقامة في كادر آخر. كانت تلك أول سقطة للمثقف العربي، سواء كان شاعرا أم كاتبا أم أديبا، ونجح قلائل فقط في معاينة التاريخ العربي بكل تعقيداته القبلية وشخصياته التي تعبر عن نماذج مصغرة للديكتاتور. والشاعر تحديدا كان يُجري مناظراته الفكرية ومقارعاته داخل قاعة النظام الرسمي وضمن شروط الحكم التي أوجدها هذا النظام، سواء مطمئنا على مقعد قريب من المنصة أم قابعا في زاوية آخر المكان.

والحال أن قصيدة الشاعر، لم تولد بدورها خارج مستجدات الأزمة السياسية المحلية، قبل النكسة وبعدها، وبغض النظر عن مستوى تظلل هذه القصيدة بتطورات القضية الفلسطينية، المركزية تحديدا. فلم يكن الشاعر فردا مستقلا بذاته، بل ظل منبرا إيديولوجيا مصغرا كثيرا ما كان يحاكي خطاب دول كبرى كالإتحاد السوفياتي مثلا. وبقي القاموس السوفياتي، حتى بعد سقوطه، مرجعا لبعض الشعراء يقرأون من خلاله العالم. وفي خضم تسارع التطورات السياسية الهائلة منذ مطلع الثمانينات، لم يتمكن شعراء عرفوا بمكانتهم، من تجاوز خطابهم الخاص وظلوا قانعين في كوة اجتهاداتهم الخاصة المبنية أساسا على الخوف من “آخر” ما. وكان الإسلام السياسي أحد أسهل النماذج لهذا “الآخر”. أما نقده، سواء كان بخلفية شيوعية أم “فكرية تقدمية” فإنه دغدغ متطلعات الولايات المتحدة والغرب، وأثلج بطبيعة الحال أنظمة حكم عربية، كما أوجد لاحقا حالا من التراضي الضمني بين هؤلاء الشعراء والأنظمة تلك.

وإذا كان موقف سعدي يوسف تحديدا من الثورة السورية، قد كثّف حوله إدانات واسعة ضمن أواسط شعبية وثقافية، فربما يجدر السؤال: لماذا هذا التفجع العام من موقفه؟ ألا تحتاج الثورات أن تشهد مثل هذه المواقف كي تعبر ببساطة إلى حقبة جديدة تُنزل خلالها عن كتفيها أثقال العهد القديم؟ وأي دلالة تتمخض عن موقفه هذا وتنازله التام عن قيمته الشعرية من أجل الخوض في أوحال شتم أو سب علني أو هجاء في قصيدة تفتقر للقيم الجمالية أو الأسلوبية؟ وأين يريد الجمهور من القصيدة أن تتموقع، خلف موقف الشاعر السياسي أم أمامه؟ وأية دلالات نستقرأها من موقف الجمهور نفسه لتفتيت النتاج الشعري لشاعر ما وهدمه والتنكر له باعتباره نتاجا زائفا، فقط بسبب موقف شخصي للشاعر؟ ولماذا يدعو جمهور فجأة لهدم تركة شعرية بعد أن يكون قد استهلكها وروَّج لها لعقود؟ ما صدر عن هذا الشاعر، ومثله بالتأكيد شعراء لم يبلغوا جرأته في الإفصاح عن مواقفهم، لا يدعو لأن نضع أكفنا على أفواهنا ونشهق، بل أن نقوم بمراجعة الظرف والمعايير التي نشأ فيه صوته الشعري، لكن أيضا، والأكثر أهمية ربما، أن ندرس موقف الجمهور العام من الشعر كقاض متأهب دوما، لإسقاط شاعر عن عليائه (أو حافته) بكل قصائده ورمزيته وتاريخه فقط لأن له رأيا مغايرا (وإن مغايرا باستفزاز) في لحظة لا تتناسب مع متطلبات الجمهور. القصيدة في هذه الحالة، تكون الضحية الأبرز والأسهل، والكل مستعد لأن يرمي بها في القمامة، كاتبها كما جمهورها. ويمكن تشبيهها بجذع شجرة مطمئن يقوم بنشره الشاعر من جهة والجمهور من جهة أخرى، وفي ظن كل طرف أنه سيبلغ عنق الآخر بعد قليل.      

 مازن معروف – مجلة “بيت الشعر”

في خوف الحاكم

كل نظام ينزع إلى ديكتاتورية ما، هو نظام يجوز ربط فترة إقامته بنيَّة واحدة: السعي إلى تقنيع خوفه. هذا بغض النظر عن أشكال القمع أو مستوياتها التي يمارسها أو ينشِّط دورها في المجتمع لإحكام قبضته. يتحتم علينا أن نعزل الديكتاتور كعيّنة “عرضية” في تكوينها، كي نفهم الدوافع التي تحثه على تحصيل مجتمع سلبي، يمتصّ ولا ينفجر. خوف النظام يكون جاهزاً قبل نشأة النظام نفسه، لا بعده. هو خوف له علاقة بالطبيعة النفسية للحاكم/ الشخص، ويسبق الخوف السياسي أو الظرفي الذي يستجد بسبب مصالح دول غريمة، أو تغييرات في أولوياتها، أو توزيع جيشها، أو تعديل استراتيجياتها، أو إقدامها على حلف سياسي، عسكري أو اقتصادي

أنظمة الطغاة، لا تقوم إلا على تطويع المجتمع بما يؤمّن للحاكم أرضية بصرية تناقض خوفه النفسي. يكون الحاكم في حاجة إلى حجة دامغة تطفو كبقعة زيت عريضة على وجه الماء، خافية السخام الأسود الذي يلمع في العمق. المجتمع خانعاً، يمثل بالنسبة إليه، مادة سينمائية/ مونوكرومية، ممنوع أن يتنفس أي جزء فيها مستقلاً عن المجموعة. إنه كحشد النقاط التي تكوّن خط الموجة، “لازم” أن تخضع للطاقة نفسها، وأن تتفاعل بالطريقة نفسها دائماً، سواء هبوطاً أم صعوداً. بينما يمثل الخوف النفسي، النيغاتيف غير القابلة تفاصيله للقراءة الواضحة. لأنها تفاصيل لا يريد صاحبها (الديكتاتور) الإعتراف بوجودها. يحظر على نفسه الغوص في أعماق ذاته لنبش هواجسها. بدلا من ذلك، يختار أن يوجه مناورته مع الذات عبر محور آخر. هكذا تبدأ شرعية الديكتاتور بأخذ اتجاه واحد: انطلاقا من خيوط بذلته العسكرية نحو تلك النقطة في دماغه التي منها ينبثق وهمه أنه على صواب. إنه في حاجة لعامل أكثر حميمية، لأن الشعب يمثِّل مادة يسلّم الديكتاتور بوجودها من دون أن يكون قادراً على تفسيرها. فسلوك الشعب حياله، هو عامل قابل للتفسير والتأويل، وقد يتأجج على حين غرة، وينفلت من قبضته. إذ لا يمكن الشعب أن يكون حميماً لدى الديكتاتور، ولا يمكن الديكتاتور أن يكون حميماً لشعب ما. الإثنان، الديكتاتور والشعب، في فترة معينة، لا يجرؤ أيٌّ منهما على الإفصاح عن هذه الحقيقة للطرف الآخر. هكذا، تتحول صورة الطاغية، في مرآته البسيكولوجية، مجرد رتق موصولة بخياطة ضعيفة. ذلك يولّد إرباكا يضاف إلى خوفه المنقول معه قبل تسلم السلطة. هذا ما يفسر تماثل سلوك أغلب الطغاة وتميّزهم جميعاً بالبطش والحزم والإنفعال والعناد والعصبية (عصبية الآلة العسكرية المعلنة على الأقل). وهذا ما يفسر أيضا عدم قدرتهم على تحمل مشهد تظاهرة ضدهم، ولا سماع هتاف يندد بهم او يدعوهم الى ترك السلطة. يصبح الامر بالنسبة إليهم مسألة شخصية بامتياز، وتتحول البلاد طاولة شطرنج مؤجلة، بينما يقف اللاعب الوحيد على طرفها شاهراً سكينه وجاهزاً لمعاقبة الخصم/ الشعب، لأن هذه الكتلة الديموغرافية فاجأت الديكتاتور بأمرين: أولاً قدرتها على نقل حجرها الوحيد، وثانياً حقيقة أنه لا يمتلك هذا الحجر. إن نشاط المجتمع فجأةً لاستعادة حقه، يراه الحاكم مجسّماً متمدداً لفشله. في كل يوم، يصبح وزن هذا المجسّم أكبر، وتتضخم ملامحه ويجوع أكثر. يصبح فشله فشلاً جائعاً. يوقن الديكتاتور فجأة أنه فقد اللحظة، وأن اللحظة انزلقت من قبضته، وأن قبضته مثقوبة. بفقدانه الشعب (الذي لم يكتسبه أصلاً)، يفقد الشرط الضروري لتصريف خوفه. لذلك يستعين بالنسخ المعدّلة لصورته، أقل تمزقاً، لكن أكثر هشاشة. هؤلاء أتباعه، الأكثر جهوزية لبذل ما أمكن لإعادة الشعب إلى طاولة الشطرنج مكبّل اليدين وأمامه حَجَرُه الوحيد. وفيما يمضي الشعب قدماً في تطوير نشاطه، سعياً لاستعادة حقه الانساني، ينشغل الديكتاتور بوضع الخطط لاستعادة الرقع التي سلبه إياها الشعب. الشعب يرتبط وجوده بقيمة إنسانية، والحاكم يقيس وجوده بقدرته على ملء ثقوب صورته المعطوبة. تالياً، هما يتحركان ضمن معطيين مختلفين، مما يفاقم من الممارسات القمعية

تحت هذه الممارسات القمعية، يتوارى محرِّكان: الأول خوف الديكتاتور كفرد، وهو خوف يتحرك في محور بسيكولوجي شخصي، لكنه يترجم في سلوك يفوق قدرة المجتمع الخامد، على التسليم بأمر الديكتاتور كـ”ظاهرة موقتة”. أما المحرك الثاني، فيكون ارتيابا جمعياً. يقوم مجموعة أفراد متحلقين حول الديكتاتور باستنساخ خوفه، وتعبئته في دواخلهم، كحدس وآلية دفاع، لا كخوف. مما يبرِّر لاحقاً، لهؤلاء، منهج حكم معيناً، أو طريقة. فيعملون كمجموعة متجانسة، ميكانيكياً، من دون أي لازم لمحاججة إيديولوجية، لأن نقيض فكرة الديكتاتور، يصب حتماً في حزمة أسباب خوفه، وعليه أن يكون خارج “الأمة”، مقتولاً، مسجوناً أو منفياً. ولأنه أولاً ارتياب، وثانياً ارتياب جمعي، يتحوّل نظام الديكتاتور إلى معمل متوتر، لإنتاج فتات قوانين تكسو المجتمع غصباً عن الناس، وهذا ما يحوِّل الحياة إلى أسلوب، والأفراد إلى أوراق كربونة، الأمر الذي يفضي إلى تثبيت حدود الحاجة الاجتماعية للفرد والعائلة والمؤسسة غير الحكومية. ينجح الديكتاتور في تعميم نسخة واحدة من الخوف، توازن خوفه الشخصي، وتطيِّر شعوره بالتوحد، ويتفكك عنده كل معيار من شأنه أن يتطرق إلى حالة الديكتاتور كنموذج بشري قلق. حيث يفترض أن الخوف المحصّن لفرد واحد يتفوق على خوف مكرر آلاف المرات في مجتمع أفراده غير محصّنين

مازن معروف – جريدة النهار

13/5/2012

سرحان بشارة سرحان.. المُفرد

بُعيد وصولي إلى آيسلندا، للإقامة هناك، طلبت مني مجلة فصلية تعنى بالشعر، وضع دراسة مقتضبة في قصيدة محمود درويش. كان الهدف تعريف القارئ الآيسلندي على قصيدة درويش عبر تقريب المجهر من شعره ككيان خالص، بدلا من اقتران هذا الشعر بالصيغة العاطفية والمشفِقة التي تعرِّف درويش بـ”شاعر القضية الفلسطينية” وتقف عند هذا الحد. كذلك أُبلِغتُ من قبل إدارة المجلة بأنه سيكون مهما أن يتناول “شاعر فلسطيني شاب”، محمود درويش. وافقت واقترحتُ على المجلة، نظرا لضيق المساحة (6000 كلمة)، أن أركّز “دراستي” على ما أعتبره الفترة الاولى في شعره، أي تلك الممتدة بين عامي 1964 و1983. وألزمت نفسي بمعاينة أبرز المحطات التي تدل على تطور سياق القصيدة ومركّبها، وكان علي بطبيعة الحال ألا أتغاضى عن الظروف السياسية المساهمة في تحفيز مخيلته الشعرية، وكيفية استثمار درويش لهذه الظروف جمالياً. قادتني قراءتي لقصائده من أول وجديد، إلى تناول الهوية، مفهوما لا موضوعا، وإلى الإشارة إلى أبرز الشخوص الشعرية التي ساهمت في توسيع بيكار الهوية في شعره. فانتقلتْ تباعا من كونها عاملا للاستدلال جغرافياً على مجموعة من السكان، يفضي دائما إلى غضب ومأساة (في النموذج الفلسطيني)، إلى اعتبارها سؤالا وجوديا نهماَ. ذلك ضمن خيط كرونولوجي بدأ بـ”أوراق الزيتون” ثم “عاشق من فلسطين” و”آخر الليل” و”العصافير تموت في الجليل”، حتى وصلت ديوان “أحبك أو لا أحبك” (1972). اصطدمت في هذا الديوان، مرة أخرى، بقصيدة “سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا”. أقول “مرة أخرى”، لأنني كنت قد قرأت القصيدة قبل ذلك، وانجذبتُ لمناخها. واعتقدت لفترة أن سرحان هو شخصية افتعلها درويش لضرورة شعرية بحتة، بغية إثقالها برمزيات سياسية وإيديولوجية وفنية. لذلك، لم تفضِ القصيدة بالنسبة لي، لأية إشكالية فردية موجودة على أرض الواقع، بل ظننت أن سرحان الذي “يشرب القهوة في الكافيتريا”، ويطرح أسئلة محرجة حول الوطن ومحيط هذا الوطن، هو فكرة أبعد ما تكون مستندة إلى أي حادثة واقعية

ليس مهما رقم السنة ولا اسم المكتبة. كان ذلك قبل اضطرار بائع الكتب المستعملة ذات يوم، إلى حزم بضاعته الورقية والإنتقال. عشرات الكتب، في الفاترينة الضيقة، كانت تزعق بأصواتها متراصّة كأنها في اختبار. ترفع صورة  لسياسي أو ثائر أصبح فيما بعد ديكتاتورا، أو مغنٍّ ملتزم، أو نظرية في التنجيم أو الأدب أو الفلسفة أو التاريخ، وعناوين أخرى وتصاوير لا مجال لتعدادها هنا. والزاروب، حيث المكتبة، يتمدد في موازاة نزلة البيكاديللي مقلّدا شارعا فيه مسرح مقفل. ومنذ أيام وأنا أمر وألتفت إلى كتاب ثبَّته البائع في الجهة اليمنى من الواجهة. عنوانه “سرحان سرحان، قاتل أم فدائي؟”. وثمة وجها على غلافه مرسوما بصيغة البوب آرت لشاب أسود الشعر. كتاب عتيق. وخطواتي تصبح وأنا أغادر من أمام واجهة المكتبة بعد تأمله، أبطأ. لا أجرؤ على سؤال البائع عنه، لسببين. أولهما أن الكتاب مغلّف بالنايلون والبائع بطبيعته حاد الطباع، ما يعني أنه كتاب مصفّح، معزول، وممنوع على القارئ معاينته قبل ابتياعه (وهو ما يتنافى مع طبيعة الكتابة، ومبدأ الكتب التي صُنعت لتُقْرأ فهي ليست بيضة حظ مكسوّة بقشرة من الشوكولاتة). وثانيهما مهابة الرقم المؤلف من خانتين وقد خُطَّ على غلاف النايلون بالحبر الصيني وإلى جانبه علامة الدولار. اتسعتْ بذلك المسافة بيني وبين الإجابة عن سؤال “سرحان سرحان، قاتل أم فدائي؟”. لكني عزمت على  الحصول على الكتاب. لففت هذه المسافة ورميتها كعقب سيجارة أمام باب المكتبة. الكتاب يحكي سيرة حياة سرحان سرحان. شاب قدم من القدس إلى الولايات المتحدة، واتهم بقتل السيناتور روبرت كينيدي. السيد كينيدي، الشقيق الأصغر لجون كينيدي، كان معروفا بمواقفه المعادية للعرب، والمستفزة للروح القومية العربية التي درج الترويج لها في تلك الفترة. كما إنه لم يدخر فرصة ليعلن ولاءه لاسرائيل واصفا إياها بعد حرب 1967 بأنها النموذج الأكثر إنسانية ويجب الاقتداء بها. مهما يكن من أمر، لم يكن ثمة ما يبرر قتل مرشح الرئاسة آنذاك، أو أي شخص حتى وإن عادى القضية الفلسطينية بهذه القسوة. قرأت من صفحات الكتاب ما اعتقدته كافيا لمدّي بخيوط قصة سرحان دون الغوص في تفاصيل حياته. أودعت الكتاب في مكان يناسبه في مكتبة البيت، وعزمت على قراءته في أقرب فرصة، ونسيت

قصيدة “سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا” قد تكون السجل الوحيد الذي يوثق موقف سرحان الشخص من القضية الفلسطينية في الذاكرة المعاصرة. سألت نفسي، “هل توفي؟”. لا. سرحان بشارة سرحان ما زال على قيد الحياة. هو في إحدى سجون كاليفورنيا. أصبح عجوزا. فقدَ شيئا من شعره، وسحبْ حقلُ الجاذبية خلايا جلد وجهه إلى أسفل. الخلايا التي تكاثرت وتكومت فوق بعضها وماتت وهرهرت دون ضجة على أرضية سجنه البعيد. سرحان مقيم خارج اهتمامات المنظمات الأهلية، وجمعيات حقوق الانسان. لم يطالب به الحقوقيون، ولا الأحزاب ولا “القوميات” العربية ولا الصحف ولا النشطاء ولا المفكرين. لم يُذكَر اسمه في أية جلسة بين المفاوضين الفلسطينيين والأميركيين. ماذا أعطيناك يا سرحان؟ رجعت إلى قصيدة درويش. قرأتها مرة أخرى. “ما أجبن الشعر”، قلت. ماذا يعني أن تُكتب قصيدة لسرحان سرحان المُفرد؟ وأي شعور يخامله الآن وهو يقرأ مرة أخرى القصيدة التي كتبها درويش عنه؟ لا بد أنها الآن قصيدة باردة. هل تستطيع الكلمات أن تخيِّط أشياء العالم بعزلة سجين منسي؟ درويش كتب القصيدة على اعتبار أن سرحان بالفعل قاتل روبرت كينيدي. أثارت قصة الاغتيال فضولي. ثمة فيديو على اليوتيوب. لا نرى سرحان سرحان. روبرت كينيدي يحيط به جمع من أصدقائه وهو يغادر المنصة في كاليفورنيا. نسمع أصوات رصاص، ويعتقل سرحان. لكن كيف تمكن الشاب الفلسطيني الخجول من إصابته رغم كل هذه الحشود، ومن مسافة قريبة؟ على كلٍ، الفيديو مغبّش، ولا بد أن سرحان كان يتربص به من مكان قريب. لم يعد شغلي قصيدة درويش، بل البحث في سرحان. اليوتيوب مرة أخرى. هنالك مقابلة له وهو شاب، يبكي ويقول “أتمنى أن يسود السلام في الشرق الأوسط”. طلب سرحان بعد فترة سجن طويلة، إطلاق سراحه، غير أن السيناتور إدوارد كينيدي (توفي عام 2009) وقف دائما بالمرصاد. سرحان اليوم، لا يتذكر أنه أطلق النار على روبرت كينيدي. يقول هذا للقاضي الأميركي، ويرد الأخير بما معناه أننا لا نتذكر جميع ما يحصل لنا في حيواتنا. صحيح سيدي القاضي، لكننا لن ننسى حادثة أودت بنا إلى السجن منذ عام 1968 حتى هذه اللحظة. لماذا يقوم سرحان بهذه المناورة الضعيفة؟ لكن، هل تتقاطع إدعاءاته مع ما يعتبره البعض ضلوع الـ”سي آي إيه” في العملية، وإلصاقها بسرحان سرحان كعربي فلسطيني؟ “هذيانات المؤامرة مرة أخرى” رددت في نفسي، إلى أن شاهدتُ برنامجا يبرهن فيه عالِم الخِداع الإنكليزي درين براون* أنه قادر على تجنيد أي كان لارتكاب جريمة قتل تحت تأثير التنويم المغناطيسي. براون نفسه، يعود إلى قضية سرحان سرحان، كنموذج واقعي للتأكيد على صحة تجربته

ما يدعو إما لفتح القضية مجددا أمام المحققين، أو على الأقل لتحفيز ناشطي الحقوق المدنية للقيام بحملة لإطلاق سراحه
سرحان سرحان مُفرد. فترة سجنه (1968- 2012) تختزل هزائم، اتفاقيات سلام، اجتياحات، غزو تكنولوجي، انفتاح اجتماعي، ثورة، إخفاقات، نزاعات أهلية وعرقية. يضاف إليها مئات البيانات والاعتصامات التي رُتِّبَتْ تطالب بإطلاق سراح فلان أو آخر ضمن شرط ما. كانت كلها أسماء معتقلين هم إما أعضاء سابقين في حزب، أو حركة سياسية، أو تجمع، أو تنظيم أو ميليشيا مسلحة، أو رابطة أو طائفة. الشارع العربي اختلفت درجة ديناميكيته فقط بحسب قوة الحافز المنشِّط له، أو دلالة هذا الحافز القيادية، أو درجة الأسطورة في صورته. سرحان ظل حالة شاذة في هذا السياق. فرمزية الشاب المقدسي بقيت رومانسية في المقام الأول، اجتماعية، فجة وواضحة المعالم. لم يكن بالإمكان أن يضاف شيء إليها، أو يؤخذ منها. وهي رمزية لم تكتسب زخما سياسيا، لأن النظام السوسيو-بوليتيكي العربي حال دون تعميم صورته، أو تفاعَلَ معها في أحسن الأحوال كقضية ظرفية. ولأن سرحان لم يكن منضويا تحت مظلة إيديولوجية، ولم يعتل سلماَ عقائديا للوصول إلى فلسطين. لا هو اليمين، ولا هو اليسار، لذلك، استبعدته كل المنظمات الفلسطينية من أجندتها، فلم يدرج اسمه في مانيفستو تشويقي كخطف طائرة أو احتلال سفارة أو احتجاز رهائن أو إطلاق صاروخ طائش. سريعا، أًزِيحَ سرحان إلى موقع المتفرج على الغليان الشرق أوسطي، من زنزانته. تحول من “قاتل أم فدائي أم ضحية؟” إلى “محايد مضروب بثلاثة”. سرحان مفرد وفرد وحرف واحد في صفحة بيضاء ومواطن خارج نظام الحزب أو الطائفة أو المنظمة أو الإيديولوجيا أو أي تكتل ذات مرجعية قبلية في تكوينه. وما عزله عن العالم العربي، لم يكن خصوصية قضيته، ولا بُعدها الجغرافي، ولا ارتباطها بعائلة غامضة (كينيدي) أفل نجمها سياسيا، ولا ظرفية الحدث آنذاك وفداحته، بل سلوك الجمهور العربي القائم على تعزيز الفاشستية وممارستها على نفسه ومن ثم الندم. وسرحان حالة خاصة، فردية جدا، لكنها تحمل من الدلالة ما يجعلها نموذجا صالحا لدراسة كتلة الجمهور العربي وبسيكولوجيته والظروف التي تؤثر في وعيه، أو تدفعه للإنفعال في الشارع.

قد يكون سرحان بشارة سرحان أقدم سجين في العالم. عزلته ستبلغ عامها الأربع والأربعين هذه السنة. أتخيله يحدِّق في إنسانية معزولة في حقدها آلاف السنين إلى الوراء. ويمكنكم أن تُضيفوا كرسياً إلى المشهد

http://www.youtube.com/watch?v=oC9J6O6soHA. رابط الفيديو*

مازن معروف – آيسلندا

(النص نشر في العدد الأخير من مجلة رمان)

كلمة

 

 

-1-
لماذا يصر النظام السوري على التأكيد بأنه ليس أهلا، لا لصون حق شعب، ولا إرجاع هذا الحق أو عدم انتهاكه على الأقل؟ لماذا يصر يوما بعد يوم بأن أولويات إنسانية كالحق المدني والحرية والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتداول السلطة، مفردات وعبارات لا تندرج في قاموسه؟ لماذا هو غاضب إلى هذه الدرجة؟ ألأنه أيقن فجأة أن لا رصيد لديه؟ وأن صندوقه البريدي الذي نصبه منذ السبعينات، فارغ؟ ألأنه أيقن أن لشعبه عمقا مهولا وأبعادا كان أمامه (النظام) أربعين عاما كي يحزرها، ولم يفلح؟ ألأنه أيقن أن الفرصة التي أعطاها له الشعب السوري الصبور، منذ أربعة عقود ونيف، قد انتهت؟ هل لأن هذا الشعب أفلت من النسيج الأمني الذي لطالما جر مجتمعاً إلى انتخابات الـ 99.9%؟ ألأنه عرف أن حضارة وثقافة ولدتا من شوارع دمشق وأطراف سوريا، لا يمكن إلا أن تعودا يوما لتنظفا هذه الأرض؟ ألأنه أدرك أن الواقع بات مقلوبا، وأن كل مطالبة بالحقوق المدنية والديمقراطية، هي مرجع جديد يقاس به كل نقيض لهذه الحقوق المشروعة، بدقة تفضح كل خلله وبشاعته؟ أين علامات الحق في هذا النظام؟ هل هو مصدق أن الذين آمنوا به، لم يكن لهم غرض آخر سوى تعزيز مواقعهم؟ مجرد مثال: في أي موقع كانت المؤامرة، وعلى من، وضد من، ولمصلحة من، عندما طلب النظام من أحزابه الموالية له دك المخيمات الفلسطينية في لبنان أواسط الثمانينات وقبلها إسقاطه تل الزعتر، وبعدهما حماة و.. و..؟ ألم يكن أكثر الأنظمة نشاطا في حياكة المؤامرات؟ لماذا يصر هذا النظام على التأكيد بأنه مجوّف يفتقر لأي غطاء إيديولوجي له ولا بنية فكرية، ما يجعل أنظمة النازي والفاشستي والستاليني والصهيوني ترتاح اليوم في قبورها؟ لماذا يلهث هذا النظام للحصول على النجمة الذهبية في الدموية، بينما يقف في بورتريه جماعي محوطاً بأقسى الشخصيات الديكتاتورية في التاريخ؟ ما الذي يريد هذا النظام إقناعنا به؟ ديمقراطيته مثلا؟ غيرته على المواطن السوري؟ شغفه بفلسطين؟ لماذا كل هذا اللؤم بحق المدنيين؟ لماذا يصر على استفزاز العالم أجمع؟ أمن أجل شيء آخر سوى أن يؤكد لمريديه “أنظروا، المؤامرة تقترب”؟ من يستفيد من كل هذا القتل المستعر الذي يقوم به؟ ما هي أبعد نقطة تقف عندها وجهة نظر المستفيدين من همجية هذا النظام؟ “الممانعون”، هل فاتهم أن النسيج المجتمعي في المنطقة بالغ التعقيد والتداخل لدرجة أنه لا يمكن لأي كان أن يستمر بالدفاع عن نظام يتآكل نفسه ومحيطه في نفس الوقت، وبالتالي يتآكل صورتهم من دون أن يشعروا؟ ألا يتضمن سلوك هؤلاء “الممانعين” في الدفاع الأعمى عن النظام، أكبر عملية إفراغ معنوي لخصوصية المنطقة كخزان ثقافي متنوع؟ إذ نصبح جميعاً، بمجرد مساندتنا للثورة السورية، عملاء، ويمّحي تاريخنا كأفراد، وتحال جذورنا على التلف فورا. مِن أجل مَن محاولة النظام وأتباعه تفريغ المنطقة بكل مكوناتها المساندة للثورة، بهذا النحو؟
ما لا يعلمه هذا النظام، أن السوريين، في ازدياد. هم لم يعودوا فقط هؤلاء الحاملين جواز سفر سوري، أو ذاكرة سورية، أو تاريخا مرتبطا بعبق الأرض هناك. بل أصبح كل مواطن حر في هذا العالم سورياً. أصبحنا جميعا سوريين قبل أن ننتبه إلى جنسيتنا الأخرى. ثورة الشعب السوري أكسبتنا أعرق وأنبل هوية في التاريخ المعاصر. كم نحن مدينون لك أيها الشعب

 

-2-
علينا كفلسطينيين أن نشكر الثورة السورية، أن نشكرها بخجل، بصوت خافت جداً. ليس لأنها قدمت فقط شعباً تواقاً إلى الحرية، بل لأن هذا الشعب، يأخذ على عاتقه، وبحراكه الهادف لإسقاط النظام، رسم جذور قوة إقليمية جديدة. قوة شعبية تستمد سلطتها لا من متغيرات تتعلق بالقضية الفلسطينية (وهي المتغيرات التي استثمرها النظام السوري في السبعينات والثمانينات لتعزيز انتشاره سورياً، لبنانياً وفلسطينياً)، وإنما من قيم إنسانية أساسية، شكلت القاسم المشترك الأساس لبناء الحضارات القديمة ونشرها. الشعب السوري اليوم، يشكّل في مجموعه شخصية واحدة، كتلةً تجهر بصوتها، ويتغير تكوين بنيانها بحسب درجة التصعيد والضرر الذي تلحقه آلة النظام بهذا الشعب. كتلة تتمدد أو تتقلص، تتغير مساحتها وسرعة انتشارها وطريقتها في تفادي الموت قدر الإمكان. كتلة معزولة عن العالم الذي بعد أن وضع ضميره في أذنيه، فقدهما. صحيح أنها كتلةٌ عمر نسختها الحالية لا يتجاوز السنة، أي أنها طازجة جدا، غير أن حراكها، والضغط الذي تمارسه على النظام، يعادل في أهميته، سياقاُ تاريخياً مكثفاً جداً من النضال. وكما تُربك النظام وأعوانه، تبدو في بهائها مذهلة بالنسبة لنا نحن الفلسطينيون. ولهذا، فإن دخول الشعب السوري التاريخ لا يتبع اتجاه الروزنامة المستقبلي، أي من عام 2011 إلى 2012 إلخ.. بل هو ينفذ إلى التاريخ بشكل عكسي أيضا، إلى الوراء، محوِّلاً كل إنجازات النظام وجهده في تثبيت ديكتاتورية أبدية، إلى مجرد مقدمة قصيرة الأمد لإنطلاق الثورة السورية. الدم السوري الذي يسيل اليوم في المدن والقرى هناك يُضخُّ في عروقنا كفلسطينيين في جميع مدن الشتات كما في فلسطين. يُضخّ دماً متطايراً صوبنا ومعجوناً بالأمل. الشعب في سوريا يبذل دمه غاضباً ومتجرئاً – هذه هي الصورة الفيزيولوجية التي نشاهدها – لكن ضوء هذه الصورة، يسافر إلى فلسطين. فلسطين التي تعود اليوم إلى مربع الصفر، إلى النسخة النظيفة من فلسطين.ونُوضع من جديد على خارطة الصراع مع العدو الاسرائيلي شعباً فلسطينياً محاطاً بشعوب جديدة، شعوب تنفذ إلى القضية الفلسطينية ليس من باب الواجب المدرسي أو الدعاية الحزبية الرسمية، وإنما من باب المبدأ الانساني العاري عن أي سلطة قمعية. مبدأ الحرية. الثورة السورية لم تقدم فقط نموذجاً لشعب سوري تواق إلى الحرية، بل تصدّر صوتاً يعوّل عليه في دعم حقوقنا وإدخال قضيتنا مجدداً باب العدالة. تاريخ الثورات، منذ ثورة العبيد الأولى (للمفارقة، قادها عبدٌ سوري اسمه أونوس) يثبت لنا أن كل مراسم السلطة تصاب بالخلل بعد لحظة الثورة. والثورة السورية ضربت هيبة النظام الذي لم يُخِفْ شعوباً أخرى فقط، بل وأيضاً أنظمة عربية. وهو نظام يثبت بعدم إيمانه بحرّية شعبه، فكيف بحرية شعب آخر وتحرره (كالشعب الفلسطيني مثلا). من هنا، أسأل وأنا أرى سلطةً تقصف شعباً أعزل من بعيد: لو تمكّن هذا النظام، قبل اندلاع الثورة السورية، من دحر العدو الصهيوني خارج فلسطين، هل كنا سنشهد بالفعل تحريراً لفلسطين أم انتقالاً من احتلال إلى آخر؟ شكرا للشعب السوري، أقولها بخجل وبصوت خافت جداً

 

العودة إلى دوستويفسكي

العودة إلى دوستويفسكي، أو “تلك العتمة الباهرة” للطاهر بن جلون. 40 في المئة من الناس اختاروا ألا يقرأوا كتبا على الإطلاق طوال حياتهم. كل كلمة تشبه ذئبا يعوي في اتجاه ما. كل عتمة تشبه قياسا ما. قياسا لنقاوة الدم، نشاط خلايا الدماغ، قدرة الكائن على سلخ فكرة الموت كأنها فروة تحتية بين جلدة الرأس والجمجمة. في الشهر الماضي، تلقى كاتب فلسطيني في غزة استدعاء من سلطات “حماس”. قيل له إنه سيُسأل عن بعض الامور. لم يعتقلوه عنوة. ادخروا حصته من المذلة لتبديدها عليه في غرفة التحقيق. عُصبت عيناه في الصباح التالي بعيد وصوله إلى مركز الشرطة. ثم ألفى نفسه واقفاً بعد وقت ما الى جوار شخص لا يعرفه. سنسمّي الشخص برهان. ضُرِبَ برهان على جسده، ثم أُمِر الكاتب بالضحك عليه. رفض. ضُرِب بدوره، وعُذِّبَ في غرفة الحمام قريبا من الكرسي، الكرسي المستخدم لإفراغ الأمعاء من زوائد الطعام. بروتينات مسحوقة، وجزيئات نشويات عملت عليها العصارات لتحطيمها، ثم سلكت في الأنابيب المعوية طالبةً الخروج. لا نعرف المدة التي استغرقها آخر من جلس على الكرسي لتخفيف وزنه من المواد الفاسدة، وهذا في كل حال مهم. بعدها وقّع الكاتب ورقة، وخرج. لكن، كان عليه القدوم مجددا في الصباح التالي. قيل، لإنهاء الإجراءات. لم يتغير شيء. عولج الكاتب بحصّة تعذيب أخرى. ثم أطلق سراحه. في اوائل التسعينات من القرن المنصرم، صُدِم العالم لوجود معتقل تحت الارض، في حفرة، بعيدا من النور، معتقل في الظلام إسمه تزمامارت. في أحد بلدان المغرب العربي. أُزيل في ما بعد، ووضعت مكانه شجرة سنديان كبيرة، أعني وضعت بالقوة. أحد الناجين روى قصة صموده في تلك الحفرة لمدة عشرين عاما. بلا ضوء. بلا جسد. كان عليه إبقاء دماغه حيا. دماغه فقط. حياً، يعني نظيفا، فارغا. خالياً من نشارة الذكريات. كتب الطاهر بن جلون قصته في “تلك العتمة الباهرة”. رسالة أحد المعتقلين الى زوجته أودت بالمكان، وبالعتمة أيضا. أي أن حفنة من الكلمات فعلت ذلك. كانت هي الأمل. والأمل هنا كلمة طرية، فاقدة العظام، هلامية، كحيوان بحري بدون عمود فقري. كلمة ضعيفة جدا وليست في الضرورة تحصيلاً حاصلاً. كلمة لا محل لها في الفوضى الانسانية. عندما كان أستاذ اللغة يصر على إقناعنا بقوة الكلمة وسلطتها، كنا نضحك سرا. نسخر منه. ففي بلادنا، ليس للكلمة أي مغزى. إنها عبء. أمرٌ علينا توارثه مرغمين. لم يقل الاستاذ إن الكلمة وحدها لا تكفي، يلزمها تخصيب. تماما كالأورانيوم، أو كالرحم. نحن مغمّسون بالأحماض الأمينية الحارقة. من بين ملايين الحيوانات المنوية، واحد فقط ينجح في الوصول إلى البويضة. الرحلة شاقة، يموت الباقي خلال سباحته داخل الرحم. يحترق. أحماض يفرزها الجدار الأنثوي بغية الحماية، أو ربما لأنه ضجر. تموت كلمات عديدة نكتبها. تموت من تلقاء نفسها. الضجر مرة أخرى. تموت لأنها لا تخصّب إما لِعِلّةٍ فيها وإما لعلّة في قارئها. “ويكيليكس”، الموقع الإخباري المتخصص في نشر الوثائق السرية، أخضع البنتاغون له. واشنطن لا تدري كيفية التملص من هذا المأزق. نشر الموقع الالكتروني سبعا وسبعين ألف وثيقة سرية عن الحرب في أفغانستان. فضيحة تزمامارت. تماما كفضيحة القتل من غرفة مكيفة بالريموت كونترول. تجلس الفتاة في قمرتها في واشنطن او نيويورك او حتى قريبا من مدينة ملاهٍ. مجهزة بمقبض، تحرك بواسطته طائرة بلا طيار. من مسافة آلاف الكيلومترات. يتحول الهدف افتراضاً. لا دلالة على إتمامه إلا ما تبعثه لك الاقمار الصناعية. قتل على طريقة الـ”بلاي ستايشن”. يعلن لاحقا سقوط مدنيين بغارة من طريق الخطأ. تخسر الفتاة. عندما يحذف أحدهم مقطعا من كلماتك، فأنت تخسر أيضا. لا. هو من يخسر. أو هي. لا فرق. أنت تفتقد فقط. تفتقد الرغبة في الكتابة مجددا. لأنه عالم من التسويات. الطريف أنك عندما تشتري لوالدتك نصف كيلو من الطماطم الحمراء والصلبة، فإن البائع لا ينظر في وجهك. لا يهمّه من تكون. معدة. مجرد معدة. وستُفرغ تماما بالطريقة نفسها كما آخر رجل دخل حمّام التعذيب في غزة. على الكرسي. جلوساً. العودة إلى دوستويفسكي، لفهم الشخوص، الكآبة، الجريمة، الفرح، الغضب. لتبرير كل شيء. حتى أن “شْرِكْ” الغول صار محببا. جميلة هوليوود أحيانا. ذكية دائما. صفحاتنا التي نكتب فوقها، مثقوبة. تنزّ منها الكلمات. لذلك لا يبقى أثر لما نكتبه. وهذا يبطئ من تزايد وزن العالم. يبقى أن الكتابة في بلادنا، تمرّن على توقّع رائحة ما بعد إحراق جثة. وهذا سيتكرر في انتظار فيضان شبيه بما يحدث في باكستان، أو غضب تربة – كما في الصين – وسحل نفسها على مئات الناس النائمين مثلنا. لا فرق، طالما أننا سنستيقظ في الوحل

مازن معروف – جريدة النهار 2010