السؤال الأخرس: لماذا؟

تسترجع ماري رشو من خلال روايتها “طفلة الكوليرا” (دار الساقي)، حقبة من التاريخ الخاص بالأرمن. تقوم بذلك من خلال الاتكال على ما تعتبره حقائق أرشيفية، لتصوغ لغتها الروائية من دون أن تبتعد قيد أنملة عن الحدث العام (مأساة الأرمن)، الذي لا يلبث أن يتخذ زاوية خاصة جدا، تعتبرها الروائية كافية لبناء عمل أدبي. لا بد في البداية، من الوقوف عند بعض الأسئلة حول ما يختص بالأرشيف التاريخي وأثره في بعض القوميات. فتاريخ القرن العشرين، شهد منذ بدايته تكثيفا غير مسبوق لناحية الحدث وتسارعه، ولانسحاب نتائج هذا الحدث على البشرية بشكل عام.

ضَعُفَ نفوذ الدولة العثمانية، ووهنت سلطة الأتراك، بعدما امتدت في مرحلة ما لتطال أفريقيا. لحماية إرث السلطنة العثمانية، لجأ الأتراك في نهاية الأمر إلى المارد الألماني، بشروط حددها هذا الأخير مسبقا. ترافق هذا مع اهتزاز الموقع العسكري لدول عدة، مما أدى إلى اختلال في موازين القوى بين الشرق والغرب بعد الحرب العالمية الاولى، إضافة إلى تغييرات ديموغرافية، نتيجة الإبادة، أو التهجير القسري أو الاختياري. لم يعد التشكيل المدني للأمكنة، مماثلا لما قبل الحدث. تالياً، فإن انسلاخ الانسان عن مكانه الأول، كان لا بد من أن يشكل مساحة إضافية في ذاكرة بعض الشعوب كتعويض نوستالجي أقله عن المأساة والحرمان من ملكية مكان الأجداد. ما حدث للأرمن، كان ممكنا في حق شعوب اعتبرت دون مستوى شروط الإنسان، بسبب اختلاف عرقها أو ديانتها او انتمائها الإيديولوجي. الغريب أن ما حدث للأرمن من مجازر إبادة وتهجير، وإبعاد وسخرة وحرمان، بقي إلى حد ما، رهن التجميد، إذا لم نقل النسيان. بقيت القضية الأرمنية، مسألة ذات طابع خاص وضيق يكاد لا يتجاوز أصحاب القضية المعنيين بها شخصيا. لم تأخذ المسألة بعدها الانساني بالشكل الذي حظيت به قضايا أخرى كالقضية الفلسطينية. ولا نعرف مثلا من المسؤول عن هذا الأمر. هل هو الجيل الثاني من الارمن مثلا؟ هل صحيح أن انشغال الأرمن بالصناعة والتجارة والانصراف إلى تثبيت اقدامهم على أرض المال، وتالياً تحقيق كينونتهم ووجودهم كأرمن اولا، ومن ثم كرجال أعمال او أصحاب نفوذ، هو ما تسبب بهذا التغاضي عن القضية؟ مهما يكن من امر، فإن ماري رشو، تطرحه من خلال شخصية الأب واهان، الذي كان طفلا في العاشرة من عمره حينما أجبر ووالدته آرشا على مغادرة الديار، بناء على أوامر الحاكم العثماني. آرشا الجدة، تحكي لحفيدتها لورا، قصة الأرمن، وألم الجوع والعطش والإذلال والإهانة المعنوية، المرافقة لهم في رحلتهم. تستثار الحفيدة، مما يضعها وجها لوجه امام ابيها واهان، الذي يبدو موضوعيا تجاه الأمر، أكثر من اللزوم. تمثل الجدة، برمزيتها في الرواية، الذاكرة او الأرشيف الحي. وهي تشكل بالإضافة إلى الوثائق التي تعتمدها لورا، كمّاشة للقبض على الحقيقة (او ما تعتبره لورا هكذا). فيما يمثل الأب، الذاكرة المتذبذبة بين الانحياز الى القومية الارمنية، وموضوعية مجوفة، يملأها واهان بالسخرية. لكن شخصية واهان، تبدو من خلال العمل كأنها البيان غير القومي للأرمن، لكن الضعيف، وغير القادر على الدفاع عن افكاره أو تثبيتها أمام مارد القومية الأرمنية (لورا). تستخدمه لورا، لدحض هذه الأفكار وتفتيتها، والانتصار على “وجهة النظر الأخرى”. تؤدي شخصيته دور الضفة الاخرى للعمل الروائي، وذلك من الناحية الفكرية وليس الجمالية الروائية. أما آفو، فيبدو على النقيض تماما من أخيه واهان. إذ يتمتع بمخيلة متأهبة للدفاع عن الارمن (هو الذي ولد نتيجة اغتصاب أحد قطّاع الطرق، لوالدته آرشا). فآفو يتمتع بصحة مريضة، فيما يبدو واهان الذي يكبر اخاه بعشر سنين، اكثر قوة وفتاوة. هذه هي الكماشة الثانية التي تلعب عليها ماري رشو، إذ يبدو العامل الفكري متنافيا مع العامل الجسدي. التقاؤهما في جسد واحد، يكون مستحيلا. هذا الجيل من أطفال الارمن الذين عاشوا المأساة، لا يتوافق فيه شروط الدفاع عن قضيته. هذا إذا اخذنا في الاعتبار، موقع كلٍّ من واهان وآفو الاجتماعي، حيث اضطر واهان لتحمل المسؤولية، والعمل كمصور فوتوغرافي منذ صغره، أما آفو فبرع في الدراسة منذ صغره وألف ثقافة عالية. من هنا يبدو ان كلا الأخوين، حوكم بالقضية، منذ نعومة اظفاره وخضع ميتافيزيقياً للحياة ما بعد المجازر.

يبدو أن قوام الرواية الأساسي هو التاريخ. وهو مشغول بمسؤولية عالية، لجهة البحث الذي قامت به رشو. جعلته حيزاً للمعادلة الروائية، ولم تعتمده كجسم أساسي لبناء الدراما في الرواية، موظِّفةً إياه جسرَ عبور إلى المأساة. فالكاتبة اهتمت أولا باستعراض ما ورد في المراجع التي لجأت إليها لتأليف “طفلة الكوليرا”، إلا انها لم تبذل الكثير من الجهد لرفع الرواية فوق مستوى التناقل الشفوي للتاريخ، الذي وإن بدا حاضرا، فإنه ثقيل وفج، وخال من أي ابتكار درامي أو إضافة تأخذ في الاعتبار ضرورة تغليف كل عمل فني بالقيمة الجمالية، بعيدا من القيمة التاريخية أو قريبا منها. على كل حال، فإنه أحد انماط الرواية الموجودة، شئنا هذا أو أبينا، لكن الفن يشترط مساحة أخرى من الوعي، وليس البصري فقط. فالتاريخ يتكون اولا من خلال العين والأذن، ومن ثم يتم تناقله عبر اللمس، من خلال أرشفة المادة البصرية – السمعية، بالكتابة. وهو يبقى في نهاية المطاف تاريخا، لا يجوز استنساخه أو نقله كما هو، ولصقه بخلفية شخصية ليتحول فناً. ذلك ممكن فقط حينما يحضر الوجود الفني والجمالي لعناصر تأليف الرواية والشخصيات وتعميق العلاقة بين الشخصية والمكان. لكن “طفلة الكوليرا”، وبقدر ما يبدو العنوان آسرا وجذابا، بقيت بعيدة عن هذه الجمالية المفترضة في العنوان، وعما توقعناه كذلك. فخطوط السرد مثلا، لم تتنوع ولم تلاعب الزمن، بل ظلت في مسار واحد، وهو التناقل المباشر من الجدة إلى الحفيدة (القديم إلى الحديث). وهذا أبسط وسائل الكتابة الروائية، وأكثر أشكال الحكايات كلاسيكية. لكن ضرورته هنا، مبررة لسبب أن ما حدث للأرمن جزء من ذاكرة الأرمن أنفسهم، مما يقوّي أواصر الربط بين صدقية المادة التاريخية والنسيج الروائي. وهناك إشارتان لا بد ان نتوقف عندهما، الأولى: أن رشو اعتمدت الدفاع عن الدين الإسلامي، لتطهر التاريخ من احتمال علاقة الديانة الاسلامية كمنهج، بما حدث للأرمن باعتبارهم غير مسلمين، وباعتبار الأتراك الذين ارتكبوا ما ارتكبوه، مسلمين، لكنهم مارسوا ما مارسوه من وجهة نظر فردية، لا تعبّر عن وجهة نظر الدين الإسلامي (تستعين الكاتبة بآيات من القرآن الكريم وبأقوال الأئمة، حول التعايش والتآخي مع الآخر، وبموقف شريف مكة الذي استنكر إبادة الأرمن وطالب بحمايتهم على اعتبار أنهم أهل كتاب). الثانية: أنها تحاول ألا تعمّم صورة التركي، على انه الآخر العدو، بإدخالها شخصية الدركي التركي مصطفى، الشاب الذي يحاول مساعدة الارمن الشيوخ والنساء والأطفال العزّل، الذين يؤلفون قافلة الترحيل. إن في الإشارتين السابقتين، أهمية كبرى لجهة تهذيب المادة التاريخية المؤرشفة، وضخها إلى الجيل الأرمني الحديث، بأفق أكثر اتساعا.

من هنا، تحتل الرواية مكانة من حيث اعتمادها السرد الشفوي للجدة الأرمنية، كمصدر أساسي للمعلومات، إضافة إلى أن هذا الأمر يشكل دعامة لسقف الواقعية التي تشتغل تحته رشو، وخصوصا أنها روائية تقف وجها لوجه أمام موضوع جاهز، سواء أكان قضية سياسية أم إنسانية. لكن هذا الخط الوحيد للسرد، والخارجي، تتفرع منه خطوط ضمنية للحدث الواحد، فتتداخل ما بين التاريخي – السياسي من جهة، والإنساني – الفردي من جهة أخرى. يتم تلاقح هذين الخطين او التقاؤهما من خلال الظلال التي ترسمها السياسة وانسحاب نتائج الحرب على الإنسان الأرمني بشكل مفارقات مؤلمة (طفل يعصر كومة من التراب آملا أن ينزل منها ماء، نساء يفتّتن روث البقر لإيجاد بعض الحبوب التي لم تهضم، الكوليرا أو التيفوس الذي أصاب بعض الأطفال، الصبايا الأرمن اللاتي يلقين بأجسادهن في البئر بسبب العطش الشديد، بعضهن يمتن، أما الناجيات، فتهرع إليهن النسوة، فيلعقن أثوابهن المبللة، أو يمصصنها).

تعيد رشو السؤال عن سبب المأساة، وتهجير الأرمن. وهو سؤال يخرج في الرواية على لسان لورا الطفلة، لكنه سؤال الحقيقة. سؤال “لماذا”، الذي يتخطى في طبيعته خصوصية المجزرة الأرمنية التي ألحقت العار بمفهوم الإنسانية جمعاء. هو السؤال الذي يمكن أن يطرح كذلك حول جرائم أميركا في حق الهنود الحمر، أو فيتنام، أو حول جرائم اليابان، أو مذبحتي هيروشيما وناكازاكي الكيميائيتين، أو محرقة الهولوكوست، التي أودت بحياة عدد كبير من اليهود الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أتباع ديانة مختلفة. وهو السؤال نفسه الذي يطرح حول مأساة الفلسطينيين الذين هجِّروا وشرِّدوا من بيوتهم على أيدي العصابات الصهيونية، الشتيرن، والهاغانا والأراغون. وهو السؤال الذي يمكن أن يطرح على حروب البلقان، ورواندا والسودان، والعراق، وهو ربما السؤال الذي قد لا تملك أي إجابة، الجرأة لمواجهته.

 مازن معروف النهار 9\10\2009

Advertisements

إيليا سليمان عن فيلمه “الزمن الباقي”: نعم أنا أتجه إلى الواقعية المفرطة

بعد ملاحقته من باريس إلى بيروت ومن ثم إلى باريس مجددا، إستطعت العثور على المخرج الفلسطيني إيليا سليمان الذي تنقّط كلماته الساخرة من فمه أغلب الوقت، يمتعك الحديث معه بقدر ما يجرحك أو يخوفك. إنه مخرج غير منضبط، لا يحدد إيقاعا مسبقا لأعماله، بل يؤثر المجازفة والخوض في التصوير منطلقا من تجربته الشخصية، كإيليا سليمان الإنسان الناصري البسيط، فيحول محيطه الخاص إلى عمل سينمائي بتفاصيل إبداعية فضفاضة. من العاصمة الفرنسية، حيث يقيم في الوقت الحالي، كان معه هذا الحوار:

1 – الأفلام الثلاثة “سجل اختفاء”، “يد إلهية” و”الزمن الباقي” التي قمت بإخراجها وكتابتها، تبدو وكأنها تريولوجي (ثلاثية)، إذ تدور أحداثها في نفس الأمكنة (المنزل، الحارة،..إلخ)، حتى أن الكاميرا في بعض المشاهد من الفيلم الأول لم يتغير موقعها سنتمترا واحدا في الفيلم الثالث. ألم تجد في هذا الامر مجازفة، خصوصا وأن معظم المخرجين يحاولون تقديم مواضيع مختلفة وبيئات لا تتضارب مع بعضها البعض؟

أفكر الآن بسؤالك. صحيح، كان في الأمر مجازفة كبيرة. لكنني لم أفكر بها إلا الآن. كان يجب ربما أن أخاف، او أبتعد، وأن أصنع فيلما بشكل عكسي. الجيد أنني لم أقم بتقييمها مسبقا كمجازفة. كنت أشعر بنفسي منجذبا إلى المكان نفسه، إلى حيث ترعرعت. الأغلب انني لم أكن اشعر بانني سأخرج فيلما على هذه الشاكلة. شيء ما كان يجر كل حواسي إلى المنزل مجددا، والحارة والمحيط والأصدقاء القدامى. “يد إلهية” هو حلقة الوصل بين الفيليمن الأول والأخير. مشهد الأم وهي تقرأ الجريدة وتأكل البوظة مثلا، يدل على الإحساس بالزمن، وإصرار الفرد على متابعة حياته حتى النهاية. هي تتوارى، لتستلذ بحبة بوظة، مدركة انها ممنوعة من أكل البوظة. إنه إحدى جوانب الإنسان الحزينة. الام تريد ان تحارب وتستمر. المسألة هنا ليست سياسية، بل شخصية. إنها حرب أخرى غير ملحوظة ربما. إذا تسنى لك مشاهدة المونتاج يوما ما، فسوف ترى ذلك الترابط بين كل الأشياء التي عشتها وثم قمت بعمل مداخلات صورية لها. الموسيقى مثلا، كلها مرتبطة بالواقع. ليس عندي استراتيجيات، لكنني كنت على اتصال بالموسيقى قبل البدء بالتصوير، وفي مرحلة التحضير للفيلم. كنت أشعر ان فترة السبعينات من القرن المنصرم، هي فترة فيروزية، لكنني نشأت كذلك على موسيقى صباح فخري، من خلال والدي. هناك ميلانكوني في أغانيه تحفز ذهني على تذكر أشياء في طفولتي ومراهقتي. لكن ورغم ان هذا النوع من الطرب، لا يفتح اية نافذة على الموسيقى الطربية التي تعودنا سماعها، إلا انني آمنت أن موسيقى اغانيه لا بد وأن تلائم المشهد. الامر أدهش محرر الفيلم. ولأول مرة، كان لدي مستشارة موسيقية هي ياسمين حمدان. كان هناك صعوبات. اردت كذلك أن أفتش عن الامكنة، ان أقف او أجلس تماما في المنزل حيث كنت اقف أو أجلس وأنا صغير. كانت عملية البحث عن موقع الكاميرا، في غاية المشقة، لأنني اعرف المنزل جيدا، ولي علاقة مع كل زاوية من زواياه وتفاصيله.

2 – لماذا هذا التوجه عند إيليا سليمان نحو إبقاء قدميه مغروستين في أرضية الواقع، فيما مخيلته تلامس السقف السوريالي، دون أن تتكمش به؟

نعم، انا اتجه من الواقع إلى الواقعية المفرطة (hyper realism). وبالحقيقة، فإن أفلامي تعكس تضخيم الواقع. لا أتكلم عن الشارع الفلسطيني. لكن ربما عن الشارع النصراوي. إنه تأليف سينمائي. كل تابلو هو قطعة معينة. وله مزاجه واستقلاليته وإيقاعه. ليس فيه بالضرورة شيئا سخيفا. هناك سياق كلامي، ربما دون الوعي العقلاني، او المنطق، لكن استمراريته تنبع من لعبة المونتاج الذي يضبط بدوره الأشياء. المونتاج هو أكثر ميتافيزيقية، مما هو “علاجي”. تحضيرالسيناريو يستغرقني الكثير من الوقت. استثمار المشهد هو اكثر ما يشغلني. منظر التاكسي هو مشربك، ويلزم أخذه إلى مطرح محدد. السؤال الذي يبقى هو: هل سيتم ضبط المشهد ام لا؟ إنه مسألة خطرة. أحيانا أصوّر مشاهد احتياطية او محتملة. المونتاج يرتبط بالشاعرية وليس بالشعر. هذه النقلات تخوفني، لأنني لا اريد الالتزام بالواقع مثلما هو. هناك كوريوغرافي مثلا، ونوع من التمزق الصوري. ليس هناك واقعية، بل تعود القصة والسرد والصورة لتكمل. مثل مشهد القفز بالزانة فوق جدار الفصل العنصري في “الزمن المتبقي”، أو عندما افجر الدبابة ببذرة مشمش في “يد إلهية” مكملا بكل هدوء نحو المستشفى لزيارة أبي. ليس هناك خط واحد في السيناريو. يخيل أحيانا ان هناك مواقعا في السيناريو لن تكون جيدة، إلا أن هذا النوع يثيرني. الخروج عن السرد ومن ثم العودة إليه. هذا مرفق باحتمال ان يفرط السرد، والفيلم معا. سأقول لك سرا، في “سجل اختفاء”، كنت راديكاليا جدا. قررت من البداية ماذا سأفعل. قمت بالتصوير مرتين. إما ألاقي أريحا او أوسلو. كان الانتاج مكلفا. لكنني كنت انتظر الحدث في الفيلم. أصور وانتظر غن كان سيحدث شيءخلال التصوير يعتبر بمثابة حدث لإكمال الفيلم. السيناريو لم يكن منتهيا. كان يقف عند مشهد الجنود الاسرائيليين الذي ينزلون بسرعة من سيارتهم العسكرية ليتبولوا على الحائط، قبل ان يعودوا بسرعة إلى السيارة. في هذا المشهد، يقع جهاز اللاسلكي من أحد الجنود (وهذا لم يكن مكتوبا في السيناريو). كان هذا الحدث. أمهلت فريق الانتاج شهرا واحدا، ذهبت وكتبت السيناريو على اساس ان الحدث هو وقوع اللاسلكي. واكملت الفيلم الذي نال جائزة في إيطاليا. كان ذلك ضربا من الجنون لن أكرره.

3 – لكن كيف أمكن إقناع المنتجين بسيناريو غير مكتمل؟

هذا لأنني كنت أنا المنتج. الآن اختلفت الامور، كل شيء أكثر صعبة. المنتج يريد ان يرى الفيلم الآن قبل أن يساهم في الانتاج. التسويق عملية تضغط أكثر فأكثر على مخيلة المخرج. لا أعلم إذا كان هناك مخرجون قادرون على الهروب من هذه الضغوطات. كان في السابق هامش أكبر من الحرية أمام المخرج. أناس عمالقة اضطروا إلى العمل كممثلين فقط لكسب المال واستخدامه في انتاج اعمالهم الإخراجية الخاصة. هناك تدهور في هذه الصناعة. كما ان هناك نوعا من الصمت والقبول الشبيهان بالصمت والقبول حيال المجازر والمآسي التي تحصل يوميا في أنحاء متفرقة من العالم. إنه خراب متصل بخراب آخر. هناك احتفالات سخيفة نسمع بها، كأن يقال ان الفيلم الفلاني حقق إيرادات مالية تفوق الثمانين مليون دولار. هذا جيد، لكن أين هي إيرادات الفيلم فنيا؟ معيب هذا الاحتفال بالشق اللوتاري المتعلق بالفيلم وليس الثقافي.

4 – كيف تفسر أن البعض يتوقع منك صناعة أفلام نمطية عن الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، كونك فلسطينيا من الناصرة؟

السؤال يكمن في ان ترسم الواقع بطريقة مختلفة. أن تحشر بورنوغرافيا العنف في فيلم، هو أمر لا يغير شيئا في معادلة الصراع. ليست مهمتي أن اتحدث عن عنف الاسرائيلي ضد الفلسطيني. الفيلم هو بحد ذاته عن العنف. لكنه العنف المعاش في هامش شخصي. انا لست مخرج أفلام وثائقية ولا ريبورتجات. ولا أحبذ أن اكون مونولوجا أو تأتأة عن الواقع، او احتمالاته. هذا ما اسميه “potential moment of truth”، التابلو عندي هو شاعري وليس واقعي. لا نحتاج وثائقيات عن العنف. العنف يأتي من النافذة، وكل ما عليك فعله هو إغلاق البيت لتجنبه. منظر سرقة الجنود لأغراض البيت في فيلمي الأخير، لم يأت من فراغ مثلا، بل من حكاية امرأة كانت قادمة للتو من شهر عسلها في بيروت، ووجدت فور وصولها، الجنود الاسرائيليين وهم يسرقون أشياءها. اليوم عمرها 75 عاما ولا تزال تبكي كلما تذكرت الحادثة. أرتني ثقوب الرصاصات التي أطلقها الجنود وقتذاك لتخويف زوجها ومنعه من مقاومتهم. هنا، كان الحدث تاريخيا. وانتقمت للمرأة بمشهد أصور فيه الجنود وهم يسرقون منزلا ويستمعون إلى ليلى مراد في الفونوغراف الذي استولوا عليه. العنف في هذه اللحظة، هو نوع من الغضب. القصة هذه تأثيرها أقوى بكثير من المنظر المادي كما هو. البعد الفني يلعب دورا في تحفيز مخيلة المتفرج، وإشراكه في الفيلم. في “سجل اختفاء”، “يفنتر” الجنود على الحائط. ليس في هذا المشهد ربما أي عنف، لكن طريقة نزول الجنود من الحافلة، وسرعتهم، كما وطريقة عودتهم إليها وسرعتهم الهائلة، تبشر بأن هناك عنفا سوف يحصل في مكان ما. إذن، هم اتوا من مهمة وهم ذاهبون إلى مهمة أخرى. قد يضحك المشاهد هنا، لكن هناك رسالة يجب إيصالها بشكل غير مباشر في النهاية. التاريخ يبرهن أن العمل الفني الذي يستهلك الحدث التاريخي، يضمحل تدريجيا ويموت. لا تتقوقع أفلامي في الهوية، بل في التجربة الانسانية. إنها تختصر رغبة لدي في تقليص العنف. بالنسبة لي، لا اريد للناس أن يتظاهروا بعد مشاهدة افلامي. يسعدني أكثر، إذا جعلتهم هذه الأفلام يشعرون بالجوع أو يضعون ماء لأزهارهم.

5 – لماذا انتهاجك شخصية الصامت في أفلامك؟ وهل للصمت دلالات فلسفية أو احتجاجية هنا؟

يكون السيناريو منطوقا في البداية. لكنني اعمل بجهد على تكثيف الحوارات واختزالها لإيلاء الصورة الأهمية الكبرى، بما يجعلها ضخمة ومفتوحة الدلالات. على السينما ان تعبر باللغة السينمائية، والمحكي هو الجزء وليس الكل. لا أريد أن أقدم معلومات مباشرة في أفلامي. من يريد المعلومات، فمن السهل الحصول عليها عبر الكتب والانترنت والأبحاث والدراسات والوثائقيات. لا تنس أن الصمت هو نوع من اللاتوازن او اللاإستقرار. هو يدعم القوة، ويهبط القلب في نفس الوقت، كما ويرسم فراغات امام المشاهد طالبا منه أن يملّيها. أنا لا أعتبره صمتا، لأن فيه إيقاعات، وأصوات. اجرب أن يكون الحوار مقتصرا على سؤال وجواب. مونولوجا مقابل المونولوج. إنه حوار المنظر. الجار في “الزمن المتبقي”، يتحدث، لكن ليس هناك حوارا مع فؤاد (أبي). نعيش اغلب الوقت في صمت متأمل. حتى الصمت مُسيّس، لكن بالطبع فيه احتجاج وفيه أيضا حزن. أحاول تكثيف لغة الحارة، التي أصبحت الآن غيتو إسرائيلي عزل الفلسطينيين عن بعضهم البعض. روح النكتة مثلا، مستوحاة من العائلة، من الأب تحديدا والأم. هناك الكثير من المواقف المثيرة للسخرية أو للضحك، آتية من نكات يطلقها إخوتي، او أحداث حقيقية جرت معهم. أمتص هذه الحياة في السينما بشكل نظيف ومبتكر ومختلف وأصيل.

6 – ماذا بعد أفلامك الثلاثة عن العائلة والمنزل والحياة الشخصية في الناصرة؟ هل سيقدم إيليا سليمان فيلم رابعا مكملا لسيرة أفلامه، أم سيتجاوز هذه المرحلة بأكملها نحو موضوع مغاير إلى حد ما؟

عندي فكرة. ممكن ان تكون مرتبطة بالافلام الثلاثة السابقة. لم أبدأ مرة في حياتي كتابة سيناريو ثابت. هناك دائما شيء مختلف وجديد يطرأ على النص. الكتبة تأخذك وتقاومك. تصطدم بمطارح وتحاول أن تجد المنفذ او طريق الهرب. لا تتوقع احيانا كيف ستكمل بعد عدة سطور. لولا السفر لكتبت أكثر. لا اريد أن أكرر. يجب ان يكون هناك بحث مكثف يؤمن لي الانطلاقة التي تكون دائما أمرا صعبا. هذه فترة مهرجانات وحوار بيني وبين الجمهور، الامر الذي استفيد منه كثيرا.

مازن معروف (باريس)
(جريدة النهار 2009)

إيليا سليمان في “الزمن الباقي”: بيبلوغرافيا المفارقات

المشهد الأول في الفيلم الجديد للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان “the time that remains”، لا يحمل في جعبته أبعادا تقنية، أو فقط تمهيدية- سردية للمشاهد. بل يخبئ وظيفة سياسية- سوسيولوجية. من المعروف أن الكثير من المخرجين، يستخدمون تقنية الفلاش باك، من أجل نسج خيط الزمن، ما بين المتفرج-الحاضر، كصورة للأمر الواقع، وما بين السابق- الماضي، كصورة للفن- التراجيديا، كأمر يقف بجوار هذا الواقع ويلازمه.

لنعد إلى المشهد الأول: سيارة تاكسي على طريق سريع، السائق يتحدث بالعبرية، والأرجح أنه يهودي، والراكب الوحيد هو الفلسطيني- إيليا سليمان. السماء تبدأ بالمطر، والسائق يتذمر ويتأفف ويقول بأنه غير قادر على الرؤية. يوقف السيارة، وإيليا لا يتفوه بكلمة. الطبقة الأولى لهذا المشهد، هي سياسية- كوميدية، وإن قاسية نوعا ما. فالاسرائيلي، يعلن دائما نفسه وكأنه هو المعتدى عليه، فيما الفلسطيني، العاجز عن استخدام أية أداة سياسية، يظل صامتا، ماضيا في ركب الصراع الذي يديره الجهاز العسكري لاسرائيل. هنا، في هذا المشهد الكثيف، يحضر مستوى ثان. نفهم بسرعة أن الإثنين الجالسين في السيارة، محكومان بقدرية واحدة، وهي التواصل الإنساني. فالسائق لا يقتل إيليا مثلا، ولا يرميه خارج السيارة تحت المطر. وهنا، تسقط صورة الشرير اليهودي من الذاكرة العربية، يدفعها إيليا سليمان بعيدا، ويستبدلها بالمستوى الإنساني للـ”عدو”. إن هذه الصورة البسيطة، والتي يسخِّرها المخرج الناصري، بكل ذكاء، لخدمة العلاقة ما بينه وبين أمه (إيليا في سيارة التاكسي/ ذاهب لزيارة أمه في المستشفى)، تأتي في سياق التصالح التاريخي، مع المكونين السوسيولوجيين لأرض فلسطين، أي الفلسطيني واليهودي. يطرح هذا المشهد، ثنائية العدو- العدو، أو الضحية- الجلاد، جانبا. ويستبدلها بثنائية أخرى: الذات (الفردية) – الطبيعة (كظرف خارج السيطرة الانسانية). ومن هنا، فإن الذات الفلسطينية، والذات اليهودية، بغض النظر عن القائمة السياسية لكل منهما، تنصهران معا، عاجزتين، عن تحقيق رغبتهما. فرغبة السائق هي نفعية- مادية، فيما رغبة الراكب، هي تحقيق مصداقية الشعور، أي أنها رومانسية، بمعنى ما. هما لا تتقاطع رغباتهما، لكنها تبقى رغبات الطبيعة الإنسانية. الإنسان يجري تجريده ههنا، ومن ثم قسمته إلى نصفين، مادي وروحاني، نصفين لا يتصارعان ولا يتوحدان. يخضعان فقط للطبيعة. هكذا قررت السماء أنها شتوية. وأمطرت بغضب.

هذه هي الوجبة الأولى على مائدة إيليا الطباخ. هو يعيد النظر إلى التاريخ الفلسطيني ككل، من جانب شخصي، وأخلاقي. لا يمس بالشغل الذي درج العمل عليه طوال عشرات من السنين، لجعل الفلسطيني بطلا خارقا. وبالتالي، فإن مشروعه، ولأنه سينمائي وبالتالي فني (وهذا عامل إيجابي يتيح له التعبير عن آرائه بكل حرية، بوصفه فنان)، فهو من نوع آخر، يقع على ضفة أخرى من الإيديولوجيا الشعبية، أو بالمعنى الأشمل، على ضفة غير متعارف عليها في المجتمع العربي. ضفة غير تلك التي تقول: كل يهودي، إسرائيلي، وكل إسرائيلي عدو، والعدو ليصير مقبولا كعدو في الذاكرة المسطحة للشعوب، فعلينا تجريده أولا من كل مقوم إنساني، ما يعني أن كل يهودي هو لا إنسان، وهو عدو بالدرجة الأولى. لا يعني هذا الأمر بأنه علينا أن ننظر إلى فعل الجندي الإسرائيلي وهو يقتل فلسطينيا، على أنه فعل مجتزأ عن الجانب الشرير للرجل، وعليه فإنه يظل قابلا للأنسنة ضمن جزئه الآخر في تلك اللحظة. أبدا. إذ أن فعل القتل، يجرد الإنسان من أدنى شروط إنسانيته، وهي قدرته على التعايش. لكن، إنسانية هذا القاتل، لن تبقى معزولة عنه، طوال فترة حياته. فهو سيذهب إلى عائلته، وسيتواصل مع أقربائه وأصدقائه، وربما يكون إبنا صالحا، وزوجا محبا، وأبا عطوفا، وذلك بغض النظر عن كيفية توظيف شعوره، في إذكاء العنصرية تجاه “عدوه” الفلسطيني، عدو الشارع والمواجهات.

كل إنسان هو عبارة عن جزءين متناقضين، أحدهما شرير والآخر خيِّر. هما موجودان، يتنافسان مع الحياة، وحولها. ولا يتنافسان مع بعضهما البعض، إلا في حالة وجود الشعور بالذنب. من هنا يكون مقياس إنسانية الكائن الثديي، إنسانية نسبية، غير مطلقة، تنحسر أمام سلوك العنف الذي يمثل الغاية للحياة، وهي في صلب المبدأ الدارويني. لكن متطلبات “العروبة”، والسباق العربي مع إسرائيل حول احتلال موقع الضحية في معادلة الصراع، فرضا منهجا يتشابه مع ما قام به هتلر أواسط الثلاثينات، حين أدمج في المناهج التعليمية الألمانية، فصولا حول كيفية تمييز اليهودي عن سواه. أسلوب الزعيم النازي كان أكثر شراسة، وسرعة وتوتاليتارية. أصبح بفضله، كل يهودي هو كائن دون، لا يستق العيش، بل ويجب أيضا أن يكون موته أوريجينال. أسلوب العرب، كان أبطأ على المستوى الميكانيكي، لكنه الأخطر، إذ عزل الإنسان بشكل ما عن الإنسان الآخر، كما وعزل ديانة سماوية (اليهودية) عن الديانتين الأخريين. كان ذلك يبرر دائما كخدمة لقضية فلسطين. هكذا، أصبح الصراع مع اسرئيل صراعا إستبدل الطرف المحلي (أي فلسطينيي الداخل) بطرف عروبي (قومي). وبالتالي، كان إغلاق باب الحياة، أو كيفيتها ما بين اليهود والفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة ، فرضا واجبا على كل حريص على القضية. مع أن كتب التاريخ تشير بوضوح إلى أن اليهود الشرقيين كانوا قومية فلسطينية، ديمغرافيا، ماليا وعمرانيا، وبشكل شبه في مدينة تل أبيب. وكان هناك علاقة تجارية ما بين الفلسطينيين واليهود، على المستوى اليومي، قبل العام 1948. إذن، فإعلان قيام دولة إسرائيل، أغلق الباب على علاقة موجودة بذاتها، تم اعتبارها لاحقا لا شرعية، بغض النظر عن طبيعتها، كما وأغلق الباب نهائيا ما بين العرب واليهود. أما امتداد الجماهيري لمنظمة التحرير الفلسطينية في الستينات، فقد كان بمثابة الشمع الأحمر لختم العلاقة الممنوعة ما بين عربي ويهودي. لكن هذه العلاقة، لا بد وأن يكون لها أكثر من صورة. ولا بد أن تتأثر بالإيديولوجيا العامة والممارسات الإسرائيلية المتكررة بحق الفلسطينيين. لذلك، فإن خيط “الصراع من أجل البقاء”، يتم تظهيره، في أكثر من مشهد (يتصارع مدنيون فلسطينيون، وجنود إسرائيليون على حمالة لنقل الجرحى داخل مستشفى. يكسب الجنود بعد إشهار أسلحتهم بوجه “أعدائهم” في نهاية الأمر). إيليا سليمان، إختار تسليط الضوء على هذا الجانب المعتم من العلاقة ما بين جارين، ضمن معادلة ذكية، وحادة، تحتفظ بإعتبار الإسرائيلي عدوا، لكن يتم تقليب صورته بحسب الظرف. نراه عنيفا عام 1948، يطلق النار على متظاهري انتفاضة الثمانينات، وانتفاضة العام 2000. لكن له صورا أخرى، كشرطي سير مثلا، يتبادل التحية مع المارة الذين يعرفونه جيدا، أو كحبيب فتاة فلبينية تعمل في منزل إيليا، فيجبره الحب على أن يصبح شريكا في التنظيف والاعتناء بالمنزل والطبخ. هذه الصورة بالذات، تفضح هشاشة الفكر الصهيوني من جهة، كما وتمثل صفعة على خد الحرب، وتصنيفاتها. يتنازل الشرطي عن كل هذا، بسبب حبه للفتاة. ولا يعير اهتماما لحقيقة أن إيليا فلسطيني، وأنه إنما يقوم بخدمة هذا الفلسطيني. لا تعود الكينونة أمرا له ارتباط سياسي، بقدر ما هو أمر قابل للذوبان في بوتقة العلاقة مع الآخر، تحت مظلة الشعور.

التاريخ يثبِّت أرضية الفيلم أولا. فالاسرائيلي يحتل ويسرق المنازل وحتى الفونوغراف المعدني وأغاني ليلى مراد. وهو يعتقل، ويشي عملاؤه بالفلسطينيين المقاومين. وفي المقابل، لا تستطيع رومانسية الحلم الفلسطيني، محو الجانب الواقعي، من المسألة. يحيد إيليا عن اللغة المستهلكة لتخليد صورة الفلسطيني ورفعه. يجمدها في إطار إنساني متواضع. ثم يحرك صورة الإسرائيلي في مستويات مختلفة، جاعلا من وجوده فكاهة بحد ذاتها. بسبب التضارب العميق ما بين الفكر الصهيوني، كمنهج عام أو قانون للعيش، وما بين الفردية التي تتجلى في رغبة هذا الإسرائيلي نفسه بأن يكون خارج النظام العام، وداخل نظام الأنا. الجندي يضطر في بعض المواقف إلى أن يتنازل عن صورته، ويصير إنسانا. في أحد المشاهد، يقف جيب عسكري أمام حانة في رام الله. شبان وشابات يرقصون في الداخل. يطلب الجندي من الجميع العودة إلى منازلهم بسبب منع التجول، لكن الموسيقى الصادحة، تجبره على أن يبدأ بهز رأسه وكأنه يرقص.

هو فيلم شخصي بالدرجة الأولى، بيبلوغرافيا العائلة الناصرية منذ نكبة 1948 مرورا بمراحل مفصلية من التاريخ. وقد استوحاه سليمان من دفتر يوميات أبيه، ورسائل أمه إلى أقربائها الذين اضطروا إلى مغادرة فلسطين. الأب المقاوم، يضطر رفاقه للهرب إبان احتلال فلسطين، ويبقى وحيدا يعاني من مشاكل صحية، يحب صيد السمك ليلا، ويدخن كثيرا. كما يستمر في إخفاء الأسلحة دون أن تتمكن الشرطة الإسرائيلية من كشف مكانها. ولا يتكلم إلا قليلا في الفيلم. وكأن صمت إبنه إيليا متوارث جينيا عنه. يتداخل في حياته الإلتزام بالأرض كهوية خاصة، وبالإنسانية كهوية عامة (نرى صورة أبي إيليا المقاوم، وهو ينقذ جنديا إسرائيليا جريحا، بعد أن انقلبت حافلته فوق أحد الجسور. ثم نراه لاحقا وهو يخلص عدة مرات، جاره العجوز الضَجِر، الذي يسكب على نفسه الكاز ويحاول حرق نفسه). أما الأم، فتعيش التزماتها العائلية البسيطة، وتمرض بالسكري. لا يتغير الواقع السياسي المحيط بها، ولا مرضها كذلك. تحب الآيس كريم، وتعلّق نظارتها على تمثال السيدة العذراء قبل موتها بقليل. شخصيتها تنحو نحو الصمت الكامل. الأمر الذي يجعل التواصل بينها وبين إيليا، بمثابة سحر، وذلك لأنهما لا يتبادلان الكلمات. يتواصلان عبر الذاكرة. يحفظ إيليا ما تحب أمه وما تكره. في أربعة خطوط، يتحرك السرد في الفيلم. الخط الأول داخلي، يتشعب في جزئين: خاص- عائلي رومانطيقي (علاقة إيليا بوالديه/ رمزية الأرض وانسحاب خصائصها على الأب)، وعام- واقعي (رؤيا إيليا تجاه جيش التحرير العربي عام 1948/ ورؤيا الجار السكران العجوز الذي يتوهم حلولا لمناهضة إسرائيل). ثم هناك خط ثان حول علاقة الإنسان بالإنسان (الفلسطيني باليهودي وبالعكس)، وخط احتفاء الإنسان بالمكان وبالذاكرة العامة (الفلاش باك منذ البداية)، إضافة إلى خط العلاقة السياسية ما بين الفلسطيني والإسرائيلي.  من هنا يبدو الفيلم وكأنه حالة مجتمعية معقدة ومستترة، تسير جنبا إلى جنب في موازاة الحالة المعلنة (ضرورة إحقاق الحق الفلسطيني)، والتي تكتفي بالهوية اليهودية في خطابات عديدة كشرط مطلق للعداء معها. لا تكفي قراءة الفيلم من وجهة نظر جيو- سياسية، بل هناك نواح عديدة يمكن الدخول عبرها إلى لغة إيليا سليمان السهلة الممتنعة في الوقت ذاته. المشهد في فيلمه ذكي، وساخر. إنه كإبرة السكر التي تؤلم حال دخولها تحت الجلد، لكنها تشحنك بطاقة أخرى، لتفتح عينيك على واقع آخر، يجدر بنا أن نتسغرب عدم إعلانه قبل هذا الوقت. يبقى أن إيليا سليمان، منقب مفارقات الحالات الإنسانية الموجودة في المجتمع الفلسسطيني، الذي يعيش تحت الاحتلال. وإذا كان لنا أن نقرأ الفيلم، فلنفعل بعين أصيلة بعيدة عن مزايدات الالتزام بالقضية الفلسطينية، وعن السعي الخاطئ لتصنيف الفن ضمن إحدى خانتي المقاومة المطلقة أو الخيانة المطلقة.

من باريس- مازن معروف  

جريدة النهار (2009)

قافلة الصحافيين الشهداء بدأت عام 1915 ثم كرّت السبحة

قبل سنتين من اغتياله في 12 كانون الاول عام 2005، سأل احد الصحافيين جبران تويني عما يعتقده في الموت، في موته تحديدا. يومذاك، لم يكن من الصحافي والسياسي إلا أن ضحك، مجيبا أنه لا يعرف، وأن المشكلة ليست في الطريقة التي سيموت فيها، فالقتيل لا يشعر بأزيز الرصاصة وهي تخترق جسده، يموت فحسب. قبل أن يختتم بجملة مفادها انه يرحب بالموت إذا ما أتاه، لأن الموت مشيئة الله. على الأقل، سيموت وضميره مرتاح

جبران تويني، آخر الشهداء الصحافيين في قافلة لم تتوقف يوماً إلا لتستريح قليلا، وتعبئ خزّانها من زيت الإشكالات السياسية الخام، قبل أن تكمل طريقها، منعطفةً في أكثر من اتجاه، راسمةً في طريق الكلمة، خطوطا غير مفهومة، خربشة مستهجنة، خربشة موقتة، لا يمكن إزالتها عن الطريق، غير أنها لم تعلّم الكتّاب سوى العناد في مواقفهم، والتشبث بلحم الحرية القاسي في كثير من الأحيان، والمهترئ في مفهومه، داخل وطن لا تزال الأمبراطوريات، صغيرة وكبيرة، تتسلل أظفارها تحت جلده، لانتزاعه من موقعه، ووضعه قريباً منها، أو في بطنها أحياناً. من اعتقد أن لبنان لقمة، فهو عصي على البلع، ومن ظن أنه جباية، فالأكيد أنها جباية لن تستقر في أي يوم من الأيام في كيس أحد

دفع جبران تويني من دمه، ثمنا لحرية ظلّت في عيون كثيرين، مستنسبة، ورهناً بالسياسة، والتسويات، المعلن منها، والخفي. حرية، لا تشبه على الإطلاق تلك التي ترد في المعاجم، والقواميس، والروايات، وقصائد بابلو نيرودا. حرية الأمر الواقع، الموحل، غير المثالي. الحرية الهشة كالبسكويت، السهلة الإنفراط، التي لا ينفع معها لا الغراء الأميركي ولا الروسي ولا حتى الصيني. أُريدَ لجبران إقصاؤه عن المنبر السياسي والصحافي. أُريدَ إلغاؤه. ظن مغتالوه أن في تغييب الرجل تغييبا تلقائيا لكلمته، لأثره، لكتاباته، لعصبه، لمواقفه، لديناميكيته، لانفعاله، وحتى لأسلوبه الصحافي المجدِّد. كثر اتفقوا معه، وتابعوه في مسيرته الصحافية والسياسية، اللتين عرفتا بنبرته الصريحة، النظيفة، وهي نبرة لم يكن ليتنازل عن أي شقٍّ من مضمونها لأي مصلحة، سوى مصلحة لبنان الحر، المساوي بين أبنائه، كما حلم به يوما. كثر أيضا عارضوه، واستهجنوا مواقفه، غضبوا وثاروا منها، وخلطوا بين حقّه ككاتب، وحقّه كلبناني، وسياسي منتمٍ إلى رؤيا معينة

.
مستغرَبٌ فعلا أن يتخذ أحدهم قراراً باغتيال كاتب. ماذا يحدث بعد ذلك؟ هل يتحلل أرشيفه مثلاً ويختفي؟ هل تمحى كلماته اوتوماتيكيا من على الصفحات؟ هل تتحول كتاباته رماداً ينفخ في الهواء فلا يبقى أثر من الرجل؟ هل باغتيال صحافي، يقوم الزمن، لحظة الإغتيال، بإعادة تكوين نفسه، فيزيل في ضربة فلاش كل ما يتعلق بهذا الصحافي، فتتلاشى مواقفه المسجلة على الفيديو، الإنترنت، وفي أرشيف الجرائد المحلية والعالمية؟ صعبٌ حقا، إن لم يكن مستحيلا، أن يتم شطب كاتب بشكل نهائي، خصوصاً في هذا الزمن الرقمي. على الاغتيال أن يرفق عندئذ، بطلب الى كل الناس، بأن يغسلوا أدمغتهم من صورة الضحية، وبأن يتلفوا كل ما يتعلق به: الأفكار والمواقف والمقتنيات والتسجيلات الصوتية وغيرها. وإلا سيبقى كل اغتيال لكل صحافي، منقوصا، معوقا، مشوها، لا يؤدي هدفه المنشود، بل يصبح كمن أراد أن يقتلع شوكة من عينه، فانتزع القسم العلوي منها، فيما يكون رسخ بذلك صعوبة اقتلاع قسمها السفلي الدقيق، والمغروس باحكام.
الاغتيال، يجعل من الصحافي كائناً مؤرشفا، ميكروسكوبيا، متملصا، وأصعب بكثير مما كانه في حياته. اغتيال المتكلم، وليس الكلمة، هو بمثابة تعبير عن العجز في دخول مساحة من الباب الديموقراطي، واستعمال الكلمة ندا للكلمة، والامتثال للحجج الفكرية، التي قد تؤيد أو تدحض وجهة نظر الصحافي. الاحتفاء باغتيال قلم، كلمة، مفردة للتعبير، موقف قابل للمناقشة والمناقضة، لن يكون ممكنا، في أي مجتمع بشري، لا يرى إلى توسيع الأفق الإنساني فيه، إلا بالدم، بدلا من  استثمار الرؤى، والرؤى المضادة لتمتين الركيزة الفكرية والدستورية التي يقوم عليها منطق الدولة.
جبران تويني، لم يكن الأول في قافلة شهداء الحرف، ولا الأخير ربما، فلطالما ابتكر البعض مسوّغات لتبرير اغتيال هذا الصحافي أو ذاك، ولطالما فجعوا أيضا بإعدامات ظُنّ أنها السبيل لتطويع مجتمع بأكمله، كتلاميذ يجرون تمرينا في الإملاء.
الحكاية من البدايات

حكاية لبنان مع الاغتيالات الصحافية، بعيدة، قارب عمرها القرن من الزمن. كل صحافي، أخذ في مماته حكايته الخاصة، وترك للتاريخ حجرا مؤسسا في صرح الوطن. بعض الصحافيين اعتبروا الطرف الأضعف، ليس هناك من يتظاهر ضد اعتقالهم أو موتهم، ولا من يدعمهم في ظل حكم عسكري، اتسم بوضعه قوانين هي في الحقيقة أعراف لا تستند الى دساتير مقررة. البعض الآخر، استُعمل كصندوق بريد، لإمرار رسائل للآخرين، وكمّ الأفواه، وتشبيك الأصابع. المثير للاستغراب والعيب، أن طرفاً ما، كان دوما يتذرع بأن للصحافي المقتول انتماءات “مشبوهة”، أو “عميلة”، حتى قبل تأسيس إسرائيل أو قيام ثورة تموز 1952 في مصر. التهم جاهزة، لجعل الكعكة القاسية سهلة المضغ.
البداية كانت بإعدام الصحافيين محمد المحمصاني وشقيقه محمود شنقاً يوم 21 آب 1915 في “ساحة الاتحاد” التي عرفت لاحقا بـ”ساحة البرج” قبل أن يستقر اسمها على “ساحة الشهداء”. تم ذلك بأوامر من جمال باشا، وقد استتبعت في 6 أيار 1916، بشنق سبعة صحافيين هم: أحمد حسن طبارة (صاحب جريدتي “الإصلاح” و”الإتحاد العثماني”)، سعيد فاضل عقل (أحد أبرز المعلقين السياسيين تلك الفترة، صاحب جريدة “البيرق”، ورئيس تحرير عدد من كبرى الصحف في لبنان كـ”النصير”، و”الاصلاح” و”لسان الحال”)، عمر حمد (كاتب في جريدتي “المفيد” و”الاصلاح”)، عبد الغني العريسي (صاحب جريدة “المفيد”، و”فتى العرب” و”لسان العرب”)،  الامير عارف الشهابي (محرر سياسي في جريدة “المفيد”)، باترو باولي (مدير جريدة “الوطن” ورئيس تحرير جريدة “المراقب”)، وجورجي حداد (صحافي في جريدة “المقتبس”، و”الرقيب” و”لبنان”). في 5 حزيران 1916، انضم إلى القافلة كل من الأخوين الصحافيين فيليب وفريد الخازن صاحبي جريدة “الأرز”، التي سخرت صفحاتها مدافعة عن امتيازات “بروتوكول جبل لبنان”، التي تنكرت لها الدولة العثمانية.
بعد إثنين وأربعين عاما على هذه المجزرة، وبالتحديد عند الساعة الأولى والنصف من فجر الثامن من أيار من العام 1958، ثقبت خمس رصاصات جسد نقيب المحررين السابق نسيب المتني، الذي دفع ثمن جرأة موقفه السياسي والمعارض لسياسات الرئيس السابق كميل شمعون. المعلومات ترددت لاحقاً حول قيام عناصر تابعة لاستخبارات عبد الحميد السرّاج، بتنفيذ الإغتيال بهدف إشعال الثورة ضد شمعون. معركة المتني لم تكن الأولى مع رؤساء الجمهورية، فالنقيب السابق، الجريء والعنيد (انتخب نقيبا للمحررين عام 1947)، كان قد خاض قبل ذلك معركة سابقة دفاعاً عن المبادئ ذاتها ضد عهد الرئيس بشارة الخوري دافعا به إلى الاستقالة في 18 أيلول 1952، تحت ضغط الرأي العام الغاضب والمستجيب دعوات المتني الى إضراب شامل عمّ لبنان ثلاثة أيام متتالية. أصدر المتني صحيفة “التلغراف” اليومية عام 1945 لتصبح الجريدة الشعبية الأولى آنذاك، والأقرب إلى المواطنين.
في مساء الإثنين 16 أيار 1966، اغتيل كامل مروّة صاحب صحيفة “الحياة” ورئيس تحريرها، داخل مكاتب الجريدة الكائنة في الخندق الغميق خلف “التياترو الكبير” في ساحة رياض الصلح. عند التاسعة إلا خمس دقائق، اخترقت رصاصة بطنه، وأخرى رئته. في 28 كانون الثاني عام 1946، أصدر كامل مروة العدد الأول من جريدة “الحياة”، ثم أصدر في عام 1952 “ذا دايلي ستار”، كأول جريدة باللغة الانكليزية في لبنان، فجريدة “لوماتان” باللغة الفرنسية عام 1959. بعد نحو أربعة أعوام على تأسيس “النهار” على يد جبران تويني، انضم مروّة الى الصحيفة البيروتية. شجعه جبران تويني على المضي في مسعاه الصحافي، وأفرد له في مكتب “النهار” في سوق الطويلة، غرفة لإصدار جريدته منها. فابتكر الافتتاحية القصيرة، في زمن المطوّلات أو “المعلقات” الصحافية، كما أدخل المكننة الى دنيا الصحافة في لبنان والعالم العربي، لينال لقب أبي الصحافة العربية الحديثة.
أما غسان كنفاني، الصحافي الفلسطيني والكاتب البارز، فقد افتتحت إسرائيل باغتياله مسلسل تصفيات لعدد من مثقفي منظمة التحرير الفلسطينية. ولد عام 1936 في مدينة عكا بفلسطين، وشغل منصب عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. عرف كصحافي تقدمي جريء، وقد دخل السجن نتيجة جرأته في الدفاع عن القضايا الوطنية أكثر من مرة. كان يمثل كمثقف يساري، تهديدا فعليا وإيديولوجيا للدولة العبرية، وقد استطاع على رغم حياته القصيرة، أن ينجز العديد من الروايات والقصص القصيرة، إضافة إلى مسرحيات تناولت في مجملها المخيمات الفلسطينية والوضع السوسيولوجي والانساني المدقع لسكانها. استشهد صباح يوم السبت 8/7/1972 بعدما انفجرت عبوة ناسفة كانت قد وضعت في سيارته تحت منزله في الحازمية شرق بيروت، ما أدى إلى استشهاده مع إبنة شقيقته لميس حسين نجم البالغة من العمر 17 سنة. وهو عضو في أسرة تحرير مجلة “الرأي” في دمشق، وعضو في أسرة تحرير مجلة “الحرية” فى بيروت، ورئيس تحرير جريدة “المحرر” في بيروت، ورئيس تحرير “فلسطين”، ورئيس تحرير ملحق “الأنوار” في بيروت، وصاحب “الهدف” ورئيس تحريرها في بيروت.
“إن لبنان يشبه لعبة صينية، عندما ترميها، تدور وتدور في الاتجاهات كلها ثم تجلس”، جملة أندره فونتين هذه، لعلها أشهر ما كان يستشهد به إدوار صعب الصحافي الذي لاقى حتفه في 16 مايو 1976 على يد قناص مجهول، حين كان متوجها من الأشرفية إلى مكتبه في الحمراء. رئس تحرير الصحيفة الفرنسية، “لوريان لو جور”، وهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر. كان معروفا بانتقاده لكل الفرقاء اللبنانيين لتقوقعهم على ذاتهم، وعدم انفتاحهم بعضهم على البعض الآخر للخروج بالبلد من عواصفه. إدوار صعب واحد ممن رأوا في لبنان قماشة تتمزقها العصبيات والعشائريات، لكنه آمن بأن لبنان الذي سيفقد السيطرة على نفسه لعشرين عاماً، لا بد أن ينهض في نهاية الأمر ويستعيد كيانه.
في صباح 20 حزيران 1979، اغتيل في بيروت، الصحافي العراقي عبد المجيد وصفي (خالد العراقي)، نائب رئيس تحرير مجلة “فلسطين الثورة” الذي اغتيل بينما كان يوصل إبنته الى روضة الأطفال. كما اغتيل أيضا في العام نفسه مراسل صحيفة “شتيرن” الالمانية كارل روبير ليفر في المنارة، غرب بيروت.
لكن أكثر الميتات بشاعة وسادية كانت من نصيب الصحافي سليم اللوزي. فقد عُثر عليه جثة هامدة في صندوق سيارته المركونة في حرج عرمون جنوب بيروت في 4 آذار 1980، ملقى على بطنه، وفي مؤخرة الرأس طلق ناري حطّم الجمجمة ومزّق الدماغ. أما ذراعه اليمنى فمسلوخ لحمها عن عظمها حتى الكوع، والأصابع الخمس سوداء نتيجة التذويب بالأسيد أو حامض الكبريت، وأقلام الحبر مغروزة بعنف داخل أحشائه من الخلف. هكذا وجدت جثته بعد 8 أيام على اختطافه في 4 آذار 1980، أثناء توجهه الى المطار بعدما حضر جنازة والدته. أصدر مجلة “الحوادث” عام 1956، وعشية قدومه إلى بيروت لحضور جنازة أمه، عرض عليه ياسر عرفات مرافقة خاصة، ريثما يعود أدراجه إلى لندن، لكنه رفض. خاض مع بعض الأنظمة العربية معارك شرسة على صفحات مجلته. وأصدر من لندن مجلة أسبوعية باللغة الانكليزية تحمل اسم  “Events”، موظفاً ومستكتباً فيها أهم الصحافيين الانكليز والأجانب، على رغم انه لا يتكلم الانكليزية ولا يفقه منها شيئاً.
في صباح 23 تموز 1980، كانت سيارة بداخلها عدد من المسلحين،  تطارد سيارة أخرى يقودها راكب وحيد، هو نقيب الصحافة آنذاك رياض طه. المطاردة انتهت لصالح السيارة الأولى، بتكلفة ست رصاصات من النوع المتفجر اخترقت رأس طه، وعنقه وصدره. واضعة حداً لحياة صحافي لامع لعب دوراً بارزاً من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف اللبنانيين، في عزّ صراعاتهم وتناقضاتهم وانقساماتهم. افتتاحياته في صحيفة “الكفاح العربي” كانت نموذجا واضحا لمواجهة غير متكافئة ما بين القلم والسلاح. كوفئ بأكثر من محاولة اغتيال، وبالضرب والتعذيب إضافة الى السجن، وتعطيل صدور بعض مطبوعاته، كمجلة “أخبار العالم”  التي صدر قرار قضائي بإلغاء امتيازها نهائيا، على أثر مقال بعنوان “خصمي وحاكمي” هاجم فيه رئيس مجلس النواب السابق صبري حمادة. انتخابه عام 1967 نقيباً للصحافة بالإجماع، اعتبر ظاهرة فريدة في لبنان.
في 29 آب من العام نفسه (1980) اغتيل صحافي في جريدة “اللواء” هو يحيى الحزوري في الشياح. وفي 9 تموز عام 1985 سقط  سمير سلام، رئيس تحرير مجلة “الفهرس” مع زوجته وولديه قتلاً في منزله في رأس بيروت. كما الصحافي حسن فخر الذي قتل بقذيفة صاروخية اطلقت على سيارته. كان فخر معروفا كعضو في مجلس نقابة المحررين، وعضو سكرتارية الاتحاد العالمي للصحافيين، قام بتشكيل تيار مناهض لاسرائيل، من داخل الحزب التقدمي الاشتراكي ومن خارجه، وقد أصدر هذا التيار نشرة لم تكن دورية بعنوان “أبناء الجبل”، ووقف بحزم ضد “الخطوط المفتوحة” مع اسرائيل، وقام مناضلوه ببعض العمليات ضد الجيش الاسرائيلي.
“تعذيب شديد وحروق مختلفة، إضافة إلى ست رصاصات من مسدس في عنقه ورأسه، ما أدى الى قلع عينه اليمنى. الرصاصات نفذت من مقدم الرأس الى مؤخره ومزقت السحايا الدماغية وأدت الى الوفاة سريعاً تاركة جميعها وشماً مما يدل على أن عملية التصفية (الجسدية) تمت من قرب”. هذا ما ورد في تقرير الطبيب الشرعي حول الصحافي سهيل طويلة الذي عثر عليه جثة هامدة في 24 شباط 1986 في محلة النورماندي في بيروت حيث مكب النفايات الخاص بالعاصمة. كان قد خُطِف قبل أربع وعشرين ساعة من منزله بعيد عودته من مبنى جريدة “النداء” الشيوعية التي كان يترأس تحريرها، إضافة إلى عمله كمدير عام مسؤول في مجلة “الطريق”. كان أحد الوجوه البارزة في صفوف “الحركة الوطنية اللبنانية”، ومدافعاً عن الثورة الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني في استرجاع أرضه. استهواه العمل الصحافي مذ كان يافعاً، وانخرط أيضاً في العمل السياسي الميداني، فضلاً عن نشاطه الفكري التنظيري في صفوف “الحزب الشيوعي اللبناني”، وتكرّس اسمه لاحقاً واحداً من منظّري “الحزب الشيوعي اللبناني” في عصره الذهبي. إلى ذلك، فقد كان ناشطا في صفوف عدد من الهيئات الإعلامية والجمعيات الثقافية والأهلية، وأحد قادة الرأي المؤثرين لبنانياً وعربياً. كانت افتتاحياته ومقالاته، في “النداء” أو “الطريق”، مرآة عاكسة للفكر الذي آمن به، كما لعبت دور المحرك الأساسي لشريحة من جمهوره اليساري. غداة اغتياله تصدرت افتتاحيته وكذلك خبر اغتياله الجريدة جنباً الى جنب.
بعد أقل من عام على حادثة اغتيال طويلة، وتحديدا في 17 شباط، كان دور حسين مروة الحائز جوائز أدبية عدة منها اللوتس. ثلاثة شبان وقفوا تحت شرفة منزل مروة في محلة الرملة البيضاء. تحدثوا طويلاً قبل أن يصعدوا الى منزله. طرقوا الباب، ففتحت لهم زوجته. سألوها “هل نستطيع أن نرى الأستاذ؟ لدينا موعد”. أجابت: “طبعاً، لكنه في فراشه، لا يستطيع المشي ليخرج إليكم، هلاّ تفضلتم بالدخول الى غرفة نومه”. دخلوا. استقبلهم مريضاً في سريره. أفرغوا في جسده بضع رصاصات. خرجوا من المنزل بهدوء. لم يرأفوا بالحال الصحية لإبن السابعة والسبعين. مروّة لبس العمامة لنحو أربعة عشر عاما قبل أن يخلعها بعد اطلاعه على الفكر الماركسي. أصبح كاتباً لزاوية “مع القافلة” اليومية في جريدة “الحياة” طوال سبع سنوات، إضافة الى كونه أحد أركان مجلة “الطريق”. عيّن رئيسا لمجلة “النهج” الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي. قال ذات مرة “ولدت شيخاً وأموت طفلاً”.
هو مهندس شعار استقلال 2005، وأحد أهم المفكرين السياسيين في لبنان. كان ذا رؤيا رصينة تجاه الحرية، فلم يقبل بالأمر الواقع والسياسات والاشتراطات المفروضة على لبنان. اغتياله، كان دلالة على استئناف “قنّاص” الصحافيين نشاطه. في صباح 2 حزيران 2005، سمع جيران سمير قصير في الأشرفية، صوت انفجار مقلقاً. هرعوا برفقة ابنتيه ليجدوا سيارة سمير قصير متفجرة وهو بداخلها. ضغط القاتل على زر لاسلكي صغير، لتنفجر عبوة ناسفة كانت موضوعة تحت مقعد الصحافي الأنيق حالما هَمَّ بتشغيل السيارة، متوجها إلى مبنى جريدة “النهار” كي يكتب مقاله الأسبوعي الذي يفتتح به الصفحة الأولى كل نهار جمعة. عرف بإيمانه المطلق بالحرية، وحق الشعوب في التحرر. وظل مشغولا بقضية فلسطين، التي شغلت وجدانه. وكان لا يزال طالباً يدرس الفلسفة السياسية والتاريخ المعاصر في جامعة السوربون، عندما فتحت له صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” الشهرية الفرنسية، صفحاتها. ومثلها فعلت صحف ومجلات عربية عدة. لوحق بسبب تحريضه على سياسات الأمر الواقع. وضُيِّق عليه أمنياً، مرات عدة. وضع كتبا في السياسة والثقافة والفكر والتاريخ. ورأس تحرير المجلة الثقافية الفرنسية “لوريان إكسبرس” الصادرة عن “لوريان لو جور” البيروتية. لوحق وهُدّد وصودر منه جواز سفره. كما مُنع بث برنامج كان يقدمه مباشرة على شاشة التلفزيون الرسمي عنوانه “دون تحفظ” في مطلع عام 2000، وذلك بعد عرض ثلاث حلقات فقط.
عند الساعة التاسعة من صباح الإثنين 12 كانون الأول 2005، أي بعد أشهر على اغتيال صديقه قصير، كانت أربعون كيلوغراما من مادة الـ “تي. أن. تي” مزروعة داخل سيارة أعدّت لاغتيال جبران تويني. عندما مرت سيارته في محاذاتها، انفجرت الأولى محولة سيارة تويني لهباً مشتعلاً. بدأ حياته متدرجاً على صفحات “النهار”، لينتقل بعدها الى مجلة “النهار العربي والدولي” الأسبوعية في باريس عام 1978، وليصبح لاحقاً رئيس تحريرها وهو لما يزل في مطلع العشرينات من عمره. عرفت المجلة على يده رواجاً محلياً لافتاً. وفي العام  1993، توجه تويني الشاب صوب الشباب اليافعين “فاتحاً” لهم ملحق “نهار الشباب” الأسبوعي، ليصبح طوال ثماني سنوات منبراً فريداً لكل أطياف الشباب اللبناني. وفي عام 2000، بدأت “النهار” مع جبران الحفيد حقبة ثالثة من عمرها، فمن جبران المؤسس إلى غسان إلى جبران. عمل بجدية على تطويرها تحريراً وإخراجاً وإنتاجاً، فضلاً عن ضخ دماء شابة في أقسامها المختلفة، فجددت الصحيفة التاريخية شبابها، وهي على أبواب السبعين. الافتتاحية الجريئة صباح كل خميس جعلت اسمه على رأس “لائحة الشخصيات المهددة بالاغتيال”، وذلك عقب أول زلزال سياسي – أمني ضرب البلاد عندما اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. شارك أيضا بفاعلية في تنظيم انتفاضة الاستقلال، وأطلق في 14 آذار 2005 قسمه الوطني الشهير. وانتخب في 29 أيار من العام نفسه (2005) نائباً عن الدائرة الأولى في بيروت، ليجمع بين يديه الصحافة والسياسة قبل أن تنال منه يد القتلة. يتذكر “النهاريون” القدامى جيداً عندما تبنت صحيفتهم حملة عنيفة ضد رئاسة الجمهورية، في عهد الرئيس شارل حلو  (1964- 1970). حينها، سأل أحد المستشارين حلو: “لماذا لا تقيم دعوى قضائية على النهار؟” فجاء جواب الرئيس قاطعاً: “لا أستطيع لأن دولة النهار أقوى من دولتي”.

مازن معروف – جريدة النهار 2010

Complaining

I flick my heart to the air

Heads

Or tails

I try by myself to guess:

My eyelid cannot be the edge of a balcony …

And this sparrow landing on the handle of the door

The handle made of an old rib

Just a confusion

The tale is open on the page of hope

And I am there

Opening my hands widely

Spreading my ten fingers like pins

To fix me down on the page

Which

Whenever my thumb

Gets close to turn it over

I see its shadow

I thought it was an apple

Falling from the sleeve of one of the genies who live above

And it would hit my head and soak the tale with blood.

(from “An Angel Suspended on a Clothesline”)

Chlorophyll

 

The wood, which was used

Without love

To make wings of planes

And windows,

That wood

Inhabited by the spirits of hundreds of birds

From when it was part of a tree,

They clung to it,

While contemplating the skin of their little babies

And thinking

The leaves, which protect me from the wind …

Are late …

The wood of that window

Knows

That there are feathers beneath its bark,

That someday

It will be able to steal

Out of these squares

Designed for it

And then it will fly high

Wiping away the sweat of workers from its skin

Boasting

In front of children waiting for their school bus

That its origin was

A group of sparrows.

 

(from “An Angel Suspended on a Clothesline”)

A Noble Mafia Man

I wander

in the gutter of life

Carrying my memory like an old canvas bag

Dripping angels

I collected in the past..

Leaving my lips in a metal cup

Like a dead log

For an old man

And I am a sparrow made of straw

Dreaming of a fish,

But the fat lorry

Which carries tears

Running

Down my cheek another time

Without brakes.

The cockroach I gave him two days

To die

He lied down hours ago on his back

Lifting his head a little bit

Towards the sky.

Maybe he wanted to whisper something to the angels

I will carry him in the air

Fascinated

By my giant size next to his

After that

I hang him on the back of that lorry

With a kiss

To his lover

And I come back

Like a noble mafia man

Just finished off his enemies

And dreaming now

of the fish.

(from “An Angel Suspended on a Clothesline”)