صباح الخير لنزار قباني في عيد ميلاده

مرحبا نزار قباني. هي مجرد “صباح الخير”. تتقاسمها أنت وليليان. لك النصف ولها النصف. آه، عفواً..ليليان فتاة كنت أعرفها منذ سبعة عشر عاما. كانت يومها في الرابعة عشر من العمر، ولا تزال الى اللحظة هذه في الرابعة عشر من العمر. هاجرتْ الى أمريكا مع والدها. لا أعرف عنها أكثر. إلا أنها كانت بوابتي الأولى الى الحب. كتبت لها أولى كلمات الشعر، الذي كنت أجهله، وما زلت أجهله. قبل أن أتعرف الى كتاباتك، ومن ثم أنطلق في قراءتي للشعر بعيدا عنك وعن ليليان. لا بأس إن هجرناك أيها الدمشقي المحتال، أيها الولد الخائف الذي بكى في مستشفى الجامعة الأمريكية لأنه ظن أن الشعر أفلت من يديه. أنت خارج التصنيف، لأنك استثنائي، ولعلك الشاعر الذي لم تَعنِه يوماً معارك الكتابة التجريبية الزاحفة إلينا من أوروبا بأسمائها المتعددة. الكثيرون تنكروا لك، أنا أعرف بعضهم، وأعرف أنهم تراجعوا عن تنكرهم لك. هل تعلم كم من المرات حاولت تقليدك، وتقليد نبرة صوتك. كنت أقف في مطبخ بيتنا المؤلف من غرفة واحدة فقط، بعد أن ينام أهلي وإخوتي، فأحمل كتابك “الاعمال الشعرية الكاملة-1” بعصبية وأجمع صوتي في الحنجرة، أجمعه ملياً كي يبدو كصوتك الرجولي، ثم أبدأ. كانت أمي تستيقظ غاضبة “أما زلت تقرأ؟ نَمْ..فغداً مدرسة”. لكنني كنت أنكرك أمام الأصدقاء. بصراحة، أنت لعنتنا. لم يطرق أحد باب الشعر بالأصابع التي طرقت أنت بها. حتى محمود درويش، لم يبدأ كتابة الشعر الا متأثرا بك في ديوانه الأول “عصافير بلا أجنحة”. حملت أنت الشعر ودُرتَ به على عتبات البيوت، ليتقاسم كيس النايلون ذاته الذي فيه ربطة خبز. فيما كان بعض الشعراء يحاولون حفر أسمائهم العربية على عتبات النخب الثقافة الأوروبية. هكذا كانت الجرعة الأولى من هذا السم اللذيذ-الشعر، تزحف ككتلة شوك داخل عروقي البارزة خارجة من إبرتك، فيما أنا مقيد لـ “ليليان”، كأبله مقيد الى كرسي هزاز، ليس أمامه سوى أن يستمر بالدفع الى الأمام والخلف وهو محكوم بالبقاء في مكانه. ليليان عرَّفتْني على مسخ جميل إسمه الحب، ونزار عرفني الى تعويذة إسمها الشعر. وفي كل مرة أحاول الكتابة، يحضر على ورقتي المسخ مُغلِّفاً جسده العاري بالتعويذة تلك. ليتني عرّفتُ نزار قباني على ليليان، وليليان على نزار قباني. لاستطعتُ ربما هجرَهما الى الأبد. على كل حال، صباح الخير نزار، صباح الخير ليليان..صباح الخير مستر “فالنتاين”.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Advertisements

عن المثقف في مدينة بيروت

يقول المفكر الايطالي غرامشي، بأنه يمكن اعتبار الناس جميعهم، مثقفين. كل ضمن اختصاصه، إلا أن لا أحد منهم يلعب دور المثقف، باستثناء المثقف المعرفي. وهو المثقف الذي لا ينحاز لسلطة سياسية، ولا يلعب دور المروج لأفكار جاهزة، خدمة لقومية ما أو هوية جغرافية، بقدر ما يكون دوره أرحب إنسانيا بحيث يتعذر على أي جهاز سلطوي استيعابه أو امتصاصه. وعلى ما يورده المفكر الراحل إدوارد سعيد في كتابه “صور المثقف”، فإن المثقف هو الشخص الذي لا ينزلق في وحل اللغة الجاهزة والمصنوعة وفقا لخدمة حكومة، أو جمعية أو جهة قومية. بل هو من يؤسس للغة مغايرة، تناور وتستفز الشعوب والحكومات على السواء، بأن تضع جهارا، اللمبات الصغيرة في جسد الواقع المعتم. المثقف ههنا يشبه عامل يحمل مرايا، ويقدم لك فرصة تتيح لك رؤية وجهك، بكل تقسيماته وتشوهاته، عارفا أنك ستغضب، أو تصرخ أو تستنكر أو ترفض، لكن في الوقت ذاته، لا يكون باستطاعة الذات تحطيم هذه المرايا، أو محوها.

عندما أقرأ الحرب، أرى أنها لعنة لا تزال تلاحق من اشتغلوا بها. أيا يكون هؤلاء، وعلى اختلاف جنسياتهم. فالحرب بعد انتهائها بالمعنى الفيزيولوجي الميكانيكي، أعيد فرز كل أربابها، كل بحسب موقعه. فمن كان فلسطينيا، وضع على طاولة مفاوضات واحدة مع عدوه الاسرائيلي، ومن كان لبنانيا، أعيد إلى موقعه الأولي، أي قبل بدء الحرب تحديدا. إلا أن هذه الحرب، وعلى الرغم من غنى النماذج (بالمعنى الدلالي على اختلاف المشاريع السياسية) البشرية والخطابات الإلغائية التي نشطت في جسدها، إلا أنها لم تقدم للمكتبة العربية أية رؤية نقدية، من شأنها الاستدلال على الخطأ وتصويب عين القارئ، وبالتحديد ذي الهوية اللبنانية أو الفلسطينية، عليه. هذا الأمر مرده إلى غياب تام أو شبه تام، لدور المثقف غير المنحاز، أو المثقف الذي يتعاطى مع التاريخ على أنه معلم أكبر لا يمكن التهاون معه، وهو أشبه بحمولة ثقيلة، لا يمكن تركها في الظلمة، بحجة أن كل محسوس متوار، أو غير مضاء، يظل أكثر أمنا بالنسبة لنا، مقارنة بحال وضعه تحت الشمس والتأمل في ملامحه.

نحن كلنا نحمل وزر هذه الحرب، وهذا ليس لأننا كان لنا مشاركة فيها أو موافقة على سِيَرِها، فأنا كالكثيرين من أبناء هذا الجيل، لم يكن لنا ولا لأهلنا بها، لا ناقة ولا جمل، وربما لو سألنا المتقاتلون يومها، وقد كنا أطفالا، لقلنا ربما، أعطونا كمشة كلل لنلعب في تلك البؤرة سويا بدل من أن تستخدموها أنتم لتحصين خندق أو بناء متراس. أتمنى ألا أنزلق إلى مطرح شعري هنا، ذلك لأن الشعر لا بد وأن يلعب دورا تجميليا، على الأقل بإحالة المشهد الثقيل إلى ذلك المطرح من الذاكرة حيث تنشط الاستعارات.

إن حياتنا اليومية تفتقر إلى المثقف الذي ينصرف إلى صياغة الأفكار الجديدة، بدل اشتغاله، كمندوب مبيعات لا تتغير أساليبه بالاقناع قياسا بما تبدو عليه بضاعته قابلة للتغير. ولا تبدو المهمة سهلة بكل الأحوال، في خضم االتكاثر الهائل لطرق التواصل التكنولوجي، والعجقة التي تعيق فرصة انعزال فرد من أجل التشبث بخيوط قراءة موضوعية، للعمل لاحقا على رؤية معاكسة، تصطدم لا لتصدم، وإنما لتولد حسا لدى الكثيرين بامكانية الاستقلالية عن روح الطائفة أو المذهب أو الهوية- الهوة، أو الجماعة أو الحزب أو السلطة، دون أن يمس هذا باحترام القوانين المدنية، بل هو على العكس، يسهم في تعزيزها في مجتمعات التعددية كلبنان، أو في مجتمعات لا تزال تسعى نحو إيقاظ واقع مغاير، كما يحدث في أراضي السلطة الفلسطينية.

إن ما نعانيه جميعا، كمشتغلي معرفة، أو كساعين للوصول إلى هذا الموقع، هو وعورة الطريق التي ينبغي اتباعها، لبلوغ حالة الانحياز المطلق للإنسان، على اختلاف قوميته أو هويته أو إثنيته أو معتقده أو خلفيته الثقافية والتربوية أو الفكرية. والطريق وعرة لأسباب عديدة، منها أن هذا المثقف، تهيئ له خلفيته المعرفية، نوعا من تبصر مبكر تجاه محيطه، وأحيانا يكون هذا تبصرا كاذبا وغير حقيقي. إلا أنه يأتي دائمل بفعل اعتياد المثقف على ربط الأسباب المحتملة بنتائج تبدو بالنسبة إليه حتمية وتشكل له أشبه بسلسلة من مخاوف لا تلبث وأن تبتلعه بدل من يقوم هو بتذليلها وتبسيطها والعمل باتجاه مغاير لها. هذا بالاضافة إلى تأثير الناجم عن كون المجتمع تحول إلى شبكة من علاقات مبنية من أجل غاية واحدة وهي، تعزيز الفردانية، باستخدام الجماعة كطريق أو كحماية. من هنا تتشكل دائرتا خطر بالنسبة الى المثقف، الاولى هي الأضيق والتي تمتثل فيها ما يراه من عوامل تهدد انتمائه الطائفي أو الديني أو القومي أو المحلي. أما الدائرة الثانية، وهي الأكبر، والأبعد قليلا من الأولى، فتستلزم رؤيتها القفز فوق مستوى المصلحة الذاتية، لرصد ما يتهدد المجتمع بكافة فئاته، كي لا نقول الوطن. إلا أن هذا الأمر يستلزم من المثقف إيجاد لغة قومية مشتركة تخاطب الجميع، وهي لغة برأينا ممكن أن تكون بعيدة عن السياسية المباشرة، أو العمومية، لتدخل مثلا في حالة الإقتصاد المتردي، أو في خصوصية ما، كواقع تشابه الصعوبات التي تحيط بأفراد مختلفي الانتماء الديني أو الفكري، أو الثقافي، إلا انهم أفراد يجتمعون تحت مظلة الانتماء الجغرافي الواحد، الذي هو بالتالي جزء ضئيل من مجتمع انساني عام، لا مناص من التماهي معه في مرحلة من المراحل.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

مئوية أبي القاسم الشابي

لعل قصيدته “إرادة الحياة” والتي مطلعها الشهير (إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر) واحدة من أعظم ما كتب شعرا في القرن العشرين. وقد تلقفناها في المدارس منذ أن كنا صغارا، كما وأجبرنا على حفظها، لكننا لم نحفظها مكروهين. لأنها القصيدة التي تختصر الحرية والإرادة وعامة الشعب، وهي كذلك تؤلف وحدة مع الأرض، تتخطى الطارئ الإجتماعي وتفككه وتسبقه إلى الحرية بأن تعلن زواله كأمر موثوق. لم يعش أبو القاسم الشابي ليكمل العقد الثالث من حياته. غير أن حكمته التي كانت تنبض دوما داخل دماغ متشائم ورؤية لم تعطه الا مزيدا من الوحدة والمرض والألم. إسمه بالكامل أبو القاسم ابن محمد الشابي الشيخ الذي درس العلوم الاسلامية في مصر لسنوات سبع، قبل أن يعود الى تونس، ويتزوج وينجب ثلاثة اولاد أكبرهم أبو القاسم. يعرف عن الشيخ محمد الشابي كونه رجل لم يعش خارج مثلث المنزل والمسجد والمحكمة، إذ كان قاضيا في سليانة قبل أن ينتقل بالوظيفة ذاتها الى قفصة ثم قابس ثم جبال تالة ومجاز الباب ورأس الجبل وزغوان قبل أن ينتقل الى بلدة توزر التي ما لبث أن توفى فيها عن عمر ناهز الخمسين عاما. وهذا المثلث سيلعب دورا في تلقين الشاعر ومنذ الصغر، تعاليم اللغة العربية وآدابها والاسلام والقرآن الذي حفظه كاملا وهو في التاسعة من العمر. وعلى ما يبدو فإن هذه الانتقالات التي قام بها أبوه الشيخ، كان لها دورا بارزا في تنشيط المرض المصاب به الشاعر الكبير منذ طفولته. ففي السنة التي توفى بها والده، ظهرت أكثر أعراض مرضه وضوحا وكان عمره آنذاك العشرين عاما. فأبو القاسم الشابي مولود في الرابع والعشرين من شباط عام 1909. ولم يكن مرضه آنذاك ليدعه وشأنه، غير أن أبا القاسم كان عنده شعور عظيم بالخطب أو الخلل الذي يشعر به في الصدر. لذلك لم يكن ليستكين عن فكرة الكتابة الشعرية والأدبية وقد عمل على ذلك بكل ما لديه من طاقة حتى أن الأطباء نصحوه مرارا بعدم تعريض جسده، والذي كان بطبيعته نحيلا، الى أي مجهود نفسي أو فكري أو جسماني. الا أن عناد الشاعر كان يتفوق موقتا على المنظومات الطبية ويتجاوز النصح والتوصيات، لكن لم يكن الأطباء على دراية به وقتها هو عفريت الشعر الذي كان يسكن الشابي والذي سوف يأتي إلينا بواحد من أهم ما كتب من مؤلفات شعرية مطلع القرن المنصرم وهو “ديوان أغاني الحياة” إضافة الى ثلاث قصائد هي “إرادة الحياة” و “الى طغاة العالم” و “أيها الحب”.

نتاج أبي القاسم لم يقتصر على الشعر وحده، فهو مؤلف روايتين: “في المقبرة” و”صفحات دامية” إضافة الى مسرحية “السكير” ووضعه لكتاب “الخيال الشعري عند العرب”. وعلى الرغم من نتاجه القليل مقارنة بأدباء الفترة المعاصرة آنذاك، الا أننا لا يمكن أن نغفل حقيقة ان أبا القاسم توفي عن عمر لم يتخطى عتبة الخمسة وعشرين سنة. ومن هنا يمكن قياس عديد أعماله بفترة حياته القليلة لنكتشف كم كان ذلك الشاب مجتهدا في الكتابة الأدبية، على الرغم من شخصيته التي عرفت بكونها متشائمة، مغلقة دون أن نغض الطرف عن دور المرض في تأليب اليأس وعكسه الى الخارج. فأبو القاسم الذي كان معروفا بحبه لألعاب الرياضة كالتسلق والقفز والسياحة والجري، لم يعد كل ذلك متاحا أمامه، وقد زاد ذلك من الأسى الذي كان يحتله دوما، ليكتب في  يومياته الخميس 16-1-1930 على أثر مروره ببعض الضواحي: “ها هنا صبية يلعبون بين الحقول وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل ومن لي بأن أكون مثلهم ؟ ولكن أنى لي ذلك والطبيب يحذر علي ذلك لأن بقلبي ضعفاً ! آه يا قلبي ! أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية “. إذ إن الانتفاخ الذي كان يعاني منه في القلب، ما لبث وأن تسبب بتباطؤ وصول الدم الى القلب عبر الدورة الرئوية (وهي الدورة الدموية الكبرى في الجسم البشري)، أي أن كمية الدم القادمة من الرئتين، لم يعد ممكنا وصولها الى القلب بالقدر الطبيعي، وبالتالي فإن ذلك من شأنه التأثير على مستوى الأوكسجين في الخلايا كافة مما سينتج عنه وهن عام وحالة من الإعياء والتعب لدى المريض. ومن جهة أخرى، فإن مشكلة أخرى كانت موجودة أيضا لدى الشابي، وهي في انتقال الدم داخل القلب من الأذنية. وضيق الأذنية القلبية هو ضيق أو تعب يصيب مدخل الأذنية فيجعل سيلان الدم من الشرايين من الأذنية اليسرى نحو البطينة اليسرى سيلاناً صعباً أو أمراً معترضاً (سبيله) وضيق القلب هذا كثيرا ما يكون وراثياً وكثيراً ما ينشأ عن برد ويصيب الأعصاب والمفاصل وهو يظهر في الأغلب عند الأطفال والشباب مابين العاشرة والثلاثين وخاصة عند الأحداث على وشك البلوغ، بحسب ما يقول الأطباء.

لم يقض الشابي حياته متفرغا للكتابة، ولكن أيضا للأطباء، الذين أخذت زيارته المتكررة لهم حيزا كبيرا من حياته، إضافة الى الأثر الذي تخلفه زيارة طبيب لدى ذوي النفوس الحساسة  والمتأملة كأبي القاسم الشابي. لكن الأطباء لم يتمكنوا من وضع إصبعهم للاستدلال وتحديد مرض الشاعر. فكل ما عرفوه بأن ثمة مشكلة في القلب وبالتالي كانت النصح الطبية كلها تتمثل في وجوب قضاء الشاعر وقته في المناطق المعتدلة مناخيا، ما حذا به الى التنقل بين مدن عديدة مرتجيا بذلك الشفاء، لنعلم مثلا بأنه قضى صيف عام 1932 في المدينة التونسية الجميلة عين دراهم، يصحبه أخوه محمد الأمين، وكذلك بلدة طبرقة على رغم ألمه الشديد، ليرجع بعد ذلك إلى توزر. لكنه وفي العام التالي إختار الاصطياف في المشروحة إحدى ضواحي قسنطينة من أرض الجزائر وهي منطقة مرتفعة عن سطح البحر تشرف على مساحات مترامية وفيها من المناظر الخلابة ومن البساتين ما يجعلها متعة حياتية صرفة. واضطر ومع مجيء الخريف الى العودة مجددا إلى تونس الحاضرة ليأخذ طريقا منها إلى توزر القريبة من العاصمة لقضاء الشتاء فيها. ورغم كل ما يتطلبه ذلك الأمر من مشقة، إلا أن التنقل ما بين مصيف ومشتى لم يؤثر إيجابا في صحة الشاعر، لتسوء حالته في آخر عام 1933 ما أجبره على ملازمة الفراش لفترة وجيزة. حتى إذا مر الشتاء ببرده وجاء الربيع ذهب الشابي إلى الحمّة أو الحامه (حامة توزر) طالباً الراحة والشفاء والاشتغال بالكتابة والمطالعة. غير أن كل ذلك لم يجد نفعا، فالمرض الذي لم يتم تشخيصه الا بعد الوفاة، ظل يتفاقم ويعاند كل السبل المتبعة للحد من تطوره، ما دفع بالشابي المسكين الى مغادرة توزر هذه المرة متوجها الى العاصمة تونس في 26-8-1934 ليمكث بضعة أيام في أحد فنادقها ومن ثم زيارة حمام الأنف، الذي يقصده السياح للاستجمام. نصحه الأطباء بعد ذلك وفي أيلول من العام ذاته بالذهاب إلى أريانة وهي ضاحية تقع على نحو خمس كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة تونس وتتصف بجفاف الهواء، ما يسهل التنفس عند المصابين بأمراض في الرئة والقلب. وفي موازاة حاله التي كانت تسوء باستمرار وتتتدهور مقربة إياه من الموت وسادة كل الآفاق الممكنة في وجه الاطباء، كان الناس يتساءلون عن سبب مرض الشابي حتى ليكاد البعض يرى فيه سلا وليس مرضا في القلب. فدخل مستشفى الطليان في العاصمة التونسية في اليوم الثالث من شهر أكتوبر 1934 ليتوفى بعد ستة أيام في الساعة الرابعة فجرا.

ولخصوصية ما عاش الشابي من ألم، وقلق وتفاقم إحساسه بالعدمية والفناء واللاجدوى الحياتي، لم يكن ثمة مساحة كبيرة من زمنه من أجل الحب، فحبيبته الأولى لم يكتب لها الحياة، إذ ماتت وهي بعد صغيرة. لكنه تزوج رغم ذلك، من دون أن نعلم الكثير عن هذا الزواج. حياة أبي القاسم الشابي، شاعر تونس العملاق، وسنوات حياته القليلة وأسلوبه في المقاربات الشعرية ما بين المذكر والمؤنث وتعداد الأزمنة المتبعة في قصيدته وتقنيته في التنقل من المناخ الداخلي للنفس والخارجي للطبيعة والكون وتوليفاته لرصد الرمزيات السياسية من عناصر السماء والشجرة والزهرة والشعب التونسي ستبقى دائما مثارا للباحثين والدارسين والمؤرخين لتطور الادب والشعر في خضم الاستعمار والانتداب الذي لم يستثن أيا من بلدان المشرق العربي أو المغرب العربي على السواء. لم يعش أبو القاسم الشابي ليجاري ويتفاعل مع التطورات والتغيرات التي اصابت القصيدة بعد ذلك، إلا أن ما قاله في أدبه وشعره، وبشكل خاص معالجته للظلم والتحرر، سيظل متخطيا الزمن، لأنه شاعر الحرية، الحرية لا دوام موقت لها.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

من أجل بول شاوول

بول شاوول يخضع لعملية جراحية في القلب. الشاعر الذي لم يكن يغادر سيجارته، ها هو شريان واحد من قلبه يحمل حقيبته مغادرا الجسد، والشِعر وخلايا الدم المحملة بالنيكوتين وروائح المدينة. يا له من شريان جريء، لأن يقوى على مغادرة جسد شاعر كبول شاوول. أن يقبل باستبداله داخل غرفة عمليات وليس مجازا على الورقة البيضاء. لا بد وأن ينصاع الشاعر للحياة، أو لقانون البيولوجيا في النهاية. إنه نوع من إعادة الدور المفترض للحياة التي لا تتقدم سوى خطوات بطيئة يوما بعد آخر. الحياة التي تسمح للشاعر بتعديلها جينيا على الورق الأبيض، التي لا تتذمر أو تستغرب ما يعاد تشكيله من عناصرها. على ما يبدو، فإن الحياة تؤجل سخريتها من الشعر والشعراء، إلى زمن تعلنه بشكل مفاجئ. تصهر السخرية بالوقت أو بحتمية الشيخوخة، كعامل معادن يصهر مايكروغرامات من اليورانيوم مع الحديد الرديء. لذلك تبدو كل النصوص المكتوبة غير جديرة بلحظة القلق. الدخول إلى غرفة عمليات نوع من خيانة الجسد لحامله. وكأنه مللٌ أو سأمٌ من هذا المسمى (حياة). أما الدخول إلى شرايين القلب، فمعناه شق القفص الصدري بمنشار كهربائي، ومعناه أن تلك الشرايين الكامنة في الظلمة، مستلقية أخيرا تحت الضوء. الذي ينتقم الآن لصاحب الجسد، هو المبضع، الذي يشق بلا شفقة، أو خوف. أيضا تاريخ الطبيعة. يشارك في هذا الفعل. الضوء يخدع الشرايين، لأنه ليس ضوءا شمسيا، أو ضوءا قادما من القمر الجالس فوق النوافذ. هو ضوء كهربائي. ولّدتْه تفاعلات بترولية، مستخرجة من باطن الأرض، كانت منذ سنين قديمة، كائنات حية تجهد لاحتلال سلطة اليابسة. تلك الكائنات في هذه اللحظة، يتواطأ ما تبقى منها ليمد غرفة العمليات بالضوء، حيث الشاعر محبوس في النوم، مستعجل الأطباء للنيل من هذا الجسد، أو لمواصلة حمل هذا الجسد على الكتابة والحب والقلق والمشي. وأنت في مواجهة بول شاوول، عليك أن تستخرج دماغك كله، وتَفرِدَه على الطاولة أمامه. عليك أن تتبارز وأشيائه: علبة دوائه المركونة بعيدا ً أو المؤجلة الى وقت لاحق، سيجارته التي تتظاهر بالموت حينما تلهيه الكلمات عنها، فيعود ليحييها بعود ثقاب مرح بين أصابعه، كتبه التي تطوقك كجنود عجائز يسترجعون ذكرى معركة في الساحة نفسها، لطافته التي تستقل إحدى خلايا دمك، كما يستقل ولد صغير بالونا ً مطاطيا ً وينطنط به في غرفة نومه، مرحه الذي يشق الهواء الصلب كما تشق سكينة كتلة من الجلو. بول شاوول يبدو للوهلة الأولى شاعرا ً يقف على كتلة عالية جدا ً من ركام الزمن المتكوّم تحت قدميه، إلا أن ابتسامته تحيله طفلا ً صغيرا ً ومشاغبا ً حتى تكاد تجهد في ملاقاة طفولته. لا يعود رجلا ً مثقلا ً باللغات والثقافة الهائلة، والتاريخ السياسي والطلابي والمشاريع النضالية. يتراجع هذا كله في مقابل حضور بساطته وتلقائيته وإصراره على الفكرة الشاوولية. زمنه المتشعب والمبكر وكائنه المتعدد بين الشاعر، المسرحي، الناقد والمترجم، إضافة الى موضوعيته الصادمة، كلها عوامل ٌ تضمن له تلك الحيادية فيما يتعلق بالشعر والشعراء الجدد. غير أنه لا يتوانى بتاتا ً عن تكريس خصوماته خاصة تلك المتعلقة بخطه السياسي الحالي، لذلك لا يهادن طفل الشعر ولا يدع أيا ً من دفاعاته تنهار، يصبح هنا أقرب الى العبثي من دون أن يعلن هذا صراحة. قد لا تشعر أبدا ً بأنك متفوق على هذا الشاعر الذكي، كل ما قد تفعله هو أن تتحسس نكهة كلماته الطازجة وهي ترتطم بجزيئات الهواء، قبل أن تصفع طبلةَ أُذُنِكَ الرقيقة. قد تغار من سيجارته، من يد فنجان قهوته، ومن سيجارته التي تتأرجح برفقة أصابعه في الهواء وكأنه أب يأرجح ابنته في مدينة ملاهي الفقراء. ينال منك الشاعر أولا ً والمسرحي ثانيا ً، عندما يطوقك بعاطفته حتى لتشعر بأنك أصبحت أحد أبطال حياته، وبأنك إزددت طولا ً، بفعل تمدد قدميك داخل الاسفلت. تدرك عندئذ بأنك متجمد في مطرحك. إذا ً أنت لا تريد مغادرة فخ بول شاوول. لكن الوقت يباغتك، يتضاءل نصيبك من الدقائق المتبقية برفقته، ويتجاذبك الغرور والحزن. فأنت مغادر بيته، وحيزه الصغير الذي يحوك داخله العالم الموازي لعالم لا يعجبه كثيرا ً. لكنك في وقت سابق أخرجتَ دماغَك وفردته دون أن تقول شيئا ً. في الحقيقة أنت فعلت ذلك لتخبئ هذا اللقاء بين تجاعيد مادة الدماغ الهلامية، ولن تدع أحدا ً ينال من هذا التذكار الجميل.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

عن الورّاق عصام عياد

الكتابة عن رجل يدعى عصام عياد تستلزم شرطا وحيدا، هو التطرف. أن تكون متطرفا، لتعادل تطرف عصام عياد. وهذا ما لا يمكنك فعله لأنك وبحسب رجلنا، لا تزال مجرد ذرة غبار في مصنع أحذية، أو صوصا في مستودع مليء بالديكة. يعني، لا مفر. لا تسمح علاقتك به، إلا أن تكون متطرفا. إما باتجاهه او بالتضاد معه. وفي الحالتين، تعرف أنه مقبوض عليك، وبأن الرجل تمكّن منك. الانحياز له يعني أنك لا تزال طيبا. والطيبة التي ينكرها عصام، ويعلّم أصدقاءه التنصل منها، ينزلق قلبه إليها مرات عدة.

عصام رجل مكسو بالتعب، لا يخبرك عن تجاربه إلا لماما، يرفض كتابة رواية عنه (تستحق سيرته كتابة رواية، وربما سيهرول إليه أحد ما لهذه الغاية، روائي مثلا، كاتب سير أو أي صعلوك من صبغة أخرى). أحيانا أظن أنه يكذب، أو يجذف بجمله حتى يصل بحرا بعيدا، فيما أتخيلني واقفا على شاطئ، حجمي صغير جدا، يراني بعينيه الكبيرتين، الشبيهتين بعيني ثعلب مشرد، فيما أنا ألوح له بقميصي، بكامل ثيابي التي سحلت عن جسمي بينما كان يتكلم. لا أنتبه إلى عريي. ألوح له ظنا مني بانه لا يراني، لأنني أنا أيضا أكون ساعتها، لا أراه. لكنني أكتشف بعد لحظة بأنه يراني، بل وأنني لم أفلت لحظة واحدة من كماشة كلامه. صدقوني، الحديث عن عصام يستلزم أن تكون متطرفا، متطرفا بالهلوسة. الهلوسة فقط هي ما ينبغي إحضاره إلى الجملة للحديث عن عصام. لأنه شخص لبط باب حياتك ودخله. هكذا فعل من دون أن يحرك قدمه. ربما الباب المغلق إنلبط من تلقاء ذاته حالما وقف عصام عياد أمامه، إنخلع ببساطة، وكانت ضحكة الرجل، قهقهته الذكية التي تملؤني غيظا، الباب البديل. من يومها، وأنا لا أدخل إلى حياتي أو أخرج منها، إلا مارا بعصام عياد الذي لا يزال واقفا إلى هذه اللحظة. قررت مؤخرا أن أحلَّ عنه إذا لم يرد هو أن يحل عني، رأيت بأن الأمر أشبه بأن تأخذ ذراعك إلى مجلِّخ سكاكين، وتقول له، أريدك أن تسن لي هذه الذراع حتى يصبح عظمها رقيقا جدا وحادا، فتسقط على الأرض من الثقل. هذا ما يعادل ألم إستئصال صاحب المكتبة الضيقة في شارع الحمراء.

لن أقول ما أعرف عن عصام عياد، سأحتفظ بمعلوماتي التي أعتبرها على رغم قلتها، بالغة الأهمية. كما أتمنى أن لا تجعل هذه الكتابة من عصام، رجلا أكثر نرجسية مما هو عليه. أشعر هنا أنني وقعت فعلا في فخ. فمن ناحية، لا بد وأن اكتب عنه يوما ما، ربما اليوم. أكتب لأتخلص منه. فأنا لا أعرف إذا كان واجبي أن أشكره أو أسبه، لأنه باعني كتبا كثيرة، أو منح الشوارع التي في رأسي، زوايا، والآن لا تجد شارعا مستقيما. كلها تغيرت بنيتها منذ تعرفت به. واظب أيضا على زرع اليافطات التي تشير إلى ضرورة تغيير إتجاه السير في الشارع الفلاني أو العلاني. ماشي الحال يا سيد عصام. فقد أعدت ترتيب الجينات كما يحلو لك بالمختصر المفيد. ولا شك أنك تضحك الآن، وأنا بأي حال، لا أريد أن أراك في هذه اللحظة بالذات. لأنك ستسخر، وستحس بمدى عظمتك (عندي على الأقل) ومدى ضآلتي. هل تراني؟ أحدس بأنني أصبحت مايكروسكوبيا، كبيض النمل (بالمناسبة، بيض النمل هو أحد المعاني للإسم: مازن).

أكره عصام عياد لأنني لا أريد أن أحبه أكثر. البعض يسخر مني لأنني على صداقة معه. يرونه شخصا غريبا، أو غرائبيا، ويفضلون عدم إدخاله صندوق حياتهم. هذا شأنهم، وفي أحيان كثيرة، أغبطهم. إذا ما غضب الله عليك، فإنك تكون صديقه. وحال توصلت إلى كرهه أو محبته الشديدة، فستعرف بأنه ألقى القبض عليك. يمكن أن يكون عصام عياد مجرد بائع كتب مستعملة بالنسبة لعابر سبيل ظمئ، كذلك بالنسبة لذبابة لا يناسبها إطلاقا الدخول في احتمالات ايجاد طعام بين الكتب.

أنا عالق، وأظن أنه سيكون أمامي وقت طويل قبل أن أتمكن من خيانة عياد، وطرد نفسي من الجيبة التي يضع بها أصدقاء مساكين على شاكلتي. بدأ حياته متحمسا سياسيا لطرف ما. كان فتى، لكنه امتلك رؤيا أتاحت له التنبؤ بأخطاء قبل أن تحصل. ترك الإحتمالات جميعها، الانتصار أو الهزيمة، خلف تأويلاتهما. وعُرضت عليه مناصب قيادية في التنظيم الفلاني أو العلاني، لكنه لم يشأ أن يكون كالكثيرين ممن دخلوا الدوامة واضعين شاليمونات في أفواههم للتنفس، قبل أن يصابوا بالسعال ومن ثم الاختناق. نضاله شخصي جدا، من بائع كتب في فان إلى مارد في قمقم مكتبته الصغيرة. لوث رأسي عصام، بأراء كثيرة، تتخطى اقتناعي بها.

أُشبِّه رأسه بقجة يصطدم القلق بجدرانها، إلى أن يدوخ هذا القلق فيشق جلد وجهه خارجا على شكل ابتسامة. أحاول مرات عديدة ثقب أول يوم ذهبت فيه إليه، أن أجد ثغرة بديلة عن تلك التي أوقعتني في أنبوب الوراق عصام. كان ذلك عندما كنت مراهقا يبحث عن معنى كلمة “فدائيين” خارج القاموس الشعبي المتداول. وعندما رجعت إلى المنزل، كان في يدي أربعة كتب عن الحرب “الأهلية” في لبنان، إضافة إلى شعور سخيف بنشوة القبض على “الحقيقة”، وبنطلون بجيبتين تتدليان إلى الداخل كفأرتين ميتتين، زائد سخرية أخي الأصغر. أما جِلدي، فتصورته معلقا على باب المكتبة. وأكيد أنه كان لا يزال رطبا حين دخلت المنزل. بمعنى أكثر مباشرة، فقد تم سلخ الكاوتشوك عن عجلتي الاقتصادية الصغيرة، على يد عصام عياد.

قد يكون موقع عصام عياد في الحمراء، غير ملائم تماما للصورة التي يريدها البعض لهذا الشارع. لا بأس من ذلك كله، إذا عرفنا بأن عصام عياد يخوض حروبه الميكروسكوبية متحصنا، برفاقه القدامى..الكتب. تشبه مكتبته سردابا نجا من الحرب، لم يتيح للزمن فرصة الفتك به. كل القسوة التي تحفل بها ملامح عصام عياد، تأتي ككيس رمل يمرّغ به صاحب الكتب القديمة، وجهه، متأهبا لاحتمالات خيانة أخرى. ربما لأن عصام عياد لم يعد يحتمل المزيد من التجارب. مجموعة من حبات المطر حاولت اجتياح مكتبته الشريرة ذات يوم، والانقضاض على كتبه، قبل أن تصطادها العدسات السوداء للمصورين، وتزجها في الصحف. ترعبني فكرة أن حتى حبات المطر لا يمكنها النفاذ الى قلب سردابه.

مازن معروف – جريدة النهار 2009