كيم أدونيزيو.. المجازفة بالسرد الشعري

“خاسران على الناصية” هو عنوان المختارات للشاعرة الأمريكية كيم أدونيزيو (ترجمة سامر أبو هواش)، الصادرة ضمن أنطولوجيا الشعر الأمريكي المعاصر، عن دار الجمل ودار كلمة. والشاعرة الأمريكية مواليد العام 1955 (تذكر بعض المراجع أنها مواليد 1954)، وهي امرأة مطلقة، تعيش مع ابنتها، حاصلة على ماجستير في الآداب، تمارس التدريس الجامعي في كلية غودار (Goddard) وتعيش في أوكلاند (كاليفورنيا). لكيم أدونيزيو أربع مجموعات شعرية هي “نادي الفيلسوف”، “جيمي وريتا”، “قل لي” (وهي المجموعة التي تنافست فيها على الجائزة الوطنية للكتاب)، و”ما هذا الشيء الذي يدعى الحب”. إضافة إلى روايتين هما “روعات صغيرة” و”أحلامي هناك في الشارع”. أصدرت أيضا وبالاشتراك مع الشاعرة دوريان لوكس كتاب “رفيق الشاعر: دليل إلى متع كتابة الشعر” كما صدر لها كتاب مؤخرا بعنوان “عبقرية عادية”.

وكيم واحدة من الشعراء الإعترافيين الأبرز أمثال روبرت لويل وبلاث وآن ساكستون. لكن أدونيزيو استطاعت أن تحفر ملامح مملكتها الشعرية الخاصة، وذلك باتكائها على موضوعات الخسارة والفقدان والغياب، والأخير يحضر شبحه في معظم القصائد حتى يبدو وكأنه المحفز الأكثر تأثيرا على اتجاهها الشعري، وطريقة كتابتها للقصيدة، استعراضا ومعالجة، حتى يمتد هذا الغياب ليبدو قاسما مشتركا في كل ما يقع داخل رؤيتها الخاصة لأشياء العالم.

من الناحية التقنية، لا بد أن يلاحظ القارئ وإن عن طريق الخداع، بأن السمة الأبرز التي يتمدد تحتها الشعر الأدونيزي، هي التلقائية. تلقائية هادئة، مشغولة بمزيج إنساني، يتنقل ما بين الغضب، والاعتراف، واللؤم، واللامبالاة، والرقة، والانكسار، والتعاطف وأحيانا محاولة تشتيت صورة تم سلخها مسبقا عن كيان الشاعرة نفسها، كأنثى.  يخيل لك بأن هذه القصائد مكتوبة بعصب واحد، عصب مئات الكائنات البشرية المتشابهة. ومن خلاله تتتالى عناصر القصيدة وتتكثف على الورقة وفي وقت قصير. وكأن المشاهدات اليومية التي تصيب عين أدونيزيو تترافق مع ردة فعل شعرية وسريعة تجرها للكتابة في الشارع، أو على رصيف مجاور لسوبرماركت، أو على كنبة مملة، أو في الردهة الجامعية، أو في غرفة مريض، وذلك بسبب قدرة الشاعرة على استيلاد القصيدة من حركة السوسيولوجي، والحياتي (لا يخص هذا البشر، بل يطال الحيوانات والحسي- اللامرئي كالذرة مثلا). يخيل لك بأن الشاعرة الجميلة واقفة شديدة القرب من موضوعها الشعري، أو على الأقل من كافة عناصره، لتدوّن شعريا ما تصادفه. لكن ولادة القصيدة هي بشرط الوجود المسبق لمحفز الكتابة العاطفي أو الفكري (سواء إتخذ ضعفا أو قوة).

أدونيزيو لا يزيح شعرها عن المربع الوجودي الشديد الغليان. تعمل ذاكرتها على تمديده أو تقليصه بحسب متطلبات التعبير عن وعيها، كما وبحسب كمية التوتر الذي هو يغلب على نبرتها الشعرية في أكثر قصائدها. من هنا تعمل قصيدتها على طي الزمن، لتكتفي بعصر المكان في الفعل الإنساني سواء كان هذا الفعل مباشرا أو غير مباشر. وهو يستلزم انسحابا إلى داخلها، إلى ماضيها الشخصي، المرتبط بفترة النضوج بشكل أساسي أكثر من ارتباطه بمرحلة الطفولة. هذا ما يصلك وأنت أمام سياق شعري رفيع وغير متشرذم، واضح وصارخ في آن معا دون أن يصاب بالتشتت. لأن نبرة كيم الشعرية تتفاوت من قصيدة إلى أخرى وذلك بهدف السيطرة على الوحدة العامة (كمغلف برّاني، أو كنواة شعرية جوّانية) لموضوعها.

وقصيدة كيم أدونيزيو ممنهجة ما بين الشكل الشعري والشكل القصصي (أو حكايا اليوم الواحد)، وكأن السياق القصصي شرط للتعبير الشعري ولتماسك الموضوع أو “الحبكة” أحيانا، الأمر الذي يقع ضمن المنظور العام للاتجاهات الأمريكية المعاصرة حول القصيدة. وإذ يستعاض بشعرية الفكرة على حساب فكرة الشعر، نجد غيابا للجملة الشعرية المنفردة، أو الاستعارة أو المجاز. ذلك أن الشكل القصصي يسحق الجملة الشعرية الواحدة بشكل تام، لكنه يجعل لبعض الجمل قيمة جمالية تشع بوقاحة في وجوهنا. تستعيض الشاعرة عن المجاز (كأحد أهم شروط القصيدة) والذي لا يزال كثيرون يعتقدون بضروريته. تنحيه جانبا وتختزله، باستعمالها أسلوبا تصويريا كليا يجري توظيفه من أجل تصوير مشهد شعري واحد، لكنه شديد الأناقة. هكذا يتم العمل على متتالية من جمل عادية، تتلاحق وكأنها أجزاء من مشهد عام، بل وكأن إحداها شرطا لوجود الأخرى. مفرغة من وحدة الزمن، وشيئا ما، المكان. فغالبا ما تتم الاشارة إلى المكان بتجريد عال، وما يهيمن هو الفعل الانساني خيرا كان أم شريرا، وهو الفعل الذي يؤسس لدراما شعرية الحياتة، تلتقطها الشاعرة بخلفيتها الخاصة- وعيها الخاص بالمحيط- الخسارة.. هناك الكثير من التروي عند كتابة هذا الشعر، بسبب ما تحمله الجملة الشعرية الخاصة به من مسؤولية. ذلك أنها جملة ثقيلة، مؤطرة بالخاص والعام في نفس الوقت، ومنفلتة من ركاكة التصريف، وتقريرية المعنى أو انزلاق اللحظة الشعرية. لتظهر بملابس الشعر- الموقف- الذي تجاوز لحظته للتو. لكنها والشاعرة الأمريكية المطلّقة والوحيدة، لا تقدم لقارئها شعرا متحذلقا أو متشاوفا، بل ولا تسمح لهذا القارئ الغريب بأن يسافر في تأويلاته بعيدا، أو أن يتجاوز العبارة المباشرة. كيم تضع من متلقيها تحت إمرة حيزها الخاص، بالمعنى المادي المرافق لضرورة العيش، أو متطلبات الحياة الخاصة والمدينية. وهي بذلك متخففة وقارئها مرتاح، ورشيق. يستطيع أن يستشعر قساوة شاعرته من دون أن يصاب بضيق التنفس.

وهذا هو سر كيم أودينيزيو، أن ترفع الأشياء البسيطة، من رمزيتها الوظيفية لتدخلها أولا في شراكة عاطفية تؤلف بدورها ذاكرة مغايرة، وأكثر نشاطا من الذاكرة السابقة أي الماضي. وتعيد ترتيب حياتها السابقة فيتم تجيير ما كان تفصيلا مهملا لإعادته إلى الحياة من جديد وإلى دائرة الضوء، لتؤنس وحدتها بها. بذلك تستطيع أودينيزيو رفع الحياة برمتها لتصبح حالة شعرية قائمة، وليهبط الشعر على مقومات الحياة التي تعيشها سواء كان ذلك من الكماليات أم من الضروريات. فيعاد تشييء الشيء، لوضعه في حيز آخر، له علاقة بالخسارة، وتصبح خسارتها الخاصة أكثر بريقا عندما تتشارك بها جميع ملامح الغرفة، البيت، الحديقة، الزوج- الحب السابق..إلخ. فتزيين الحياة، لا يتم بغير أشياء الحياة، ولا حاجة للاستعانة بسوريالية هنا، أو ميثولوجية هناك، ولا رمزية متعالية، ولا حس بامتلاك الأنا الشعرية. وهو تزيين بغرض محاولة ترتيب غرفة مشاعرها الخاصة، كي تبتعد مثلا عما هو مشترك اجتماعي وتدخل القارئ في قاموسها الخاص الذي تستخدم مفرداته لإعادة وضع العين على المشاعر بدل من أن تكون هذه المشاعر، هي ملك الجزء الأنثى منها.

وقلة هم الشعراء الذين يقومون بكتابة الشعر خارج المؤثر الحياتي اليومي كالمدينة والعمل والمنزل والمزرعة والتلفزيون والاحاطات البصرية العامة والتفاعلات الحسية كذلك والتي تشكل نسبة هائلة في حياة إنسان التكنولوجيا، والانسان الأمريكي المبرمج وفق السيستم والسرية. هنا تكمن براعة الشعراء الأمريكيين عموما، في تحويل اللحظة الحياتية العابرة، والخاصة بهم، أو نقل المشهد المألوف إلى المساحة الشعرية التي تتجاوز ثنائية الفعل- اللحظة. هذا الأمر يشترط توفر الحساسية التي تمكنهم من ولوج العالم المتكثف حواليهم في أكثر اللحظات انعطافا، لتفكيكه وفقا لمزاج فلسفتهم الخاصة وفهمهم العام لقوانين الحياة والطبيعة والجسم البشري (الصحة، المرض، الموت، ذبول العاطفة،..إلخ) وشروط البقاء في المدينة التي يمكن تشبيهها بفكي تمساح، في احتمال أن يطبقا عليك بشكل فجائي، سواء توقعت هذا أم لم تتوقع.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

Advertisements

تشارلز سيميك.. تطويق القارئ بالشعر على حين غرة

التشرد المتواري في القصيدة، هو ما يشكل محور أعمال تشارلز سيميك الشعرية. لأن هذا الأمريكي المهاجر أصلا من يوغوسلافيا، لا يترك لذاكرته حيزا محايدا بالمرة، إذ أنها تستوطن مكامن قصيدته. غير أنه استيطان أنيق، مبطن، لا يتم إظهاره للقارئ علانية، وهو بذلك يحرض القارئ أكثر على قراءته بتأن وروية، كما أنه يدفع هذا القارئ نحو الاستطلاع من فوق القصيدة ومن تحتها ومن كامل أطرافها واحتمالات تأويلاتها شعريا وسياسيا.

 قصائد تشارلز سيميك، أو على الأقل، المختارات الصادرة في كتاب “العودة إلى مكان مضاء بكوب حليب” (ترجمة سامر أبو هواش – دار كلمة ومنشورات الجمل) ضمن أنطولوجيا الشعر الامريكي المعاصر، تشبه سمكة بيضاء صغيرة، ورقيقة، تصارع في وسط كم من الاوساخ في ماء نهر. وما ينبغي عليك على الدوام هو أن تتبع ظل هذه السمكة لترشدك إلى جمالية العمل الشعري. وظِلُّ السمكة بالتحديد ههنا، هو فقط الايقاع الداخلي الذي يربط الفكرة تلو الفكرة، واللحظة الشعرية بسابقتها، لتجد نفسك في نهاية الأمر، مطوقا بما اكتمل شعريا من حولك من دون أن تدرك أنت ذلك. عالم سيميك الشعري، هو عالم غير منقوص، او قل هو عالم من الشرارات المتقدة، أو حيوانات الشعور الصغيرة الهائجة التي تبحث عن ملجأ، وما يفعله الشاعر هو أن يضع الكادر الملائم لكل من تلك الحيوانات، وكأنه يثبت كل منها إلى منزل أو حيز. هذا الحيز هو ما يضمن الدفق الدينامي الذي بسببه تتحرك هذه الحيوانات لتصبح لزجة، أو عصية على اللحاق بها. وهذا ما يدفع الى القول بأن قصيدة سيميك، تستطيع أن تنفذ إلى مخيلتك عبر أكثر من مدخل، أو احتمال. الأمر الذي يجعل فينا رغبة لإعادة قراءة تشارلز سيميك، مرات ومرات. لأن عالم سيميك هو عالم داخلي يستبق ولادة القصيدة، وهو بذلك يشكل أحد أهم مشترطات التفكر في القصيدة، أو فعل كتابتها. أي أنه عالم جاهز، غير منقوص، وكل ما يأتي من لغة شعرية، لا يتحول الى ما هو أكثر من أداة استقبال أمام كل العناصر المنتقاة من حياة اليوم الواحد. ليتخذ الشعر شكل المحطة الأولى التي ينزل بها ذلك الضيف الجواني- الحكمة، أو الفكر.

هناك لغز ما، يطعم به الشاعر الأمريكي قصيدته. وهو اللغز الذي يشكل الفكرة الأولى للعمل. ونستطيع كذلك أن نسميه ما يستبق الكتابة فعلا. فهو لغز سواء كان وجوديا أو ميتافيزيقيا، فإنه يحال أولا إلى لغز شعري، في ذاكرة الشاعر، وذلك بحسب ثقافته وموقفه العام من المجتمع والسياسة واعتماده المذهب الوجودي كعين ينفذ منها إلى كينونة محيط عيشه “أسأل الرصاص/ لم سمحت لنفسك/ بأن تصب طلقة؟/ أنسيت الخيميائيين؟/ أتخيلت عن أملك بأن تتحول ذهبا؟”. غير أن صوت اللغز الذي يرتفع عاليا في القسم الأول من القصيدة، لا بد وأن يقابله موقف على شكل إجابة، في القسم الثاني، لكنها تبقى إجابة قابلة لإضافة أو لاختزال من قبل القارئ نفسه. ذلك ما يرسم ملعبا واسعا أمام هذا الأخير كي يستنبط بدوره وبوفق أحقيته كمتذوق، وحكم، وبأن يرحل في مخيلته نحو احتمالات هذا اللغز وكأنها الأصل.

هذه القابلية التي يهبها سيميك لمتلقيه، لا تشي بخلل في المرحلة الأولى بقدر ما تزيح النص بكامله الى العمق، الذي هو أساسا جسم العمل الشعري. إذ لا يتاح لنا بأن نذهب خارج حدود هذا العمق المشغول بحرفية وببطء. لأن الداخل الى قصيدة تشارلز سيميك لا بد وأن يتلمس طريقه دون أن يشعر، ليصطدم أخيرا بهذا الغموض النهائي المحبب. وهو الغموض الذي يعيد الأشياء الى أولها، كما يعيد القصيدة بذاتها كمغلف خارجي لشعرية الفكرة. لنجد ان الشعر عنده يشبه لعبة قمار، في جديتها وأسرها الأبدي، وديمومتها كعلاج لاجدوى منه، إذ غنه محكوم بالبقاء في دائرة السؤال، بينما ستسبقه جمالية العمل التأليفي شعرا، ومجازيات وصورا حسية بصرية وماورائية.

أثر الحرب الواضح في أشعاره، تخضع الذاكرة هنا لحكم مطلق ووحيد، وهو استعادة الطفولة بأقسى أشكالها في محاولة لترقيعها بأبسط ما يكون، هنا يلعب النضج او الوعي ضد غريزة المتقاتلين. كما يلعب الحاضر ليعاكس الماضي، والهدوء الحالي ليعاكس ضجيج الرصاص والقذائف على مدى سنوات سابقة. وهو المشهد المستعاد نفسه. يجري تطعيمه بالألم الظاهر، وبالعفوية الانسانية التي تخفف من ثقله على النفس. “ولدت منحنيا/فوق رقعة شطرنج/ أحببت كلمة endgame/ جميع أقاربي لاح عليهم القلق./ كان ذلك في منزل صغير/ قرب مقبرة كاثولكية/ الطائرات والدبابات/ ترج نوافذه.”

وبحسب مقدمة سامر أبو هواش، يقول سيميك بأنه كانت تستهويه القصائد ذات المستوى العالي من الغموض أو الابهام. وقد حاول في بداياته كتابة الشعر مستعينا بمعجم من الكلمات غير المفهومة. وكان يعتبر أن هذا النوع من الشعر هو أرقى أشكاله، قبل أن يتخلى عنه في مرحلة لاحقة. إلا أن تقنية الكتابة الشعرية حاليا لدى سيميك، تظهر ومن خلال المختارات، وكأنها صناعة إزميل نحيل وبطيء على حجر عملاق. لأن موقف سيميك من الحياة لا يمكن له إلا أن يمر بسيميك السابق، المتشرد بين شوارع لندن، وقبلها الطفل الذي شردته الحرب العالمية الثانية وباعدت ما بين أبويه فترة طويلة تقارب العشر سنوات قبل أن تتمكن والدته من مغادرة يوغوسلافيا والهرب من النظام الشيوعي السابق، وذلك بعد محاولات عديدة سابقة اتسمت جميعها بالفشل وباعتقالها. إلا أن هذا التشتت الطفولي هو ما دفع بسيميك إلى حافة المعرفة منذ مراهقته، ليكتشف الشعر والثقافة والفلسفة بشكل خاص. غير أن ولعه بالأخيرة، لم يشكل عائقا أمام اعتماده شكلا كتابيا تخدعك بساطته في قراءة اولى وإن اكتشفت بعد القراءات المتتالية بأن هذا الشعر، يقبض عليك ولا تقبض عليه. من هنا فإن لغة الشعر السيميكي، تشكل التضاد للغة الفلسفة- ثقافته الأوسع، وهي الثقافة التي يتلقاها. وبذلك فإنه يكتب فلسفة أخرى بلغة شعرية تتهيأ لاستمالة القارئ على اختلاف معتقده أو مذهبه الفكري أو الفلسفي أو الفني. لأن قاموس العناصر الخارجية اللازمة، يتضمن كافة أشياء الطبيعة والمدينة واليومي والعادي والفلسفي والفني، كما وعناصر الزمن أو ما يلزم استعماله للدلالة على الزمن المتحرك في القصيدة. وبذلك فإن شعر تشارلز سيميك، لا يتواطأ بشكل اجتزائي أو فئوي مع جماعة من الناس، لأن خطاب القصيدة ليس معلنا على المستوى الايديولوجي أو السياسي، بقدر ما هو عار على مستوى انساني أكثر عمقا، وتعاليا على صغائر الواقع لكن مع الاحاطة بملامحها بشكل كثير العمومية. ” باك يعاني من صداع/ طوني تناول بهارا حريفا/ سلفيا تزن نفسها عارية في الحمام/ غاري مدين للضرائب بثمانمئة دولار/ روجر يقول إن الشعر هو صنعة القضبان المانعة للصواعق/ خوزيه يريد أن يلكم زوجته على فمها/ تيد يخشى ظله/ راي يكلم ششتلات الطماطم/ بول يريد أن يعمل بائع طوابع في مكتب البريد/ ماري تبتسم لنفسها في المرآة/ وأنا أبول في المغسلة مع إحساس بالأبدية”.

هذا الامر يدفع الشاعر الى الاتكال على الطبيعة في أحيان كثيرة لتفسير رؤاه الشعرية، اتبدو وكأنها رومنسية قسم منها متجذر داخل المديني. أي ان هناك مزج متعمد لعناصر الواقع المتنقل، المليء بأشكال الحياة والضجر، كما وعناصر الطبيعة. يؤمن هذا الأمر لسيميك نوعا من هروب موقت، باتجاه الطبيعة لكن دون أن يستطيع سلخ نفسه عن المسبب الأول لشعره. ” ماذا كنت لأفعل/ من دونك/ أنت يا خياطي/ الذي تضع في فمك/ إبرة سريعة كلدغة نحلة/…/أنت وأنا والمصباح/ المنزل أشبه بعش/ أمنا العصفورة الزرقاء رحلت منذ زمن/ أبونا الصقر ذهب إلى الصيد/ ماذا كنت لأفعل من دونك/ من دون صوتك/ الذي يسمي ويسمي/ أنهار وجداول/ أيامنا على الأرض”. لكن اذا ما وضعنا جانبا ثقافة الشاعر، واهتمامه بالفلسفة، فنستطيع تبيان المحرك الاول الذي يجعل الشاعر يرى العالم كما يصوره شعريا. فالعين الأولى هي الحساسية، التي تتيح لسيميك الدخول في افتراضات الأشياء، لتحركها ضمن معادلات يتواضع فيها الجنس البشري أمام “أجناس” أخرى تدب فيها الحياة، بفعل الشعر. فسيميك يجعل من الشعر أسلوبا ليس لتعبيره الشخصي فحسب، بل وكذلك لعيش الكائنات الصغيرة إذا ما أريد إدخالها إلى زوايا عالمه. أي أن هذا الشعر عنده، يستطيع الارتقاء الى مراحل متطورة، حتى تبدو وكأن لها نظامها البيولوجي- الحياتي المستقل وليس الفني وحسب.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

دوريان لوكس.. حيث الشعر بعيد عن الاستعراض الفلسفي والثقافي

يتكل شعر دوريان لوكس على نسج لغة خاصة، لتفسير الاشياء، الذاتي منها، النفسي منها أو المشترك مع العالم الخارجي. والشاعرة التي تلد من الأشياء المتفرقة نسيجا شعريا، لا تتوقف عند التقاط فوتوغرافي لعناصر المدينة، بل تحاول استئصال خيوط العلاقة ما بين كل تلك الأشياء، بما يتفق مع ذاتها بشكل أساس “لا يني يبدل القلب شكله:/ يتحول من طائر إلى فأس/ ومن عجلة هواء إلى غصن مثمر./ يتقلب داخل الصدر/ كدب بني خدّره الشتاء/ أو كطفل يقفز في مهرجان/ متوقفا تحت ظلة كشك الألعاب النارية/ أو عند خيمة السيدة السمينة/ أو عند كشك الهوت دوغ”. وما بين الطائر والفأس، وعجلة الهواء والغصن المثمر، ثمة ما هو اولا طبيعي (عنصر رومانطيقي: الطائر والغصن)، وما هو مصطنع، أو تكتيكي مثلا (الفأس وعجلة الهواء). لأن العلاقة بين كل تلك الأشياء لا يمكن أن تكون بمنأى عن الشعر، الذي يدخل عبر لوكس إلى كينونة كل منها، ليولد ما بينها علاقة تشترط لا شيء سوى الشعر.

الشاعرة لا تبالغ أو تستعرض إيديولوجيتها السياسية أو الفلسفية أو حتى الأدبية، تأتي كتابتها مخففة من المخزون الثقافي بالمعنى المباشر، وبذلك فإن القارئ لا تتعبه القراءة، ولا تفسير القصيدة، وبدلا من ذلك، فإنه سيكون مشغولا بالاندهاش من أسلوبية التأليف الشعري، الذي لا شك يعكس باعا طويلا لدوريان في الكتابة والقراءة، لكن وأكثر من ذلك، فإنه أيضا مرآة لمفهوم شعري متطور لا نزال كعرب، وبشكل عام، بعيدين عنه. فالحياة التي تعكسها القصيدة عند لوكس، هي حياة خاصة، تتألف تحت منزل واحد، وتتطور ويكون لها أبعادها وفلسفتها البديلة عن فلسفة معرفية او ورقية، وبذلك تتشكل المستويات الجمالية عند الشاعرة من خلال إعادة كتابة الحياة، بتأطيرها شعرا. وربما ليس هناك أكثر من إنسان واحد يشاطرها التفاصيل، وهو الزوج أو الحبيب، إضافة إلى دلالة مثلا على الخارج الحي أيضا (امرأة تغني على سبيل المثال) “من نافذة زوجي أسمع امرأة تغني بصوت منخفض/ أغنية يفترض أن تينع عند سماعها آلاف القلوب/ زوجي، مستوحدا، يرافق الأغنية، مشتتا الكلمات والنغمات، إنما محتفظا باللازمة./ هذا أصعب ما في الزواج: تلك المعرفة. تشذيب الزهور،/ تلك المعرفة. إزالة الأوراق الميتة./ أقف على الدرج لكي أستمع إلى صوته/ الذي انقطع فجأة، قبل أن يستأنف الغناء”.

الاقتصاد في إشراك الكائنات الحية معها في القصيدة، ينسحب على كون دائرة عيشها لا تشترط بالضرورة إقامة علاقات تتفرع وتتضارب، وبدلا من ذلك، فإن الكم القليل لمن يحيطون بها (الأب/ الزوج/ الإبنة/ صديق الإبنة/ الصديقة/ الشريكة أو زميلة العمل/..إلخ)، يؤمن لها في المقابل حيزا واسعا لتأمل العلاقة وبعثها مرة أخرى بأشكال متعددة في مخيلتها. ولذلك فإن البحث عن المعنى من خلال التنقيب في بساطة العلاقة أو تعقيداتها على السواء، لا بد وأن يتجلى في أعلى مستوياته. والمعنى ينأى عن قيمة الشيء المادي المستخدم كأداة حسية في القصيدة، إذ مهما بلغت الأشياء المنزلية من تفاهة، أو بهتان، لا بد وأن نكتشف، إهتماما خاصا لدى لوكس في إحاطة كل من تلك العناصر أو الأشياء بمهمة تجعلها شريكا في الحياة، كأحد مقومات القصيدة “نركب قطع الأحجية واحدة بعد الأخرى/ ونحب كيف بسلاسة تتخذ كل قطعة/ مكانها في داخل الأخرى./ لطخة صفراء تصبح مكنسة/ وقطعتان زرقاوان تكملان السماء/ نجمع معا أرجوحة الشرفة وأشجار الخريف/ واضعين الألوان الذهبية مع اللون الذهبي/ نحمل عيني الغزال براحاتنا/ ونؤلف فردتي حذاء بني”.

يكون البناء للفرح، لحظة بلحظة، وكذلك الحزن، الخيبة، الفقدان (أو استشعاره أو التنبوء به)، وكلها تبدو أحيانا كثيرة ماثلة في النص الشعري نفسه، وكأنها نوع من تراجيديا خفيفة لا تكف عن المواراة، بل ومهما حاولت الشاعرة، لتغطية قلقها بطبقات اللغة السهلة، والصعبة التركيب في الوقت نفسه، لا بد وأن تتبدى مشاعر سوداوية، لتطل برأسها معلنة ما يجول في خاطر الشاعرة، ومن هنا فإن المجاهرة بالفرح أو المسرة في نصها الشعري، لا بد وأن تخترقه إحدى مجندات الحزن، أو مترادفاته، أو اشتقاقته.

الشاعرة، صدر لها مؤخرا ضمن أنطولوجيا الشعر الأمريكي، مختارات شعرية بعنوان “وحيدة في غرفة أمسح الغبار” (دار الجمل ودار كلمة- ترجمة سامر أبو هواش). عنوان لا يقل بساطة عن محتوى القصائد، لكن دون أن يطأ السذاجة، أو أن تزحط جملته في المتتالى اليومي المستعاد في القصيدة، كأحداث عابرة مثلا أو ذكرى أو تفضيل مديني أو منزلي ما يحرض أولا على الكتابة الشعرية.

ولدت دوريان لوكس في أوغوستا (ماين) عام 1952، وشغلت مهن عديدة بين طاهية، ومديرة محطة بنزين، وخادمة وغيرها من الوظائف التي مكنتها من استبصار الطبقات السفلى، والحياة المعتمة لأفراد فقراء، يكافحون من أجل العيش ومن أجل تحقيق كينونتم في موازاة الضغط اليومي الهائل الذي يفرض عليهم. وهذا ما لعب دورا حاسما في التمسك بكيانها الانساني (ليصبح كيانا شعريا بحد ذاته، أو محورا لكيان شعري)، كما جعل من عالمها الشعري عالما مختصرا، المكان فيه والوقت يقومان على علاقة ما بين عدد ضئيل من الكائنات البشرية. هذا إضافة إلى العامل الأبرز وهو طفولتها والذكريات التي لم تكن جميلة، وهي طفولة قام الأب بتشويهها من خلال معاملته السيئة لها كما ولأختها وأمها.

لوكس هي مؤلفة كتاب “حقائق حول القمر” عام  2005 ، الحائز جائزة أوريغون للكتاب، والذي ترشح أيضا لجائزة “ناشونال بوك كريتيكس سيركل أوارد”. مجموعاتها الأخرى تشمل “دخان” (2000)، “ما نحمله معنا” (1994)، و”يقظة” (1990) الذي كان مرشحا لجائزة نقاد خليج سان فرانسيسكو لكتب الشعر. (San Francisco Bay Area Book Critics Award )، وقد ظهرت قصائدها في العديد من المجلات والمقتطفات الأدبية الأمريكية. ولها بالاضافة لهذه المجموعات الشعرية الأربع، كتاب “الدليل إلى متع كتابة الشعر” (بالاشتراك مع الشاعرة كيم أدونيزيو) وصدر عام 1997. ترجمت قصائدها إلى الفرنسية، والايطالية والكورية والبرتغالية والبرازيلية، والرومانية. وعن أعمالها، قال الشاعر طوني هوغلاند، بأن قصائدها “تعبر عن امرأة امريكية ناضجة، واضحة وعاطفية، متألمة، تتضمن حياتها مراحل اجتماعية وانسانية مختلفة، بين أمومة، وعمل، وحب وجنس”. وهي بذلك امراة اختزلت عدة نساء كل واحدة منهن لها هوية اجتماعية وتجربة خاصة، لهذا يرتفع شعرها من كل تلك الأماكن الانسانية المظلمة، ليبدو حيويا وطازجا، متألما وقلقا، لكن بجاذبية شديدة. حازت على العديد من الجوائز منها جائزة “بوشكارت برايز”، وجائزة “إديتورز شويس III” إضافة إلى منحة دراسية من المؤسسة الوطنية للفنون. مارست التدريس في جامعة ولاية أوريغون ضمن برنامج الكتابة الابداعية. وتعيش الآن مع زوجها ، الشاعر جوزف ميلر ، في رالي (نورث كارولاينا)، حيث تعمل في جامعة ولاية كارولينا الشمالية ضمن برنامج أعدته وزارة الخارجية. دوريان لوكس تلقت دروسا وشاركت في ورشات عمل حول الكتابة الشعرية، في موازاة قسوة الحياة التي كانت تعيشها. وكانت تكتب الشعر في أوقات الفراغ وأحيانا كثيرة، خلال فترات الاستراحة. ومع انتقالها إلى بيركلي عام 1983، بدأت تمارس الكتابة بشكل جدي. عادت إلى الدراسة ولها بنت في التاسعة من العمر. لتتمكن من الحصول ربيع 1988، على شهادة بكالوريوس، في اللغة الانكليزية من جامعة ميلز، مع مرتبة الشرف.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

تشارلز بوكوفسكي.. الشعر رافضا المعادلات الثقافية

المختارات الشعرية الصادرة حديثا لتشارلز بوكوفسكي، عن دار كلمة ودار الجمل، تشكل نوعا من إضاءة مختلفة عن كل ما سبق ونشر من ترجمات لهذا الشاعر. وقد حملت عنوان “الحب كلب من الجحيم” (ترجمة سامر أبو هواش)، لتلقي المزيد من الأسئلة لتعريفنا أكثر ببوكوفسكي الأكثر إثارة للجدل، والشغب في المقابلات التلفزيونية والمحاضرات. وهي اختزلت قصائد من أعمال بوكوفسكي التالية: ” الاحتراق في المياه، الغرق في النار”، “الأيام تعدو هاربة كجياد جامحة على التلال”، “الحب كلب من الجحيم”، “الليلة الأخيرة على كوكب الأرض” و”أكثر ما يهم مهارتك في عبور النيران”.

لا ينفصل مسار حياة الشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي، عن شعره. فإذا كان تأطير الذاكرة الخاصة، باللغة المناسبة، المتثاقفة والمتوارية في الرمز والابهام، بمثابة تقنية لا يفلت منها معظم الشعراء، حتى لتصبح أحيانا شرطا لقبول القصيدة، على اختلاف منهجها، فإن هذه المعادلة لا يقبل بها بوكوفسكي، أو قل لا يلتفت إليها من الأساس. لأن الشعر عنده لا يحتمل مفهوم الصناعة، بقدر ما يحتمل انتقال مدبلج لصناعة جاهزة. وهذه الدبلجة أو الترجمة التي تجعله أحيانا كثيرة غير آبه بمرسى قصيدته، على المستوى الشعري، وليس السردي، تخضع دائما للشخصي، فتؤلف وعيه الشعري كموقف من حياته العالق داخلها أولا، وهو موقف ينسحب لاحقا على حياة مفترضة، في الضفة الأخرى تماما، لربما كان مقدرا له عيشها لولا بعض تفاصيل طفولته ومراهقته.

لا يمكن لنا قراءة تشارلز بوكوفسكي الشاعر دون أن نتوقف عند ذلك المناخ الداخلي، لقصيدته، والذي يتوجب علينا رفعه إلى مستوى السر، للتآلف مع المكتوب شعريا، إن لم نصدق أنه شعر. لأن الصناعة الأوتوماتيكية للقصيدة، يجري العمل عليها من خلال تجربة ذاتية، تشترط الفشل، أو متتالية الانكسارات كمحفز لشحنها، وتغذيتها بالطاقة التي تتصيد المحسوس، والمعيش، لإطالة مساحة النص الشعري، وهيكله في بعض الأوقات. ما يكفي لأن يصير الشعر، اللامنبري، منبرا داخليا، نفسيا لا يخرج إلينا عبر الصوت، بل عبر التأمل.

صوت تشارلز بوكوفسكي الشعري، الأعلى، يختزل أصواتا خافتة أو عديدة. وعندما نتحدث ههنا على الأصوات، فذلك ليس على مستوى مجازي، بل مادي بحت. هو صوت عام، يتلمس بأصابعه شريحة من البشر، المظللين بالأسى والبؤس والتشرد والفقر المدقع. ولسخرية القدر، إن أولئك ربما لم يتح لهم فرصة شراء بعض من كُتب بوكوفسكي وقراءته، منذ قصيدته الأولى التي كتبها متأخرا في الخمسة والثلاثين. لذلك فإن تشارلز بوكوفسكي جعل من العالم السفلي ذلك، محترفا شعريا لتعميم ألمه في غيتو وجده جاهزا وملائما له وحقيقي.

يمكن القول بأن تقنية بوكوفسكي في الكتابة الشعرية، تضعنا أمام مساءلة من عيار ضخم. فهل نحن فعلا مهيؤون لاستقبال الشحنة العاطفية الشعرية، التي تملأ جانبا من القصيدة، قبل بداية القراءة؟ هل يعمل الدماغ على تهيئتنا من قبل منطقة اللاوعي لحظة دخولنا على قراءة شعرية، وبالتالي نتجهز لاستقبال المقروء؟..أم أن المقروء بحد ذاته، هو ما يحفز النشاط النفسي والعقلي نحو التفاعل مع العاطفة من خلال ما سوف نستقبله لاحقا في القصيدة؟ سيحق لنا إطلاق مثل هذه الأسئلة، سواء أحببنا بوكوفسكي المؤسس لتوجه مغاير في الكتابة، أم لم نتفق مع منهجه، أو لم نحب بالمطلق.

لم يكترث بوكوفسكي، لرواد الشعر الأمريكي الذين عاصروه، وسبقوه إلى الشهرة، كبوروز وكرواك وغينسبرغ وكورسو وفرلينغتي باحتكامهم للانصهار في كانتونات أو تيارات أدبية (the beat generation) أو شعرية لم تلبث وأن تسلحت بالايديولوجيا كمبرر يسند لغتها الشعرية، أو الأدواتية من أي ريح عاتية أو تغييرية في المستقبل القريب. كان الجميع آنذاك مدركا لدينامية العجلة السياسية وتحالفات الدول والتسلح الشديد الكلفة. تلك كانت عواملا تطحن أمما وترفع من شأن أخرى، منذ مطلع القرن العشرين والحربين العالميتين. وغني عن الذكر ذلك الكم من النظريات والرؤى السياسية التي طفت على صفحة العالم، نحو السيطرة على أدوات الاقتصاد، ومصادر الطاقة والمواد الأولية للصناعات الثقيلة. كان هناك سباق مخيف نحو احتلال الكوكب، إيديولوجيا أو استراتيجيا. لكن بوكوفسكي، لم يكن مهيئا للالتفات نحو كل ذلك. وذلك بسبب العزلة التي فرضتها عليه تفاصيل عدة من حياته مذ كان طفلا، ومنها تلك العوامل التي عززت شعوره بالدونية: وضع الأب الاجتماعي بعد الكساد الكبير عام 1929، ونوبات الضرب المتكررة لبوكوفسكي الصغير، حتى يضطر أخيرا إلى منازلة أبيه ندا لند، ليتبادلا اللكمات، وليتوقف الأب بعد ذلك، عن ضربه. موقف الأم التي لم تكن لتتدخل ما بين الأب والإبن. إصابته بانتشار مرض حب الشباب في أنحاء متفرقة من جسمه، الأمر الذي أزال خلايا وجهه القبلة للتجديد، ما سيضعه على الدوام خلف قفص وجه قبيح، يصعّب علاقته بالاصدقاء والفتيات والعالم. محيطه الفقير المهمل بسبب تركه الجامعة، وعمله في عدة مهن جعلت منه كائنا يتعرف إلى خلايا المجتمع المقهورة والمهمشة، ما سيدفعه قدما نحو محاولة اختراق صورة العالم النقي بكتابات لن تقبلها الصحافة الأمريكية أول الأمر قبل أن يتم ترجمة أعماله الى الألمانية واللغات الأوروبية الأخرى. ليظل معزولا الى حد بعيد داخل أمريكا.

لن يكون بوكوفسكي، آتيا من إحدى خلاصات الإيديولوجيا. فهو شاعر ذو خلفية سوسيولوجية قائمة كجزء من الواقع، تتفوق على أي اجتهاد فكري محتمل لتأسيس تيار شعري أو التأثير بحركة فنية ما. هذه الرقعة السوسيولوجية لن تلبث وأن تكرس نفسها، وجوديا، بأن تظل عنيدة، وساعية الى الحياة، كأي مجموعة بشرية مؤدلجة. وهي بذلك رقعة وضيعة، يُنظر إليها كطفيلي مجتمعي، أو غير جدير بالحياة. وهذا ما أخّر قبول المجتمع الأمريكي العام، لشكل فني- شعري، ينقل الجملة إلى وظيفة أخرى، تكشف أكثر مما تضلل تحت ذريعة الصياغة والجمالية والابتكار. الشاعر الامريكي الذي غُيِّب طويلا في أمريكا بسبب مغايرته في الأسلوب، وفرادته بطريقة كتابة عنيدة وصعبة القبول لبساطتها، فإنه لم تكن قصائده لتتنازل عن أشخاص محيطه، أراد أن تعيش قصائده كما يعيش هو حياته. بقي أن امتداد روح القصائد، يتخطى كل حقبة ممكنة. لأن الحياة لن تنحاز بالمطلق لشريحة اجتماعية دون الأخرى. ولأن العالم لا يمكن أن تحتويه فئة واحدة من أفراد يحيون على مستوى واحد.

كان بوكوفسكي يغرد في غابة أخرى، غابة أكثر عريا، وبردا وتنقلا، وهي لا تتيح الفرص ولا تحمي ساكنيها، بقدر ما تستدعي آلية أصعب للبقاء، وهي الغابة الأكثر وضوحا من النظريات الخاضعة للجدال أو للتبدل في استراتيجيات السياسة والاقتصاد، أو الفكر. لذلك، فالشعر لا يشكل حالة منعزلة عن التنفس. والشعر الذي يصل إلينا محمولا على طبق من البساطة، والسلاسة وتناغم الصور، يشترط المرور بأقسى مراحل الحياة وتجاربها، غير أنه بدلا من أن يكتفي بكونه لسان تلك القسوة، نراه يتجاوز كي يتفرد صانعا كيانه الخاص ووحدته الجمالية، التي لا تضاهيها وحدة أخرى، لسبب بسيط هو أن شاعرا ما لن يقدر على العيش كما بوكوفسكي.

لم يجعل بوكوفسكي من حياته منطقة مسيجة بلقب الشاعر. فهو لم يكترث بتاتا لتلك المكانة التي توفرها عادة المجلات الأدبية، أو الدراسات او المقابلات الصحفية والتلفزيونية، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن علاقة الشاعر بقصيدته، كانت على مستوى رفيع من الذاتية، رغم ان تعميمها على الجمهور، وقدرتها على التأثير، لم يشكلا العامل الذي يمكن لأي شاعر ان يتسلقه نحو المجد. فبوكوفسكي لم يتسلق الأكتاف نحو الشهرة، بل على العكس. الشهرة هي من زحف بحثا عن ذلك التشارلز بوكوفسكي. وكانت أفعاله العلنية، أثناء المناقشات الجامعية، او الأمسيات، تقرب الناس منه. ذلك لأنه لم يكن سوى الجزء الموجود داخل كل منا، والذي نخافه جميعا، وهو الجزء الوقح أو قليل التهذيب. فتراه يدخل ذات مرة، مثلا،  إلى إحدى القاعات ليلقي شعرا، فيبدأ بالصراخ على الجمهور: “أعطوني أموالكم، أعطوني أرواحكم”. في النهاية، فنحن قد نقرأ قصيدة لبوكوفسكي، ونضحك. لكننا لن نعرف أبدا ملامح وجهه، الملونة بالألم المؤكد، عند كتابتها.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

تيد كوزر مترجما إلى العربية: نبرة التفاصيل

أنطولوجيا الشعر الاميركي التي قام بترجمتها الشاعر سامر أبو هواش ضمن خمسة عشر مجلدا، في سابقة مشتركة ما بين دار كلمة ومنشورات الجمل، تضمن لنا التعرف على بعض كبار الشعر، في أمريكا. واحد من اولئك هو الشاعر المعاصر تيد كوزر المولود عام 1939 في مدينة آيمز بولاية آيوا. والحاصل على لقب “شاعر أمريكا المتوج” من قبل مكتبة الكونغرس عام 2004، وجائزة البوليتزر الهامة في العام التالي عن كتابه “مسرات وظلال”. والحقيقة أن هذه الأنطولوجيا العملاقة، بما تضمره من عوالم شعرية لكل منها هويته الخاصة، ولغته، تعيد لنا إلى الأذهان السؤال الأول حول كتابة الشعر والتفتيش عن طريقة كتابة خاصة بنا، ولغة تتصيد كل ما هو مؤثر علينا، لتضعه في قلب العمل الفني ككل. كما تجعلنا نرفع القبعة لدار كلمة ومنشورات الجمل على تبنيهما هذا المشروع الكبير، وللمترجم أبو هواش الذي استطاع وبأمانة شديدة أن يقدم إلينا الترجمة التي تحرص على الحفاظ على المعنى، كحرصها الحفاظ على لغة الشعر. الأمر الذي يشعرنا ونحن نقرأ هذه الأنطولوجيا، بأننا أمام لغة العمل الأصلية وليس المنقولة.

كما يبدو في المختارات المعنونة بـ “ليل ينبت تحت الأظافر”، فإن الشعر عند تيد كوزر يشبه سيرة حياة. لا يمكننا أن نقرأ هذا الشاعر الطيّب من دون أن تستوقفنا احتمالات ما عاشه خلال حياته. فشعر تيد كوزر لا يأتي معجونا بالتخييلات الثقيلة، أو الايديولوجيات السياسية او الطروحات الفكرية الأكثر نشاطا في أمريكا. الشعر البسيط الذي يقدمه للقارئ، يستطيع بفضل تأنيه في كتابة القصيدة، من أن يفلت من براثن هذا القارئ الحاضر قبل حضور القصيدة. تيد كوزر ينجح بشكل كبير في إيقاظ هذا التوازن، من المخيلة، ليضعه على الورقة، من خلال قصيدة ذات حجم صغير، لكنه لا يتنازل عن كينونته الشعرية، محافظا بذلك على كيان القارئ البعيد واحترامه. ومن ثم الارتقاء بذوقه الشعري نحو ما تستوجبه لعبة الشعر. إنه الشعر الذي يحلم الكثير من الشعراء بكتابته، ونحن لا نتحدث هنا عن مضمون القصيدة، ولكن عن المستويات الجمالية التي تبلغها من خلال التوفيق بين عمق المعنى وسلاسة اللغة كمكوّن جلدي يكسو القصيدة، ويمنعها في الوقت ذاته من البهتان أو التفسخ بفعل القراءات المتعددة.

المكان لا يمثل في شعره ذلك الحيز الفيزيائي الذي يتيح للمرء التحرك داخله. لأنه مكان يفتش بدوره عن هوية له، أو خصوصية تشيحه بعيدا عن أثر الزمن في مفاصله. وفي قصيدته، غير مسموح للمكان بأن يكون مستقلا عن تنقل الأشياء الصغيرة، أشياء العالم الخاص بالشاعر الأمريكي. قصيدته المقدمة إلينا من خلال المختارات المترجمة، تتيح لنا التعرف على لغة شعرية لا تشاكس، ولا تصطدم بالمحيط، بقدر ما تتأمل فيه وتحاول رفعه إلى مستويات أعلى من دلالته المادية. الشاعر لا يبدو ثوريا لجهة اعتماده تأملات فلسفية عميقة أو مبهمة كما هو حال الكثير من شعرنا المقروء. فهو الشعر الذي يقدم ذاته كما هي، يقدم عيشه وهواجسها الهائلة من دون ان يثقلها بالكآبة أو بتأفف من السياسي أو الوجودي أو الروحاني. وهو كذلك لا يصطدم بالمجتمع كحالة عامة، تحال بفعل تفاضل الشاعر على المستشعر به، إلى مستوى الأدنى أو الأقل فهما للواقع.

ما يثير الدهشة هو قدرة هذا الشعر على رفع القارئ بخفة وبساطة، إلى آفاق مغايرة، غير متوقعة، دون إجهاده أو دفعه إلى الغوص في المعاني والاستعارات التي تشكل قراءتها بحد ذاتها إرهاقا. نجد أن الحياة هي مؤلف شعري جاهز، وما عليك سوى استخدام حساسيتك لتتشكل أمامك، وأنت المدفوع بالفكرة، آلاف القصائد التي تتنافس على الحضور في المخيلة أطول فترة ممكنة. والحساسية العالية هي المفتاح السري الذي يُمكّن الشاعر من النفاذ الى قلب الأشياء المحيطة في عالمه ومن ثم إيجاد أو محاولة نسج علاقات ما بينها أو كشفها للقارئ، بعين دائما شعرية.

لا يستطيع أي كان من الشعراء، أن يتبع تقنية تيد كوزر في الكتابة، لأنها تشبه تقنية إنتظار السمكة لأن تقفز فوق الماء لالتقاط الطعم الناشف. وعلى قدر ما تبدو هذه الفكرة مستحيلة، تعيدنا قصيدة كوزر إلى السؤال عن مدى صبر هذا الشاعر النحيل والشفاف، لالتقاط أطراف قصيدته أو ملامحها الجينية الأولى والتشبث بها ومن ثم إدخالها إلى مصنعه الخاص. وبالفعل، فإن ما نحاول قوله هنا، يعتمد بشكل أساسي على حقيقة أن كوزر لا يخجل من كونه يضع القارئ في ذهنه، أول يجلس أمامه قبل جلوس القصيدة على الورقة. الأمر الذي يعتبره الكثيرون إشارة إلى عيب مؤكد لا بد أن يصيب بنية القطعة الشعرية، بل ويحجم أفقها، كما من شأنه أن يضعها في قفص الذوق الشعبي العام.

لكن الزمن بدوره، لا يكون موجودا بمعزل عن ميكانيكية ترابط للأشياء الساكنة وتؤلف لها حياة، أي انه الزمن الذي لا يمكن الاستدلال على حيويته إلا من خلال إيجاد الرابط ما بين عناصر شتى تمثل الجوار القريب للشاعر. وتيد كوزرلا يكتفي بصورة هذا الجوار الحسية، إذ يقفز فوق كل ما هو قريب ليبلغ أمكنة سابقة يتحدث عنها في القصيدة، أو ليبلغ حروفا عينة من صفحة ذاكرته، ليعيد تشكيلها وضخها بالنضج الفكري والفني على السواء. وهي حروف لا شك وأن اختبارها لم يفت أيا منا، كالفراق، والأمل، وفحوى الوقت، ومعنى الموت، والحياة، وملامح الريف. كذلك التأمل، والتقاط العابر واليومي، للأشخاص والاصدقاء والعجزة والجيران الأقرب والأكثر بعدا. لوضع كل ذلك بعد هنيهة في دلالة شعرية.

الشعر يُعطى مهمة اضافية وهي محاولة وصل الأشياءالجامدة أو الفاقدة الحياة، بحياة سابقة. حياة كثيرة التشعب الأمر الذي يعيدها بفضل الاستعانة بالحيوية المتخيلة، لتنشط في القصيدة، كحصان مطيع جدا، يحمل الشاعر، إيجابيا نحو تمديد المعنى، عبر شحنه بتفاصيل إضافية واستعارات.

لا يستغرق الشعر الكثير من ماديات أو ملامح حياة المدينة في زمن حاضر، بل هو شعر لا يترك الغابة وعناصرها جانبا. لأن تلك أيضا تشكل جزءا من حياة الشاعر، إلا أن شعره هو أكثر اتساعا وأفقا من حيز عيشه أو جغرافيته. رومانطيقية الشاعر، لا تشبه أي رومنطيقية كلاسيكية، لأن آلية التعاطي مع عناصر هذه الرومانطيقية (الشجرة، العصفور، الفصل،..) تختلف عما كان مستعملا سابقا. وهي آلية تجنح نحو إعادة تركيب الأشياء وحياكة علاقتها ببعضها البعض. ما يتيح للشاعر التوغل نحو مغزى هذه الطبيعة وأثرها على حياة إنسان القرن العشرين والواحد والعشرين، فهي لا تزال قادرة على احتلال مساحة هائلة من رؤيا شعرية متفردة، وجميلة ومستقلة من دون أن يوقعها ذلك في فخ خطابية العاطفة، قبل خطابية اللسان والكلمة.

اضافة إلى مجموعاته الشعرية العديدة، كـ”مكان الاسم الفارغ”، “مقاطعة العشب”، “عشرون قصيدة”، “سكن محلي واسم”، “كل عالم على حدة”، “أصوات العاصفة الثلجية”، “سنترال الطقس”، “كتاب الأشياء”، “نزهة مع الكولونيل كارتر”، “مسرات وظلال”، “الطيران ليلا:قصائد 1965-1985” و “عيد العشاق”. فإن لكوزر كتابا عنوانه “كتاب تعليم كتابة الشعر في المنزل: نصائح عملية للشعراء المبتدئين”. ونحن لم يتسن لنا الاطلاع على هذا الكتاب، لكن على ما يرد في مقدمة ابو هواش، فإن الكتاب يتضمن آراء لكوزر حول الشعر وكتابته. عنوانه الذي يبدو شعبيا، لا يترك مجالا للشك بأن هذا الشاعر يقدم من الشفافية ما يجعله يطرح فكرة آلية تقنية شعرية، تتيح للمبتدئ في كتابة الشعر، هداية نحو الطريق الكوزري. لكن الكتاب، وعلى طرافة ذلك العنوان وغرابته، فإنه يشترط موهبة كتابة الشعر. لكنه يدقعنا إلى فضول معرفة آراء هذا الرجل الذي يؤثر العيش ببساطة في مزرعته الى جانب زوجته وكلبه. وينتظر كل صباح، أن تأتي قصيدة لتحط في دفتره، ولو أنه حظي بعشر قصائد في السنة، فذلك عنده أكثر من كاف. إن قراءة تيد كوزر هي اكتشاف يبعث على الخفة والفرح، ويجعل لأقدامنا الصغيرة كم هائل من الجماليات البعيدة، التي نمشي باتجاهها دون أدنى مشقة.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

موت سيلفيا بلاث

لنبدأ من المشهد الأخير لقصة حياة سيلفيا بلاث، الشاعرة الأميركية التي لا تزال محل دراسات وأبحاث للعديد من مهتمي الأدب والشعر بشكل خاص. امرأة في الثلاثين من عمرها، متزوجة من أحد أهم شعراء امريكا القرن العشرين، ولها طفلان، تضع رأسها في الفرن، بعد أن تفتح الغاز، لتموت انتحارا. الكثير يعرف هذه القصة. إلا أننا نظن بامكانية قراءة الكثير من خلفية بلاث الاجتماعية والنفسية، بالتأمل مليا في المشهد الأخير. الانتحار بحد ذاته يشكل أسطورة للبعض، بمعنى صعوبة تحقيقه، في حين يكون للبعض الآخر ملجأ أخيرا، أو ملاذا للتملص من فكي الحياة، أو ما تختزنه هذه الحياة. البعض يختار انتحاره بابتلاع الأدوية مثلا، أو الشنق، أو شق شريان يده، وإلى ما هنالك من أساليب. غير أن ما يبدو مشتركا بين كل تلك الأساليب هو انعدام طريق العودة، أو التراجع نحو الحياة مجددا. فالمنتحر يختار عادة طريقة لا تتيح له التراجع عن قراره حين يصل الجسد الى مرحلة متقدمة من الألم والخوف تجبر الجهاز العصبي على إصدار أوامره للجسم بتحرير نفسه سريعا من هذه الحالة. هذا معروف كحالة من الدفاع الآلي الذي يوفره الجهاز الجسماني اوتوماتيكيا لنفسه. لذلك فإن ما يهم المنتحر هو أن يدخل نفقا لا يستطيع على الاطلاق اخراج نفسه منه وحتى ولو اراد ذلك في إحدى أشد مراحل الجسم حرجا لقوة الارادة. من هنا، يمكن لنا ان نقرأ بعض ملامح حالة سيلفيا بلاث الأخيرة من خلال طريقة الموت المختارة، والتي نظن بأنها طريقة النفق ذي الاتجاهين، واحد نحو الموت والآخر نحو الحياة. ان طريقة الموت بحشر الرأس داخل فرن غاز، وفتح القارورة، تؤدي الى تشبع الدم بالغاز شيئا فشيئا، يترافق ذلك مع تدن حاد في مستوى كثافة الأوكسجين التي يحتاجها الجسم لامداد الخلايا البشرية بالطاقة.

هنا يلجأ الجسم ومن خلال الرسائل العصبية التي تتكثف وتتسارع بشكل هائل، إلى الابتعاد عن مكمن “الخطر”. وقد يدخل الدماغ في هذه اللحظة في صراع ما بين خيار الاستمرار في هذه الحالة، او التراجع عنها. يبدو هنا ان المرء في هذه الحالة، يتذوق قارورة الموت الهائلة، بالملعقة. أي بجرعات صغيرة لكنها متلاحقة وسريعة. يدرك المرء مراحل الموت في هذه الحالة، ويستطيع اختباره كمشروع لقصيدة ناجزة (كما في حالة انتحار شاعر او شاعرة كسيلفيا بلاث)، أو كمشروع عمل فني أخير (كما في حالة ارنست همنغواي الكاتب الامريكي الذي انتحر عن عمر يناهز الثانية والستين). هذا لأن القارئ لما هو متوفر من سيرة حياة الشاعرة بلاث، لا بد له وأن يدرك مرارة هذا الأمر. فالموت يأتي كحدث أخير، أو كواقعية أخيرة في سلسلة الحياة المتعثرة على أكثر من صعيد. وهو موت متمم لما كتبته الشاعرة من قصائد عن هذا الموت، كما ولأثر موت أبيها المبكر (كانت لا تزال يومها في الثامنة من العمر)، على حياتها لاحقا، وهو الموت الذي سيظل سؤالا كبيرا يؤطر حياتها العامة. وهو كذلك موت اعترافي. شخصاني بحت، ولا يمكن إلا ان نضعه في خانة القرار الأخير، ليس بمعنى المأساوي أكثر منه الاختباري. لأن طريقة موت بلاث تدلنا على أن الشاعرة اختارت أن تمر بمراحل هذا الموت كافة، قبل اللالتحام مع هذا الموت نفسه كحالة شعرية قبل كونها حالة توقف الجسم عن العمل من الناحية الطبية أو البيولوجية. نحن نتحدث هنا عن حصة الموت من زمن حياة بلاث، ولم ندخل بعد في بعض تفاصيل حياتها الخاصة وتحديدا علاقتها بالشاعر تيد هيوز، الذي أحبته الى حين خيانته لها في العام 1962، مع آجيا ويفيل، أي قبل طلاق الزوجين وانتحارها في العام التالي. أما آجيل ويفيل فسيتزوجها هيوز لاحقا وستنتحر بدورها بعد سنوات مستخدمة طريقة سيلفيا بلاث نفسها.

لكن السؤال الذي يبقى، هو حول قدرة الموت العجيبة، والانتحار تحديدا، على إعادة الضوء الى حياة سابقة لشاعر او شاعرة. ليصير الشعر موضع دراسة انطلاقا من هذا الموت نفسه او على الاقل طريقة حدوثه. من هنا فإن المختارات الشعرية الصادرة حديثا بعنوان “أكثر من طريقة لائقة للغرق” عن “منشورات دار الجمل” و”دار كلمة” (ترجمة وتقديم سامر أبو هواش)، تقف مجتزأة كيانها، بين كفتي قراءة الشعر مدخلا لقراءة الحياة الخاصة بالشاعرة، وقراءة الشعر انطلاقا من قراءة موت بلاث، ليصير الموت في الكفة الثانية، الشفتين الأصليتين اللتين بهما نسمع شعر هذه الصبية، ونفهمه (أو نحاول).

القارئ لهذه المختارات الشعرية، لا بد وأن يلمح الموت في جمل بلاث الشعرية، أو أن يعمل العقل بشكل مرافق ومستمر أثناء القراءة، على تناول الشعر من ناحية ارتباطه بموت لاحق لبلاث. هذا أسوء ما في أمر انتحار شاعر أو شاعرة، لأن المأزق الصعب الذي يضع فيه الشاعر المنتحر، قارئه، هو مأزق المدخل الذي تتم عبره قراءة الشعر. هل هو مثلا مدخل الفن كفن (وإن لم نفلح بالاجمال في تجريده)، أو هو مدخل الموت، كأحد موضوعات الفن بل وأحد روافده الدائمة باعتبار أنك قلما تجد كاتبا لم يتناول الموت كموضوع أو كهاجس أو حالة موقتة على الأقل.

هناك ملامح عديدة تغذي قصيدة بلاث. منها ما يطبع الشعرية بسبغة تأمل حيادية لمحيطها، لتبدو الشاعرة واقفة في حيزها الخاص، غير قادرة على تفسير معالم ما هذا الحيز. السؤال يحضر ضمنيا هنا، ولا يأتي معلنا عن كينونته. لكن العجز الذي يطوق الشاعرة لا يعبر عن انكسار بقدر ما يحال على اللامبالاة. ليجري تصغير العالم الذي تقف بلاث على هامشه. من هنا تبدو لبلاث القدرة الواضحة، في تحويل انكسارها موقتا، إلى حالة من التحكم بالزمن، وبشيئيته المتحركة في الطبيعة، وحول المنزل، وفوق الشجرة، وداخل النفس، وفي المطبخ كما في قصيدة “غراب أسود في طقس ماطر” (أدع الأوراق المنقطة تسقط كما هي/ بغير دهشة أو حفاوة). يصعب قراءة قصائد سيلفيا بلاث، بمعزل عن القسوة التي تتشظى في أكثر من اتجاه، والتي لا بد وأن تصيب وتحفر دهشة في عيون القارئ، ذلك بسبب تآلف الشاعرة مع حزنها، وكأن كآبتها التي اصطدمت معها وهي بعد صغيرة، لا تزال حاضرة تتنفس تخت طبقات رمادية من الفرح، أو المتعة القصيرة، كما في قصيدة “تولد ميتة” (لن تعيش هذه القصائد: يا للتشخيص المحزن/…/تجلس بلطف في سائل التحميض/ تبتسم وتبتسم وتبتسم لي./ ومع ذلك رئتها لا تعمل/ ولا قلبها ينبض). الأمل الخجول الذي تقف من خلاله أمام ذاتها، لدفعها قليلا باتجاه العادي أو المدني، نجده في العديد من قصائد بلاث كما في “ارتداد” (فاذهبي الى شبابك الغرّ/ قبل فوات الأوان/ وأحسني استعمال/ يديك البيضاوين). كأنه دعوة كذلك لتكريس الحياة عبر التعرف عليها، تارة، وعبر تأجيج حضور الغرور، الذي يترافق مع رغبة شديدة بالسيطرة على مفاصل حياتها العامة، وبالخصوص الزوج- الحبيب الذي لا يُتمم حضوره المادي إلا بشرط وجود بلاث نفسها. وكأنه الحب الذي لا يمكن استشفافه سوى من مكان واحد، هو نفس الشريك. ففي قصيدة “المستغرقة في ذاتها تناجي نفسها”، نجد أن بلاث هنا، تقف موقفا معاكسا لسلطة الذكوري، إذ نجد أن حياتها الافتراضية في القصيدة، تأتي وكأن الوعي الشعري يمتزج بالرغبة- الحلم في تحقيق استقلالية، أو هامشا أكبر يتيح لها التحرك بعيدا عن الألم. أما في قصيدة “مشهد”، فإن بلاث ترصد الحياة من خلال الذبول وخفوت الضوء، واعتلاء الظل خشبة وعيها الشعري (بينما على غصن مرقط/ يجثم غرابان أسودان/ ويرسلان نظرة سوداء/ ينتظران هبوط الليل/ بعيون ثملة/ شاخصة نحو عابر سبيل/ يعبر وحيدا في آخر المساء). هذا يعني أن بلاث عرفت مفاتيح النفاذ الى معنى الوحدة والألم من زوايا عدة، وذلك لم يكن بتجريد الألم، من صلته الرومانسية بالأشياء، فأي شيء لم يكن مسموحا له بالتحرك بعيدا عن عالم بلاث الشخصي. إذ إن كل تأليف أو نظام طبيعي للموجودات، لا بد وأن يتم “ادراكه” باستخدام كودات بلاثية تتعلق بخلفيتها الاجتماعية ورؤيتها للحياة والأمل والموت، تسمح لها بتصريف الألم الشخصي، داخل مشهديات تعيد الى الواقع حيويته، لكن بانتقاص ملحوظ. فهو واقع مفتقد البهجة، يفوته الاعتراف بالحلم أكثر ما هو وسيلة مصورة لتكريس حقيقة ما أو حالة احباط معينة. لكننا لا نزال نرى بأن قراءة سيلفيا بلاث لا يمكن أن تتم بمعزل عن صور الحياة الأخرى- نقيض فكرتنا عن بلاث. ذلك لأن الحالة الابداعية التي رافقتها منذ صغرها، تسبق الموت نفسه، إلا أننا بحاجة إلى البحث في المزيد من أعمالها الشعرية، كي نستطيع تأكيد هذا الأمر أو نفيه. لا بد وأن هناك عالما شعريا آخر، يدور في فلك بلاث، ولم نعثر عليه حتى الآن.

مازن معروف – جريدة النهار 2009