يدا أبي – والعرض الموجز

مقال للناقد فيصل أكرم نُشِر في مجلة “الجزيرة” متناولاً العرض الذي كتبتُه لرواية “يدا أبي” (مايرون أولبرغ) والتي ترجمتُها عن الانكليزية لمشروع “كلمة” في أبوظبي

——————————

هل من الممكن أن تكتب عن عمل أدبيّ دون قراءته كاملاً؟ الجواب بالطبع: لا. غير أن ثمة حالات استثنائية تقرأ فيها عرضاً موجزاً عن عمل أدبيّ فلا تملك أمامه إلا المبادرة بكسر القاعدة الافتراضية والتعامل مع (العرض الموجز) كحدث ثقافي أدبي، في حد ذاته، ويستحق التوقف والتأمل ومن ثم الكتابة والإشادة

ذلك ما خلصتُ به فور انتهائي من قراءة العرض الموجز المعنون (عندما تكون لغة الإشارة أبلغ من لغة اللسان) الذي وصلني عبر البريد الإلكتروني عن رواية (يدا أبي) للأديب الأمريكي مايرون أولبرغ، المولود عام 1933 وهو العام نفسه الذي انطلقت منه أحداث روايته، وقد نقلها إلى العربية الناقد الفلسطيني الشاب المبدع مازن معروف، وصدرت حديثاً ضمن أعمال (مشروع كلمة) للترجمة، التابع لهيئة أبو ظبي للثقافة والسياحة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو المشروع الحاصل على جائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية للترجمة مؤخراً، وقد استحق ذلك الفوز بكل جدارة..

ما يعنيني هنا أن العرض الموجز للرواية مكتوب بلغة أدبية رفيعة، ويصف أجواء وأحداث الرواية بدقة متناهية لدرجة أشعرتني أنني قرأتُ الرواية كاملة حتى أعجبت بها (!) وهي حقاً تستحق الإعجاب، فهي تتحدث عن أب وأم من غير القادرين على السمع والنطق (الصم والبكم) يحكي عنهما ابنهما الذي ولد سليماً مكتمل الحواس قادراً على السمع والنطق ولكنه تربى على إشارات من أياديهما حتى كبر وأصبح هو المؤلف نفسه للرواية

ونحن هنا لسنا بصدد سيرة ذاتية طبيعية، فالمؤلف أديب محترف وله أعمال عدة منشورة في كتب، ولكنها لم تترجم قبل هذا العمل، فبعضها حكايات للأطفال وبعضها قصص وروايات وأعمال فكرية نال عنها جائزة تقديرية، غير أن هذا العمل (يدا أبي)، كما يبدو من العرض الموجز الذي قدمته المؤسسة الناشرة كتعريف بالرواية ومؤلفها ومترجمها وعممته على مختلف الصحف العربية، سيشكّل العلامة الفارقة في مسيرة مايرون أولبرغ الأدبية ويجعل منه واحداً من أهم الروائيين في العالم كما أرى، فروايته هذه أحسبها لن تمر مرور الكرام في زحمة الروايات العالمية -بخاصة الأمريكية في هذه المرحلة- لأنها قد لامست فئة لها وجودها في كل المجتمعات (وأعني ذوي الإعاقة النطقية تحديداً) ملامسة لها خصوصيتها وأثرها في تكوين المؤلف نفسه، ولم يحدث أن لامس عملٌ أدبيٌّ روائيٌّ هذا الجانب من الإنسانية بهذه الحبكة الأدبية الدرامية الواقعية التي لا تعرض ولا تقول ولا تحكي ولا تصف بقدر ما هي تبدع في أخذك من مكانك لتضعك في الصورة شاهداً ومراقباً ومتابعاً ومعجباً تغمرك الدهشة والتأملات في معظم الأفعال وردود الأفعال من الشخصيات وتجاهها بالمجمل، فبمجرد أن تتخيل الفكرة أو تتخيل نفسك وأنت في مطلع طفولتك تتعرف على العالم من خلال يديْ أبيك وهو يشير لك بهما عوضاً عن الكلام الذي تستطيعه وحدك ولا تجد من يشاركك به من أبويك، وبمجرد أن تتخيل أنك تكبر وتحتفظ في ذاكرتك بتلك الإشارات اليدوية الأبوية الآمرة والناهية والقاسية والحانية، ستجد أنك تعيش عالماً تعرف أنه موجود من حولك ولكنك لم تعشه قبل معايشتك للرواية التي تتجلى لك في (العرض الموجز) الذي لم أنقل منه أي شيء لأنه منشور في أكثر من مكان.. وقد ذكّرني ذلك بالعرض الموجز لفيلم (تيتانيك) الذي نشرته بمختلف اللغات المؤسسة المنتجة للفيلم عام 1998 فكان العرض المترجم إلى لغات العالم المختلفة مثاراً لاحتشاد الناس أمام دور العرض السينمائية في كل مكان تتوافر فيه شاشات السينما، ومنهم من كانوا يسافرون من بلد إلى بلد وهم يمسكون بالمناديل طلباً لمشاهدة الفيلم وذرف الكثير من الدموع على تلك الحادثة الأليمة وذلك الحب الذي ولد ومات في البحر، كما مات أكثر من ألف وخمسمائة إنسان كانوا ضحايا الباخرة المنكوبة..

أذكر في تلك الفترة مقالة افتتاحية لإحدى المجلات الثقافية العربية كانت تتحدث عن الفيلم بكثير من التأثر والإعجاب، وبالتحليل الأدبي والفني والنفسي والثقافي، ثم في ختام المقالة يذكر كاتبها أنه لم تتح له فرصة مشاهدة الفيلم حتى لحظة كتابته لمقالته تلك، غير أنه قد كوّن فكرته عن الفيلم من قراءته لما كتب عنه من عروض موجزة

وذلك ما حدث لي بالضبط وأنا أقرأ العرض الموجز لرواية (يدا أبي) وربما سأكتفي به ولن أبحث عن الرواية، لأن الفكرة قد وصلتني والحالة قد عايشتها من خلال ذلك العرض الذي لا أملك أمامه إلا تقديم خالص الشكر لمشروع (كلمة) في أبو ظبي على ترجمة الرواية أولاً، ثم على العرض الذي كتب بصياغة أدبية وافية وراقية تستحق الإشادة والإعجاب

فيصل أكرم – مجلة الجزيرة 14/6/2012

Advertisements

الثعلب الأزرق – رواية التقشف اللغوي ومينيمالية الموضوع

تقدم رواية الشاعر والكاتب الآيسلندي شون “الثعلب الأزرق” الصادرة عن منشورات تلغرام التابعة لدار الساقي، مفهوما مختلفا في المعالجة الدرامية، سواء من خلال الأسلوب أو ضغط الزمن أو توزيع الحدث على شخوص عدة بدلا من اقتصارها على بطل أساسي، ومحيط ثانوي. والواقع أن الكاتب الذي نال أرفع الجوائز الأدبية للشمال، يقدم للقارئ عموما جملة مقتضبة، تنفلت من أية ضرورات سردية، ولا تتنازل عن كيانها الفني لصالح الثرثرة السردية. ينعزل الفصل الأول من العمل، في أسلوب نثري، مقتضب/ مختزل، وغير بعيد في الوقت نفسه عن سلطة الجملة الشعرية. غير أن ما يعزز من الجمالية ههنا، هو التماثل الدقيق بين الموضوع وتقنية استعراضه. إذ نشهد أولا، مطاردة بين صياد وأنثى ثعلب

وبغض النظر عن احتمالات المعنى والرمزيات الاجتماعية والفلسفية التي تقيم تحت قشرة هذه المطاردة، فإننا نلتفت إلى بعدين. الأول سينوغرافيا المشهد: أرض أفقية نسبيا، عارية تقريبا، تتدخل فيها تقلبات مناخية (النورديك)، وتخترق البعد الثاني مباشرة. وهو البعد العمودي، المرتبط بالقرارات والتفاعلات النفسية لدى كل من الصياد والطريدة، دون إعطاء الأفضلية لواحد منهما على الآخر. هذا التوتر بين الجينة الجغرافية الفجائية، التي تفرض شرطها الطارئ على طرفي المطاردة، وبين المكوّن البسيكولوجي الذي ينعزل كمادة نشطة لا يفاضل فيها الكاتب بين إنسان وحيوان، يتم في لغة حيادية تقريبا، وغير متكلّفة. بمعنى أنها لغة تترك أمر تفسيرها لاحقا كمهمة من حق القارئ. وهي كذلك لغة شديدة التأني، متقطعة، نثرية، تشبه الوطء الحذر على الثلج، ويبدو الكاتب فيها وكأنه استخدم الممحاة أكثر مما استخدم القلم. في علم الرياضيات، يشبه الأمر تحديد مجموعة من النقاط تكوِّن مساراً بين محوريِّ إحداثيات. والواقع، أن المنهج الذي يسلكه الكاتب الآيسلندي، يقدم، احتمالات جديدة للتعاطي مع المفهوم القصصي والسردي

غير أن هذا التقشف في اللغة، يأتي ملغوما بإيقاع بطيء. فالتقشف لا يفضي بالضرورة إلى السهولة، والبطء لا ينتج الاستياء، والاقتضاب في العبارة لا يؤدي إلى فرض المتلقي حساباته على العمل.  تقطيع الجملة، وفصلها كخلية بصرية على حدة، ومن ثم تضمينها تشبيهات شعرية جديدة، ونبرة متهكمة، يجعل من هذه الجملة، مستوعبا صغيرا لإحدى مفارقات الحياة. ومن هنا، تتحول الحياة، إلى عينة منفصلة عن العالم، معزولة عن النظم البشرية الهائلة الحراك، منكفئة في تقاليدها الخاصة، بمعنى أصح، حياة مصونة تماما. وفي هذه العينة من الحياة، تتوالد حيوات أقل خفوتا، لكن أبلغ في حدتها، إضافة إلى عبثيتها في بعض أوجهها. قد يدل هذا على أن الجملة حكما كثيفة، وقد يكون هذا الاعتبار صحيحا إلى حد ما، غير أن ما يبعث على الارتباك، هو مرونة هذه الجملة الروائية في الوقت نفسه. وهذه التقنية في رفع الوجه الجمالي، تشكل معوّضاً عن النشرات الفاحصة للحياة والتي تكثر في العديد من الأعمال الروائية. ليبدو النتاج الشمالي الجديد، نسيجا مشدودا قوامه السرد والتأمل، كضفيرتيّ “دي أن إيه” معقودتين ببعضهما

الثعلب الأزرق” رواية لا تتوخى المينيمالية حصراً على المستوى التقني، ذلك أن المينميالية تنسحب حتى في مكوِّنيْها الزمني والإنساني. سقف العمل، لا يشترط بناؤه تطوّرا سياسيا عاما، ولا يستقدم تعقيدات مجتمعية أو دينية بالغة أو تضاربات فكرية عميقة أو جدالات وجودية مثلا. وبالتالي فإنها رواية لا تجاهر بإيديولوجية ما، كأن تقول مثلا أن هذه الإيديولوجية شأن سام مطلق يُستحَق الدفاع عنه ونقاشه، وتأليف دراما حواليه. إنها رواية الفردية، الأنا الملتصقة بحاجاتها، والمعرّضة للتشرذم والهذيان والصدمات غير المدعوة. أما قضية هذه الأنا، أو مسألتها، فتمس جذورها تاريخ الشخص ومؤلّفه البيولوجي والعاطفي، وتنطوي على انشغالات تصيب الكيان الفردي، أي أنها لا تنوي تأجيج إشكاليات “القضية الكبرى” في الحب والحرب والعبودية ونمط الحياة، أو استهلاكها. وكل ذلك يأتي موزعا كفتات بين ثنايا العمل. وما يثير الفضول، أن الكاتب تعمّد (كما يبدو لنا على الأقل)، تخليص الرواية من أية شخصية رئيسة مهيمنة، وتوزيع “الحياة”، وإن بشكل غير متكافئ، على الشخصيات. وهو توزيع أنيق، بحيث لو أخذنا أية شخصية من العمل، فإنه يمكن الانطلاق منها إلى كتابة الرواية بصيغة أخرى. بهذا نحن أمام عمل روائي متمهل حتى في بناء الادوار (بغض النظر عن مدى تطابقه مع الأرشيف). يتم فيه تسيير الظرف اليومي، بحيث تتقاطع تفاعلاته بخبث مع الطموح الفردي غير المنتبه

الرواية تستند إلى الفترة بين التاسع والسابع عشر من يناير 1883. بذلك، فإن أحداثها تنحصر في ما يتجاوز الأسبوع بقليل. قسّمها شون على ثلاثة فصول/ ثلاثة فترات. وعزلها عن بعضها ظاهريا. أي أن الأمر متاح أن نعيد قراءتها بترتيب آخر، بالتالي، التلاعب بالزمن وتنظيمه، من خلال سلطة الحدث نفسه، بما يخدم روزنامة المخيلة، وما يصب في خانة الأدب أولا، والإختبارات الجديدة التي باستطاعة هذا الفن أن يقدمها للقارئ

مازن معروف – جريدة النهار

11/3/2012

خزّان من الأحداث والإشكالات في قالب روائي يستحق أن يُقرأ عالياً

تشبه رواية “شريدالمنازل” (دار النهار) للكاتب جبور الدويهي، بيتا مصنوعا من نوافذ، كل واحدة تطل على اتجاه ما. البيت موضوع في وسط الزمن، زمن الحرب اللبنانية. قد يكون الدويهي، الأديب الوحيد، لم يسقط في فخ الامتثال لطرف على حساب آخر خلال سرده للحرب اللبنانية، أو الانحياز عبر شخصياته المتنوعة إلى اتجاه إيديولوجي دون سواه، أو اتكائه على النقد لتنظيف ماضيه، أو تسجيل موقف إنساني رؤيوي شامل، كما هي الحال في بعض الأعمال الروائية التي يسقط أصحابها في بئر التنظير، أو محاولة إزاحة أسباب القتال إلى فلان وجماعته دون سواه. كما قد يكون الدويهي الوحيد استثمر مسألة “الإختلاف” الطائفي في لبنان، لنسج أرضية أدبية باهرة على أساسه، تنفذ إلى “خلاف” وجودي لدى فرد واحد. كذلك، فإن الدويهي لم يعتمد على التوثيق أو التاريخ أو الحكايةالشعبية المتداولة، كمكوّن رئيسي للعمل، فالرواية ليست سيرة مكان، ولا هي أيضا سيرة عائلة، أو طائفة في عينها، بل سيرة وطن بأسره، ينعكس مشظّى، أو نتفا متفرقة، كل منها حاضرة في شخصية فرد من أفراد الرواية. نستطيع على سبيل المثال استشفاف رمزيا تعدة من المشهد الوارد في أول الرواية: بوليس درّاج يصطدم بشاحنة “ترابة وطنية”، يقذفه الحادث في ملاّحة ويموت، يقف الجميع متفرجين، فيما يهرع بطل العمل نازلا من البوسطة التي كان يستقلها إلى بيروت وتحوي خليطا من الأديان. يحاول نجدة الدراج، لكن الأخير يكون قد فارق الحياة، يخرج عندها من الملاّحة و”الدم حتى ركبتيه”. يصل بيروت ويدخلها و”الدم حتى ركبتيه”

من يقرأ “شريد المنازل”، سيدرك حتما، أنها رواية لا تتسلق عمود الحرب الاعوج لتنصب رايتها فوقه. الحرب لا تغدو أبعد من ظرف حياتي، تفصيل “مطوَّل” يضطر الشاب، بطل العمل، والمسمّى نظام، أن يختبره. الحربهنا، موظفة بشكل دقيق، ومثير للاهتمام، حيث أنها اولا ليست حرب المفجوعين، ولاالتراجيديات، ولا البكائيات، ولا الفقدان، ولا التفجع، ولا التشوه، ولا الخسارة. هيحرب تساهم في تشكيل محيط البطل، فتدخله في متاهات شخصية، وعلاقات صداقة بين الطرفينالمتنازعين، “اليمين” و”اليسار”، الممتدين في اكثر من اتجاه، كأن كلا منهما ذراع،تتشعب في غير اتجاه، وتتلامس من بعيد مع الاطراف المتنازعين كافة. هذه الحرب،بوصفها حدثا جللا، تتقارب في العمل مع الخلفية الاجتماعية للبطل نظام. فالتناغم بين الخلفية الخاصة لشاب من شمال لبنان، والخلفية العامة لتاريخنا المعاصر، موجود بقوة. عوامل الربط كذلك، ما بين إشكالية الدين على المستوى الفردي، والمستوى الجماعي،والنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها هذه الإشكالية، اجتماعيا وسياسيا، تكاد تكون شديدة التماثل، عبر الأدب، وليس استعراض التاريخ، وهذا ما يرفع العمل إلى قيمةتتعلق بالخلق وخصوبة المخيلة ونضارتها، عوضا من حشره في مربع الوثيقة التاريخية.

فالشاب هو الشخصية الرئيسية في العمل، وقد اختار الدويهي أن يسميه نظام، الإسم الذي يتناقض مع حياته التي يسلك فيها ممرات متشابكة، تتعلق بالهوية الدينية أساسا، من دون أن ترتقي إلى رتبة المأزق بالنسبة اليه. إشكالية تظل محفوظة في “المرطبان” الديني، المحدود، من غير أن يسمح لها الكاتب، بامتدادات قد لا تتجانس مع بناء شخصيةنظام، منذ طفولته، وهي الشخصية المتذبذبة بين حالتين، وغير المنفصمة في الوقت ذاته. قد يكون بناء الشخصية الرئيسية في العمل، هو اول ما ينبغي النظر إليه، حيث انهاشخصية حيادية إلى حد كبير، محبة، كريمة، غير مشوبة بالنيات الخبيثة أو اللئيمة،عنيدة، واثقة ومنقادة إلى عواطفها. هذه مقومات، أسسها الدويهي امامنا في العمل،وعندما أدخل فيها الحدث الأكبر (الحرب)، أبقى هذه الحرب كتفصيل “مطول” كما ذكرنا،لأن في مقاربة شخصية نظام بشخصية الحرب، مجازفة قد تدفع إلى خلق مسافات واسعة وغير منطقية بينهما، مما قد يضعف من تماسك صفات نظام في العمل. لذلك، تشكل الحرب جزءا، مشوِّشا على مشاريع الشاب، من دون أن تنبثق منها ردود فعل تأتي بجعل نظام “بطلا خارقا”. هذا ما اعتمده الدويهي، لشخصية نظام طوال صفحات العمل حتى اللحظات الاخيرة، وقد شكّل الدعامات او البنى التحتية التي استطاع الكاتب أن يضع حولها الشخصيات الأخرى المختلفة ويحركها، وأن يتمدد في كل شخصية على حدة، حتى تصبح كلها شخصيات لووضعت في غرفة واحدة لتقاتلت حتى الموت، خصوصا أنها تنتمي إلى زمن هو الحرب. فنظام يجمع حوله الرفاق والاصدقاء، من مسلمين ومسيحيين ويساريين، و”أغراب” ورسميين،قرويين ومدينيين، متزمتين دينيا، وعلمانيين. يتم ذلك في سياق معقد وبديع، متسارع ومقتضب، ينهل من الخلفية الاجتماعية لكل من تلك الشخصيات، ويوظفها في الإشكاليةالأساسية: الدين.

رواية الدويهي، خزان من الإشكاليات والانتقالات التي توحي بأن هناك مسرحا مفتوحا أمام البطل، إلا أننا ندرك أنه مسرح محكم، مؤطر جيدا، عاطفي، يُخضِع شخصيته الأولى لشروط كينونته الإنسانية البعيدة، في وقت لم يكن هناك متسع للاستقلالية. أول ما يلفت في هذا العمل الجذاب، مسألتان لا يمكن الفكاك منهما: الاولى هي البناء الأدبي، المنسوج على أساس مساحتين: عائلة مسلمة لها ثلاثة أولادوبنت، وأخرى مسيحية لم يقدَّر لها إنجاب الأطفال. أما المسألة الثانية، فهي اللغة. عندما نتحدث عن اللغة هنا، فإن المفردة لا تحتمل أي التباس، أو تأويلات، بل نعني أن اللغة (ضبط الجملة، الإقتضاب في تصوير التفصيل الواحد، كثرة التفاصيل المختلفة فيوقت واحد، التزام اللغة المشهديات المتتالية التي تتحكم بدفق الزمن، وسرعته)، التي لم يتغير نسيجها طوال صفحات العمل، مثّلت أحد التوهجات الأساسية المرافقة للحدث الروائي، إذ استطاعت ألا تخضع لرتابة، وأن تبقى محافظة على تمايزها وبريقها واستقلاليتها حتى الرمق الأخير، في آخر مشاهد الرواية. وعلى رغم حصر المؤلف هذه اللغة في المستوى الثاني من الضمائر بشكل عام، وعدم تطرقه إلى ضمير المتكلم، إلا أنه تجنّب وقوعها فريسة المشهد، أو إيصاله إلى مأزق كتابي، فبقيت معاندة، متألقة، سريعة، بصرية، سهلة ممتنعة، واثقة، وعاطفية أيضا، لتؤلف في هويتها الموحدة، خلفية فنية، ترافق وحدة البطل نظام، ووحشته عن أمكنته الكثيرة التي نهلت منها حياته. هذا التقارب، بين أسلوب للعمل، هو في طبيعته حكواتي، أو سردي، مشوّق، بصري، وبين مضمون مرتكز إلى حد كبير على سيرة ذاتية لشاب، يضفي جمالية، ويحيل القارئ على التفكر في ماهية الخلق، وروعته.

يترك لنا الدويهي الفظاعة الكبرى الى النهاية، وهي التراجيديا المنفجرة في وجوهنا كقراء، إذا صح القول. ويجدر القول هنا إنه في موازاة إيلائه الاهتمام الأكبر للقصة، قياسا بالبناء الذي يحضر خاضعا لترتيب كرونولوجي،غير مجهد للقارئ عموما، ينقلب هذا كله في النهاية. ذلك أن الموت يبطئ من سرعة الزمنفي المشاهد الأخيرة، ويبقي سرعة الفعل وحده، ما يعني أن الامتثال للقصة لن يغدوالاولوية على حساب البناء، ومن ثم المخيلة المفاجئة دوما. أما النص الروائي، فيبقيه الكاتب مزينا بفظاعات ظرفية، مرحلية، كموت مرافق صديقه، او اعتقال صديقة سابقة، أو هرب فتاة أجنبية تعلق بها نظام على متن باخرة، او حتى توقيف البطل على أحد الحواجزالطيارّة، ووقوفه على حافة الموت. يناور الدويهي عبر هذه الفظاعات، كأنما يؤسس للتراجيديا المهيبة في الصفحات الأخيرة، التي لا تكف عن التكثف حتى الحرف الأخير. ما يبثه الدويهي المحترف إلى مخيلاتنا، يكاد يكون رذاذا لفجيعة يدّخرها ولا تتبدى مقدماتها في شكل مكتمل، ناضج، ومستقل، بل تتم تجزئتها انكسارات، أو حالات خسارة مؤسفة توضع في خانة الانكسارات. تتعلق بالمكان نفسه، غير الثابت، وإشكاليته، وواقع المعادلة اللبنانية التي تحكي انتماء المكان نفسه إلى ساكنيه، وليس العكس. بإمتلاك الدويهي لأشياء الرواية، كان سهلا عليه دخول الحدث “الجاهز”. اختار مثلا أن تتقاطع حياة نظام مع زمنين: الحرب وما قبلها. كما اختار له مكان نشأة بعيدا عن العاصمة الإشكالية، وبيئتين (مسلمة ومسيحية) تؤسسان للاحداث المتلاحقة، وهما بيئتان لاتوصفان بتزمتهما الديني، وإن أحيطتا بالتعصب سواء من الأقارب، أو أهل ضيعة حورا. نظام، يشكل بذلك، قناة دقيقة، حساسة ومتينة للعبور من بيئة الى أخرى، بعد تحميلها بالأسئلة التي لا تثقل بالإيديولوجيات. فهو عالق بين ديانتين، عائلتين، واتجاهين سياسيين أيضا أو إيديولوجيتين (منظمة العمل الشيوعي، خلية فرج الله الحلو، وجنان سالم حبيبته التي يعارض والداها الفدائيين واليسار). لم يعتمد الدويهي على التنظيرالإنساني، أو الفلسفي، أو السياسي، أو التاريخي، ولم يستعن بتفسيرات يخوض من خلالهافي استعراض وجهة نظره في العمل، وهو بذلك حافظ على نقاء شخصية البطل، ونظافتها،وحياديتها، متماهياً مع حقيقة نشوء هذا البطل في الشمال، وتعرفه إلى بيروت قبيل مرحلة “حرب السنتين”، وخلالها. من جهة أخرى، يكون الدويهي قد وظّف ثقافته، بجرعات متفرقة، يضخها هنا وهناك، في بعد لا يخرج عن منطق سيرورة البطل. فثبات الشخصيةوتغير الفضاء سمتان أساسيتان في “شريد المنازل”. وفيما تعد حَورا نقطة النهاية،والبدء، والتحولات المفصلية، مرجعا للعمل الأدبي وأحد مؤثرات تكوين شخصية البطل،وهي كمكان لإقامة ثابتة لتوما ورخيمة اللذين يعتنيان بنظام كإبن لهما، تبرز بيروت كمكان يسحق الفرد، ويجرفه بعيدا من أحلامه الدافئة. فنظام يشهد تغيرات شتى فيحياته، وينقاد، غير عارف، وموقتا، إلى صفوف منظمة العمل الشيوعي لمساندة أصدقاء حبيبته، من دون أن يصير في الضرورة رفيقا ملتزما العقيدة.

قد يستدل من إسمالرواية أنها رواية الأمكنة، وهذا تفسير مطبوخ جيدا ومتداول ولا يقل ابتذالا عن أيقراءة للرواية من باب عنوانها فقط. وعلى رغم إشكالية الأمكنة، وتنوعها، وضبابيتهافي حياة نظام، بل ودلالات كل منها، إلا أنها أمكنة يصار إلى تجريدها في نهايةالعمل، وهي أمكنة يبلور وجودها المأزق العام للبطل ولا يبهت ضوؤها فهي تبقى خلال العمل عصية على السيطرة والإنطواء على رغم الحدود السياسية والدينية والمسافات التيتقام بينها. إلا أن نشاطها وحرارتها يؤديان بها جميعها إلى الإنصهار، لتتكثف في مكان واحد، مستجد، يطرأ على القصة، وهو مكان غير معلوم في نهاية العمل، ولغز يشبه خلاصة الحالة الفريدة في لبنان. “شريد المنازل” رواية لبنانية بامتياز، تستحق أن يؤجل المرء شؤون حياته تفرغاً لقراءتها. إنها رواية تستحق فعلا أن تقرأ، وبصوت عال.

مازن معروف – جريدة النهار 2011

حسن داوود مشددا على بطء اللغة وتكثيف المكان في ذاكرة القارئ

يرتكز حسن داوود في عمله الروائي “مئة وثمانون غروبا”، على تقنية خاصة في السرد والوصف وجر المخيلة إلى تتبع إشارات يقدمها بأدنى تفاصيلها وأتفهها. حيث أن الجملة مكتوبة لتمهد، وتجعلنا مهيئين فيما بعد للتفاعل مع العقدة التي قد لا تُرى بعيدة عن مستوى المعيش في العالم العربي ككل. ودون أن نتمكن من القبض عليها كما يفعل داوود. هذا التمهيد الصوري، أو البصري المُفصل الذي سنعمل أوتوماتيكيا على استخدامه دون أن نتعمد ذلك، سيشكل ما يشبه الصرح المبني من أحجار صغيرة ومتلاصقة، حتى إذا لم تعد مرئية، إتضح تلقائيا ما يكسوها. وهو الحدث المستقبلي.

تتتسلل الرواية الى ذاكرة القارئ، وتنشئ ما بينه وبينها تواطؤ غير ناجز. وهو تواطؤ يستلزم بالدرجة الأولى زفرات من  التنفس الطويل لملاحقة ما ستؤول إليه بدل من استعجالها لأن كل تفصيل يقدمه حسن داوود سوف يحسب حسابه وبقوة فيما بعد وذلك لبناء التطور الأدبي كما وتمتينه على أرض ذات القارئ. وبذلك فإن رواية حسن داوود هذه، يمكن أن نسميها رواية القراءة الثانية، وليس الأولى فحسب. لأن حركة الزمن التي يعمل داوود على جعلها غاية في البطء، تجعل العوالم الصغيرة للأفراد تجد حيزا واسعا لها في مخيلة القارئ. يشكل نفاذها المنظم، فضيحة تُفكك الزمن وتعلن هشاشته، ما يجعل الأفراد كافة يبحثون بالمقابل عن عناصر أو إشارات بديلة يوثقونها إلى ذواتهم، ليروا المحيط من خلالها. هي ليست مجرد إشارات عابرة، لأن داوود سيلاعب بها المخيلة بمقص واحد ذراعاه القلم والسكين. يجرنا وراء الكلمات حينا ويخدشنا لننسحب وراء دم أبطاله أو ألمهم أو وحدتهم أو ضجرهم حينا آخر. هذه العلاقة السرية سوف تشترط من القارئ وقبل كل شيء، إعادة تموضع، دون أن تطلبها بشكل مباشر. فبدل أن يصير هذا القارئ مشاهدا للحدث الروائي، يحال إلى متلصص، أو كائن يقف على عتبة هذا الحدث، ويتجسس على كل من فيه. والحدث سوف يأتي على دفعات، أو جرعات صغيرة، قبل أن تتفكك مواقع كل من أبطال العمل المفترضة، وقبل أن تفضح الحياة والمؤثر الإجتماعي وعامل الزمن ضعف كل منهم. وهو أولا حدث على هيئة تطورات متسلسلة، تصيب العصب الانساني والتفاصيل التي تتبرمج من خلالها الشخصية الفرد الأضعف أو المحايد في الوحدة المجتمعية. وهو مجرد أو منزوع من دلالته أو أهميته إلا على من اختاره داوود من شخصيات الرواية ليخصه به. وهذه الخصوصية، تجعل لكل من أولئك، ملكية لحيز خاص، الذي يمهد له داوود بجعل القارئ يدبدب لاكتشاف العلاقة التي تحكم الفرد بالزمن السابق والحاضر والمكان المغلق. ذلك بفعل الحياة العنيدة التي ينزعها داوود من اليومي والذاكرة العامة، ليزرعها في صلب أولئك الشخوص خلال الصفحات. وهذه الزراعة بطيئة، وهي التي ستشكل المقوم الأساس الذي سينشأ على أنقاضه، كل فعل لاحق وكل تغير في البيئة وكل تسارع قد يصيب بنية التفاصيل.

يأتي إيقاع الرواية بطيئا بادئ الأمر، ويضعه داوود برفق أمامنا، لأنه يعلم ماهية المجازفة في إتباع أسلوبية لا تعتمد التكثيف وإنما استعراض الملامح الخاصة والبالغة الدقة لكل من شخوص العمل. وهنا تكمن الخطوة الأولى للاعب شطرنج ثقيل، يتنقل أول الأمر بحذر لكن كاشفا عن كل جنوده، بل ومقلبا في أحجاره أمامنا بغية حثنا على مشاهدة أشكالها. سنقول، مهلا نحن نعرف هذه الأشكال وتلك الملامح والتفاصيل، لكن داوود سيقول لنا، هذه الأحجار سيسهم ثقلها وصلابتها والخطوط التشكيلية لكل منها في صياغة الحدث العام الأعظم أو النهائي لـ “مئة وثمانون غروبا”. واللغة تكشف أكثر مما تخفي، وتكتنز الخلفية الحميمية لأبطالها بأسلوب رشيق، وكأنما شيء يسحبك من قدميك لتمشي باتجاه أحداثها. هي أشبه بالمخدر الذي تتعدد تحولات سكانه وصوره من دون أن يفقد ذلك شيئا من تماسك الوحدة العامة للسياق الروائي. واللغة غير المقشرة والنيئة، تشبهنا. ولفرط ما تشبهنا وتشبه يومياتنا، قد لا يحثنا هذا على مواصلة القراءة، وقد نتجاذب مع الكلمات لكن هذا ما يخدعنا، فبعد عدة صفحات، ستقشر اللغة نفسها بشكل أوتوماتيكي، لتكشف لنا مدى اتساع المدى النائم تحتها، كما ومدى اتساع رؤية شخوصها، وقابلية المكان الشديدة للتغير أو للتحول الى أمكنة تتخابط لتصبح الوحدة الكبيرة للحيز الواحد، عدة وحدات. وبذلك فهي لغة سردية تعمل على التكثيف والتكرار. وهما العاملان اللذان سوف يشكلا الدبوس الصغير الذي يجمع قطعتي قماش كبيرتين. فتُصِر على مشاهد معينة أو متخيلات أو أحداث فيما تستبعد أحداثا أخرى او تعمل على نأيها خارج كادر الصف الأول أو الأفكار الرئيسة.

إنه تفكيك المكان الذي يضاهي تفكك المجتمع بتغير توزيع الديموغرافيا كما والسياسة والظروف القاهرة وغير المتوقعة كالحرب. وتسطيح اللغة، يساوي إغنائها لكي تتمدد وتتشعب. وهي رواية التجاذب، والإيروسيا البريئة التي لا تقع ضمن خطة الشرير إنما يوقعها الكاتب في الطفولي واللعبوي. حسن داوود يستقي أحداث روايته وحوارات أبطالها من الحياة العامة واليومية مباشرة، فتأتي اللغة المشغولة بحرفية وكأنها مجرد ترجمة موظفة توظيفا أدبيا وجماليا لتفصح عن تفاصيل لا ننتبه لها. فالزهرانية، ضيعة صغيرة وتمثل كذلك المكان الذي لن تغادره الرواية ولا أبطالها الاربعة: الفتى الثخين وأخوه وليد وسلمى المكتنزة النهدين وتيسير المتهم بالجنون. هذا إضافة إلى الشاب “ميخا” والمحيط العائلي المتعلق بكل من هؤلاء وسكان الزهرانية عموما. فالحرب سوف تداهم الحياة البسيطة لسكان الزهرانية لتقلبها رأسا على عقب ولتساعد في التهجير والإفراغ السكاني بفعل الفزع المسبق، كما وميخا الذي يكره كل من هناك متسببا بقلق عام، بسترته العسكرية والسلاح المجهول المصدرالذي يأتيه. وميخا سيظل في العمل الروائي كائنا لا يسمح لنا بالتعاطي معه بشكل مباشر. ففيما يُعلن الصمت من خلال المكان واكتظاظه البطيء بالسكان، يظل الصخب صخبا داخليا ممنوعا من الخروج الى العلن، وهو الصخب الذي سوف يقلبه الكاتب للإيقاع بالزمن، كمسؤول أول في قولبة الذاكرة، التي ومهما بدت تافهة، إلا انها تقع في الحيز النفسي ليس إلا، ومن دون أية مبالغة او إسراف في التفسير. فتتركز طاقة الجملة الروائية على الوصف في المرحلة الأولى ومن ثم تفعيل هذا الموصوف بالحراك الانساني المتمثل بالصراع من أجل إثبات الذات (تيسير) أمام الأب ولاحقا من أجل قتل الخوف (ميخا).

الحادثة التي تقع لأقفاص عصافير تيسير بسبب زناخة شبان الزهرانية اليافعين وبالأخص ميلاد وميخا سوف تشكل الزمن الفاصل ما بين الزهرانية- الضيعة البسيطة، والزهرانية التي تصبح أكثر تعقيدا وانغلاقا على نفسها مما قبل. فالفعل هو الذي يعيد تشكيل الزمن، وبالتالي يسهم في وضع أسس التغييرات الكبيرة التي سوف تصيب البنية المجتمعية لاحقا. وهو سلوك جماعي، لا يرتبط بالضرورة ببلوغ مرحلة نضج إنساني أو فكري أو ثقافي. وهو أحيانا وباللا نضج، أو طبيعية السلوك، يمكن أن تنشا أنماط جديدة من العلاقات والارتباطات لأناس متجاورين يتقاسمون أدنى مقومات الحياة. غير أن كل أنماط الحياة المعاشة والتي يغلفها داوود بصفة الموقت، تحتل حيز التجريب “الزمن الأول ذاك، الذي وراء الخط، هو الزمن الذي كان سكان الزهرانية يجربون العيش فيه تجريبا “. الزهرانية كمكان مغلق سوف يغري الكاتب لضخ التجاذبات ما بين أشخاصها وصقلها واللعب بالزمن كمتغير يمكنه معه من استعادة ملامح تاريخ الضيعة القديم إضافة الى بنائه الشخصيات كما تقتضيه السياق القدري للرواية وليس فقط مخيلة الكاتب. وانقسام المكان الواحد أو وحدويته الى مكانين، واحد لأهل الضيعة القدماء وآخر يسكنه الغرباء الذين توافدوا الى الضيعة حديثا، يجعل من عالم الرواية أشبه بخلية واحدة تنقسم الى نصفين يحدق واحد منهما فقط بالآخر ويتمحص فيه كغريب. كائنات داوود ستقبل العيش وسط الضجر، وهو الضجر الذي سوف يؤلف المناخ الذي يوحد جميع السكان. محرضا إياهم على الكشف لمزيد ومزيد من خفايا النفس. والرواية لن يتنازل داوود عن حيويتها حتى الرمق الأخير، ولن يبدل شيئا من سير السياق الروائي للأحداث. وبذلك يضمن التنقل لشخوص روايته الأساسيين في كادر يتسع شيئا فشيئا وبشكل تدريجي وتصاعدي للنوستالجيا مقابل الفنائية، واللعب في مقابل الحب، والحيادية (للثخين) في مقابل الأخ المتورط بعلاقة جنسية سريعة مع سلمى. لن يلعب داوود لعبة الغميضة التي تعتمد إرسال القارئ إلى غياهب النفس البشرية، لتفكيكها وترويضها بحسب مسار الحدث التالي.

في مقابل ذلك، سنشهد انتقال الكاتب من الثخين وأخيه إلى سلمى، ومن ثم تيسير، ليصبح للرواية ثلاثة أعين تتحكم بالبصري وتؤطره باعتباراتها ورؤيتها الشخصية. هذا ما سيكشف أكثر من علاقة بين الإبن وأبيه، فمن الثخين اولا (علاقة نوستالجيا وذكريات وأثر ليس إلا)، من ثم سلمى (الأب المتفلت والغائب عن الواجبات المنزلية والتابع لنزواته ليس إلا) وأخيرا تيسير (الأب المستبد الذي يخضع المنزل ومن فيه وخصوصا تيسير لقانونه الرعوي الخاص الذي لا يعرف الرحمة). قبل أن نكون أمام تشابه مصائر الناس ومقتنياتهم: تيسير والعصافير، الثخين والألعاب، وسلمى والرحيل الى الدنمارك. هي رواية خيوط رفيعة من الضجر والخوف ومقارعة الحياة من أجل الأمل الذي حين لا يأتي، لا يكون أمامك سوى افتراضه.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

ولدت هناك، ولدت هنا.. استكمالا لسيرة البرغوثي

يشبه الأسلوب السردي لمريد البرغوثي، التجول حافيا بين شقي جرح. وسرديته تأتي على شكل مقطع من تاريخ الفلسطينيين، تقف مقابل الألم وجها لوجه، وكأن ما بينهما مرآة خفية. هذه المرآة، العاكسة للألم، تصطدم بصاحب الألم نفسه، بوجهه، بملامحه، بأنفاسه، وبلحظات تجواله عاريا، في مدن المنافي. تصطدم بأسلوبه في الكتابة، وبأصوات أهله وصورهم، وتصطدم بكل تفصيل في قريته “دير الغسانة”، وبتاريخ
آل البرغوثي، كما ببعض الملامح عن المناضل مروان البرغوثي الذي أراح اعتقاله الكثير من مريدي السلطة الفلسطينية. تصطدم هذه المروية، بعثرة الواقع، التي ترى في بعض فلسطينيي السلطة، فسادا يوفر على الإسرائيلي بعض المهام في تزوير التاريخ، وفي تحريف الواقع الفلسطيني وإخفاء الأصابع الصهيونية الملطخة بالدم، في فحم الصراعات الداخية ما بين فتح وحماس. “ولدت هناك، ولدت هنا”، الصادرة عن دار رياض الريس للكتب والنشر، تعد ثاني سردية للشاعر مريد البرغوثي، الفلسطيني “المعارض” (بمعنى المثقف المعارض، وليس المعارض لأنه موال لجهة ما). هذه السردية، والتي ترتقي بجدارة إلى منزلة الرواية، يقوم بناؤها على ملامح معينة من حياة الشاعر. وبذلك فهي متمم لأجزاء سيرته الذاتية الأولى  “رأيت رام الله” (صدر في طبعته الأولى عن دار الهلال- القاهرة عام 1997).

يستخدم البرغوثي، لتركيب جسد مذكراته المروية، أسلوبا لا يستعرض لقاموس مفرداته، ولا يجهد عند تحويل الفكرة إلى جملة من أدوات تعبيرية. وهو كذلك، أسلوب لا يتعالى ضمن تقنية استعماله العام للجملة، وبه يؤلف البرغوثي هذه السيرة المجتزأة من حياته. وقد قسمها الكاتب إلى أحد عشر فصلا. تنتهي بموقف سياسي تراجيدي عام، لكنها تبدأ بالمشهد الأول الذي يصف رحلة الشاعر في سيارة مسافرين، إلى أريحا، إضافة إلى ستة ركاب آخرين. مستغلا ذلك الظرف، ليلتقط المكان في صوره الشخصية، كما والعراقيل التي يفرضها واقع وجود قوات الاحتلال، إضافة إلى ما يبتكره الفلسطينيون للعيش وكسب الرزق وسط تلك الظروف، كمثلا استخدامهم لرافعة كبيرة، لانتشال السيارات المتجنبة للحواجز الاسرائيلية والعالقة في الحفر الترابية. وهذه إحدى مفارقات الكتاب. يرفع البرغوثي باللغة البسيطة، الأدوات التي تعيق حياة الفلسطيني، ليعيد رصفها داخل معنى سوسيولوجي عام. فتأخذ المعابر، والحواجز والمتاريس الترابية والاجراءات المعطلة لحياة البشر، دلالة آخرى، أكثر عمقا، وأبلغ، من أي مستوى آخر “المعبر يعطل أبوة الآباء وأمومة الأمهات وصداقة الأصدقاء وعشق العشاق”، مشتغلا بذلك على الحنين والأسى من دون أن يعطي الفرصة لهما للقبض على عبارته. فهو مشغول بإضاءة حياته وتصوير رأيه الخاص، والهادئ، بنبرة منخفضة، وحادة في الوقت نفسه. وهي حدة تجرحك على مهل دون أن تشعر.

يستوقفنا بعض الشيء، العنوان، الذي قد يبدو مجازيا لوهلة، أو يقدم تحريضا على تساؤل، وكأنه مثلا أحجية أو حزورة، قبل أن ندرك ومن خلال القراءة، ما يحمله من وحشة، وما يخبؤه من مرارة تتفرع لتلامس أكثر من وجهة إنسانية. “ولدتُ هناك، ولدتُ هنا”، عبارة تختصر الفعل الأول لطرد الفلسطينيين، كما توحي بالانتقال الزمني، من حزمة سابقة من الأمكنة، إلى مطرح موحد وحالي- آني. الولادة كحدث، تظل مجمدة، لأنها فعل انبثاق الكائن البشري، إلى صخب هذا العالم، وهي ولادة مجردة من أي ميكانيكية أخرى، سوى ما تقدمه “ولدتُ” من دلالة على بدء الحياة. وهو بدء يتم عزله في المخيلة، بمنأى عن شرطي الزمان والمكان الضروريان. وهو أيضا الفعل الذي يستند إليه الإنسان، صاحب هذه الولادة من أجل، أن يقدم إختصارا عن النقلة التي يتممها الشرط السياسي والمتغير الظرفي الاستراتيجي، على مستوى دول العالم، والعالم العربي بالتحديد. لذلك، تترافق هذه الـ “ولدت”، مع كل من الـ “هناك” والـ “هنا”، لتتفشى الحقيقة في وجوهنا كأنها الآف الشظايا الخارجة من قنبلة عنقودية (ولا بد هنا، وبحسب الظرف الاحتلالي للفلسطينيين، من استعمال مفردات مجازية تتعلق بالحرب، الأمر لا يمكننا الافلات منه، في هذه القراءة، بكل الأحوال).

هذا الاستنساب للمكان، الذي كان (هناك) وأصبح الآن (هنا)، يشير إلى النسبية، التي تعرض الذاكرة الفلسطينية، بموجبها، لتفاصيل وانطباعات تتألف في دول الشتات. وبذلك، فإن الشاعر البرغوثي، وإضافة إلى قناعاته التي تتعالى على النفعي، لتتلاحم مع موضوعية نفتقر إليها في الأدب الفلسطيني عموما عند التعاطي مع صورة الفلسطيني، يقدم لنا، وربما من دون أن يتعمد، إضافة أخرى، هي بمثابة حبة الكرز المرّة، الجالسة على قالب الحلوى اللذيذ، والمتروك في العتمة منذ العام 1948. هذه الإضافة، هي حقيقة ما تحتكم له الذاكرة الفلسطينية عند تأريخها لمأساتها الذاتية، أو للفعل الاسرائيلي، المناهض، للوجود الديمغرافي الفلسطيني، على الأراضي ذات الاعتبار الحساس بالنسبة لدولة اسرائيل. هي حقيقة الذاكرة- الحنين، والألم، والبكاء، والذاكرة- الأمل، والتفاؤل، والذاكرة الإصرار على الحق، حق القبض على المكان، وحق المقاومة فقط بالاستمرار في التنفس.

وفي أنبوب الزمن، الذي لا نعرف كيف يعجن التاريخ زبدته داخله، ستنصهر الـ “هناك” في اللحظة التي يقف فيها مريد على تراب أرضه، برفقة ابنه تميم، ليتم تحويل هذه الـ “هناك” إلى مجرد قشة تطفو على سيلان الماضي، ودفق هذا الماضي في الذاكرة، وبذلك تصبح “هنا”. “هناك” تنسب إلى السابق، البعيد، تنسب إلى المكان- المنفى الذي يدفع الانسان المتواري عن أرضه، إلى تصنيف قريته أو مكان ولادته، على أنه “هناك”، والذي يحمل في تركيبه، أبعاد الألم وما ورائيته كما وظروف استقباله. أما “هنا”، فتنسب إلى الى وحدة الانسان مع مكانه، وإطلاقه لغته الخاصة للتخاطب معه، وهي انتصار الخاص، والشخصي، والذي لا تتعدى أبعاده المنطق الفئوي أو العائلي (في هذه الحالة، عائلة البرغوثي تبدو المعي الأول به، وقرية “دير غسانة”)، لكنه يظل انتصارا، على وحشية الاسرائيليين، ومحاولاتهم على اكثر من نصف قرن، منع الفلسطينيين من العودة، بل والضغوط باتجاه ترانسفيرهم (كما يقول البرغوثي في احد المقاطع الت يروي فيها كيف حقق معه ضابطان اسرائيليان أصر أحدهما عليه بأن يعلن موقفه السياسي، أو رأيه فيما يحدث في فلسطين).

يستطيع البرغوثي إلتقاط متغيرات المكان، بخفة المحترف، فلا ألم ولا بكائية، بل إن استرجاع المكان، يظل محاطا بأناس السابق الأحياء، أو الذين يفلتهم الشاعر وكأنهم عصافير أطلق سراحها للتو، ليطوقوا الذاكرة ببساطتهم وأسلوب حياتهم الرشيق. غير أن أكثر ما يبدو محيرا، عند محاولته رسم الخطوط الخفية لرؤيته النقدية، هو شخصية الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات. وهذا ما يجعل فكرته متذبذبة، مراوحة ما بين السلبي والايجابي، الأمر الذي لا يجد مفرا منه سوى لاعتبار السياسة لاعب خفي بكل متغيراته، دون أن يفوته الإشارة إلى دور الدول العربية في تفقيم حصار الرئيس في مقره في رام الله، وتفعيل هذا الصمت بشكل متعمد، وهذا كليشيه آخر. لكنه كليشيه حقيقي. فالسردية البرغوثية لا تتكاسل عن إطلاق نيرانها باتجاه أكثر من طرف، داخلي وخارجي، لكن ما يسكّنُها هو القيمة الأدبية والتأريخية للعمل، باعتباره جزءا من الذاكرة الفلسطينية العامة.

وعندما نتحدث عن الجرح بالنسخة الفلسطينية، فنحن نقصد بمعنى أكثر قربا، الجرح الذي يحفر في شريحة من مجتمع فلسطينيين لا حول لهم ولا قوة، وليس أولئك الفلسطينيين، المفسدين (بحسب رواية البرغوثي) داخل أجهزة السلطة داخل أراضي الضفة ورام الله. وهم يمثلون نمطا ذا هوية فلسطينية، للكثير من أجهزة الفساد الموزعة في العالم. بين الترحال، والترحيل، وبين الجرح والابتسامة، بين ألم الغربة، واغتراب الألم، بين المفارقة الطريفة، والمغامرة، وبين اللسان المطوي على الصرخة، والتأمل في حجم المأساة، تكمن رواية مريد البرغوثي الفلسطينية، “ولدت هناك، ولدت هنا”. وهي بذلك خليط مرهف من الفكاهة القليلة المبللة بالدمع، والدمع الكثير المبلل بالحسرة والانتقاد الشخصي لأجهزة الحكم الفلسطينية، كما والغد الذي يريد الشاعر إلقاء القبض عليه بكل جوارحه، لتحجيم عدوه، ولاعادة رسم المساحات والحدود ما بين الاسرئيلي والفلسطيني.

لكن هذه السيرة، تتقاطع والكثير من المواقف العامة، والتي باتت أشبه بكليشيهات فضفاضة، لا تعني فيصدقيتها سوى أصحاب الشأن الأقرب، أي فلسطينيي فلسطين. ففي الفصل السابع الذي يحمل عنوان “ساراماغو”، يروي البرغوثي موقف خوسيه ساراماغو من الاحتلال، كما وصفه لحالة المدن الفلسطينية تحت الحصار الاسرائيلي، بأنها أشبه بمعتقلات أوشفيتز. ما يثير حفيظة بعض الكتاب الاسرائيليين، كعاموس عوز، والذي لا يتقاطع والموقف الموضوعي للكاتبة اليهودية يهوديت هاريل التي تقول “أريد الاحتجاج على هذا التوازن الكاذب، وهذا الاستخدام المغلوط للكلمات. فلا يوجد طرفان متساويان في دائرة العنف، أحد الطرفان هو المحتل، والطرف الثاني هو ضحية احتلالنا نحن، وما زلنا نطلق صفة العنف على كل طفرة تمرد فلسطينية”.

وعلى الضفة الأخرى، فإن السؤال الذي يرسم ملامحه بشكل أوتوماتيكي أمام وجوهنا، يتعلق بالذهنية والمعايير المتبعة، التي يعتمدها البعض ومنهم مريد البرغوثي نفسه، كي يُعلن على أساسها فلان، شاعرا قوميا للمستقبل، ويرمى فلان آخر خارج المشهد الشعري. ونعني هنا انجراف البرغوثي بأبوته، متخطيا الجانب الاجتماعي لتتحول هذه الأبوة إلى نسختها الشعرية، من خلال انحياز متطرف ولا يعرف الخجل، نحو ولده تميم. يدفعه ذلك إلى وضعه أكثر من إشارة على أن تميم مريد البرغوثي، هو شاعر فلسطين الشاب الأول. دون أن يقدم البرغوثي الأب، تفسيرا مقنعا لهذا الأمر سوى وسامة إبنه، وثقته بنفسه، وظرف حيازته على الجنسية الفلسطينية، وعودته إلى قريته. وكل هذه الأسباب وهي محض شخصية، لا تتقاطع مع قناعة القارئ العامة حول شروط الشعر. بل هي أسباب تحاط بذكورية البرغوثي الأب، لحمايتها. هذه نقطة تحتسب سلبا على الشاعر الكبير. لأن رفع تميم إلى خانة الشاعر الأول، يتعارض في منهجه، مع موضوعية رؤيا البرغوثي النقدية، للسياسي والاجتماعي والعائلي. ذلك أن دعاية الشاعر تسقطه، عندما تأتي على لسان الشاعر الأب بيولوجيا. وقد لا تتخطى إيجابيتها الدفق المعنوي، والتطويق الذي يؤمنه الأب عادة للإبن. وعلى كل حال، فإن هذه إشارة، على أن أحد مساوئ الاحتلال الكثيرة، هو تعزيزه المطلق للذكوري، كحاجة لفرض سلطة بديلة، مقابل السلطة الأقوى للكائن المرتدي “الكاكي” والجالس في دبابته.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

رفيق شامي.. الحكواتي يده ملأى بالنجوم

يكتب رفيق شامي بلغة سهلة، غير متكلفة، وغير مستعرضة أو متحذلقة. هو لا يلف اطواقا حول جملته، ولا يكثف من وصف، أو حدث او فعل. الأشياء، تبقى كما رآها، بسيطة لتصل حد التلقائية، فلا مغالاة في التفسير، ولا تحليل أو مقاربة متثاقفة، ولهذا فإن السياق القصصي أو الروائي لهذا الكاتب الألماني، السوري الأصل، لا بد وان يبقى منوطا بمناخ الحارة الدمشقية التي يكتب عنها. فهو في روايته “يد ملأى بالنجوم” الصادرة عن دار الجمل، ينتقي شخصية مراهق عمره أربعة عشر عاما، الذي يغلب بأناه على الرواية، لكن ليعززها ويغرز أصابعه في التفاصيل اليومية، فيبدو كل ما يحصل في الحارة الدمشقية، متعلقا بالفتى أو أحد أقاربه أو معارفه، أصدقائه أو حبيبته. كل ما يحدث في الرواية، يبدو تفصيلا يستعرضه الكاتب بخفة، دون الاسهاب في أسبابه أو نتاجاته على المدى الطويل. الأمر الذي يصنع متتالية زمنية، تتسارع بفعل اللغة المختزلة لرواية هي على شكل مذكرات متقطعة. هذا ما يجعل الزمن في روايته، يبدو بوجوه عديدة، فهو من ناحية: الكل، أو الكتلة التي تتماسك أجزاؤها في مقابل تماسك المكان المغلق أو المكان الواحد (الحارة الدمشقية)، ومن ناحية ثانية هو زمن، مؤلف ليكون عبارة عن قطع أحجية (أو على حد تعبير شامي نفسه، كأحجار فسيفساء)، مفككة، كل منها متناثر في مطرح من الذات أو الذاكرة، لذلك فإن تجميعها عملية صعبة، وتستلزم وحدة الفعل، أو الحدث بغض النظر عن الذروة الكاملة للعمل، لأن في قطع الزمن الصغيرة، يبدو كل حدث أو فعل جزئي، هو خلية روائية لها ذروتها وانبعاثها الخاص، فيما لا يمكن للفعل أن يستقل بمفرده دون أن يعلن الروائي ارتباطه بالفعل اللاحق، باعتماده أسلوبا سرديا رشيق. الزمن المخفف في الكتاب، هو الزمن الذي يأتي على دفعات أو جرعات طفيفة. كل جرعة تختصر شيئا من عمر الفتى أو أحلامه أو تطلعاته، أو حتى مفارقات عيشه اليومي، أو انزعاجاته أو بكائه أو تساؤلاته عن الحب والسفر والعائلة والمكان الأكبر- الوطن، الذي تبدأ السياسة بكسوته.

صدرت “يد ملأى بالنجوم” رواية باللغة الألمانية قبل عشرين عاما، لينجز كاميران حوج ترجمتها إلى العربية، عن دار الجمل. لاقت نجاحا منقطع النظير، وهي من الروايات القليلة جدا في الأدب العربي المعاصر، التي يشتمل النص فيها على الإمتاع، والتشويق، والجذب. كل ذلك بأدوات بسيطة، ولغة مهذبة، أفقية لوهلة أولى لكن، بالكثير من العمق المستلهم من فطرية مراهق يتمعن في الأشياء، من دون أن يزعجنا بذلك كقراء. فيقدم مادته الخاصة على انها جزء من حياة شخصية قد لا تعني أحدا سواه. إنها واحدة من الروايات التي قراءتها تغمس أحاسيسك بالحنين إلى المكان الأول وتشدك نحو ذكرياتك الشخصية فيما أنت تتقلب من صفحة إلى أخرى. لتحرض فيك رواية تلو أخرى. المدهش فيها هو أن الكاتب شامي، يقتصد في سرده، مختزلا تفاصيل، ومبتعدا عن حشو النص. هو أحيانا ينتقل من مشهد عام، بعد أن يقفله، إلى تفصيل خاص جدا وعابر. وإذا كانت اللغة بعيدة كل البعد عن النفس الدرامي الذي يثقل الكثير من أعمال روائية عربية، ويسمها بسوداوية وكأنها إحدى حتميات حياتنا، إلا أن رفيق شامي يبتعد عن كل ذلك، إذ يستطيع ببراعة، وعلى ما يبدو، بعد أن ينجز الكثير من الكتابة، ومن ثم الحذف، أن يطير بعيدا “الألم العربي”، لكن من دون أن ينفيه نفيا تاما. فالسياسة تحضر، والبوليس والمخابرات، لكن في المقابل تحضر كذلك الحارة السورية بكل طيبة أبنائها وتعاطفهم مع بعضهم البعض. هم أشخاص بسيطون، طيبو القلب، يتشاجرون أحيانا لكن سرعان ما تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، وفي الأزمات والانقلابات، لا يكون أمامهم سوى أن يسمروا بعيشهم البسيط، في المكان الذي لا تخرج عنه الرواية.

بضبط المكان، والإبقاء على هوية سكانه وتوزيعهم الديمغرافي الذي لا يتغير إلا بموت أحدهم (العم سليم مثلا، وهو عجوز قصير البصر ونافذ البصيرة)، أو ولادة أحد (إبن الخضرجي)، فأحد لا يترك الحارة. لا إشارة مثلا لسفر أحدهم، ولا إشارة لقدوم وافد جديد (بل شخصيات جديدة يكتشفها البطل المراهق، الذي وفي مرحلة لاحقة، لن يعود مراهقا). المتغيرات الحياتية التي تطرأ على أشخاص الرواية، تكاد تبدو عادية، لكن إيجازها ومزجها بالمفارقة، أو الحدث السياسي، أو التوتر الاجتماعي (البحث عن عمل، محاولة ترك الحارة، المتغيرات السياسية، القبض على حبيب الصحافي بتهمة توزيع صحيفة الجوارب،..)، يؤلف عمودا فقريا للعمل، يستند عليه ضمن البنية الروائية، التي بحد ذاتها، مفارقة مدهشة.

تتحرك الأحداث ضمن مستويين يتعلقان بالموقف السياسي للكاتب. الأول هو وعيه الشخصي بالمحيط، فهو خلال الرواية سيكبر ثلاثة أعوام، لكننا لن نحدس هذا، سنفاجأ به فقط في نهاية الرواية. خلال ذلك، سيتمدد وعيه الخاص، أو منطقه المتعلق بالحياة بكافة روافدها الاجتماعية (مقاربته المتعلقة بأمه، علاقته بالأب، وموقفه من الفرن الذي يملكه الأخير، فالإبن لا يريد أن يكون خبازا كأبيه، وعليه فإن بحثه عن “مستقبله” الخاص، سيبدأ بسبب هذا، علاقته بنادية- حبه المبكر، علاقته بحبيب الصحافي النزيه، وبأصدقائه محمود وجوزيف وعلاقته بالمجنون ذي العصفور الدوري الذي يعتقل بدوره ويعذب، وبسليم ذي الرؤيا الحادة، والذي يشكل موته فاصلة درامية ضخمة نهاية العمل، وهو الموت الذي يضاف إلى اعتقال الصحافي، ليدفع بشامي إبقاء النهاية مفتوحة وكأنها بانتظار كومة جديدة من المذكرات مستقبلا). أما الأمر الثاني فمتعلق بالشق السياسي، الذي يتحرك في خطين: الموقف العام من الانقلابات يظهر على لسان الناس المحيطين بالبطل، وهو بعد يافع، وهو موقف عام وغير مباشر، لكنه سيكون حاسما في بلورة موقف الصبي الرافض لأشكال الحكم العسكرية. أما الموقف المباشر فهو ذلك الذي يتلألأ من خلال نضج الصبي االمبكر، ونيته العمل في الصحافة وإصدار جريدة مناوئة للسلطة العسكرية “أنا أريد الكتابة عن مجنون دمشق. فهذا المجنون يمثلنا جميعا وعصفوره الدوري يمثل الأمل. وما فعلوه به، ينوون فعله بنا جميعا”.

رفيق شامي، إسمه الحقيقي سهيل فاضل. ولد عام 1946 في دمشق. ودرس الرياضيات والكيمياء والفيزياء، ليعمل مدرسا قبل أن يهاجر عام 1971 إلى ألمانيا ليعمل في عدة ورشات ومصانع، ويحوز شهادة الدكتوراه في الكيمياء العضوية المعدنية عام 1979. بعدها بثلاث سنوات، يتفرغ للعمل الأدبي، ويلقب بحكواتي الشرق. يؤخذ عليه بأنه كاتب باللغة الألمانية وليس العربية، ولهذا فقد حورب، غير أن أعماله ترجمت من الألمانيــة للعربية، الباسكية (مقاطعة في إسبانيا)، الصينية، الدانماركية، الفنلنديــة، الإنكليزية، الفرنسية، اليونانيــة، العبرية، الإيطالية، اليابانية، الكتلانية (مقاطعة في إسبانيا)، الكورية، الهولندية، النرويجية، البولونية، السويدية، الإسبانية، التركية، الأوردو (في باكستان)، الصربية، السلوفينية، والكرواتية. وهو منذ عام 2002، عضو في أكاديمية الفنون الجميلة البافارية، كما طبع أكثر من مليون نسخة من مؤلفاته.

حاز شامي العديد من الجوائز العالمية، كجائزة أدلبرت شاميسو التشجيعية للأدباء الأجانب عام 1985(ألمانيا)، جائزة تاديوس ترول(ألمانيا) 1986،  جائزة الكوبرا الزرقاء لكتاب العالم الثالث (سويسرا) 1987،  جائزة القراء الشباب في التلفزيون 2 (ألمانيا) 1987،  قائمة الشرف لجائزة الدولة (النمسا) 1987،  جائزة أفضل كتاب للشبيبة (سويسرا) 1987،  جائزة سميلك كيجن (هولندا) 1989،  جائزة مدينة هاملن لأفضل رواية (ألمانيا) 1990،  جائزة مدينة فيتسلار لأفضل رواية عجائبية(ألمانيا) 1990،جائزة ميلدريد بيشلر للمكتبات (أمريكا) 1991،  جائزة أدلبرت شاميسو الرئيسية ( ألمانيا) 1993،  جائزة هيرمان هيسه (ألمانيا) 1994، جائزة النقاد لأفضل إسطوانة أدبية (ألمانيا) 1995،  جائزة أدب الصوتين (فرنسا) 1996، جائزة النقاد لأفضل إسطوانة أدبية (ألمانيا) 1996، جائزة هانز. أ. نوساك (ألمانيا) 1997، الجائزة العالمية لفن القصة ( أمريكا) 1997، جائزة لياندر هايدلبرغ ( ألمانيا) 2002، جائزة فايلهايم الأدبية (ألمانيا) 2003، جائزة الدولة للفن في مقاطعة البفالز وحوض الراين (ألمانيا) 2003.

له العديد من المؤلفات كالقصص العجائبية (أساطير ثانيــة، الخطاب الأخير للجرذ المتجول، العبور الأول لثقب الإبرة، أساطير معلولا، والشجرة الطائرة)، وحلاب الذاكرة (قصص من دمشق)، يد ملأى بالنجوم، الحنين يسافر بدون تذكرة (قصص من المنفى)، حكواتي الليل (رواية)، صندوق العجائب، وبوسو وسوسو” (كتب للأطفال)، من سحر اللسان (مقالات حول موضوع الكتابة بلغة أجنبية)، الكاذب الصادق (رواية)، هذا ليس ببغاء (كتاب أطفال)، جبل الجليد الملتهب (مقالات عن الحياة في المنفى)، الغراب يقف على منقاره (كتاب أطفال)، رحلة بين الليل والصباح (رواية)، فاطمة وسارق الأحلام (كتاب أطفال)، بزر زيتون (مقالات ساخرة)، ميلاد (رواية)، التقرير السري عن الشاعر غوته (رواية خيالية)، سبعة ممثليــن (رواية)، حنين السنونو (رواية للأطفال)، بعيون غريبة (يوميات لعام كامل بعد 11 من أيلول 2001)، لون الكلمات (قصص مع لوحات مائية من روت ليب)،كيف خلصت أبي من خوفه تجاه الغرباء (كتاب للأطفال)، الوجه المظلم للحب (رواية 100 عام من الحب الممنوع)، في القلب دمشق (مختارات من مقالات ثقافية وسياسية من ثلاثين عام)، حادي الجمل في هايدلبرغ (مختارات من قصص أطفال)، عندما تخلصت الدمى من الخيوط (مسرحية)، زيارة هاينريش هاينه في عيد ميلاده (مسرحية). إضافة إلى عشرات الكاسيتات والاسطوانات.

مازن معروف – جريدة النهار 2009

دوريس ليسينغ في “مذكرات من نجا”.. الكتابة في مختبر مغلق

لا يتمدد مناخ الرواية البريطانية “مذكرات من نجا”، بشكل سريع بما يكفي لابتلاع قرائه. والرواية الصادرة عن الدارالعربية للعلوم ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، والتي قام بترجمتها محمد درويش، تحتوي مناخا بطيئا، يتطور شيئا فشيئا بحسب نضج شخصيتي العمل الرئيستين: امرأة متقدمة في السن، تعيش بمفردها، وطفلة تدعى إميلي يؤتى بها للمكوث في شقة المرأة المتعددة الغرف في الطابق الأرضي. تكتشف المرأة بأن تلك الفتاة لا تمتاز بصفات الأطفال ممن هم في مثل سنها، وهي طفلة شديدة التكتم والخصوصية. تتسلق شخصيتها حبل العمل الروائي في مقابل حراك المراة في المساحة الأضيق طوبوغرافيا إنما الأوسع والأكثر تشظيا وجدية وهدوءا على المستوى الفلسفي والاجتماعي، ما يؤدي الى ابتعاد الكتلتين البسيكولوجيتين للمرأة والطفلة عن بعضهما البعض، لكن دون أن يؤدي ذلك الى شرخ العلاقة بالكامل، لأسباب مثل التحليل الذي تقوم به المرأة، ومحاولتها سبر أغوار شخصية تلك الشريكة الجديدة في السكن، الأمر الذي يجعلها تلقائيا مجبرة على تغذية القارئ بتفاصيل سابقة عن حياتها، وبالتالي نتواجه مع ما يشبه التعرية الآلية للذات وعلى مراحل.

تشكل دائرة حياة الفتاة المساحة التي يُعمل فيها على طبخ شخصية تلك الصغيرة، فتتصرف بما يمليه عليها عقلها المتشابكة أفكاره وأحلامه مع قلقه وخوفه مما سوف يأتي لاحقا. غير أنها الطفلة التي تستحوذ على المكان والجو الداخلي للمنزل بخفة ظل، أو سلطة سحرية تستخدمها لاستخراج الآخر-المرأة دون أن تُمكن هذا الآخر من اكتشاف أي من تفاصيل نظرياتها، ما يخضع صورتها دائما للشك أو الاحتمالات الامر الذي يملأ الرواية بالتطورات بعمق بسيكولوجي ويدهشنا بالتالي لامتلاك ليسينغ هذه القدرة على البحث النفسي المشوق، والصبور والذكي. تقرر الفتاة في مرحلة لاحقة أن تقوم بعلاقة مع إحدى فتيان عصابات الشارع، ما يزيد من صلابتها، وحدة ثقتها بنفسها، وبالتالي يفسح مجالات أمام القارئ والكاتبة الى متابعة لعبتها الروائية، بثبات. فأدنى تطور في تفاصيل العمل يشكل بالنسبة الى ليسينغ  فسحة او نفخا في حجم المناخ، ليحتمل المزيد من الاسقاطات والمساءلات التي لا تستثنينا كقراء.

ليسينغ وبخبرتها الروائية، وهي الحائزة جائزة نوبل للآداب عام 2007، تتملص من العوامل السياسية أو الاقتصادية أو حتى التأثير الإيديولوجي الشيوعي أو الرأسمالي على مجتمع او فكر ما، فتعزل بشكل حاد ومنذ صفحات الرواية الأولى، الحالة الاجتماعية وتؤسس في ذاكرتنا خيوط المتوقع أو ما سوف يأتي لاحقا، تجعل فينا مساحة من اللاوعي المحتلة بالكامل من قبل تفاصيل العمل. هي رواية تمتلك تقنية متصوفة في التحضير لما سوف يحدث. تتماسك الرواية بفعل عاملين يسيران في خطين متوازيين- متقابلين لكل من بعضهما البعض: هناك في جهة أولى المرأة- المنزل، وفي الجهة المقابلة لتماسك هذين الكائنين البنيوي، تظهر الطفلة-الشارع، ونشهد في مرحلة لاحقة تطور هذه العلاقة ما بين هذه الطفلة والشارع ما يشكل متراسا في مقابل المتراس الأول ليبدأ الحراك البسيكولوجي بينهما والذي يضمر في طياته إشارات إجتماعية وإقتصادية وشخصية بشكل هادئ يقارب الملل الا أنه يكون مللا يحملنا على الالتصاق به، فنكتشف بأنه ملل مزيف. ما يربت على كتف هاتين الضفتين، هو التخييل الذي تسقطه ليسينغ على الغرف المهجورة في شقة المرأة المسنة، اذ تستعاد الحياة فيها فتصب في حيز إميلي، لنكتشف مع السطور العلاقة الماورائية أو الصوفية تحديدا التي تحكم تلك المرأة بالطفلة الصغيرة حتى قبل التعرف اليها. هذا إضافة الى الكلب هوغو القبيح الذي يتأرجح وجوده ما بين إميلي صاحبته، واضطراره البقاء في المنزل خوفا من تبعات سلوك فتيان العصابة المشين في ظل غياب شبه تام للسلطة الحكومية عن تلك المدينة. وهو كلب قبيح يحمل الكثير من الأهمية نظرا لاتخاذه موقع الإبرة التي تُجبر المرأة على حملها، في كم سرها متجاهلة ألم الوخز المتواصل.

يؤدي التخييل دورين هنا، اذ يعيد الغرف السابقة الى حياة أكثر نشاطا، تحتمل الاسقاطات التي تعملها ليسينغ باستقدامها عائلة إميلي، على أنها التي كانت تعيش في إحدى تلك الغرف، ما يلغي الصورة القذرة المادية لتلك الغرف، وبالتالي يهيء القارئ على التواطؤ مع الزمن الذي سوف تشكله ليسينغ وفق ما يلائم الحدث العام للرواية. وكأن في ذلك تشذيب الزمن الفائت أو تكديس طبقاته الأكثر لمعانا أمامنا. ما يقصد به مروره على تلك العائلة، عائلة إميلي وبالتالي استعادتها في الذاكرة، وإحاطتها بكل العناصر والسلوكيات الذكورية من قبل الأب وقلة وعي الأم بالشأن التربوي العائلي. هذا ما يجعلنا نشعر بالتصاق طيف الفتاة كحاضر الى جانب المرأة، كما حاجتنا الى تبديد هذا الشعور، وبالتالي تغييب الفتاة لاحقا بحسب مقتضيات عيش هذه الفتاة تحديدا، وبحسب ما تقوم به كل من هاتين الأنثتين (كردة فعل) من قراءات لمحيط يجمعهما، وهو الحي وعائلة الجيران الفخمة نسبيا والعصابات والركاكة الاقتصادية والتعفن الاجتماعي والفقر والصداقة التي تدور ما بين إميلي الأنضج وجون الأكثر طفولة رغم تقارب سنيهما. لتدور أحداث رواية الكاتبة البريطانية دوريس ليسينغ داخل سياج من التضاربات البسيكولوجية والانكشافات التي تتعمد الكاتبة الى الإضاءة عليها بمنهج حيادي قدر المستطاع. لقد مرت روايات ليسينغ بأنماط كتابية مختلفة، كالكتابة الشيوعية التي اختزنت الإيديولوجيا وتأجج او خفوت الوجود الانساني في خضم ما تفرضه مناخات العالم الجديد على الفرد الأضعف. ثم الكتابة البسيكولوجية التي أظهرت ليسينغ كواحدة من قلائل ممن يمتلكون القدرة على اختبار ذواتهم بوضعها في مآزق اجتماعية متعددة، ومن ثم قراءتها بشكل مفصل لتذليل كل سؤال قد يغلف الذات.

غير أن ليسينغ لا تكتفي بإضفاء مسحة التشكيك الكبيرة على تلك الذوات من خلال إغلاق الأبوب عليها، بل وظفت هذا التشكيك لتستطيع فكفكة كل من رؤوس الثلث التالي: العامل المؤثر- كيفية التفاعل الانساني-النتيجة. وأخيرا هناك النفس الكتابي التصوفي الذي يعزل الفرد عن اي مؤثر سياسي او إيديولوجي، ما يريح الكاتبة في تقنيتها أو يؤمن لها تركيز طاقتها بما يخدم الحراك ما بين قطبي البسيكولوجيا والايديولوجيا، من دون أن تعلن لنا هذا كقراء، الأمر الذي سوف يشكل دفعة لنا باتجاه عمق العمل الروائي بشكل خاص. تقول في إحدى جمل الرواية: “واصلتُ الكتابة دون أدنى تردد أو افتقار الى المتعة، في معرض وصفي لعالم الفوضى، والتبدل، والزوال. لا بد لي الآن من العودة إلى العالم الذاتي، وهي عودة تثير الحزن وتفتقر الى الرغبة”.

مازن معروف – جريدة النهار 2009