إلى محمود درويش

الذكرى الثانية لموتك محمود درويش. البياض الذي تستحقه. الفراغ الذي تستحقه. الخفة. الصمت. إزالة العصب الذي يصل الحاجبين المعقودين ببعضهما تعبيرا على العبوس. العصفور الذي ظللتَ تلوِّح بجثته الميتة لعشرات السنين. سرحان الذي تركتَه في الطبعة الاولى من كتاب “أحبك او لا أحبك”. البحر الذي جمعته ذات يوم في البانيو وأنت تفكر في نص طويل يشبه سفينة نجاة تُنفخ بالفم. ضجة ماكينة القهوة في إكسبرس على كورنيش بحري يقف مصدقا أنه يستطيع منع بيروت من القفز في الماء. الطفل الذي يحدق في نهدي أمه دون أن يفهم فائدة هذين الشكلين الزائدين في الجسم. ثرثرة رجل لم يسمع بك من قبل. لا الذاكرة، ولا الشعر، ولا عكازي حيوان أليف على قناة أنيمل بلانِت، ولا الملعقة ولا الفنجان ولا الثلاجة ولا تفقد ممرض لأدوات الطعام الخاصة به والموضوعة في الدرج السفلي الفارغ داخل براد موتى مستطيل. ولا الكلمات المثقوبة كجورب متهم. ولا الحزن المفخخ بقنبلة مصنوعة من جلد قط نفق قرب مصعد. ولا تشاؤم والدتي. ولا كسل أختي. ولا إتكال أبي على وكالة الناسا لإنقاذه من الموت في غرفة بنافذة تطل على كيس. ولا تعب النادلة من الوقوف قرب رجل عجوز أنيق يسيل لعابه بينما يتكلم. ولا شجرة نتحكم بفتحها وإغلاقها كمظلة. ولا رأس رجل نستخدمه لتفتيت الصخور. ولا وجه حبيبتي وهي تنفخ جرثومة لزيادة حجمها. ولا سعة مستودع لكاسيتات فيروز المزورة. ولا خيبة طبعة سادسة لكتاب. ولا تقلص الجلد البشري أثناء إطلاق الـ”أر. بي. جي”. ولا أكل كيس من السكاكر داخل مفاعل نووي. ولا ابتسامة مثبتة ببرغيين. ولا رجل يزيحني باحترام عن الكرسي ويجلِسُني مكاني. ولا شتم شاعر خلال سباق للسيارات في كاليفورنيا. ولا التحديق في لون ترابي على خلفية صوت لياسر عرفات. ولا حقيقة أن مقتل شخص واحد فقط معدل مقبول لكل عبوة ناسفة. ولا مرور الـ”أر. بي. جي” فوق مصنع أكياس دواء. ولا صوت القداحات المتكرر في متجر بيانو. ولا الكمامة المثبتة على وجه رجل إطفاء أثناء ممارسته الحب. ولا اختناق عاملة الهاتف أثناء لعبها الغولف. ولا المكوث في تجويف أنف لتمثال عملاق. ولا قضاء يوم كامل في قياس نسبة الرطوبة في الهواء. ولا اشتباك معطف سوبرمان بعصفور صدفة. ولا الحشرات التي أيقظها إطلاق فان غوغ رصاصة على نفسه. ولا إصابة ساندريللا بفوبيا منتصف الليل. ولا عدّ الكلمات في نص مُهدى إلى محمود درويش. ولا قياس مساحة الأرزة على وثيقة سفر لفلسطيني في بيروت. ولا بصق قطعة كاوتشوك في وجه فراشة من وقت لآخر. ولا قياس مساحة الفراشة التي هبطت على الأرزة في وثيقة السفر. ولا رفع طرف الفم النازل قليلا باستخدام ساق معقوفة لإحدى الكائنات اليابسة. ولا “لا جدوى” رفع طرف الفم قليلا. ولا الفشل في إطلاق الكتف كطائرة ورقية بعد الركض مسافة طويلة في منتزه للعجزة. ولا التوغل في أحشاء جرثومة منفوخة لاخراج دبابيس. ولا دهن صور الشهداء بالنافتالين. ولا الدبابيس التي استعملت لتعليق صور شهداء في أمعاء جرثومة. ولا تطوير امرأة جينيا وتحويلها إلى قمر عاكس للضوء. ولا ركل كرة العرافة على كوكب خال من الهوايات. ولا تقديم رأس حمامة لصانع فكرة “السحبة” كتذكار. ولا البياض. ولا الصمت. ولا الخفة. ولا الاحتفاظ بنَفَسِكَ الأخير في أنبوب. ولا الفتحة ولا الكسرة ولا الواو. ولا الحظ. ولا بداهة أن يكون هناك “ولا”. ولا نقيض ما ورد هنا أو هناك أو هن. ولا ملء جمجمة فارغة بالماء والاعتناء بسمكة.. إسمع.. فلنتعادل لمرة واحدة على الأقل؟ لا أنت ولا أنا.. استدعاء تشارلي تشابلن إلى هذا السيرك مثلا وإرغامه على المشي فوق الزيح الفاصل بين البحر والسماء

مازن معروف

جريدة النهار – 2010

Advertisements

صباح الخير لنزار قباني في عيد ميلاده

مرحبا نزار قباني. هي مجرد “صباح الخير”. تتقاسمها أنت وليليان. لك النصف ولها النصف. آه، عفواً..ليليان فتاة كنت أعرفها منذ سبعة عشر عاما. كانت يومها في الرابعة عشر من العمر، ولا تزال الى اللحظة هذه في الرابعة عشر من العمر. هاجرتْ الى أمريكا مع والدها. لا أعرف عنها أكثر. إلا أنها كانت بوابتي الأولى الى الحب. كتبت لها أولى كلمات الشعر، الذي كنت أجهله، وما زلت أجهله. قبل أن أتعرف الى كتاباتك، ومن ثم أنطلق في قراءتي للشعر بعيدا عنك وعن ليليان. لا بأس إن هجرناك أيها الدمشقي المحتال، أيها الولد الخائف الذي بكى في مستشفى الجامعة الأمريكية لأنه ظن أن الشعر أفلت من يديه. أنت خارج التصنيف، لأنك استثنائي، ولعلك الشاعر الذي لم تَعنِه يوماً معارك الكتابة التجريبية الزاحفة إلينا من أوروبا بأسمائها المتعددة. الكثيرون تنكروا لك، أنا أعرف بعضهم، وأعرف أنهم تراجعوا عن تنكرهم لك. هل تعلم كم من المرات حاولت تقليدك، وتقليد نبرة صوتك. كنت أقف في مطبخ بيتنا المؤلف من غرفة واحدة فقط، بعد أن ينام أهلي وإخوتي، فأحمل كتابك “الاعمال الشعرية الكاملة-1” بعصبية وأجمع صوتي في الحنجرة، أجمعه ملياً كي يبدو كصوتك الرجولي، ثم أبدأ. كانت أمي تستيقظ غاضبة “أما زلت تقرأ؟ نَمْ..فغداً مدرسة”. لكنني كنت أنكرك أمام الأصدقاء. بصراحة، أنت لعنتنا. لم يطرق أحد باب الشعر بالأصابع التي طرقت أنت بها. حتى محمود درويش، لم يبدأ كتابة الشعر الا متأثرا بك في ديوانه الأول “عصافير بلا أجنحة”. حملت أنت الشعر ودُرتَ به على عتبات البيوت، ليتقاسم كيس النايلون ذاته الذي فيه ربطة خبز. فيما كان بعض الشعراء يحاولون حفر أسمائهم العربية على عتبات النخب الثقافة الأوروبية. هكذا كانت الجرعة الأولى من هذا السم اللذيذ-الشعر، تزحف ككتلة شوك داخل عروقي البارزة خارجة من إبرتك، فيما أنا مقيد لـ “ليليان”، كأبله مقيد الى كرسي هزاز، ليس أمامه سوى أن يستمر بالدفع الى الأمام والخلف وهو محكوم بالبقاء في مكانه. ليليان عرَّفتْني على مسخ جميل إسمه الحب، ونزار عرفني الى تعويذة إسمها الشعر. وفي كل مرة أحاول الكتابة، يحضر على ورقتي المسخ مُغلِّفاً جسده العاري بالتعويذة تلك. ليتني عرّفتُ نزار قباني على ليليان، وليليان على نزار قباني. لاستطعتُ ربما هجرَهما الى الأبد. على كل حال، صباح الخير نزار، صباح الخير ليليان..صباح الخير مستر “فالنتاين”.

مازن معروف – جريدة النهار 2009