إلى فيتوريو أريغوني

كليك. صفحة بيضاء أخرى تفتح على شاشة اللابتوب. سيكون علي ملؤها بالكلمات. أقصد، الكلمات المفيدة. قدر الإمكان. كليك آخر على أحد المواقع الأخبارية. “العثور على جثة ناشط سلام إيطالي وصحافي في غزة”. في العادة، لا أكترث لمثل هذه الأخبار. لا يستوقفني الضحايا الأبرياء ولا الضحايا غير الأبرياء ولا الضحايا السذج ولا الضحايا النادمون لأنهم أصبحوا ضحايا ولا الضحايا لحظة يدركون المأزق الأخير لهم في الحياة، المأزق الحتمي، ذا الاتجاه الواحد، المأزق التصاعدي، الذي يكون عليهم تسلقه حتى أعلى نقطة فيه: الموت. الضحايا لا يستوقفونني. ليس استهتارا أو استخفافا، بل تخففا من الجدال الذي يحتم عليّ حالهم أن أعيشه مع نفسي. يضعني الضحايا أمام سؤال اللاجدوى. أتشردق. لماذا لا نستقيل من هذا النشاط الاجتماعي، ونترك الأمر للطقس مثلا؟ الزلازل. الهزات الإرتدادية. إنزلاقات التربة. الفيضانات. التغير المناخي. الاحتباس الحراري. الإنقراض. أليس الطقس جديرا في تغيير موازين القوى على هذا الكوكب؟ فلنقدر القوة (بمقياس إسحق نيوتن وحده) اللازمة لهزة أرضية لتدمير مفاعل نووي. فوكوشيما مثلا. أو لهدم مخبأ لسلفيين يحتجزون ناشطا إيطاليا. ولنكن أكثر تحديدا، مخبأ لسلفيين يحتجزون ناشطا إيطاليا لأن لديهم مشكلة مع حركة إسمها “حماس”. مع إفتراض أن الهزة اللطيفة ستحدس رائحة الناشط، خوفه، توتره الأخير، لون العصبة السوداء التي على عينيه، المسافة بين شفتيه المفتوحتين، كتفيه الساكنين، سماكة الأصابع التي تمسك برأسه من الخلف وتثبته أمام كاميرا. نفترض ذلك لأننا إنسانيون، وهذا متناقض تماما مع توق الاستكانة إلى الطبيعة، الإستعانة بغضبها، أعني، ما كنا نقترحه قبل قليل. يبدو الأمر عبثيا. لا مفر. حسنا الإنساني التافه يرصدنا، إنه كزينة باهتة تتدلى من سقف غرفة بعد حفلة عيد ميلاد. إنسانيتنا، لا مفر من الإصطدام معها. الآن مثلا. تسألني كارلا عن الهدية التي وعدتها بها لأنها انجزت امتحان الرياضيات بنجاح. كارلا لا تحب الرياضيات على أية حال. تكتب لي على الماسنجر متسائلة وغاضبة “اين الهدية التي وعدتني بها؟”. لا أعتذر لها. لا أرد. هل أقول لها بأنني مشغول بكتابة تحليل عن الإنسانية، او عن لحظة سقوط الإنسانية في الحفرة؟ كارلا في الصف الخامس، وهي لا تكترث، وهذا أفضل. يكفيني أن أحب البلاد من بعيد. فلسطين. أنا البسكويتة، وأنتم أصحاب الفيلة العملاقة، ويوم تحررون البلاد، سأقف، أعدكم، على أعلى تلة وأدحرج نفسي كي أستقر في خرطوم فيلكم الأكبر. فيلكم القائد. قبل كل هذا، سأكون الجبان. أعرّف نفسي على هذا الأساس وأرتاح. وإلى أن يحين موعد استراداد الغنيمة من الإسرائيليين، سأكون منشغلا بجمع الحشائش المفيدة لأجسادكم التي عليها ذرف الطاقة والخلايا الجلدية والسوائل الكيمائية والاوامر العصبية والـ”كَكّا” أثناء وضعكم الخطط. جمع الحشائش يتطلب مهارة، وجهدا، ودراية بالنباتات، فأنا لا اريد لكم أن تصابوا بالإسهال أو الحساسية أثناء المعركة الفصل. لا يعطس الجندي في المعركة ولا يطلب إذنا من قائده كي يقضي حاجته. لذلك، لسنا متأكدين من عدد الجند الذين ماتوا وبطونهم ملأى بالخراء، اولئك الذين ارادوا فقط أن يتغوطوا قبل الإلتحام مع العدو. رغبتهم الأخيرة والقليلة. لا أكثر. أشد المآسي قسوة. أن تأخذ خراءك معك إلى العالم الآخر. إهانة حقيقية للعرق الآدمي. لذلك، أنا على الأرجح، لن أرد على هواتفكم النقالة والأرضية وإيميلاتكم، ورسائلكم الصوتية والإلكترومغناطيسية. هل انتم مقتنعون بهذه الحجة؟ أرجو ألا تكونوا. لأنكم ستتفاجأون بعدئذ. السيد فيتوريو أريغوني مثلا. جالسا على الكرسي، هادئا، مستغربا (أو هذا ما نريد أن يكونه: مستغربا). هكذا تكافئه الشعوب. هل طلب قضاء حاجته قبل شنقه؟ سيكون عندئذ قد حمل مواده المعوية معه إلى المقلب الآخر من العالم، تاركا حبه لفلسطين وتضحياته وكتاباته ولحظاته السعيدة والحزينة في قلوب أصدقائه. القلوب الشبيهة بقجج الاطفال. الآن يعرف محبوه أنه كان يجمِّع في قججهم أجزاء حياته، مكتفيا لنفسه بكومة خراء في بطنه تليق بهذه اللحظة: أن يكون ضحية سجال بين حماس وذلك الفصيل السلفي. ثم يرحل. لا يستأهل هذا العالم مزيدا من القبح، مع انه قبيح. قلت لصديقتي قبل قليل: سأضع رأسي في حوض زريعة فارغ. أتعلمين لماذا؟ كان عليها أن تقول “لماذا؟”. إنتظرت قليلا. وبعد أن لفظتْها، أجبتُها متحمسا: القبل التي لم أذرفها لكِ، سأتركها تسيل وتتجمع في حوض الزريعة ككومة من أوراق الشجر الصغيرة. الآن، أعدِّل قليلا. ما رأيك يا صديقتي، لو نجعلها حبات بازيللا بدل أوراق الشجر؟ حبات البازيللا تهبط أسرع. الهواء لا يمارس عليها قوة تعارض قوة الجاذبية (تخيلي تمرين الفيزياء حول الباراشوت في الصف الاول ثانوي). أوراق الشجر تهبط أبطأ. أعني، سنضيع الوقت ونحن نتفرج على أوراق الشجر وهي تستقر في الحوض. الوقت الزائد هو كل ما يلزم للسيد فيتوريو لكي يُعدَم. في إحدى التظاهرات في غزة، وقف السيد فاء (سيصبح فيتوريو من هذه اللحظة فاء*) ذات يوم أمام الكاميرا، كبوباي. عضلاته بالفعل كبيرة. وشم على بايسبس ذراعه الايمن: “مقاومة”. صار عنده “فلسطين” في رقبته، و”مقاومة” على زنده. خارطة ومانشيت. كان عليه أن يرسم حول كوعه، كيس زبالة أسود، بحيث يقفَلُ الكيس أوتوماتيكيا ما أن يشد السيد فاء عضلاته. * فاء السببية: فدائي، فائت، فجوة، فتى، فظ، فرد، فوشار، فسحة، فرق، فخ، فحوى، فوبيا، فلة، فم، فرح، فوق، فناء، فزاعة، فلسطين، فوكوشيما، فالحليب الذي وضعت فيه البابونج والعسل وتركته يبرد ثم سكبته بهدوء في المجلى، فإلخ. لا شأن لي بالفقراء والجوعى. سيموتون بأمعاء فارغة. نسخة من “عدّى النهار” على اليوتيوب: عبد الحليم حافظ يلعب الغميضة مع صدام حسين وجهادي ملثم في شوارع غزة. نسخة أخرى: بيانو، محمد منير، صور من حرب الـ73 أو 67. لا فرق. شأن الهزيمة شأن الفوز. فوز: فاء أخرى. شقلبة الأمل. إستحداث الإنتباه. ثقل عجلات الاسعاف. العربات. هواء العناية المركزة. الفشل. فاء أخرى. فيتوريو. الأصدقاء يعصرون غيمة ناشفة. كليك. الإنضمام إلى صورة الجنة. شقلبة الأمل. كليك. شقلبة الامل. مشِّط شعرك. كليك. صفحتك على الفيسبوك. إستياء إصبع القدم غير المرتاح بهذه الوضعية داخل الحذاء المائل أسفل الجثة. كليك. نفخُ بالونات بعامود فقري مجوّف. تجميع غدد تنتج دمعا وتعليقها على مشجب. وداع بطة بلاستيكية. قياس القوة التي تلزم نملة كي تفقس. إنعاش عجوز في الغرفة المحاذية لمختبر فيزياء. كارلا مجددا. سرقة نظارة الدالاي لاما أثناء نومه وتفكيره بالحشرات. ثم، فـ ـيـ ـتـ و ر ـيـ و: سبعة. كليك. اختيار سبع كلمات من هذا النص وترتيبها قرب بعضها البعض: تشردُقُ – بوباي – ببسكويتة – أثناء – لعبه – الغميضة – في – عالم – إلكترومغناطيسي. تسعة. غششتُ مرة أخرى. كليك

مازن معروف

القدس العربي – الأربعاء 20 نيسان 2011

Advertisements

أربّي لاجئاً صغيراً في داخلي

1-

 لم أعد أفهم الحرب. كما لم أعد أفهم هذا الفلسطيني الذي أحمله داخلي وأدور به في مدينة ملاهي الحياة. الفلسطيني أحد لاجئي 1948. أنا لم أعد لاجئاً. في المقابل لم يعد أيّ فلسطيني لاجئاً. كل ما في الأمر أننا، كفلسطينيين، يحمل كل منا داخله لاجئاً صغيراً ويربّيه. لا يعنيني من هذه الحرب سوى مشهد البغل المقتول قرب عربته. عربته ظلّت بخير، وقد رأيتها، أقسم لكم، تنكز البغل، صامتة. ظننتهما يلعبان الغميضة بادئ الأمر، ظننت أنه كان يختبئ منها، وقد أخذه النوم قليلاً لأنه متعب، وأنها وجدته، وقد حان دوره الآن كي يغمض عينيه وتختبئ هي. أعتذر عن بلاهتي. غير أنه سقط ميتاً في أحد الازقة. على فكرة، سأقول لكم لماذا مات البغل. كان يحب فتاة صغيرة. كان يقف مقابل شُبّاكها المربّع. ويبتسم. لكنها لم تنتبه اليه مرة. من ينتبه أصلاً الى ابتسامة بغل؟ عندما جاء الرجل ذو اللحية، وأخذها من يدها الصغيرة، ووضعها بين شريحتي خبز، أكلتْها الطائرة الشريرة بلسانها الطويل المتدلي من السماء. خاف البغل من الوحدة، رسم على وجهه لحية، ودهن اللحية بالعسل. ثم وقف في الزقاق. كان أشهى من الفتاة. قِطعُ الفوسفور الأبيض، كانت الزينة الأخيرة الملتصقة على جسمه العاري والميت. لكن، لماذا لم تقم العربة ولمرة واحدة بجرّ جثته، في محاولة لردّ الجميل على الأقل. كان على الصبية المقطوعي الأذرع أن يتجمعوا خلف العربة وينفخوا كلهم لدفشها. بعيداً من البغل.

2-

ما نراه مجرد وهم. لم يهدم أحد جدران البيوت. هي لا تزال واقفة، لم تهو، ولم تتناثر. كل ما في الأمر، أن تلك الحيطان كانت تحلم بأن تصبح لاعبة تنس. الآن تسنى لها ما تريد. هي تقف. تنتقي طفلاً مشاغباً، وتتقاذفه. يصير هو مجرد قِطَع. يهرع الناس لجمع أشلائه وتركيبها. الناس في تلك المدينة البعيدة، يحلمون بدورهم، منذ زمن، ببيضة “كيندر”.

3-

 لم أبك مرة واحدة منذ بدء الحرب. غدد الدمع منشورة على حبل غسيل معدني في الخارج. وهي قد تقلصت بفعل تبَخّر السوائل منها، وجفّت. وأنا في حاجة لإعادة نفخها. يلزمني فقط مشهد في صحة سليمة. مشهد يكون عادياً ومملاً. سأخترع واحداً. فلنفترض أن مشوّهي هذه الحرب هم في حفلة تنكرية. وأن جلودهم الممسوخة، هي أقنعة اختاروها ليقوموا بإخافة قذائف الطائرات، ولذلك تنفجر القذائف في الهواء قبل أن تطأ الاسفلت. تنفجر لأنها خائفة. لهذا يرجع المعدن المستخرج من الأرض الى أرضه، قبل أن يرجع الفلسطيني البعيد.

4-

 بالنسبة اليَّ، لا أعتقد بإمكان إتمام عمل فني ما، وبخاصة الشعر، من دون اتصاله بحياة ما. الشعر كيس مصل الحياة. وثنائية الشعر – الحياة تكاد تقف وجها لوجه مقابل ثنائية الحياة – الموت. ما يبدو مشتركاً بين هاتين الثنائيتين، هو الحياة، بفوضاها وهدوئها، ببساطتها وتشكيلاتها الساهمة في التعقيد، غالب الاحيان. بألفتها تجاه سكانها، وبغضها لهم. الحياة كائن لا يتخلى عن تنفسه. الحياة موسومة بالعناد. هذا العناد يتجلى في رغبة واحدة تتقاسمها المخلوقات جميعها. النملة على حافة الشبّاك، النبتة التي تُهرّب جسمها من شقّ في مبنى مهجور، الفراشة التي نعلم ماذا تفعل حين ينزل مطر هائل أو حين يفجّر أحدهم نفسه على مقربة منها، مثلاً. أسمّي كل هذه المخلوقات، عمّال تنقيب. عمّال الحياة، التنقيب عنها وسط كومة هائلة من الدقائق الميتة، المتساقطة سهواً، ربما، عن ظهر الزمن، ذلك الذي لا يكترث لأحد. الحياة موسومة بالصخب. الصخب عمود الحياة الفقري. يقابله في الجهة الأخرى، خلق داخل قصيدة. الشعر، إذاً، باختلاف مقاييسه، وجه آخر يحدّق في وجه الحياة عبر قناة نحيفة جداً، أقرب ما توازي في نحافتها خيط عنكبوت رقيقاً. القناة اذاً، ما بين الشعر والحياة، قناة لاستشفاف الحب، وإعادة صناعته. الشعر يبني عالماً هو مزيج من واقعية لا تتنازل عن صلابتها، وحزمة من أحلام شفافة كالساتان، عالماً قد يلوّن الشاعر سماءه، بالأزرق أيضاً، لكنه على الأقل، يكون صنع سماءً باللون الأزرق، له وحده، على ورقة بيضاء. المعادلة اذاً بسيطة. هناك الخلق، وهنالك الصخب.

الخلق محاولة، قد تبدو يائسة، للخلود. لكن الصخب قد يحوي الموت، الصراع، الكراهية، القتل، العزلة، كذلك الألفة، الحب، السكينة، السلام. القطة التي تلحس فراءها غير الباهظ، لتنام بعدها، ربما تحت هيكل سيارة مفخخة سابقا. إنه ليس صخباً أليفاً بكل الأحوال. داخل احدى خاناته، يقف قاتل ما. داخل إحدى خانات الشعر، يقف شاعر ما، يقيس الزمن والانساني، داخل الحياة. القاتل والشاعر يتجاذبان أحدهما الآخر، الأول في اتجاه الموت، الثاني في اتجاه الحياة – المعيشي، لاستنباط الافتراضي، الأجمل، الأكثر قرباً نحو الكمال. الشاعر أُسمّيه، ورّاق الجدران البالية داخل الغرفة – الحياة. القاتل أُسمّيه، النافذة الموصدة، التي تشعر خطأً، بأن لها الحق المطلق في الوقوف بمفردها داخل الغرفة – الحياة.

القتل يعني أن تقصي كائنا عن تناول الأوكيسجين، الابتسامات، كذلك الألم. يعني أن تبلل آلاف الوجوه بالدموع، أن تبلل آلاف المنازل بالظلمة، آلاف الشجرات باللون الأصفر. الشاعر، حين يأتي القتل، يخلع عينه ويرمي بها في ساحة الجريمة – مسرح العرض. عينه التي تتدحرج على الأرض، تتسبب لزوجتها في التصاق مشاهد ما بها، بعض الدم، والأخشاب، والهواء الكثيف، وربما المارة. الشاعر، على الطرف الآخر من الحكاية، يستعيد عينه، يسجل المشهد ثانية على الورقة، لكن بإعادة تنظيم الزمن – ترتيب الشخوص، المكان والمخيلة، أي… مخيلة القاتل، محاولا النفاذ بأشياء الحياة داخل خرقة الموت، أو الموت داخل أبيض الحياة، الذي ليس أبيض تماماً.

الخلق جندي الحياة. لا يفعل القتل معه شيئاً. القتل ظل يتمشى بلا قدمين. تخيّل، مساحة ظل تسيل فوق أشياء الحياة. يقابل هذا السيلان، صراخ قصيدة ما، أو لوحة ما ولدت للتو.

القاتل والشاعر محاربان قديمان، الأول بإطلاقه رصاصة ما في اتجاه الحياة – المادة. الثاني في محاولته حرف الرصاصة عن مسارها الأصلي، ولو تسنّى له ذلك، ازالتها خارج المشهد اليومي بالممحاة. الشاعر يصنع حائطاً صغيراً ويضعه في وجه الرصاصة. الرصاصة تصنع ثقباً في الحائط. القاتل يبتسم. الشاعر أيضاً. يأتي عصفور في النهاية، يضع عفشه وحاجياته داخل الثقب، يصنع عشاً… ويبقى هناك. العصفور ساعي بريد، يسلّم الشاعر مغلّفاً يحوي إصبعين معقودتين على شكل إشارة النصر، ثم يثبّت الإبتسامة على شفتيه، ويرحل موقتاً.

العصفور يحدد بالضبط النصر والهزيمة، وأن ثمة خلقاً وثمة إفناء. الخلق يقفز فوق مادية الأشياء، فيما يتخبط الإفناء في مستنقع المادية. الإفناء، إفناء المادة الصرف من دون المساس بمنهج الحياة، أو جوهرها أو رغبة ساكنيها في البقاء على قيدها. هكذا، يظل الشاعر في محوره الذي بلا جدران أو أسلاك شائكة أو ألغام محيطة أو قناصة محيطين. فيما ينصرف القاتل الى عمله كالمعتاد. قد يأتي قاتل آخر بعد حين، لسنا ندري، وفي اللحظة التي يكون يحشو فيها بندقيته أو يزرع قنبلة تحت مقعد سيارة، سيكون ثمة شاعر، ربما في الشارع ذاته أو المبنى، أو الكافتيريا، يُخيّط حياة أجمل بقليل على الورق.

5-

 يقف الشهيد بعينين إضافيتين، الى جانب عينيه الأصليتين، وسط المربّع الذي زواياه: غزة، دمشق، بيروت وصنعاء. يدحرج كل عين نحو زاوية ما، تذهب العين، ينتظر طويلاً عودتها. تأتي أمه، وتعيده بغضب الى برّاد الموتى في المستشفى

مازن معروف

جريدة النهار – 2008