السؤال الأخرس: لماذا؟

تسترجع ماري رشو من خلال روايتها “طفلة الكوليرا” (دار الساقي)، حقبة من التاريخ الخاص بالأرمن. تقوم بذلك من خلال الاتكال على ما تعتبره حقائق أرشيفية، لتصوغ لغتها الروائية من دون أن تبتعد قيد أنملة عن الحدث العام (مأساة الأرمن)، الذي لا يلبث أن يتخذ زاوية خاصة جدا، تعتبرها الروائية كافية لبناء عمل أدبي. لا بد في البداية، من الوقوف عند بعض الأسئلة حول ما يختص بالأرشيف التاريخي وأثره في بعض القوميات. فتاريخ القرن العشرين، شهد منذ بدايته تكثيفا غير مسبوق لناحية الحدث وتسارعه، ولانسحاب نتائج هذا الحدث على البشرية بشكل عام.

ضَعُفَ نفوذ الدولة العثمانية، ووهنت سلطة الأتراك، بعدما امتدت في مرحلة ما لتطال أفريقيا. لحماية إرث السلطنة العثمانية، لجأ الأتراك في نهاية الأمر إلى المارد الألماني، بشروط حددها هذا الأخير مسبقا. ترافق هذا مع اهتزاز الموقع العسكري لدول عدة، مما أدى إلى اختلال في موازين القوى بين الشرق والغرب بعد الحرب العالمية الاولى، إضافة إلى تغييرات ديموغرافية، نتيجة الإبادة، أو التهجير القسري أو الاختياري. لم يعد التشكيل المدني للأمكنة، مماثلا لما قبل الحدث. تالياً، فإن انسلاخ الانسان عن مكانه الأول، كان لا بد من أن يشكل مساحة إضافية في ذاكرة بعض الشعوب كتعويض نوستالجي أقله عن المأساة والحرمان من ملكية مكان الأجداد. ما حدث للأرمن، كان ممكنا في حق شعوب اعتبرت دون مستوى شروط الإنسان، بسبب اختلاف عرقها أو ديانتها او انتمائها الإيديولوجي. الغريب أن ما حدث للأرمن من مجازر إبادة وتهجير، وإبعاد وسخرة وحرمان، بقي إلى حد ما، رهن التجميد، إذا لم نقل النسيان. بقيت القضية الأرمنية، مسألة ذات طابع خاص وضيق يكاد لا يتجاوز أصحاب القضية المعنيين بها شخصيا. لم تأخذ المسألة بعدها الانساني بالشكل الذي حظيت به قضايا أخرى كالقضية الفلسطينية. ولا نعرف مثلا من المسؤول عن هذا الأمر. هل هو الجيل الثاني من الارمن مثلا؟ هل صحيح أن انشغال الأرمن بالصناعة والتجارة والانصراف إلى تثبيت اقدامهم على أرض المال، وتالياً تحقيق كينونتهم ووجودهم كأرمن اولا، ومن ثم كرجال أعمال او أصحاب نفوذ، هو ما تسبب بهذا التغاضي عن القضية؟ مهما يكن من امر، فإن ماري رشو، تطرحه من خلال شخصية الأب واهان، الذي كان طفلا في العاشرة من عمره حينما أجبر ووالدته آرشا على مغادرة الديار، بناء على أوامر الحاكم العثماني. آرشا الجدة، تحكي لحفيدتها لورا، قصة الأرمن، وألم الجوع والعطش والإذلال والإهانة المعنوية، المرافقة لهم في رحلتهم. تستثار الحفيدة، مما يضعها وجها لوجه امام ابيها واهان، الذي يبدو موضوعيا تجاه الأمر، أكثر من اللزوم. تمثل الجدة، برمزيتها في الرواية، الذاكرة او الأرشيف الحي. وهي تشكل بالإضافة إلى الوثائق التي تعتمدها لورا، كمّاشة للقبض على الحقيقة (او ما تعتبره لورا هكذا). فيما يمثل الأب، الذاكرة المتذبذبة بين الانحياز الى القومية الارمنية، وموضوعية مجوفة، يملأها واهان بالسخرية. لكن شخصية واهان، تبدو من خلال العمل كأنها البيان غير القومي للأرمن، لكن الضعيف، وغير القادر على الدفاع عن افكاره أو تثبيتها أمام مارد القومية الأرمنية (لورا). تستخدمه لورا، لدحض هذه الأفكار وتفتيتها، والانتصار على “وجهة النظر الأخرى”. تؤدي شخصيته دور الضفة الاخرى للعمل الروائي، وذلك من الناحية الفكرية وليس الجمالية الروائية. أما آفو، فيبدو على النقيض تماما من أخيه واهان. إذ يتمتع بمخيلة متأهبة للدفاع عن الارمن (هو الذي ولد نتيجة اغتصاب أحد قطّاع الطرق، لوالدته آرشا). فآفو يتمتع بصحة مريضة، فيما يبدو واهان الذي يكبر اخاه بعشر سنين، اكثر قوة وفتاوة. هذه هي الكماشة الثانية التي تلعب عليها ماري رشو، إذ يبدو العامل الفكري متنافيا مع العامل الجسدي. التقاؤهما في جسد واحد، يكون مستحيلا. هذا الجيل من أطفال الارمن الذين عاشوا المأساة، لا يتوافق فيه شروط الدفاع عن قضيته. هذا إذا اخذنا في الاعتبار، موقع كلٍّ من واهان وآفو الاجتماعي، حيث اضطر واهان لتحمل المسؤولية، والعمل كمصور فوتوغرافي منذ صغره، أما آفو فبرع في الدراسة منذ صغره وألف ثقافة عالية. من هنا يبدو ان كلا الأخوين، حوكم بالقضية، منذ نعومة اظفاره وخضع ميتافيزيقياً للحياة ما بعد المجازر.

يبدو أن قوام الرواية الأساسي هو التاريخ. وهو مشغول بمسؤولية عالية، لجهة البحث الذي قامت به رشو. جعلته حيزاً للمعادلة الروائية، ولم تعتمده كجسم أساسي لبناء الدراما في الرواية، موظِّفةً إياه جسرَ عبور إلى المأساة. فالكاتبة اهتمت أولا باستعراض ما ورد في المراجع التي لجأت إليها لتأليف “طفلة الكوليرا”، إلا انها لم تبذل الكثير من الجهد لرفع الرواية فوق مستوى التناقل الشفوي للتاريخ، الذي وإن بدا حاضرا، فإنه ثقيل وفج، وخال من أي ابتكار درامي أو إضافة تأخذ في الاعتبار ضرورة تغليف كل عمل فني بالقيمة الجمالية، بعيدا من القيمة التاريخية أو قريبا منها. على كل حال، فإنه أحد انماط الرواية الموجودة، شئنا هذا أو أبينا، لكن الفن يشترط مساحة أخرى من الوعي، وليس البصري فقط. فالتاريخ يتكون اولا من خلال العين والأذن، ومن ثم يتم تناقله عبر اللمس، من خلال أرشفة المادة البصرية – السمعية، بالكتابة. وهو يبقى في نهاية المطاف تاريخا، لا يجوز استنساخه أو نقله كما هو، ولصقه بخلفية شخصية ليتحول فناً. ذلك ممكن فقط حينما يحضر الوجود الفني والجمالي لعناصر تأليف الرواية والشخصيات وتعميق العلاقة بين الشخصية والمكان. لكن “طفلة الكوليرا”، وبقدر ما يبدو العنوان آسرا وجذابا، بقيت بعيدة عن هذه الجمالية المفترضة في العنوان، وعما توقعناه كذلك. فخطوط السرد مثلا، لم تتنوع ولم تلاعب الزمن، بل ظلت في مسار واحد، وهو التناقل المباشر من الجدة إلى الحفيدة (القديم إلى الحديث). وهذا أبسط وسائل الكتابة الروائية، وأكثر أشكال الحكايات كلاسيكية. لكن ضرورته هنا، مبررة لسبب أن ما حدث للأرمن جزء من ذاكرة الأرمن أنفسهم، مما يقوّي أواصر الربط بين صدقية المادة التاريخية والنسيج الروائي. وهناك إشارتان لا بد ان نتوقف عندهما، الأولى: أن رشو اعتمدت الدفاع عن الدين الإسلامي، لتطهر التاريخ من احتمال علاقة الديانة الاسلامية كمنهج، بما حدث للأرمن باعتبارهم غير مسلمين، وباعتبار الأتراك الذين ارتكبوا ما ارتكبوه، مسلمين، لكنهم مارسوا ما مارسوه من وجهة نظر فردية، لا تعبّر عن وجهة نظر الدين الإسلامي (تستعين الكاتبة بآيات من القرآن الكريم وبأقوال الأئمة، حول التعايش والتآخي مع الآخر، وبموقف شريف مكة الذي استنكر إبادة الأرمن وطالب بحمايتهم على اعتبار أنهم أهل كتاب). الثانية: أنها تحاول ألا تعمّم صورة التركي، على انه الآخر العدو، بإدخالها شخصية الدركي التركي مصطفى، الشاب الذي يحاول مساعدة الارمن الشيوخ والنساء والأطفال العزّل، الذين يؤلفون قافلة الترحيل. إن في الإشارتين السابقتين، أهمية كبرى لجهة تهذيب المادة التاريخية المؤرشفة، وضخها إلى الجيل الأرمني الحديث، بأفق أكثر اتساعا.

من هنا، تحتل الرواية مكانة من حيث اعتمادها السرد الشفوي للجدة الأرمنية، كمصدر أساسي للمعلومات، إضافة إلى أن هذا الأمر يشكل دعامة لسقف الواقعية التي تشتغل تحته رشو، وخصوصا أنها روائية تقف وجها لوجه أمام موضوع جاهز، سواء أكان قضية سياسية أم إنسانية. لكن هذا الخط الوحيد للسرد، والخارجي، تتفرع منه خطوط ضمنية للحدث الواحد، فتتداخل ما بين التاريخي – السياسي من جهة، والإنساني – الفردي من جهة أخرى. يتم تلاقح هذين الخطين او التقاؤهما من خلال الظلال التي ترسمها السياسة وانسحاب نتائج الحرب على الإنسان الأرمني بشكل مفارقات مؤلمة (طفل يعصر كومة من التراب آملا أن ينزل منها ماء، نساء يفتّتن روث البقر لإيجاد بعض الحبوب التي لم تهضم، الكوليرا أو التيفوس الذي أصاب بعض الأطفال، الصبايا الأرمن اللاتي يلقين بأجسادهن في البئر بسبب العطش الشديد، بعضهن يمتن، أما الناجيات، فتهرع إليهن النسوة، فيلعقن أثوابهن المبللة، أو يمصصنها).

تعيد رشو السؤال عن سبب المأساة، وتهجير الأرمن. وهو سؤال يخرج في الرواية على لسان لورا الطفلة، لكنه سؤال الحقيقة. سؤال “لماذا”، الذي يتخطى في طبيعته خصوصية المجزرة الأرمنية التي ألحقت العار بمفهوم الإنسانية جمعاء. هو السؤال الذي يمكن أن يطرح كذلك حول جرائم أميركا في حق الهنود الحمر، أو فيتنام، أو حول جرائم اليابان، أو مذبحتي هيروشيما وناكازاكي الكيميائيتين، أو محرقة الهولوكوست، التي أودت بحياة عدد كبير من اليهود الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أتباع ديانة مختلفة. وهو السؤال نفسه الذي يطرح حول مأساة الفلسطينيين الذين هجِّروا وشرِّدوا من بيوتهم على أيدي العصابات الصهيونية، الشتيرن، والهاغانا والأراغون. وهو السؤال الذي يمكن أن يطرح على حروب البلقان، ورواندا والسودان، والعراق، وهو ربما السؤال الذي قد لا تملك أي إجابة، الجرأة لمواجهته.

 مازن معروف النهار 9\10\2009

مازن معروف في “ملاك على حبل غسيل”… يحترف المجازفة بلغته الجديدة

صحيح أنّ القصيدة ليست مجرّد كلام موزون ومقفّى، لكن ممّا لا شكّ فيه أنّ القصيدة خارج إطار الوزن والقافية يصعب تحديدها، لأنّ النثر الفنّي، عند العرب، هو الجغرافية اللغويّة الوحيدة التي يمكن أن تحتضن ما عُرف بالقصيدة الحديثة أو الحرّة أو قصيدة النثر.

من النصّ الأوّل Basketball يفتح مازن معروف في جديده «ملاك على حبل غسيل» باب الموت، فهو ميت برئتين تمارسان عملهما الطبيعي، وله أن يتعامل مع جثّته بحنان ربّما لأنّ الجسد أكثر الأوطان صدقًا: «جثّتي الرّطبة/ أكوّرها بحنان بين يدي/ ثمّ أجفّفها/ بآخر نفس زفرته قبل أن أموت». وله أيضًا أن يعتبر الموت جسرًا لكن لا شيء بعده واضح إلاّ «الأمام»، ما يعني أنّ مجرّد التقدّم، ولو عبر الموت، يُعتبر نقلة نوعيّة بصرف النّظر إلى أين وبالاكتفاء بمتعة ما اسمها «الأمام»: «مجرّد لفت انتباه/ إلى أنّني/ عضلة/ تستطيع بحيلة اسمها الموت/ قذّف نفسها إلى الأمام».
ولمعروف طريقته في المقاربة، إذ إنّه يخبّئ خلف ستار سخريته أوجاعًا إنسانيّة ووجوديّة كبيرة. ففي نصّ Hand made يحلم بصناعة كوكب مخصّص لأعدائه الذين سيجدون خيرات كثيرة تجعل الجميع يشبعون بسلام، أمّا الحرب فلن تكون إلاّ على آخر لقمة: «نقضم قطعه اللذيذة حين نجوع…/ القطعة الأخيرة منه/ القطعة الأخيرة فقط/ تستحقّ أن نتقاتل لأجلها». بهذه البراءة الساخرة يحاول مازن الهروب من كوكب الإنسان الذي لا يشبع إلاّ برغيف أخيه المصبوغ بدمه. وفي نصّ «S.O.S» يتجلّى الحسّ الإنساني مجدّدًا حين لا يجد مازن ما يتصدّق به سوى صوته، فيذكر بالخير أعداءه متضامنًا مع تعبهم قبل أن يتضامن مع العصافير البانية أعشاشها من قشّ الجوع: «صوتي خبز حاف/ أحلم بتوزيعه على أعدائي المنهكين…/ بتعليقه على أعمدة الكهرباء/ من أجل العصافير»… وبشكل مفاجئ يستدعي معروف إلى نصّه صورة ذات دلالة تتعارض مع ما قبلها وما بعدها: «وأن أيبّسه سقوفًا/ سرعان ما تنهار/ على رؤوس ساكنيها». انهيار السقوف على من تحتها يتعارض مع التصدّق بالخبز على عدوّ منهك وعصفور شريد، كما يتعارض مع إشباع سمكة نافقة وحقن كلب مدهوس بإبرة أدرينالين…

اللغة كائن
ينجح معروف في جعل اللغة كائنًا خفيف الظلّ، ويجهد عن سابق تصوّر وتصميم للإتيان بمجاز واقعيّ، إذا جاز القول، فمجازه مقطوف من خيال لا ينفصل عن ألم الواقع وأشياء الحياة اليوميّة البسيطة وكائناتها التقليديّة. وعلى سبيل المثال نراه في نصّ «أسطوانة» ينقل مشهدًا بكلّ واقعيّته ويذهب به إلى الفضاء الذي يريده: «لا نعرف من أين يأتي كلّ هذا الذباب/ وماذا يفعل / فوق هؤلاء الموتى…/ لكن كلّ ذبابة/ تتحرّك بطريقة مختلفة عن الأخرى/ لأنّ المطلوب منها/ عزف نوتة ما…/ أوقية ذباب/ تستطيع أداء أغنية روك/ في مستودع»… يجتاز الذباب والموتى في هذا الكلام المعنى الشائع للموت، فنغدو أمام مرايا مكسّرة يجمع صاحبها شظاياها كيفما يريد لا كيفما اتّفق. ومازن معروف يريد أن يكون جديدًا بجملة تشبهه، يريد ملاكًا على حبل غسيل لا ملاكًا يمضي مع سربه من سماء إلى سماء. واستكمالاً لحكاية الذباب والموتى يمضي معروف إلى موقف حاد ومتطرّف من الإنسان ليمسي الذباب مطهِّرًا للميت الذي إن وصل كما هو إلى التحلّل في الطبيعة قد يثأر زهرها من بعضه ويقتل غصن أخاه: «إنّها ربّما أغنية/ تدرّب الذباب طويلاً عليها/ لغسل الميت/ من الكراهية/ التي يحاول الآن نقلها/ متنكّرًا بهيئة جثّة نافقة/ إلى الطبيعة».
ويروق لمعروف أحيانًا أن يبني نصًّا متماسكًا كـ{داون تاون» فيحسن متابعة المعنى من ألفه إلى يائه: «أكرّج قلبي المثقوب/ على غطاء السرير/ يرتطم بالباب/ تاركًا زيحًا من الوحل خلفه/ … الزيح/ ذات ليلة/ سيسمن ويصير شارعًا/ الأصدقاء/ ذات ليلة/ سيسيلون من رأسي أثناء النوم/ وينامون تحت الأشجار/ وأنا/ ذات ليلة/ سأستيقظ خائفًا من الوحدة/ وأتبعهم». بنَفَس سرديّ تابع معروف «زيحه»وأوقف الأشجار إلى جانبه ورعاه إلى أن صار شارعًا يلد الأصدقاء ويؤوي وحدته…
ويروق له أحيانًا أخرى أن يبني نصًّا متماسكًا بفوضاه ويحتمل أن يكون عدّة نصوص كـ{دبّوس ملوّن»، فالمقطع الأوّل فيه يبدو نصًّا مستقلاًّ وما بعده يبدو استئنافًا: «وجهي/ يشبه المسيح/ لكنّني لست حطّابًا/ لأعمل من عظامي/ صليبًا/ وأعلِّق عليه جسدي/ كمعطف المختبرات المتّسخ». حتّى الجملة الأخيرة «كمعطف المختبرات المتّسخ» إضافة لا يحتاج إليها النصّ، إلاّ أنّ معروف شاءها لأنّها تدلّ على أسلوبه وربّما قد يكون خاشيًا الجدّيّة أو الرصانة اللتين ينضح بهما النّصّ فلجأ إلى إثباتها.

خارج الجملة
في أكثر من موضع يظهر معروف وكأنّه خائف من أن يصير خارج جملته فيستأنف الكلام بهدف التأكيد على حضوره الكثيف في نصّه، ومن الأمثلة على ذلك نصّ «دوران» الذي يقوده إلى نهاية يروب فيها النّمل: «يدي/ لن أغسلها/ عطرك/ الذي يتكمّش بأصابعي/ على الأرجح/ سيظنّ نفسه ملاكًا على حبل غسيل. /يدي /بعد قليل /ستركض نحو الشرفة/ هناك/ وتمطر فوق الزراريع/ تمطر كثيرًا/ وتدوخ/ وتدوخ/ كأنّها تروّب النّمل الذي وصل للتوّ». مجدداً، كان بإمكان معروف إنهاء نصّه بكلمة «غسيل»، غير أنّه تابع ووقع في تجربة الهدر اللغويّ الذي يتنافى مع شعريّة النصّ، ليصل إلى نهاية قد تكون تعني له الكثير إلاّ أنها بالغة السورياليّة وطاعنة في الغموض، ولا تبدو العلاقة مقبولة أو شهيّة، بالمعنى الشعري، بين يد تمطر نملاً وعطر على يد كأنه ملاك علق من حيث لا يدري على حبل غسيل.
يتّضح من «ملاك على حبل غسيل» أنّ معروف يبحر شعريًّا في اتّجاه التخلّص من كلّ الموروثات التعبيريّة، وهو لا يكتفي بحداثة النصّ على مستوى الشكل، أي بالتحرّر من الوزن والقافية، إنّما يرمي إلى الإفلات من شبكة اللغة التي يصطاد بها حملة الأقلام، وتأسيس لغة شخصيّة جدًّا، تستطيع أن تقول الحرب بلا دماء وحديد ونار، كما في نصّ «حرب» حيث نرى الولد يلهو بقبّعة، والسلحفاة، و: «الجنود البلاستيكيين / الذاهبين / للاستيلاء على الزرّيعة»، وتستطيع أن تقول الحبّ بملاك على حبل غسيل ونمل سريع الذوبان لا بالقاموس المنتسب إلى جغرافية الجسد والمشاعر…
في «ملاك على حبل غسيل» يتميّز مازن معروف بلغته الشعريّة، ويعقد زواجًا متينًا بين وضوح الواقع وغموض التعبير، ويجازف في نشر الملائكة على حبال الغسيل و{لمّهم» ساعة يشاء، وهو، بكلّ تأكيد جديد، وفي كلّ جديد… مجازفة.

 قزحيا ساسين – جريدة “الجريدة” الكويتية

إيليا سليمان عن فيلمه “الزمن الباقي”: نعم أنا أتجه إلى الواقعية المفرطة

بعد ملاحقته من باريس إلى بيروت ومن ثم إلى باريس مجددا، إستطعت العثور على المخرج الفلسطيني إيليا سليمان الذي تنقّط كلماته الساخرة من فمه أغلب الوقت، يمتعك الحديث معه بقدر ما يجرحك أو يخوفك. إنه مخرج غير منضبط، لا يحدد إيقاعا مسبقا لأعماله، بل يؤثر المجازفة والخوض في التصوير منطلقا من تجربته الشخصية، كإيليا سليمان الإنسان الناصري البسيط، فيحول محيطه الخاص إلى عمل سينمائي بتفاصيل إبداعية فضفاضة. من العاصمة الفرنسية، حيث يقيم في الوقت الحالي، كان معه هذا الحوار:

1 – الأفلام الثلاثة “سجل اختفاء”، “يد إلهية” و”الزمن الباقي” التي قمت بإخراجها وكتابتها، تبدو وكأنها تريولوجي (ثلاثية)، إذ تدور أحداثها في نفس الأمكنة (المنزل، الحارة،..إلخ)، حتى أن الكاميرا في بعض المشاهد من الفيلم الأول لم يتغير موقعها سنتمترا واحدا في الفيلم الثالث. ألم تجد في هذا الامر مجازفة، خصوصا وأن معظم المخرجين يحاولون تقديم مواضيع مختلفة وبيئات لا تتضارب مع بعضها البعض؟

أفكر الآن بسؤالك. صحيح، كان في الأمر مجازفة كبيرة. لكنني لم أفكر بها إلا الآن. كان يجب ربما أن أخاف، او أبتعد، وأن أصنع فيلما بشكل عكسي. الجيد أنني لم أقم بتقييمها مسبقا كمجازفة. كنت أشعر بنفسي منجذبا إلى المكان نفسه، إلى حيث ترعرعت. الأغلب انني لم أكن اشعر بانني سأخرج فيلما على هذه الشاكلة. شيء ما كان يجر كل حواسي إلى المنزل مجددا، والحارة والمحيط والأصدقاء القدامى. “يد إلهية” هو حلقة الوصل بين الفيليمن الأول والأخير. مشهد الأم وهي تقرأ الجريدة وتأكل البوظة مثلا، يدل على الإحساس بالزمن، وإصرار الفرد على متابعة حياته حتى النهاية. هي تتوارى، لتستلذ بحبة بوظة، مدركة انها ممنوعة من أكل البوظة. إنه إحدى جوانب الإنسان الحزينة. الام تريد ان تحارب وتستمر. المسألة هنا ليست سياسية، بل شخصية. إنها حرب أخرى غير ملحوظة ربما. إذا تسنى لك مشاهدة المونتاج يوما ما، فسوف ترى ذلك الترابط بين كل الأشياء التي عشتها وثم قمت بعمل مداخلات صورية لها. الموسيقى مثلا، كلها مرتبطة بالواقع. ليس عندي استراتيجيات، لكنني كنت على اتصال بالموسيقى قبل البدء بالتصوير، وفي مرحلة التحضير للفيلم. كنت أشعر ان فترة السبعينات من القرن المنصرم، هي فترة فيروزية، لكنني نشأت كذلك على موسيقى صباح فخري، من خلال والدي. هناك ميلانكوني في أغانيه تحفز ذهني على تذكر أشياء في طفولتي ومراهقتي. لكن ورغم ان هذا النوع من الطرب، لا يفتح اية نافذة على الموسيقى الطربية التي تعودنا سماعها، إلا انني آمنت أن موسيقى اغانيه لا بد وأن تلائم المشهد. الامر أدهش محرر الفيلم. ولأول مرة، كان لدي مستشارة موسيقية هي ياسمين حمدان. كان هناك صعوبات. اردت كذلك أن أفتش عن الامكنة، ان أقف او أجلس تماما في المنزل حيث كنت اقف أو أجلس وأنا صغير. كانت عملية البحث عن موقع الكاميرا، في غاية المشقة، لأنني اعرف المنزل جيدا، ولي علاقة مع كل زاوية من زواياه وتفاصيله.

2 – لماذا هذا التوجه عند إيليا سليمان نحو إبقاء قدميه مغروستين في أرضية الواقع، فيما مخيلته تلامس السقف السوريالي، دون أن تتكمش به؟

نعم، انا اتجه من الواقع إلى الواقعية المفرطة (hyper realism). وبالحقيقة، فإن أفلامي تعكس تضخيم الواقع. لا أتكلم عن الشارع الفلسطيني. لكن ربما عن الشارع النصراوي. إنه تأليف سينمائي. كل تابلو هو قطعة معينة. وله مزاجه واستقلاليته وإيقاعه. ليس فيه بالضرورة شيئا سخيفا. هناك سياق كلامي، ربما دون الوعي العقلاني، او المنطق، لكن استمراريته تنبع من لعبة المونتاج الذي يضبط بدوره الأشياء. المونتاج هو أكثر ميتافيزيقية، مما هو “علاجي”. تحضيرالسيناريو يستغرقني الكثير من الوقت. استثمار المشهد هو اكثر ما يشغلني. منظر التاكسي هو مشربك، ويلزم أخذه إلى مطرح محدد. السؤال الذي يبقى هو: هل سيتم ضبط المشهد ام لا؟ إنه مسألة خطرة. أحيانا أصوّر مشاهد احتياطية او محتملة. المونتاج يرتبط بالشاعرية وليس بالشعر. هذه النقلات تخوفني، لأنني لا اريد الالتزام بالواقع مثلما هو. هناك كوريوغرافي مثلا، ونوع من التمزق الصوري. ليس هناك واقعية، بل تعود القصة والسرد والصورة لتكمل. مثل مشهد القفز بالزانة فوق جدار الفصل العنصري في “الزمن المتبقي”، أو عندما افجر الدبابة ببذرة مشمش في “يد إلهية” مكملا بكل هدوء نحو المستشفى لزيارة أبي. ليس هناك خط واحد في السيناريو. يخيل أحيانا ان هناك مواقعا في السيناريو لن تكون جيدة، إلا أن هذا النوع يثيرني. الخروج عن السرد ومن ثم العودة إليه. هذا مرفق باحتمال ان يفرط السرد، والفيلم معا. سأقول لك سرا، في “سجل اختفاء”، كنت راديكاليا جدا. قررت من البداية ماذا سأفعل. قمت بالتصوير مرتين. إما ألاقي أريحا او أوسلو. كان الانتاج مكلفا. لكنني كنت انتظر الحدث في الفيلم. أصور وانتظر غن كان سيحدث شيءخلال التصوير يعتبر بمثابة حدث لإكمال الفيلم. السيناريو لم يكن منتهيا. كان يقف عند مشهد الجنود الاسرائيليين الذي ينزلون بسرعة من سيارتهم العسكرية ليتبولوا على الحائط، قبل ان يعودوا بسرعة إلى السيارة. في هذا المشهد، يقع جهاز اللاسلكي من أحد الجنود (وهذا لم يكن مكتوبا في السيناريو). كان هذا الحدث. أمهلت فريق الانتاج شهرا واحدا، ذهبت وكتبت السيناريو على اساس ان الحدث هو وقوع اللاسلكي. واكملت الفيلم الذي نال جائزة في إيطاليا. كان ذلك ضربا من الجنون لن أكرره.

3 – لكن كيف أمكن إقناع المنتجين بسيناريو غير مكتمل؟

هذا لأنني كنت أنا المنتج. الآن اختلفت الامور، كل شيء أكثر صعبة. المنتج يريد ان يرى الفيلم الآن قبل أن يساهم في الانتاج. التسويق عملية تضغط أكثر فأكثر على مخيلة المخرج. لا أعلم إذا كان هناك مخرجون قادرون على الهروب من هذه الضغوطات. كان في السابق هامش أكبر من الحرية أمام المخرج. أناس عمالقة اضطروا إلى العمل كممثلين فقط لكسب المال واستخدامه في انتاج اعمالهم الإخراجية الخاصة. هناك تدهور في هذه الصناعة. كما ان هناك نوعا من الصمت والقبول الشبيهان بالصمت والقبول حيال المجازر والمآسي التي تحصل يوميا في أنحاء متفرقة من العالم. إنه خراب متصل بخراب آخر. هناك احتفالات سخيفة نسمع بها، كأن يقال ان الفيلم الفلاني حقق إيرادات مالية تفوق الثمانين مليون دولار. هذا جيد، لكن أين هي إيرادات الفيلم فنيا؟ معيب هذا الاحتفال بالشق اللوتاري المتعلق بالفيلم وليس الثقافي.

4 – كيف تفسر أن البعض يتوقع منك صناعة أفلام نمطية عن الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، كونك فلسطينيا من الناصرة؟

السؤال يكمن في ان ترسم الواقع بطريقة مختلفة. أن تحشر بورنوغرافيا العنف في فيلم، هو أمر لا يغير شيئا في معادلة الصراع. ليست مهمتي أن اتحدث عن عنف الاسرائيلي ضد الفلسطيني. الفيلم هو بحد ذاته عن العنف. لكنه العنف المعاش في هامش شخصي. انا لست مخرج أفلام وثائقية ولا ريبورتجات. ولا أحبذ أن اكون مونولوجا أو تأتأة عن الواقع، او احتمالاته. هذا ما اسميه “potential moment of truth”، التابلو عندي هو شاعري وليس واقعي. لا نحتاج وثائقيات عن العنف. العنف يأتي من النافذة، وكل ما عليك فعله هو إغلاق البيت لتجنبه. منظر سرقة الجنود لأغراض البيت في فيلمي الأخير، لم يأت من فراغ مثلا، بل من حكاية امرأة كانت قادمة للتو من شهر عسلها في بيروت، ووجدت فور وصولها، الجنود الاسرائيليين وهم يسرقون أشياءها. اليوم عمرها 75 عاما ولا تزال تبكي كلما تذكرت الحادثة. أرتني ثقوب الرصاصات التي أطلقها الجنود وقتذاك لتخويف زوجها ومنعه من مقاومتهم. هنا، كان الحدث تاريخيا. وانتقمت للمرأة بمشهد أصور فيه الجنود وهم يسرقون منزلا ويستمعون إلى ليلى مراد في الفونوغراف الذي استولوا عليه. العنف في هذه اللحظة، هو نوع من الغضب. القصة هذه تأثيرها أقوى بكثير من المنظر المادي كما هو. البعد الفني يلعب دورا في تحفيز مخيلة المتفرج، وإشراكه في الفيلم. في “سجل اختفاء”، “يفنتر” الجنود على الحائط. ليس في هذا المشهد ربما أي عنف، لكن طريقة نزول الجنود من الحافلة، وسرعتهم، كما وطريقة عودتهم إليها وسرعتهم الهائلة، تبشر بأن هناك عنفا سوف يحصل في مكان ما. إذن، هم اتوا من مهمة وهم ذاهبون إلى مهمة أخرى. قد يضحك المشاهد هنا، لكن هناك رسالة يجب إيصالها بشكل غير مباشر في النهاية. التاريخ يبرهن أن العمل الفني الذي يستهلك الحدث التاريخي، يضمحل تدريجيا ويموت. لا تتقوقع أفلامي في الهوية، بل في التجربة الانسانية. إنها تختصر رغبة لدي في تقليص العنف. بالنسبة لي، لا اريد للناس أن يتظاهروا بعد مشاهدة افلامي. يسعدني أكثر، إذا جعلتهم هذه الأفلام يشعرون بالجوع أو يضعون ماء لأزهارهم.

5 – لماذا انتهاجك شخصية الصامت في أفلامك؟ وهل للصمت دلالات فلسفية أو احتجاجية هنا؟

يكون السيناريو منطوقا في البداية. لكنني اعمل بجهد على تكثيف الحوارات واختزالها لإيلاء الصورة الأهمية الكبرى، بما يجعلها ضخمة ومفتوحة الدلالات. على السينما ان تعبر باللغة السينمائية، والمحكي هو الجزء وليس الكل. لا أريد أن أقدم معلومات مباشرة في أفلامي. من يريد المعلومات، فمن السهل الحصول عليها عبر الكتب والانترنت والأبحاث والدراسات والوثائقيات. لا تنس أن الصمت هو نوع من اللاتوازن او اللاإستقرار. هو يدعم القوة، ويهبط القلب في نفس الوقت، كما ويرسم فراغات امام المشاهد طالبا منه أن يملّيها. أنا لا أعتبره صمتا، لأن فيه إيقاعات، وأصوات. اجرب أن يكون الحوار مقتصرا على سؤال وجواب. مونولوجا مقابل المونولوج. إنه حوار المنظر. الجار في “الزمن المتبقي”، يتحدث، لكن ليس هناك حوارا مع فؤاد (أبي). نعيش اغلب الوقت في صمت متأمل. حتى الصمت مُسيّس، لكن بالطبع فيه احتجاج وفيه أيضا حزن. أحاول تكثيف لغة الحارة، التي أصبحت الآن غيتو إسرائيلي عزل الفلسطينيين عن بعضهم البعض. روح النكتة مثلا، مستوحاة من العائلة، من الأب تحديدا والأم. هناك الكثير من المواقف المثيرة للسخرية أو للضحك، آتية من نكات يطلقها إخوتي، او أحداث حقيقية جرت معهم. أمتص هذه الحياة في السينما بشكل نظيف ومبتكر ومختلف وأصيل.

6 – ماذا بعد أفلامك الثلاثة عن العائلة والمنزل والحياة الشخصية في الناصرة؟ هل سيقدم إيليا سليمان فيلم رابعا مكملا لسيرة أفلامه، أم سيتجاوز هذه المرحلة بأكملها نحو موضوع مغاير إلى حد ما؟

عندي فكرة. ممكن ان تكون مرتبطة بالافلام الثلاثة السابقة. لم أبدأ مرة في حياتي كتابة سيناريو ثابت. هناك دائما شيء مختلف وجديد يطرأ على النص. الكتبة تأخذك وتقاومك. تصطدم بمطارح وتحاول أن تجد المنفذ او طريق الهرب. لا تتوقع احيانا كيف ستكمل بعد عدة سطور. لولا السفر لكتبت أكثر. لا اريد أن أكرر. يجب ان يكون هناك بحث مكثف يؤمن لي الانطلاقة التي تكون دائما أمرا صعبا. هذه فترة مهرجانات وحوار بيني وبين الجمهور، الامر الذي استفيد منه كثيرا.

مازن معروف (باريس)
(جريدة النهار 2009)

إيليا سليمان في “الزمن الباقي”: بيبلوغرافيا المفارقات

المشهد الأول في الفيلم الجديد للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان “the time that remains”، لا يحمل في جعبته أبعادا تقنية، أو فقط تمهيدية- سردية للمشاهد. بل يخبئ وظيفة سياسية- سوسيولوجية. من المعروف أن الكثير من المخرجين، يستخدمون تقنية الفلاش باك، من أجل نسج خيط الزمن، ما بين المتفرج-الحاضر، كصورة للأمر الواقع، وما بين السابق- الماضي، كصورة للفن- التراجيديا، كأمر يقف بجوار هذا الواقع ويلازمه.

لنعد إلى المشهد الأول: سيارة تاكسي على طريق سريع، السائق يتحدث بالعبرية، والأرجح أنه يهودي، والراكب الوحيد هو الفلسطيني- إيليا سليمان. السماء تبدأ بالمطر، والسائق يتذمر ويتأفف ويقول بأنه غير قادر على الرؤية. يوقف السيارة، وإيليا لا يتفوه بكلمة. الطبقة الأولى لهذا المشهد، هي سياسية- كوميدية، وإن قاسية نوعا ما. فالاسرائيلي، يعلن دائما نفسه وكأنه هو المعتدى عليه، فيما الفلسطيني، العاجز عن استخدام أية أداة سياسية، يظل صامتا، ماضيا في ركب الصراع الذي يديره الجهاز العسكري لاسرائيل. هنا، في هذا المشهد الكثيف، يحضر مستوى ثان. نفهم بسرعة أن الإثنين الجالسين في السيارة، محكومان بقدرية واحدة، وهي التواصل الإنساني. فالسائق لا يقتل إيليا مثلا، ولا يرميه خارج السيارة تحت المطر. وهنا، تسقط صورة الشرير اليهودي من الذاكرة العربية، يدفعها إيليا سليمان بعيدا، ويستبدلها بالمستوى الإنساني للـ”عدو”. إن هذه الصورة البسيطة، والتي يسخِّرها المخرج الناصري، بكل ذكاء، لخدمة العلاقة ما بينه وبين أمه (إيليا في سيارة التاكسي/ ذاهب لزيارة أمه في المستشفى)، تأتي في سياق التصالح التاريخي، مع المكونين السوسيولوجيين لأرض فلسطين، أي الفلسطيني واليهودي. يطرح هذا المشهد، ثنائية العدو- العدو، أو الضحية- الجلاد، جانبا. ويستبدلها بثنائية أخرى: الذات (الفردية) – الطبيعة (كظرف خارج السيطرة الانسانية). ومن هنا، فإن الذات الفلسطينية، والذات اليهودية، بغض النظر عن القائمة السياسية لكل منهما، تنصهران معا، عاجزتين، عن تحقيق رغبتهما. فرغبة السائق هي نفعية- مادية، فيما رغبة الراكب، هي تحقيق مصداقية الشعور، أي أنها رومانسية، بمعنى ما. هما لا تتقاطع رغباتهما، لكنها تبقى رغبات الطبيعة الإنسانية. الإنسان يجري تجريده ههنا، ومن ثم قسمته إلى نصفين، مادي وروحاني، نصفين لا يتصارعان ولا يتوحدان. يخضعان فقط للطبيعة. هكذا قررت السماء أنها شتوية. وأمطرت بغضب.

هذه هي الوجبة الأولى على مائدة إيليا الطباخ. هو يعيد النظر إلى التاريخ الفلسطيني ككل، من جانب شخصي، وأخلاقي. لا يمس بالشغل الذي درج العمل عليه طوال عشرات من السنين، لجعل الفلسطيني بطلا خارقا. وبالتالي، فإن مشروعه، ولأنه سينمائي وبالتالي فني (وهذا عامل إيجابي يتيح له التعبير عن آرائه بكل حرية، بوصفه فنان)، فهو من نوع آخر، يقع على ضفة أخرى من الإيديولوجيا الشعبية، أو بالمعنى الأشمل، على ضفة غير متعارف عليها في المجتمع العربي. ضفة غير تلك التي تقول: كل يهودي، إسرائيلي، وكل إسرائيلي عدو، والعدو ليصير مقبولا كعدو في الذاكرة المسطحة للشعوب، فعلينا تجريده أولا من كل مقوم إنساني، ما يعني أن كل يهودي هو لا إنسان، وهو عدو بالدرجة الأولى. لا يعني هذا الأمر بأنه علينا أن ننظر إلى فعل الجندي الإسرائيلي وهو يقتل فلسطينيا، على أنه فعل مجتزأ عن الجانب الشرير للرجل، وعليه فإنه يظل قابلا للأنسنة ضمن جزئه الآخر في تلك اللحظة. أبدا. إذ أن فعل القتل، يجرد الإنسان من أدنى شروط إنسانيته، وهي قدرته على التعايش. لكن، إنسانية هذا القاتل، لن تبقى معزولة عنه، طوال فترة حياته. فهو سيذهب إلى عائلته، وسيتواصل مع أقربائه وأصدقائه، وربما يكون إبنا صالحا، وزوجا محبا، وأبا عطوفا، وذلك بغض النظر عن كيفية توظيف شعوره، في إذكاء العنصرية تجاه “عدوه” الفلسطيني، عدو الشارع والمواجهات.

كل إنسان هو عبارة عن جزءين متناقضين، أحدهما شرير والآخر خيِّر. هما موجودان، يتنافسان مع الحياة، وحولها. ولا يتنافسان مع بعضهما البعض، إلا في حالة وجود الشعور بالذنب. من هنا يكون مقياس إنسانية الكائن الثديي، إنسانية نسبية، غير مطلقة، تنحسر أمام سلوك العنف الذي يمثل الغاية للحياة، وهي في صلب المبدأ الدارويني. لكن متطلبات “العروبة”، والسباق العربي مع إسرائيل حول احتلال موقع الضحية في معادلة الصراع، فرضا منهجا يتشابه مع ما قام به هتلر أواسط الثلاثينات، حين أدمج في المناهج التعليمية الألمانية، فصولا حول كيفية تمييز اليهودي عن سواه. أسلوب الزعيم النازي كان أكثر شراسة، وسرعة وتوتاليتارية. أصبح بفضله، كل يهودي هو كائن دون، لا يستق العيش، بل ويجب أيضا أن يكون موته أوريجينال. أسلوب العرب، كان أبطأ على المستوى الميكانيكي، لكنه الأخطر، إذ عزل الإنسان بشكل ما عن الإنسان الآخر، كما وعزل ديانة سماوية (اليهودية) عن الديانتين الأخريين. كان ذلك يبرر دائما كخدمة لقضية فلسطين. هكذا، أصبح الصراع مع اسرئيل صراعا إستبدل الطرف المحلي (أي فلسطينيي الداخل) بطرف عروبي (قومي). وبالتالي، كان إغلاق باب الحياة، أو كيفيتها ما بين اليهود والفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة ، فرضا واجبا على كل حريص على القضية. مع أن كتب التاريخ تشير بوضوح إلى أن اليهود الشرقيين كانوا قومية فلسطينية، ديمغرافيا، ماليا وعمرانيا، وبشكل شبه في مدينة تل أبيب. وكان هناك علاقة تجارية ما بين الفلسطينيين واليهود، على المستوى اليومي، قبل العام 1948. إذن، فإعلان قيام دولة إسرائيل، أغلق الباب على علاقة موجودة بذاتها، تم اعتبارها لاحقا لا شرعية، بغض النظر عن طبيعتها، كما وأغلق الباب نهائيا ما بين العرب واليهود. أما امتداد الجماهيري لمنظمة التحرير الفلسطينية في الستينات، فقد كان بمثابة الشمع الأحمر لختم العلاقة الممنوعة ما بين عربي ويهودي. لكن هذه العلاقة، لا بد وأن يكون لها أكثر من صورة. ولا بد أن تتأثر بالإيديولوجيا العامة والممارسات الإسرائيلية المتكررة بحق الفلسطينيين. لذلك، فإن خيط “الصراع من أجل البقاء”، يتم تظهيره، في أكثر من مشهد (يتصارع مدنيون فلسطينيون، وجنود إسرائيليون على حمالة لنقل الجرحى داخل مستشفى. يكسب الجنود بعد إشهار أسلحتهم بوجه “أعدائهم” في نهاية الأمر). إيليا سليمان، إختار تسليط الضوء على هذا الجانب المعتم من العلاقة ما بين جارين، ضمن معادلة ذكية، وحادة، تحتفظ بإعتبار الإسرائيلي عدوا، لكن يتم تقليب صورته بحسب الظرف. نراه عنيفا عام 1948، يطلق النار على متظاهري انتفاضة الثمانينات، وانتفاضة العام 2000. لكن له صورا أخرى، كشرطي سير مثلا، يتبادل التحية مع المارة الذين يعرفونه جيدا، أو كحبيب فتاة فلبينية تعمل في منزل إيليا، فيجبره الحب على أن يصبح شريكا في التنظيف والاعتناء بالمنزل والطبخ. هذه الصورة بالذات، تفضح هشاشة الفكر الصهيوني من جهة، كما وتمثل صفعة على خد الحرب، وتصنيفاتها. يتنازل الشرطي عن كل هذا، بسبب حبه للفتاة. ولا يعير اهتماما لحقيقة أن إيليا فلسطيني، وأنه إنما يقوم بخدمة هذا الفلسطيني. لا تعود الكينونة أمرا له ارتباط سياسي، بقدر ما هو أمر قابل للذوبان في بوتقة العلاقة مع الآخر، تحت مظلة الشعور.

التاريخ يثبِّت أرضية الفيلم أولا. فالاسرائيلي يحتل ويسرق المنازل وحتى الفونوغراف المعدني وأغاني ليلى مراد. وهو يعتقل، ويشي عملاؤه بالفلسطينيين المقاومين. وفي المقابل، لا تستطيع رومانسية الحلم الفلسطيني، محو الجانب الواقعي، من المسألة. يحيد إيليا عن اللغة المستهلكة لتخليد صورة الفلسطيني ورفعه. يجمدها في إطار إنساني متواضع. ثم يحرك صورة الإسرائيلي في مستويات مختلفة، جاعلا من وجوده فكاهة بحد ذاتها. بسبب التضارب العميق ما بين الفكر الصهيوني، كمنهج عام أو قانون للعيش، وما بين الفردية التي تتجلى في رغبة هذا الإسرائيلي نفسه بأن يكون خارج النظام العام، وداخل نظام الأنا. الجندي يضطر في بعض المواقف إلى أن يتنازل عن صورته، ويصير إنسانا. في أحد المشاهد، يقف جيب عسكري أمام حانة في رام الله. شبان وشابات يرقصون في الداخل. يطلب الجندي من الجميع العودة إلى منازلهم بسبب منع التجول، لكن الموسيقى الصادحة، تجبره على أن يبدأ بهز رأسه وكأنه يرقص.

هو فيلم شخصي بالدرجة الأولى، بيبلوغرافيا العائلة الناصرية منذ نكبة 1948 مرورا بمراحل مفصلية من التاريخ. وقد استوحاه سليمان من دفتر يوميات أبيه، ورسائل أمه إلى أقربائها الذين اضطروا إلى مغادرة فلسطين. الأب المقاوم، يضطر رفاقه للهرب إبان احتلال فلسطين، ويبقى وحيدا يعاني من مشاكل صحية، يحب صيد السمك ليلا، ويدخن كثيرا. كما يستمر في إخفاء الأسلحة دون أن تتمكن الشرطة الإسرائيلية من كشف مكانها. ولا يتكلم إلا قليلا في الفيلم. وكأن صمت إبنه إيليا متوارث جينيا عنه. يتداخل في حياته الإلتزام بالأرض كهوية خاصة، وبالإنسانية كهوية عامة (نرى صورة أبي إيليا المقاوم، وهو ينقذ جنديا إسرائيليا جريحا، بعد أن انقلبت حافلته فوق أحد الجسور. ثم نراه لاحقا وهو يخلص عدة مرات، جاره العجوز الضَجِر، الذي يسكب على نفسه الكاز ويحاول حرق نفسه). أما الأم، فتعيش التزماتها العائلية البسيطة، وتمرض بالسكري. لا يتغير الواقع السياسي المحيط بها، ولا مرضها كذلك. تحب الآيس كريم، وتعلّق نظارتها على تمثال السيدة العذراء قبل موتها بقليل. شخصيتها تنحو نحو الصمت الكامل. الأمر الذي يجعل التواصل بينها وبين إيليا، بمثابة سحر، وذلك لأنهما لا يتبادلان الكلمات. يتواصلان عبر الذاكرة. يحفظ إيليا ما تحب أمه وما تكره. في أربعة خطوط، يتحرك السرد في الفيلم. الخط الأول داخلي، يتشعب في جزئين: خاص- عائلي رومانطيقي (علاقة إيليا بوالديه/ رمزية الأرض وانسحاب خصائصها على الأب)، وعام- واقعي (رؤيا إيليا تجاه جيش التحرير العربي عام 1948/ ورؤيا الجار السكران العجوز الذي يتوهم حلولا لمناهضة إسرائيل). ثم هناك خط ثان حول علاقة الإنسان بالإنسان (الفلسطيني باليهودي وبالعكس)، وخط احتفاء الإنسان بالمكان وبالذاكرة العامة (الفلاش باك منذ البداية)، إضافة إلى خط العلاقة السياسية ما بين الفلسطيني والإسرائيلي.  من هنا يبدو الفيلم وكأنه حالة مجتمعية معقدة ومستترة، تسير جنبا إلى جنب في موازاة الحالة المعلنة (ضرورة إحقاق الحق الفلسطيني)، والتي تكتفي بالهوية اليهودية في خطابات عديدة كشرط مطلق للعداء معها. لا تكفي قراءة الفيلم من وجهة نظر جيو- سياسية، بل هناك نواح عديدة يمكن الدخول عبرها إلى لغة إيليا سليمان السهلة الممتنعة في الوقت ذاته. المشهد في فيلمه ذكي، وساخر. إنه كإبرة السكر التي تؤلم حال دخولها تحت الجلد، لكنها تشحنك بطاقة أخرى، لتفتح عينيك على واقع آخر، يجدر بنا أن نتسغرب عدم إعلانه قبل هذا الوقت. يبقى أن إيليا سليمان، منقب مفارقات الحالات الإنسانية الموجودة في المجتمع الفلسسطيني، الذي يعيش تحت الاحتلال. وإذا كان لنا أن نقرأ الفيلم، فلنفعل بعين أصيلة بعيدة عن مزايدات الالتزام بالقضية الفلسطينية، وعن السعي الخاطئ لتصنيف الفن ضمن إحدى خانتي المقاومة المطلقة أو الخيانة المطلقة.

من باريس- مازن معروف  

جريدة النهار (2009)

تعقُّب محمود درويش – دراسة في قصيدته بين عامي 1964 و1983

نبذة

سلك محمود درويش (1942- 2008) في البداية بين خطين سياسيين رسما إيديولوجيا قصيدته بوضوح: المسألة الفلسطينية، وكانت وقوداً خاصاً لقطاره الشعري، والفكر اليساري، وكان ظاهرياً كجسم غلّف قلب ذلك القطار. كان ذلك في الستينات. لكن درويش سرعان ما أطلق لغة شعرية من نافذة مختلفة، أكثر اتساعاً من أي ظرف إيديولوجي. وأتت محاولته للانزياح عن “نظام” قصيدة التفعيلة الخطابية سياسياً آنذاك والمنبرية بطبيعة الحال، عبر ديوانه “أحبك أو لا أحبك’ (1972) من خلال النص التجريبي “مزامير”. درويش أفلح آنذاك في قراءة الشعر خارج المعطى السياسي الجاهز. لم يرد للقصيدة أن تنصاع لإغراء الفكر النضالي والانفعال والصراع، برغم رواج هذه الخيارات في تلك المرحلة (بين حربي 1967 و1973). وكان هذا الأمر أولى قفزاته للعدول عن نظام قصيدة غنائية رومانطيقية نوستالجية ظهر بها في كتابيه “أوراق الزيتون” (1964) و”عاشق من فلسطين” (1967). استتبع محمود درويش اشتغاله على اللغة، ووضع انعطافات في منهج القصيدة مع “مديح الظل العالي” (1983)، ومن ثم “أحد عشر كوكباً” (1992) الذي كان أول المداخل للغة مختلفة ستمثل الحقبة الأخيرة من حياته الشعرية وتمتد من “لماذا تركت الحصان وحيداً” (1995) حتى “لا تعتذر عما فعلت” (2008). حقبة سيفتح درويش الباب فيها على التأمل والمساءلات النقدية سياسياً وانسانياً ممرراً إياها في مصفاة القضية الفلسطينية. فنأيه عن أي منصب رسمي في منظمة التحرير الفلسطينية سيطلق يده خارج مظلة الأجندة السياسية للمنظمة. وستستقر فلسطينه، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي، في التاريخ والحكاية والاسطورة، كإشكالية قائمة أبعد من أي اعتبارات قومية.

قدمية الصراع وحساسيته ومستجداته، لن تحل جميعها دون ابتكار الشاعر لمجازيات شعرية “يومية” ومعاصرة، محاذية لاستحضاره لرموز “كلاسيكية” و”أسطورية” في المقابل. لكن تطوير الشكل الشعري، وتكثيفه بالرموز والتشكيلات اللغوية والمجازية، من جهة، وتعديل نقطة بدء القصيدة لتصبح “الحالة الفلسطينية” بتفاصيلها (بدل القضية الفلسطينية) من جهة أخرى، لم تؤدي إلى دفع درويش بعيداً عن جمهوره. على العكس، فصورته لا تخرج أحياناً عن إطارها الشعبي كـ”شاعر القضية الفلسطينية”. وكثيراً ما يُقرأ شعره من الباب السياسي المحض، ويُخضع أسلوبه لمحاكمة أوتوماتيكية مسبقة من باب واجب الشاعر النضالي. ولهذا، تضيع فرصة تفحُّص تطور الهوية في شعره من منظور الشاعر الشخصي وليس من بوابة القضية الفلسطينية. فهو حاول على الدوام شبك خيوط معجمه الفلسطيني مع الكوني والانساني. ومع التزامه فلسطين، انشق عن التفخيم الخطابي والمنبري والمباشر لينزح نحو الشعر ككينونة لغوية لا تشترط بعداً سوسيولوجياً أو ظرفاً سياسياً. كما عدَّل في قصيدته تدريجياً، وبحكم تعمُّق فهمه للحالة الفلسطينية، كي لا يعود يخاطب جماعة أو قبيلة أو شعباً، وكانت حياته ملحقة بمنظمة التحرير الفلسطينية، مما سحب عليه أكثر من انتقال وطرد وحب لمدن عديدة أخلص لها، كبيروت وتونس وباريس وعمان ورام الله.

وجد درويش نفسه متورطاً منذ بداياته بقضية فلسطين، بحسب المعنى السياسي والنضالي والواجب الطوبوغرافي، على حساب تورطه في الشعر، بحسب المعنى الجمالي أو التكتيكي. وحاول على قدر وعيه الشعري آنذاك، أن يكون شاعراً رومنطيقياً، على غرار مؤثره، الشاعر السوري نزار قباني (1923- 1998). نشر أول مجموعة شعرية بعنوان “عصافير بلا أجنحة” (1960)، وقد عكست قصائدها تقليداً شعرياً غنائياً لكنه تنكر لها لاحقاً. ليذيع صيته بعد ذلك مع ظهور كتابه “أوراق الزيتون” الذي يعتبر رسمياً اليوم أول مجموعة شعرية له.

في هذه القراءة، سنحاول دراسة تطور موضوعة الهوية خلال المرحلة الأولى (أو كما نعتبرها كذلك) من مسيرته الشعرية والتي، من وجهة نظرنا، تمتد بين عامي 1964 و1983، أي من ديوانه الأول وحتى صدور كتابه “مديح الظل العالي” (قصيدة تسجيلية) مع خروج المنظمة – بالأصح طردها – ومعها درويش، من بيروت عام 1982 تحت ضغط الاحتلال الاسرائيلي للمدينة، لتنتهي مرحلة النضال العسكري وليتجه الفلسطينيون بعدها نحو الخيار السياسي.

 دواوينه الأولى 

في “أوراق الزيتون” (1964) قدّم دوريش قصائد بلغة خاصة، تجاوزت مهمة التبشير بالمقاومة الفلسطينية. صحيح أن تلك القصائد في مجملها، تضمنت شكلاً مباشراً في الكلام الشعري وأحد أنماط الخطابيات السياسية الشعرية والإيديولوجية العاكسة ليسارية عميقة، كإبن لحزب “راكاح” الشيوعي الإسرائيلي، لكن درويش كان قد طرح في تلك المجموعة، جزءاً كبيراً من ريش الشاعر الذي يكتب شعراً مقاوماً فقط. شكّل الإغتراب، السمة العامة التي غلفت قصائد درويش في “أوراق الزيتون” (1964). وهذا الاغتراب، لولا معرفة القارئ بهوية محمود درويش كفلسطيني، لم يحمل سمات كبيرة أو مباشرة على إن له مصدراً سياسياً أو فلسطينياً طاغياً، إلا في قصيدة “سجِّل أنا عربي”. فهو اتخذ قالباً إنسانياً عاماً، وأُقرِنَ بألم العاشق أو الغريب، كما تجسَّد في أَوجه مختلفة، ناورت كلها للوصول إلى المحطة النهائية: الفلسطيني المدفوع إلى الخارج، إن لم يكن المطرود. فهو اغتراب في الهوية وانفعال داخل مأزق الانتماء، كما هو اغتراب عاطفي، فَقْد للحبيبة، وفيه استحضار بطبيعة الحال لمناخ هذا الحب وبيئته، أي المكان وظروف تشكل الذاكرة: تفاصيل اللحظة. لهذا، فإن درويش عكس ذاتاً ثائرة، غنائية، غاضبة، متلهفة، كل هذا في لغة تبوح وتستعرض حال الإنسان البائسة، بدون أن تبالغ في صنع جماليات شعرية فائقة. فالأولوية للألم، للقضية، لا للشعر، أي أن الكينونة الأولى هي الذات، وليس الفن الكتابي. درويش لم يكتب إلا وفقا للتفعيلة، والقافية، والغنائية الموسيقية والإيقاع الظاهر، وهي عناصر لم تكن لتفيد القصيدة في شيء لولا قدرة الشاعر الشاب آنذاك على تطويع اللغة الشعرية بعبارات سهلة ومن دون الغوص في إبهامات جافة. وضع القارئ أمام علاقة شائكة: فالحبيبة من جهة، والأرض من جهة أخرى، وهما قطبان كلاسيكيان، طغيا على قصائد العديد من الشعراء العرب الذين سبقوا درويش. كانت الأولوية بتظهير الأولى، فيما اقتصرت الثانية على قيمة بوصفها ناتجاً نهائياً ضخماً وثقيلاً، لا بد وأن يلقي ظلاً ما على الحبيبة، ليشيحها او يذوبها كرمز من رمزياته. “أوراق الزيتون” قدَّمت محمود درويش كشاعر رومانسي، لكن بألم مضاعف. فهو مكسور بين الحب والبلاد، الحضور والاغتراب، الذاكرة والحاضر، والنسيان والتمدد في مكان متخيل. لكن نبرته رغم هذه الأثقال، ظلت غنائية، فيما لم تستحوذ نصوص المجموعة على صياغات حد الإذهال أو المفاجأة. العلامات المبكرة لشعريته تجلت في قدرته على تطويع اللغة في التفعيلة والتعبير بوضوح شديد أحياناً كثيرة، كما كيانيته كشاعر بعيداً عن القصيدة نفسها، بحيث أن احتكامه لقافية لا يعني انصياعه التام لها، كقاعدة نهائية، إذ يختتم الكثير من قصائده على نحو مفاجئ وراديكالي يخرج عن تناغم الأبيات السابقة موسيقياً، بل يبدو، إذا ما عُزِلَ عن جسد القصيدة، وكأنه جملة عابرة لا تعني أكثر من وصف قصصي “ما زال في موقدكم حطب/ وقهوة.. وحزمة من اللهب”.

كانت قصيدته تتمدد نحو النفس المجهَّزة أصلاً بعذاب اللجوء، لتكشف عن عذابات في العاطفة، والقلق الوجودي، وعطف الأنا على الأممية، ومبالغة في استعراض الألم، كضربة كف على وجه الماء. فبسيكولوجيا الشاعر في “أوراق الزيتون”، هي بسيكولوجيا غير عملاقة، ولا رئيسة، ولا هي تمثل المحور الأول للقصيدة، وإنما تأتي في سياق عملاني كأضحية، أو تأملي، أو تفصيلي للفقد العام، أو الخسارة الكبرى. كان واضحاً أن محمود درويش في قصائده الأولى، استدار نحو غربته أولاً كفرد مسحوق وعنيد، لكنه أيضا فرع للهوية الفلسطينية، ومستوعب يستطيع فيه رسم القصيدة الرومانطيقية، اليسارية الاتجاه عامة. قصيدة تخترق الخسارة وتنفذ إلى الموت كمصير سوداوي وشبه محتوم، لكن لا بد منه. لذلك، يكون التحدث عن الموت كوسيلة للتحرر، وإفداء الأرض، العائلة، الحبيبة، القلب، الوطن. وفي ديوانه الأول، سيجمع العديد من النصوص الشعرية التي يغض الطرف عن الأنا، بوصفها السؤال الأول، ليتمدد هذا الأمر نحو مساءلة الحبيبة، بوصفها الكائن المخاطب، وبالتالي العلة التي تبرر كل شعرية العاشق المعذَّب، الذي تطل كتفه على أرضه البعيدة المسلوبة. وهو ألزم امرأته بهوية محددة، هوية اشترطها الشاعر كما اشترط الظرف الذي يُضيئها هو فيه، ليمددها أو يقلصها بحسب توتر النص “رأيتكِ أمس في الميناء/ مسافرةً بلا أهل.. بلا زاد/ ركضت إليك كالأيتام/ أسأل حكمة الأجداد:/ لماذا تسحب البيّارة الخضراء/ إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناء/ وتبقى رغم رحلتها/ ورغم روائح الأملاح والأشواق/ تبقى دائماً خضراء؟” (“عاشق من فلسطين”). فجمالها مثلاً، ارتبط بتغرب الشاعر ووحدته، أما إعلاء صورتها فجاء كتشديد على إعمال المفارقة بين حاله كشاعر عاشق، ومعناها كامرأة تتحرك في الوطن ويتحرك الوطن في صورتها هذه. غير أنه أبقى عليها صورة منفردة في العالم، مصغراً التفاصيل، ومضخماً ظرفها الإجتماعي الذي احدثته النكبة. قدم درويش قصيدة مقاومة في المحصلة، أريد لها أن تحمل دلالات على أسى مضبوط، وأن ترد صوت الشاعر إليه بعد أن يجوب في الوطن والحبيبة وإشكالية المكان. ولعل المفتاح الرومانسي الذي لجأ إليه درويش، جعل صوته يأتي ممزوجاً بنبرة الطبيعة، برموزها، وبما تستطيع هذه الطبيعة أن تحمله من ملحمية مخفّفة كما في قصيدته “صوت وسوط” والتي يبدأها بـ “لو كان لي برج/ حبست البرق في جيبي/ وأطفأت السحاب” لينهيها بانفعال غنائي أوضح “لكنّ صوتي صاح يوماً/ لا أهاب/ فلتجلدوه إذا استطعتم/ واركضوا خلف الصدى/ ما دام يهتف: لا أهاب!”. ومن هنا، نشير إلى تكرار مفردات في شعره كـ: الدم، البرتقال، الريح، القيثارة، النار، لاجئ، المطر، العاصفة، الزيتون، الضوء، النبع، الغريب، الأزهار، القمر، الرغيف، الصليب، القمح، السنابل، الذئب، الغابة، العيون السود.. إلخ، مشدداً في الغالب على صورة مُغنّ يجوب الشوارع معذباً وباحثاً وناثراً حبه.

هذه المعالجات الرومانطيقية للوطن اتكأ فيها درويش على استحداث مسافة نفسية أو سياسية، بينه وبين فلسطين. مسافة، كانت ضرورية له من الناحية الشعرية كي يعزل أولا الجوانب غير اللازمة التي تحيط بكل من النقطتين الأساسيتين: الفرد – الوطن. ثم كي يحوِّل هذه المسافة إلى خيط تنجدل حوله كل المعطيات الفيزيائية، للمكان والزمان، التي تخدم مهمة واحدة: تصوير حنينه لفلسطين بأعلى كثافة عاطفية ممكنة. كان بديهياً أن تقوم علاقته بالوطن على أساس التضخيم. أي أن ينفخ الشاعر صورة فلسطين، كبلاد غير مُنالة، تزامناً مع نفثه النار في جرحه كلاجئ فلسطيني، مبيناً للعالم، كل القروح المتوارية تحت الجلد وكل الاهتراءات الصوتية التي تنسل من الابتسامة. كانت علاقة درويش بالوطن علاقة التباس، مقامة على أسس عاطفية، ساذجة إلى حد ما، وانفعالية وثورية ووجودية، وحتى عدمية. إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يشيَّد منصته الشعرية على أرضية سياسية لزجة، تتكوَّن تربتها من خليط إشكاليات الأنا والمواطنة والهوية والانتماء والجذور. فهناك محمود درويش الفلسطيني، ومحمود درويش المواطن المنتمي إلى أقلية عربية في دولة عبرية مستحدثة، ومحمود درويش حامل وثيقة ورقية (الهوية الاسرائيلية) يشترطها واقع أن هناك احتلال وأن ثمة دولة سلبت شعباً أرضه، وهناك أخيراً محمود درويش الفرد، المحكوم بحسب الطبيعة الإنسانية للبشر، بمخالطة أصدقاء وزملاء إسرائيليين سواء في المدرسة أو الشارع أو حتى حزب راكاح الشيوعي الاسرائيلي الذي انضم إليه باكراً، من دون أن يتنازل عن حقه السياسي بالدفاع عن فلسطين من داخل أروقة المجتمع الإسرائيلي نفسها. خلاصة هذه التشعبات أن درويش أخذ يبحث، في شعره، عن وطنه فلسطين داخل فلسطين المعدلة جينياً بسبب قيام دولة اسرائيل كنظام عسكري واجتماعي وعقائدي وديني.

 إلا أن هذه الانسلاخات عن الهوية الفلسطينية، كانت دوماً الدليل إلى نوستالجية درويش وبكائياته حول الوطن، في أول مجموعتين شعريتين له. وهي تشظيات لم ينتج عنها قبل قصيدة “جندي يحلم بالزنابق البيضاء” (ديوان “آخر الليل” 1967) ما هو خارج التزام المواطن البديهي ببلاده. فالوطنية ظلت مسألة مادية، مسألة التزام، يفرضها بعد تربوي، ويعززها واقع نهائي بوجود محتل، وهو واقع لشدة قسوته، يكون بعيداً عن أي نقد فلسفي أو تاريخي أو اجتماعي. لذلك، اقتصرت صورة الإنسان في كتابيه الأولين، على صورة الفلسطيني، صاحب البلاد، والأصل. وقد استبعد دوريش كل ملمح محتمل لإنسانية العدو، إذ كان عليه أن يمتثل لواقع أرض محتلة يتعاطف معها إنسانياً ويسارياً، تعاطف يمر بتعاطفه مع ذاته كمحمود درويش اللاجئ. لذلك، احتكرت الضحية المشهد، ولم يعط الفرصة لأي صوت بأن يختلط مع صوتها. فكان على صوتها أن يجيء موسَّعاً، ممدداً في الطبيعة والفضاء والموت والحب والغضب. ذلك قبل أن يقدم درويش صورة مغايرة للعدو، وتحديداً منفِّذ هذا العداء، أي الجندي الإسرائيلي. فـ”جندي يحلم بالزنابق البيضاء” والتي يتحاور فيها الشاعر مع جندي سئم الحرب، تبدأ بسؤال حول معنى الوطن “يحلُمُ بالزنابق البيضاءْ/ بغصن زيتونِ/ بصدرها المورق في المساء/ يحلمُ، قال لي، بطائر/ بزهر ليمون/ ولم يفلسف حلمه.. لم يفهم الأشياء/ إلا كما يحسّها.. يشمّها/ يفهم، قال لي، إنّ الوطنْ/ أن أحتسي قهوة أمي/ أن أعود في المساء/ سألته: والأرض؟/ قال: لا أعرفها/ ولا أحس أنها جلدي ونبضي”. هنا، ينزع درويش، أو يؤجل بالحد الأدنى، صورة الفلسطيني الثائر والعاشق الحزين، الذي ندخل إلى قصيدة عبره، فلا نلمح أثراً لذلك الخراب الذي شدد عليه درويش في بداياته سواء كان خراباً بسيكولوجياً أو بدنياً للاجئ، أو خراباً مجازياً متمثل بفوضى الإنتماء والارتباك اللذين يعانيهما سكان الأرض المحتلة. في هذه القصيدة، يتحول الصوت من كونه صوت الأنا إلى صوت الآخر. ويصبح الكائن المُحتل هو المرجعية، وإن ببعد عاطفي، لتبيان العلاقة الشاذة، أو غير السليمة، مع الأرض. درويش أنحى جانباً المكوِّن الثوري لقصيدته، ليعتمد على قراءة غير عالية النبرة للواقع الفلسطيني، ومن عيني جندي اسرائيلي هذه المرة. انتقال حاد من صيغة الإنسان – الضحية إلى صيغة الإنسان – الجندي، لم يكن مستنسباً إلى خصوصية فلسطين، بل آثر درويش أن يمدد معنى الوطن في شروط إنسانية مجردة من جغرافيا المكان ودلالته المعنوية ورمزيته الخاصة الدينية. يؤدي ذلك إلى تشابك الملامح المكونة لمفهوم الضحية مع بعضها البعض. فالجندي، كالضحية، يحلم، يريد زنابق بيضاء، ولا حاجة لضعفاء يقتلهم. ولعل الشاعر قلص فكرة الوطن إلى حدود الفهم الفردي غير الإيديولوجي “ولم يفلسف حلمه لم يفهم الأشياء إلا كما يحسها”. الانسان هنا مينيمالي، غير خارق، خطابه يولد من التعب ويندرج في البساطة. إنه إنسان مرتد على وظيفته، أي على الظروف المؤسسة لحالة الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، وعلى الوحشية، وهو في حاجة لركن يلجأ إليه، واللجوء هنا ليس سياسياً بل عاطفي. أما الأم، فتتواضع صورتها وتؤنسن، إذ هي ليست الوطن مجازاً، بل الرحم الذي خرج منه هذا الجندي إلى العالم. لتنتفي بذلك الأواصر التي تشد الكائن إلى المكان. ويتلاشى ذلك الالتزام البديهي والأفقي بالوطن. فالوطن لا يعدو أكثر من وجهة نظر. وطن مفرغ من المعنى، محاط بالعبثية، ولا يتجاوز في معناه السؤال الوجودي المؤسس لمفهوم العلاقة بين الفرد والهوية، وماهية الانتماء. يحيد درويش في هذه القصيدة عن مفهوم الجغرافيا، ويتحول الأداة العسكرية إلى ما يشبه محراثاً يفلح به بسيكولوجيا الجندي وذاته القلقة ويعرّضها للهواء. إلا أن إرجاع مجمود درويش الأرض إلى إطار الإشكالية، لم يكن ليبلغ مراده دون إرجاعه “عدوه” إلى مظهره الإنساني الأول، إلى مكوناته العاطفية والإنسانية، وإلى التباسات العلاقة مع الضحية، حيث يفرغ فعل القتل الفيزيولوجي من أي غاية ليصبح شبيها بالعدم. عدم ناتج عن صراع ديناميكي، يستعاض به عن ذلك العدم الذي تنتجه فكرة الموت.

وإذا كانت هذه القصيدة تشكل أول خطوة في المسافة التي سيقطعها درويش مبتعدا عن شعر البدايات المنبري واليساري الهوى، فإن قصيدة “قاع المدينة” (العصافير تموت في الجليل – 1969) ستحمل أولى سمات التجريب لدى ابن البروة، وإن في الشكل على الأقل. فقد أدخل الشاعر توزيعاً صوتياً في القصيدة، فتح له باباً لتوسيع سينوغرافيا رمزية الموت والنضال والثورة. بذلك تخلص درويش من التزام بالصوت الأحادي في القصيدة، أو بالعمود الفقري الواحد. وسيهيئ له هذا الأمر ابتكار اسلوب شعري يجمع بين متتاليات حسية وبصرية من جهة، وأخرى رمزية، رباطاً بينهما بفعل وحدات لغوية أو مفردات، تعمل كمفاتيح سرية أو كأقفال “تتفجرين الآن برقوقاً/ وأنفجر اعترافاً جارحاً بالحبّ: لولا الموت/ كنت حجارة سوداء/ كنت يدا محنّطة نحيلة/ لا لون للجدران:/ لولا قطرة الدم/ لا ملامح للدروب المستطيلة/ (والعائدون من الجنازة عانقوني/ كسّروا ضلعين/ وانصرفوا/ ومن عاداتهم أن يسأموا/ لكنهم كانوا يريدون البقاء /خرجت من جلدي/ وقابلت الطفولة)”. كانت هذه أولى العلامات الدالة على قدرة درويش اللغوية من جهة، وامكاناته في ابتكار جماليات في دائرة التراجيديا نفسها. وإن لم نجرؤ على القول بأن درويش بلغ حالة متحررة بالكامل من سلطة التراجيديا وإيقاعها الرتيب، فبإمكاننا القول بأنه، على الأقل، وسع محورهذه التراجيديا شيئاً فشيئاً، ذلك أن درويش يتحرك وسط الموضوعات الثابتة نفسها (الحب، الموت، رمزية الجلجلة والصلب، الدم، الأغاني) وقصيدة “قاع المدينة” ستكون في مجملها نموذجاً مصغراً جداً وخجولاً ربما، عما سيكتبه الشاعر عام 1983، ونعني قصيدة “مديح الظل العالي”.

ولعل الموت هو القطبة السرية في قصيدة درويش. وهي المحور الذي ظل دوماً يستفزه، لا بوصفه مفهوماً ميتافيزيقياً، بل كحالة تضمه إلى المأساة الإنسانية العامة. ربما لتجاور الشاعر مع نسخ عديدة من الموت خلال حياته، سواء كان موتاً بأسباب نضالية او سياسية أو حتى حيادية. فدرويش يفتتح كتابه “العصافير تموت في الجليل” بقصيدة “لوحة على جدار”، بحيث يتوزع المشهد خارج كادر الجغرافيا، مبتعداً عن خصوصية الحالة الفلسطينية، فلا يسميها، ولا يبثها في القصيدة. الشعر هنا يكون عليه تجاوز المشهد المادي، التصويري، كما النضالي. إنه محاولة لتأمل الموت، كهوية نهائية. لذلك، يحضر المشهد مشذَّباً، مستقلاً عن الأسباب السياسية التي تدفع إلى كتابة قصيدة. مقابل تمسك درويش بالرمزية أو الإبقاء عليها قدر الإمكان، كما فيه احتفاء ساخر بالموت والهزيمة. ما يشد صوت الشاعر إلى أقرانه البشر، لا يعود الحياة، بل الموت. تماثل الجسد مع الجسد، خارج إطار الهوية، حال دخوله السكون النهائي “ونقول الآن أشياء كثيرة/ عن غروب الشمس في الأرض الصغيرة/ وعلى الحائط تبكي هيروشيما/ ليلة تمضي، ولا نأخذ من عالمنا/ غير شكل الموت/ في عز الظهيرة”. وهو إذ يكرر الجمل الثلاث الاخيرة في قصيدته، يبقي درويش على غنائية مقصودة، وهو عامل يضاف لتعزيز قوة جماليات أخرى تتمثل في التزامه التفعيلة والقافية والإيقاع. وهي عناصر قام عليها جسم القصيدة الحديثة (التفعيلة) وكان درويش لا يزال متمسكاً بها، كقانون. ضمنه، يعتمد تدوير المجاز والعودة من جديد إلى صورة الموت، كيقين، ما يمد القصيدة بمناخ هذياني نوعاً ما. وكأن الشاعر أراد إحالة الموت إلى نقطة البدء، لا النهاية. إنه نفخ للصوت الفلسطيني في المساحة الإنسانية “أي جسم لا يكون الآن صوتاً/ أي حزن/ لا يضم الكرة الأرضية الآن/ إلى صدر المغني؟!”.

أما في قصيدة “مطر ناعم في خريف بعيد” فيرتبط الموت بأسلوب الحياة نفسها، أو نمطها المفروض على الفرد. ويلاحظ القارئ تحولاً في معالجات الموضوعات ذاتها (الموت، الوطن). فالشاعر يرفض في هذه القصيدة الموت ذا النمط الواحد، الذي يتقاسمه الجميع كمصير محتوم أسبابه محددة ومفهومة. لكن ذلك يترافق مع ارتداده عن أي التزام بالوطن كمحصلة كبيرة ومطلقة. إنه إعلان درويشي مزدوج ضد التعب.  فما بين حالة الوطن والموت قنوات يتردد فيها الصوت الفردي الفلسطيني إلى أجل غير مسمى “لا تقولي أنا غيمة في المطار/ فأنا لا أريد/ من بلادي التي سقطت من زجاج القطار/ غير منديل أمي/ وأسباب موت جديد”. انعطف درويش في هذه القصيدة بصورة الوطن. لم يعد الوطن الفلسطيني الذي ينبغي النضال من أجله، بل بات الوطن – الشيء. إنه أي غرض قد يستفز الجانب الانساني من الفرد. كان الشعر الفلسطيني بحاجة طارئة إلى إخراج الوطن من كونه مكتب وظيفة، إلى كونه عاملاً معنوياً يستفز جماليات الفرد المخلوع من أرضه. لذلك، لم يعد هذا الوطن مطالباً بتحقيق ذاته ككيان سياسي أو اجتماعي أو حتى تراجيدي، بل بتقمص صورة الأشياء الحميمة (الشاعر يريد “أسباب موت جديد”). درويش يحتفظ بجملة غنائية، لكنها نفسية، تراوح بين المناخ السوريالي الكبير ورمزية التفاصيل.

في عام 1970، سيكون ديوانه “حبيبتي تنهض من نومها” متضمناً قصيدة ستشير إلى وصوله قريباً إلى النثر، ممزقاً البروتوكول الشكل الشعري الذي انتهجه سابقاً. “كتابة على ضوء البندقية” ستشتمل على سياق سردي، قصصي نوعاً ما، بحلة نثرية، مع احتفاظ درويش ببناء تفعيلي مبطن فيها، وموسيقى خافتة وإيقاع صوتي ساكن. في هذا النص، سيحال موضوع الهوية إلى الأنثى الإسرائيلية. وسيسجِّل درويش إشكالية القومية اليهودية وتعقيدات التفاعل الإنساني مع الجار الفلسطيني. هذه المرة، لن يقتصر الامر على موضوع الهوية ككيان تعريفي اجتماعي للكائن، بل سيختار درويش المفهوم القومي، في مقابل التزامات الصراع الحربي والسياسي وحتى العقائدي مع الفلسطيني. ترتسم هوية الأخير ضمن كادر من ممنوعات. ويتم في القصيدة محاصرة وجوده، بتجريد فتاة يهودية من أي حق بإقامة علاقة حب معه. إلا أن درويش، سيظهر هذه الإشكالية في أسلوب ملحمي، مظهراً سيطرة لافتة على اللغة العادية، ومتجهاً لحماية قصيدته من أي انزلاق ممكن في الخطابية الواقعية. لذلك، فإن القصيدة التي تحكي قصة امرأة (شومليت) تنتظر حبيبها الجندي في البار، ستتضمن استعارات عميقة تبيِّن مأزق اليهودي، بين التزامه الوطني الاسرائيلي من جهة، وتراجعه إلى إنسانيته المرتبكة وألقه العاطفي الهش من جهة أخرى. في مقابل ذلك، سيتم تأجيل صورة الفلسطيني، ولن تكون هويته موضوعاً أساساً للمعالجة، بل تفصيلاً يأتي في سياق تعقيدات تحيط به ومحرمات تفرضها المؤسسة الدينية والسلطة العسكرية في آن. يقول درويش في إحدى مقاطع القصيدة، متحدثاً عن شومليت “فجأة عادت بها الذكرى/ إلى لذّتها الأولى، إلى دنيا غريبة/ صدقّت ما قال محمود لها قبل سنين/ كان محمود صديقاً طيب القلب / خجولاً كان، لا يطلب منها/ غير أن تفهم أنّ اللاجئين/ أمة تشعر بالبرد،/ وبالشوق إلى أرض سليبة/ وحبيباً صار فيما بعد/…./ كل قومياتنا قشرة موز/ فكرتْ يوماً على ساعده/ وأتى سيمون يحميها من الحب القديم/ ومن الكفر بقوميتها”. تجرأ الشاعر على معلجة الحالة الفلسطينية من زاوية كان التطرق لها أمراً غير مسموح إلى حد بعيد. وفي هذا النص، يدخل قارئه في دهاليز أسئلة لا تولد إلا من رحم الحياة اليومية المتقاسمة بين الاسرائيليين والفلسطينيين أو ما يسمى “عرب 1948”. فالشاعر يتنازل عن كبريائه العالي كفلسطيني ثائر في قبضته الحق، ويرسم نفسه بدلاً عن ذلك ككائن يومي هش، مضيئاً على أبعاد دقيقة للصراع مع العدو بالزي العسكري، لا المدني اليهودي. أسئلة تركها برسم الحرب، والحب، والواجب والدفاع ومفهوم الوطن واللاجئين، والصداقة والعشق والحاجات العاطفية للإنسان الفلسطيني في مقابل كفاحه الوطني.

في الكتاب نفسه، نقرأ في قصيدة “الجسر” عن ابنة وأبيها وجندي قديم يرفضون البقاء لاجئين تحت علم وكالة الغوث، ويقررون العودة إلى ديارهم تسللاً عبر جسر. يرفع درويش الخطابة إلى مرتبة الملحمة مستعيناً بأدوات لغوية، تبطئ المشهد في حدود قصوى، وبالتالي تتيح الفرصة للقارئ كي يتأمل التناقضات بين عاطفة العائدين ومعوقات واقع الأرض. يرد في القصيدة حوار بين الابنة والأب “قال الشيخ منتعشاً: وكم من منزل في الأرض/ يألفه الفتى/ قالت: ولكن المنازل يا أبي أطلال!/ فأجاب: تبنيها يدان”. وهو ما يذكر بقصيدة درويش “أبد الصبار” في كتابه “لماذا تركت الحصان وحيداً” (1995)، إذ يرد حوار مماثل موضوعه العودة وتفصيله البيت، بين إبن ووالده “لماذا تركت الحصان وحيداً/ لكي يؤنس البيت، يا ولدي/ فالبيوت تموت إذا غاب سكانها”. من جهة أخرى، فإن درويش، الذي يكون إلى الآن أحاط بمسألة الهوية من جوانب عديدة، بات مسلحا ضد وجوب الإلتصاق بظلها الفلسطيني، ما سيمهد له الإنطلاق في مرحلة لاحقة، وإن متأخرة زمنياً (بدءا من عام 1995)،  في موضوعات أنثروبولوجية، واركيولوجيات شعرية للإشتغال على معنى الإنتماء، لا موقعه، لاجئاً إلى قدمية الأرض وأسطورة الصراع والارتباط بالتاريخ والحضارات القديمة التي مرت في فلسطين، بما يتجاوز اللحظة وما تشترطه. فالفلسطيني قد لا يملك صك ملكية مطلق وأبدي لكامل فلسطين، وكذلك اليهودي. إلا أن الأنا الفردية في شعر درويش ستظل مذوَّبة تقريباً في الصوت الجماعي، وهو الصوت الذي سيتسع ليتشظى مراراً في الطبيعة والروح الانسانية والسياسة والبطولة والإدانة. سينتج بذلك درويش لغة تتلاءم مع راهنية اللحظة آنذاك، بالنظر إلى الظروف الاجتماعية والحقوقية التي تغلف شعباً مهجراً بأكمله، والتي تعيد المشهد إلى صفر التحليل. مع ذلك، فإن النفاذ إلى هذا الصوت الجماعي، سيتم في بعض الأحيان فقط بالاعتماد على زاوية الفرد الفلسطيني كما في قصيدة “سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا” (ديوان “أحبك أو لا أحبك” 1972). سيطرق درويش مجدداً على نوافذ الهوية، وبصورة طارئة، باللجوء إلى سيرة حياة سرحان سرحان، الشاب المقدسي الذي اغتال روبرت كينيدي عام 1968 الذي عرف بعنصريته تجاه العرب وبانحيازه العلني للإسرائيليين واصفا إياهم بأنهم مقياس للإنسانية. يحكى أن سرحان صرح قائلاً بعدها “فعلت هذا من أجل بلدي”.

الهوية مرة أخرى، هي المحفز الطارئ، والموضوعة الشعرية الأشد إلحاحاً. وجودها على صفحة الإشكالية العربية الاسرائيلية، سيطوي داخله الفرد الفلسطيني، ليصبح كل موقف يعلنه هذا الفرد أو كل موقف يتخذه صغيراً أو مصغراً أمامها، حتى وإن كان فعلاً يودي بصاحبه إلى زنزانة المؤبد. هي بالتالي القاموس الأضخم الذي لن يفكك فيه التاريخ وشأن الأرض والإنتماء وحسب، وإنما كذلك كل اللواحق العنفية الناتجة عن هذا الوضع. فيها ستفكك كل ردات الفعل الفلسطينية، بوصفها (أي الهوية) الشأن الأكثر قدسية، والغرض غير الممسوس، وغير المسموح بنقضه وإنما بتلمس ملامحه. رغم هذه المنزلة المهيبة للهوية، فإن درويش سيستعين لقراءتها بأبعاد فعل الاغتيال الذي اتهم فيه سرحان. وهو اغتيال سيناتور أمريكي (لا إسرائيلي) تم في الولايات المتحدة (أي خارج حدود خارطة فلسطين التاريخية/ خارج السياج الشرق أوسطي). هذا الواقع سيرد درويش إلى المسافة، جغرافياً هذه المرة، للعمل على تحميضها في القصيدة “ورائحة البن جغرافيا”. لذلك، لن تظهر الهوية ككتلة مضخمة وبارزة مرة واحدة، بقدر ما سيتم جمع ملامح “القاتل الذي قتل قاتله” (هكذا يصفه درويش)، ونثرها في فضاء القضية/ الهوية المنفلشة، ليُدين وبرمزية عالية هذه المرة، قتلاً سياسياً للفلسطينيين. ستشكل الثنائية المستجدة “الفرد- الهوية” الهاجس الأكبر ونقطة بدء جديدة لدرويش، إما لتعريف مفهوم هذه الثنائية، شعرياً وجمالياً وسياسياً، أو للإقرار بإشكالياتها وضبابيتها. تطوِّق هذه الهوية شروط هذه الثنائية التي سيحاول مكوناها الإنفصال أو الإنصهار، بحسب الإيقاع الذي يتبدل شعريا، والأصوات المتداخلة مرارا (الشاعر، الجماعة الفلسطينية، سرحان الحاضر، سرحان الغائب). درويش سيوجد بذلك مناخاً هذيانيا في عمومه، غنياً بنثارات الوطن، أو ما نتج عنه. نثارات تنطلق بحدة في أكثر من اتجاه، كل منها يفحص ببعد خاص، المسافة واللحظة والمصير.

سرحان، الذي يشكل المحور الأول في القصيدة، ستجرد ملامحه من إشاراتها البيولوجية، فهو ليس الجهاز الآدمي، بل الغياب. والقصيدة لا تواجهه مباشرة، بل تقف أمام الأجزاء التي بقيت منه بعد تحويله إلى كائن مجازي، طيف غير خارق بقدر ما هو مرتبك. ففي “سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا” سيقدم درويش صورة جديدة عن المقاوم الفلسطيني. ذلك أن سرحان ليس ضحية بالمطلق، ولا هو قاتل بالمطلق. ستتذبذب صورته بين هذين النمطين. هو الفلسطيني المتملص من كل الأسباب والإيديولوجيات القومية والالتزامات المقدسة بفلسطين والمتورط في الوطن فقط. والوطن بالنسبة لسرحان، قيمة يقينية، ثابتة، غير أنه غير مرئي. بعيد ومتراجع أحيانا لكي يصبح وطنا نفسيا. ودرويش سيحرك قصيدته في ثالوث “سرحان – الهوية – الوطن”، قبل وبعد لحظة اغتيال كينيدي، نافذا إلى الشعب الفلسطيني كنسخة إنسانية واحدة ومجردة يتداعى أمامها الكون، كما يتداعى الصوت الفلسطيني الجهور “وسرحان متّهم بالسكوت، وسرحان قاتل/ وما كان حبّا/ يدان تقولان شيئا، وتنطفئان/ قيود تلد/ سجون تلد/ مناف تلد/ ونلتف باسمك./ ما كان حبّا/ يدان تقولان شيئا.. وتنطفئان/ ونعرف، كنا شعوبا وصرنا حجارة/ ونعرف كنت بلادا وصرت دخان/ ونعرف أشياء أكثر/ نعرف، لكنّ كل القيود القديمة تصير أساور ورد/ تصير بكارة/ في المنافي الجديدة”.

في هذه القصيدة، سيوازن محمود درويش فنياً بين مكونات شعرية عدة بالإبقاء على مستوى عال من الرمزية الواقعية في شعره “وكان يقيس السماء بأغلاله”، خالطاً ذلك بشذرات طفيفة من سيرة حياة سرحان “وسرحان يضحك في مطبخ الباخرة/ يعانق سائحة، والطريق بعيد عن القدس والناصرة” محددا معنى الشاب الذي اغتال السيناتور بـ: اتجاه الوطن. الإنسانية لا تحمل تعريفا معينا هنا، وهي ورطة القصيدة، وغاية درويش ليست بتأطيرها بل بتكسيرها وإفراغها من المعايير الأخلاقية أو الإلتزامات التربوية. إنها مفهوم نسبي، لا يرسو في مربّع، تتدخل فيه الظروف، ويقاس بحسب الزاوية التي تنظر منها شريحة اجتماعية إليه. وفي إدانة سرحان إدانة لمحيط عربي وغربي غير سوي مع القضية الفلسطينية. هي ليست محاولة شعرية للدفاع عن سرحان، بقدر ما هي إعلان صورته ذلك أن إدانته تعني إدانة لصوت الجماعة المتكثف فيه “وفوق سواعدنا/ فارس لا يسلم (وشم عميق )/ وفوق أصابعنا كرمة لا تهاجر (وشم عميق)”. الأنا مرة أخرى، هي أنا الجماعة، وكل مسرح يرسمه فرد يكون متسعا للكل.

وإذا كان سرحان ألزم درويش بإزالة جزء من بورتريه المناضل الفلسطيني لرميه في فضاء السؤال حول الوطن، فلا شك أن الشاعر ألقى القبض على نموذج متطور للفدائي الفلسطيني، وبالتالي لتعقيدات الصراع وتشعباته والعنف السياسي الذي أنتجه بعد هزيمة العرب 1967 (اغتيال بوب كينيدي تم عام 1968 والقصيدة نشرت عام 1972).

لكن قصيدة “مزامير” (يفتتح بها ديوانه “أحبك أو لا أحبك”) حملت علامات مغايرة في النمط الدرويشي على الأقل. فها هو يفاجئ القارئ وللمرة الاولى بإعلان نثريته، قالبا الطاولة على أصول تقنيته الشعرية، نائياً عن سلطة التفعيلة والقافية، ومشدداً على إبراز السرد والجملة غير المغلفة بالموزاييك. يكرر درويش موقعة الوطن في هذه القصيدة، والحبيبة، والذات، في عناصر رمزية وملحمية حاضرة في قصائده السابقة (الزيتون، الريح، الدم، الزوبعة، البلابل.. إلخ.). وكأن كل نص شعري هو اختبار آخر منكس الرأس، للّغة، مقابل فلسطين. كذلك يكرر بحثه عن سبب الموت “أيّها الوطن المتكرر في الأغاني و المذابح/ دلّني على مصدر الموت/ أهو الخنجر.. أم الأكذوبة؟”. عمود القصيدة الفقري يتكون من شريطين مجدولَين، لكل منهما مناخه وإشكالاته: عاطفي متمثل ببوحه عشق الأنثى (بمحفزاته المعنوية تجاه فلسطين) وعقلاني متمثل بالقلق الوجودي الناتج عن شعور دائم بالخسارة. كل منهما يحضر مستقلاً عن الآخر، بصيغة مقطع طويل. وفيما يختار درويش للأول لغة شعرية تفعيلية ذات إيقاع زمني بطيء (وهو ما يقدم لنا شاعراً متأملاً متمهلاً يقرأ العالم بعاطفة رزينة)، يُعتقُ الاخرى في لغة حرة كلياً، نثرية سردية ثاقبة، تصب مباشرة في قلب الفكرة وتنبشها بدون اللجوء إلى مكياج الرمزية المبهمة “أيّها الوطن المتكرر في المذابح و الأغاني/ لماذا أهرّبك من مطار إلى مطار/ كالأفيون../ والحبر الأبيض/ وجهاز الإرسال؟!/ أريد أن أرسم شكلك./ أيّها المبعثر في الملفات والمفاجآت”. هذا التنويع بين أسلوبين في القصيدة الواحدة، والذي يشهده شعر درويش للمرة الأولى، سيتكفل بصنع جماليات التركيب البنيوي، وسيمدها بنكهة خاصة، تعطي الفرصة للقارئ لالتقاط انفاسه.

ديوان “محاولة رقم 7” (1975) تضمن قصائد كان بينها “تلك صورتها وهذا انتحار العاشق”، “طوبي لشئ لم يصل!” و”طريق دمشق”. وهي، إذا صحت التسمية، ثلاثية حملت البشائر التقنية لـ”مديح الظل العالي”(1983)، تلك القصيدة التسجيلية الضخمة التي سيقفل بها درويش مرحلة شعرية والتي تشكل فاصلة في مسيرته من حيث خصوصيتها البنيوية. من القصائد الثلاث نقرأ “أحاصركم: قاتلاً أو قتيلْ/ وأسألكم شاهداً أو شهيدْ:/ متى تفرجون عن النهر حتى أعود إلى الماء أزرقَ/ أخضر/ أحمر” و”أنا ساعة الصفر دقّتْ/ وشقَّتْ / خلايا الفراغ على سطح هذا الحصان الكبير الكبير/ الحصان المحاصر بين المياه/ وبين المياه/ أعِدُّ لهم ما استطعتُ” (طريق دمشق)، و”الطائرات تمرُّ في عرسي/ فاختزلَ الفضاءَ، وأشتهي العذراءَ/ إنَّ الطائرات تمرُّ في يومي وفي حُلمي تمرّ الطائرات/ فأشتهي ما يُشْتَهى/../ لا لون لي/ لا شكل لي/ لا أمس لي/ إن الشظايا حاصرتني/ فاتّسعتُ إلى الأمام/ وصرتُ أعلى من مدينتنا./ أنا الشجر الوحيد”.(تلك صورتها وهذا انتحار العاشق)، و”حملوا مقابرهم/ وساروا في مهمتهم/ وسرنا في جنازتهم/ وكان العالم العربيُّ أضيق من توابيت الرجوع/ أنراك يا وطني/ لأن عيونهم رسمْتكَ رؤيا… لا قضيَّة!” (طوبى لشيء لم يصل). نستطيع من خلال هذه المختارات أن نستشف الأفق المتوتر الذي يضع فيه درويش جملته. وهو يستعين بالواقع المأزوم عسكرياً وسياسياً مظهراً براعة تخييلية في استثمار المشهد البصري ورفعه إلى مستوى خرافي، كحياة يختلط فيها ترتيب الاشياء ولا يعود لأية قوانين فيزيائية (القوانين التي تربط عناصر المشهد البصري ببعضها البعض) أي مسوغ خارج “المنطق الشعري”.

يلاحظ ان درويش تراجع عن الرمزية قليلاً، لصالح واقعية نيئة كان لا بد من الانغماس فيها. فالشعر، يصير ضرباً من الهرطقة والتخاذل أمام المأساة. تغيرت الأولوية الجمالية إذن عند درويش، ووضعت التطورات السياسية على الأرض (لبنان تحديداً) في كفه الأخرى نبرة واقعية قاسية، وتهكمية إلى حد كبير، مقابل ما احتفظ به في اليد الأخرى من شظايا صورة الفلسطيني، كمقاوم ثابت خارج سلطة الزمان والتاريخ والتجاذبات. بدأ درويش البحث عن صورة الأنا الفلسطينية هذه المرة، كمسرح مباشر لصوت القضية، وكعينين تريان العالم العدمي بغضب. لذلك كان لا بد من توحيد القيمتين الإنسانية والوطنية في إحدى مرحل شعره. فكان تضخيم الأنا، عبر تلاحمها بالمكان – فلسطين، أو على الأقل برمز المكان (أي المخيم الفلسطيني) وهو ما سيسجله في قصيدة “أحمد الزعتر” (ديوان “أعراس”- 1977).

في عام 1976، حوصر مخيم “تل الزعتر” (شمالي شرق بيروت) من قبل ميليشيات الكتائب اللبنانية تعاونها بعض الاحزاب اليمينية، مدعومة من قوى عربية إقليمية. قتل الآلاف، وشردوا من مآويهم الركيكة. هُدِمَ المخيم وأبيد بالكامل، وتوزع ما بقي من الفلسطينيين الأحياء على المخيمات الأخرى. كانت المأساة الأولى من نوعها التي تطال الفلسطيني في بلاد عربية. مأساة مزدوجة، انفجرت في وجه الجماعة الفلسطينية – اللاجئين (ومن خلفها الفرد) والمكان المؤقت – المخيم. نسخة ملحمية وحزينة عن الواقع المرير أصلاً أدرجت في روزنامة الفلسطيني. تلاشي الحياة في هذا المخيم، وكل علاماته، دفعت درويش للانتباه إلى عدم فصل “أنا” اللاجئ، عن المكان هذه المرة. فعنوان قصيدته يحمل قطبين هما “أحمد” ويشكل الأنا في حدود المقاتل/ اللاجئ/ العاشق/ وسائل النضال ومسوغاته/ الذكرى/ البيان/ المتجه نحو الوطن و”الزعتر”  ويرمز للمكان المؤقت/ الأسوار/ العزلة/ المخيم الممتد نحو مدن عربية أخرى. “وأنا البلاد وقد أتَتْ/ وتقمّصتني/ وأنا الذهاب المستمرّ إلى البلاد/ وجدتُ نفسي ملء نفسي”. لم تعد الهوية هنا مسألة شعرية للسؤال، ولا إيديولوجية، ولا حتى رمزية، بقدر ما أصبحت يقيناً مكتملاً، هوية مشدودة إلى الألم لا الإشكالية “”. وهو ما شكل انعطافة جديدة في خط درويش الشعري. فالواقع فرض نفسه ورد بشكل طارئ الفرد الفلسطيني إلى درويش لينثره مباشرة في الوطن. كان في القصيدة محاولة من درويش لموازنة الإحباط على الأرض، باستيلاد أسباب أخرى لحماية الطيف الفلسطيني وإعلائه فوق حيثيات هذا الواقع نفسه. هكذا يدخل درويش ويخرج من وإلى النتيجة القاسية والممغنطة، سواء مرغماً أم مطيعاً. “لا وقت للمنفى و أغنيتي/ سنذهب في الحصار/ حتى نهايات العواصم”. غير أن الأنا التي اكتشفها بصيغة جديدة، ستشكل جوهرته الشعرية، فيعيد صقلها مراراً لتأخذ شكلاً متملصاً من أي إطار اسطوري بحت في “مديح الظل العالي”.

ستشتمل هذه القصيدة على تحولات في الصوت وإبراز صيغ وحالات إنسانية لمعالجة علاقة اللاجئ بمنفى طُرِدَ منه (بيروت) وتشريح للبسيكولوجيا الفلسطينية (بين النقد الذاتي والتمسك بثوابت النضال)، حتى ستبدو القصائد الثلاث التي أشرنا إليها في “محاولة رقم 7” وقصيدة “أحمد العربي” (1977) كتمارين لإرساء لغة “مديح الظل العالي”، التي تكشف دماغاً شعرياً قادراً في أصعب الظروف وأقساها (مراحل الحرب اللبنانية بين عامي 1975 و1982) على استثمار الواقع فنياً. فالحلقة الأخيرة من سلسلة العمل الفدائي في بيروت والتي تمثلت بحصار الجيش الاسرائيلي لفلول منظمة التحرير في بيروت عام 1982، لمدة 88 يوماً، واضطرار مقاتلي المنظمة للمغادرة بعدها، وضعت الشاعر في مواجهة معنى المكان الموقت (معنى بيروت الجارة القريبة لفلسطين وأول مدينة عربية يجتاحها الجيش الاسرائيلي، بعد احتلال القدس عام 1967)، مقابل صورة اللاجئ الدائم النزف والمطرود باستمرار والخارق، والمعجون بالتعب والخسارة وبذل الدم واللحاق بالوطن عبر كل البوابات.

في هذه القصيدة، سيبتعد محمود درويش عن الرمزية البلاغية مسافة كافية تتيح له تفحص الواقع الذي أصبح الآن أمام هذه الرمزية بعد ان كان قابعاً وراءها في القصائد السابقة. فخزان وقوده الشعري سيستمد من قوة هذا الواقع الجاهز بكل تعقيداته، سياسياً وإنسانياً. ذلك أن حصار بيروت كان من أقسى الحروب القصيرة الأمد وأشدها كثافة، وأمام هول الحرب المستعرة، كان معنى المنفى يتجدد كل يوم، كسؤال مُلِحّ، المستقبل المجهول كذلك، والألم الذي يتطور في عمقه ليتسع الزمن الحاضر والسابق. كان المعطى البصري الجاهز أبلغ من أن يُستعاض عنه بتشكيلات رمزية فضفاضة مبهمة قد تشتت المعنى وتفتح الباب على تأويلات عدة.

كان هذا تحولاً نسبياً في قصيدة درويش. فقد آثر الشاعر تخفيف النص في بعض مواضعه من الرمزية الثقيلة وتجريد هذه الرمزية من سلطتها وسلخ طبقات المعنى عنها.  لهذا، يعود مبرراً انزلاق درويش في بعض المقاطع من قصيدته إلى لغة خطابية سردية مباشرة استفزازية وعاطفية، تعرّي الواقع بنفضه كما هو، بنسخة بصرية لا مجازية “يبذل الرؤساء جهداً عند أمريكا لتُفْرِجَ عن مياه الشرب/ كيف سنغسل الموتى؟”، أو “كَمْ سَنَة/ وأنا أَصدِقُ أُن لي أُمماً ستتبعني/ وأنكِ تكذبين على الطبيعة و المسدَّس/ كَمْ سَنَة”.

وانشداده إلى عصب الواقع كرجل يسند ظهره إلى لوح تخرج منه مسامير صغيرة، دفعه إلى بناء القصيدة كخريطة شعرية لتجربة الفلسطينيين في بيروت (بين عامي 1970 و1982)، والسياسات التي تلاعبت بالثورة الفلسطينية أو مهدت لتحويل مسارها، دون أن يلتزم خطاً كرونولوجياً “هذه الصحراءُ تكبر حولنا/ صحراءُ من كل الجهاتْ/ صحراءُ تأتينا لتلتهم القصيدةَ والحساما”. فالفدائي في أعلى درجات الواقع لا يعود خارقاً، بل كائناً قابل لارتكاب الخطأ واشتهاء ما يريد “لم تسمعيني جَيِّداً لم تردعيني جيداً لم تحرميني من فواكهكِ/../ حريتي فوضاي/ إني أَعترفْ/ وسأعترفْ/ بجميع أَخطائي، وما اقترفَ الفؤادُ من الحنين”. غير أن التورط شعرياً في تظهير اللحظة بكل عوراتها، سيقابله انسحاب حاد إلى موروثات تاريخية واجتماعية ودينية تفسر هذا الواقع من جهة، وتثبت، ولو شعرياً، بأن الفلسطيني الحجر الأكثر طزاجة في الطريق المعبد بالنضال. وكأن درويش أراد قياس العصر الخاص بأدوات الكل. وقياس العلاقة ببيروت في إطار محدد “وحدي أدافع عن جدارٍ ليس لي/ وحدي أدافع عن هواء ليس لي/ وحدي على سطح المدينة واقفٌ/ أيوب ماتَ وماتتِ العنقاءُ، وانصرفَ الصَّحابَة وحدي/../ كم كنتَ وحدكَ تنتمي لقصيدتي، وتمدُّ زندكْ/ كي تُحوِّلها سَلالِمَ، أو بلاداً، أو خواتمْ”. غير أن ذلك كله، لم ينأى به عن أسس صورة الفدائي، في ثوابت عقلانية تجلت إما بالتشديد على مقاومة العدو، ضمن واحدة من أجمل صوره الشعرية “حاصِرْ حصَارَكَ.. لا مفرُّ/ سقطتْ ذراعك فالتقطها/ واضرب عَدُوَّك.. لا مفرُّ/ وسقطتُ قربك، فالتقطني/ واضرب عدوكَ بي.. فأنت الآن حُرُّ”، أو عاطفية كمخاطبته للجيل الفلسطيني الثالث “نامي قليلاً، يا ابنتي، نامي قليلا/ الطائراتُ تضُّني. وتعضُّ ما في القلب من عَسَلٍ/ فنامي في طريق النحل/ نامي قبل أن أصحو قتيلا”.

الدلالات الرمزية دينياً والتي تمسَّك بها، ضمت أورشليم وأشعيا (نبي في الديانة المسيحية. أطلق سنة 734 نبوءة عن العذراء وعمانوئيل ومولده. وهاجم الوثنية والكفر. وقد روي أنه قضى في القدس، بعد أن شطر جسمه إلى شطرين). يقول درويش “أُنادي أشعيا : أخرج من الكتب القديمة مثلما خرجوا، أَزقَّةُ أورشليم تُعَلِّقُ اللحم الفلسطينيَّ فوق مطالع العهد القديم”. كما أورد عبارات من مثل “الله أكبر”، و”إقرأ باسم الفدائي الذي خلقا” (المحرّفة عن آية قرآنية تقول “إقرأ باسم ربك الذي خلق”)، وأمكنة من مثل يثرب (كمرجعية معنوية للعرب والاسلام) وهيروشيما وصبرا وشاتيلا “صبرا هوية عصرنا إلى الأبد”. وهي دلالات استرشد بها لتوثيق خصوصية الهوية الفلسطينية بجذر ثقافي ديني عام. وبالتالي زرعها في معنى أعلى، مرتبط أساساً بالخلود، كتعويض عن الخسارة السياسية على أرض الواقع، كما ولإدانة المحيط المعني بصقل الوجع الفلسطيني حتى ذلك الوقت.

قافلة الصحافيين الشهداء بدأت عام 1915 ثم كرّت السبحة

قبل سنتين من اغتياله في 12 كانون الاول عام 2005، سأل احد الصحافيين جبران تويني عما يعتقده في الموت، في موته تحديدا. يومذاك، لم يكن من الصحافي والسياسي إلا أن ضحك، مجيبا أنه لا يعرف، وأن المشكلة ليست في الطريقة التي سيموت فيها، فالقتيل لا يشعر بأزيز الرصاصة وهي تخترق جسده، يموت فحسب. قبل أن يختتم بجملة مفادها انه يرحب بالموت إذا ما أتاه، لأن الموت مشيئة الله. على الأقل، سيموت وضميره مرتاح

جبران تويني، آخر الشهداء الصحافيين في قافلة لم تتوقف يوماً إلا لتستريح قليلا، وتعبئ خزّانها من زيت الإشكالات السياسية الخام، قبل أن تكمل طريقها، منعطفةً في أكثر من اتجاه، راسمةً في طريق الكلمة، خطوطا غير مفهومة، خربشة مستهجنة، خربشة موقتة، لا يمكن إزالتها عن الطريق، غير أنها لم تعلّم الكتّاب سوى العناد في مواقفهم، والتشبث بلحم الحرية القاسي في كثير من الأحيان، والمهترئ في مفهومه، داخل وطن لا تزال الأمبراطوريات، صغيرة وكبيرة، تتسلل أظفارها تحت جلده، لانتزاعه من موقعه، ووضعه قريباً منها، أو في بطنها أحياناً. من اعتقد أن لبنان لقمة، فهو عصي على البلع، ومن ظن أنه جباية، فالأكيد أنها جباية لن تستقر في أي يوم من الأيام في كيس أحد

دفع جبران تويني من دمه، ثمنا لحرية ظلّت في عيون كثيرين، مستنسبة، ورهناً بالسياسة، والتسويات، المعلن منها، والخفي. حرية، لا تشبه على الإطلاق تلك التي ترد في المعاجم، والقواميس، والروايات، وقصائد بابلو نيرودا. حرية الأمر الواقع، الموحل، غير المثالي. الحرية الهشة كالبسكويت، السهلة الإنفراط، التي لا ينفع معها لا الغراء الأميركي ولا الروسي ولا حتى الصيني. أُريدَ لجبران إقصاؤه عن المنبر السياسي والصحافي. أُريدَ إلغاؤه. ظن مغتالوه أن في تغييب الرجل تغييبا تلقائيا لكلمته، لأثره، لكتاباته، لعصبه، لمواقفه، لديناميكيته، لانفعاله، وحتى لأسلوبه الصحافي المجدِّد. كثر اتفقوا معه، وتابعوه في مسيرته الصحافية والسياسية، اللتين عرفتا بنبرته الصريحة، النظيفة، وهي نبرة لم يكن ليتنازل عن أي شقٍّ من مضمونها لأي مصلحة، سوى مصلحة لبنان الحر، المساوي بين أبنائه، كما حلم به يوما. كثر أيضا عارضوه، واستهجنوا مواقفه، غضبوا وثاروا منها، وخلطوا بين حقّه ككاتب، وحقّه كلبناني، وسياسي منتمٍ إلى رؤيا معينة

.
مستغرَبٌ فعلا أن يتخذ أحدهم قراراً باغتيال كاتب. ماذا يحدث بعد ذلك؟ هل يتحلل أرشيفه مثلاً ويختفي؟ هل تمحى كلماته اوتوماتيكيا من على الصفحات؟ هل تتحول كتاباته رماداً ينفخ في الهواء فلا يبقى أثر من الرجل؟ هل باغتيال صحافي، يقوم الزمن، لحظة الإغتيال، بإعادة تكوين نفسه، فيزيل في ضربة فلاش كل ما يتعلق بهذا الصحافي، فتتلاشى مواقفه المسجلة على الفيديو، الإنترنت، وفي أرشيف الجرائد المحلية والعالمية؟ صعبٌ حقا، إن لم يكن مستحيلا، أن يتم شطب كاتب بشكل نهائي، خصوصاً في هذا الزمن الرقمي. على الاغتيال أن يرفق عندئذ، بطلب الى كل الناس، بأن يغسلوا أدمغتهم من صورة الضحية، وبأن يتلفوا كل ما يتعلق به: الأفكار والمواقف والمقتنيات والتسجيلات الصوتية وغيرها. وإلا سيبقى كل اغتيال لكل صحافي، منقوصا، معوقا، مشوها، لا يؤدي هدفه المنشود، بل يصبح كمن أراد أن يقتلع شوكة من عينه، فانتزع القسم العلوي منها، فيما يكون رسخ بذلك صعوبة اقتلاع قسمها السفلي الدقيق، والمغروس باحكام.
الاغتيال، يجعل من الصحافي كائناً مؤرشفا، ميكروسكوبيا، متملصا، وأصعب بكثير مما كانه في حياته. اغتيال المتكلم، وليس الكلمة، هو بمثابة تعبير عن العجز في دخول مساحة من الباب الديموقراطي، واستعمال الكلمة ندا للكلمة، والامتثال للحجج الفكرية، التي قد تؤيد أو تدحض وجهة نظر الصحافي. الاحتفاء باغتيال قلم، كلمة، مفردة للتعبير، موقف قابل للمناقشة والمناقضة، لن يكون ممكنا، في أي مجتمع بشري، لا يرى إلى توسيع الأفق الإنساني فيه، إلا بالدم، بدلا من  استثمار الرؤى، والرؤى المضادة لتمتين الركيزة الفكرية والدستورية التي يقوم عليها منطق الدولة.
جبران تويني، لم يكن الأول في قافلة شهداء الحرف، ولا الأخير ربما، فلطالما ابتكر البعض مسوّغات لتبرير اغتيال هذا الصحافي أو ذاك، ولطالما فجعوا أيضا بإعدامات ظُنّ أنها السبيل لتطويع مجتمع بأكمله، كتلاميذ يجرون تمرينا في الإملاء.
الحكاية من البدايات

حكاية لبنان مع الاغتيالات الصحافية، بعيدة، قارب عمرها القرن من الزمن. كل صحافي، أخذ في مماته حكايته الخاصة، وترك للتاريخ حجرا مؤسسا في صرح الوطن. بعض الصحافيين اعتبروا الطرف الأضعف، ليس هناك من يتظاهر ضد اعتقالهم أو موتهم، ولا من يدعمهم في ظل حكم عسكري، اتسم بوضعه قوانين هي في الحقيقة أعراف لا تستند الى دساتير مقررة. البعض الآخر، استُعمل كصندوق بريد، لإمرار رسائل للآخرين، وكمّ الأفواه، وتشبيك الأصابع. المثير للاستغراب والعيب، أن طرفاً ما، كان دوما يتذرع بأن للصحافي المقتول انتماءات “مشبوهة”، أو “عميلة”، حتى قبل تأسيس إسرائيل أو قيام ثورة تموز 1952 في مصر. التهم جاهزة، لجعل الكعكة القاسية سهلة المضغ.
البداية كانت بإعدام الصحافيين محمد المحمصاني وشقيقه محمود شنقاً يوم 21 آب 1915 في “ساحة الاتحاد” التي عرفت لاحقا بـ”ساحة البرج” قبل أن يستقر اسمها على “ساحة الشهداء”. تم ذلك بأوامر من جمال باشا، وقد استتبعت في 6 أيار 1916، بشنق سبعة صحافيين هم: أحمد حسن طبارة (صاحب جريدتي “الإصلاح” و”الإتحاد العثماني”)، سعيد فاضل عقل (أحد أبرز المعلقين السياسيين تلك الفترة، صاحب جريدة “البيرق”، ورئيس تحرير عدد من كبرى الصحف في لبنان كـ”النصير”، و”الاصلاح” و”لسان الحال”)، عمر حمد (كاتب في جريدتي “المفيد” و”الاصلاح”)، عبد الغني العريسي (صاحب جريدة “المفيد”، و”فتى العرب” و”لسان العرب”)،  الامير عارف الشهابي (محرر سياسي في جريدة “المفيد”)، باترو باولي (مدير جريدة “الوطن” ورئيس تحرير جريدة “المراقب”)، وجورجي حداد (صحافي في جريدة “المقتبس”، و”الرقيب” و”لبنان”). في 5 حزيران 1916، انضم إلى القافلة كل من الأخوين الصحافيين فيليب وفريد الخازن صاحبي جريدة “الأرز”، التي سخرت صفحاتها مدافعة عن امتيازات “بروتوكول جبل لبنان”، التي تنكرت لها الدولة العثمانية.
بعد إثنين وأربعين عاما على هذه المجزرة، وبالتحديد عند الساعة الأولى والنصف من فجر الثامن من أيار من العام 1958، ثقبت خمس رصاصات جسد نقيب المحررين السابق نسيب المتني، الذي دفع ثمن جرأة موقفه السياسي والمعارض لسياسات الرئيس السابق كميل شمعون. المعلومات ترددت لاحقاً حول قيام عناصر تابعة لاستخبارات عبد الحميد السرّاج، بتنفيذ الإغتيال بهدف إشعال الثورة ضد شمعون. معركة المتني لم تكن الأولى مع رؤساء الجمهورية، فالنقيب السابق، الجريء والعنيد (انتخب نقيبا للمحررين عام 1947)، كان قد خاض قبل ذلك معركة سابقة دفاعاً عن المبادئ ذاتها ضد عهد الرئيس بشارة الخوري دافعا به إلى الاستقالة في 18 أيلول 1952، تحت ضغط الرأي العام الغاضب والمستجيب دعوات المتني الى إضراب شامل عمّ لبنان ثلاثة أيام متتالية. أصدر المتني صحيفة “التلغراف” اليومية عام 1945 لتصبح الجريدة الشعبية الأولى آنذاك، والأقرب إلى المواطنين.
في مساء الإثنين 16 أيار 1966، اغتيل كامل مروّة صاحب صحيفة “الحياة” ورئيس تحريرها، داخل مكاتب الجريدة الكائنة في الخندق الغميق خلف “التياترو الكبير” في ساحة رياض الصلح. عند التاسعة إلا خمس دقائق، اخترقت رصاصة بطنه، وأخرى رئته. في 28 كانون الثاني عام 1946، أصدر كامل مروة العدد الأول من جريدة “الحياة”، ثم أصدر في عام 1952 “ذا دايلي ستار”، كأول جريدة باللغة الانكليزية في لبنان، فجريدة “لوماتان” باللغة الفرنسية عام 1959. بعد نحو أربعة أعوام على تأسيس “النهار” على يد جبران تويني، انضم مروّة الى الصحيفة البيروتية. شجعه جبران تويني على المضي في مسعاه الصحافي، وأفرد له في مكتب “النهار” في سوق الطويلة، غرفة لإصدار جريدته منها. فابتكر الافتتاحية القصيرة، في زمن المطوّلات أو “المعلقات” الصحافية، كما أدخل المكننة الى دنيا الصحافة في لبنان والعالم العربي، لينال لقب أبي الصحافة العربية الحديثة.
أما غسان كنفاني، الصحافي الفلسطيني والكاتب البارز، فقد افتتحت إسرائيل باغتياله مسلسل تصفيات لعدد من مثقفي منظمة التحرير الفلسطينية. ولد عام 1936 في مدينة عكا بفلسطين، وشغل منصب عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. عرف كصحافي تقدمي جريء، وقد دخل السجن نتيجة جرأته في الدفاع عن القضايا الوطنية أكثر من مرة. كان يمثل كمثقف يساري، تهديدا فعليا وإيديولوجيا للدولة العبرية، وقد استطاع على رغم حياته القصيرة، أن ينجز العديد من الروايات والقصص القصيرة، إضافة إلى مسرحيات تناولت في مجملها المخيمات الفلسطينية والوضع السوسيولوجي والانساني المدقع لسكانها. استشهد صباح يوم السبت 8/7/1972 بعدما انفجرت عبوة ناسفة كانت قد وضعت في سيارته تحت منزله في الحازمية شرق بيروت، ما أدى إلى استشهاده مع إبنة شقيقته لميس حسين نجم البالغة من العمر 17 سنة. وهو عضو في أسرة تحرير مجلة “الرأي” في دمشق، وعضو في أسرة تحرير مجلة “الحرية” فى بيروت، ورئيس تحرير جريدة “المحرر” في بيروت، ورئيس تحرير “فلسطين”، ورئيس تحرير ملحق “الأنوار” في بيروت، وصاحب “الهدف” ورئيس تحريرها في بيروت.
“إن لبنان يشبه لعبة صينية، عندما ترميها، تدور وتدور في الاتجاهات كلها ثم تجلس”، جملة أندره فونتين هذه، لعلها أشهر ما كان يستشهد به إدوار صعب الصحافي الذي لاقى حتفه في 16 مايو 1976 على يد قناص مجهول، حين كان متوجها من الأشرفية إلى مكتبه في الحمراء. رئس تحرير الصحيفة الفرنسية، “لوريان لو جور”، وهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر. كان معروفا بانتقاده لكل الفرقاء اللبنانيين لتقوقعهم على ذاتهم، وعدم انفتاحهم بعضهم على البعض الآخر للخروج بالبلد من عواصفه. إدوار صعب واحد ممن رأوا في لبنان قماشة تتمزقها العصبيات والعشائريات، لكنه آمن بأن لبنان الذي سيفقد السيطرة على نفسه لعشرين عاماً، لا بد أن ينهض في نهاية الأمر ويستعيد كيانه.
في صباح 20 حزيران 1979، اغتيل في بيروت، الصحافي العراقي عبد المجيد وصفي (خالد العراقي)، نائب رئيس تحرير مجلة “فلسطين الثورة” الذي اغتيل بينما كان يوصل إبنته الى روضة الأطفال. كما اغتيل أيضا في العام نفسه مراسل صحيفة “شتيرن” الالمانية كارل روبير ليفر في المنارة، غرب بيروت.
لكن أكثر الميتات بشاعة وسادية كانت من نصيب الصحافي سليم اللوزي. فقد عُثر عليه جثة هامدة في صندوق سيارته المركونة في حرج عرمون جنوب بيروت في 4 آذار 1980، ملقى على بطنه، وفي مؤخرة الرأس طلق ناري حطّم الجمجمة ومزّق الدماغ. أما ذراعه اليمنى فمسلوخ لحمها عن عظمها حتى الكوع، والأصابع الخمس سوداء نتيجة التذويب بالأسيد أو حامض الكبريت، وأقلام الحبر مغروزة بعنف داخل أحشائه من الخلف. هكذا وجدت جثته بعد 8 أيام على اختطافه في 4 آذار 1980، أثناء توجهه الى المطار بعدما حضر جنازة والدته. أصدر مجلة “الحوادث” عام 1956، وعشية قدومه إلى بيروت لحضور جنازة أمه، عرض عليه ياسر عرفات مرافقة خاصة، ريثما يعود أدراجه إلى لندن، لكنه رفض. خاض مع بعض الأنظمة العربية معارك شرسة على صفحات مجلته. وأصدر من لندن مجلة أسبوعية باللغة الانكليزية تحمل اسم  “Events”، موظفاً ومستكتباً فيها أهم الصحافيين الانكليز والأجانب، على رغم انه لا يتكلم الانكليزية ولا يفقه منها شيئاً.
في صباح 23 تموز 1980، كانت سيارة بداخلها عدد من المسلحين،  تطارد سيارة أخرى يقودها راكب وحيد، هو نقيب الصحافة آنذاك رياض طه. المطاردة انتهت لصالح السيارة الأولى، بتكلفة ست رصاصات من النوع المتفجر اخترقت رأس طه، وعنقه وصدره. واضعة حداً لحياة صحافي لامع لعب دوراً بارزاً من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف اللبنانيين، في عزّ صراعاتهم وتناقضاتهم وانقساماتهم. افتتاحياته في صحيفة “الكفاح العربي” كانت نموذجا واضحا لمواجهة غير متكافئة ما بين القلم والسلاح. كوفئ بأكثر من محاولة اغتيال، وبالضرب والتعذيب إضافة الى السجن، وتعطيل صدور بعض مطبوعاته، كمجلة “أخبار العالم”  التي صدر قرار قضائي بإلغاء امتيازها نهائيا، على أثر مقال بعنوان “خصمي وحاكمي” هاجم فيه رئيس مجلس النواب السابق صبري حمادة. انتخابه عام 1967 نقيباً للصحافة بالإجماع، اعتبر ظاهرة فريدة في لبنان.
في 29 آب من العام نفسه (1980) اغتيل صحافي في جريدة “اللواء” هو يحيى الحزوري في الشياح. وفي 9 تموز عام 1985 سقط  سمير سلام، رئيس تحرير مجلة “الفهرس” مع زوجته وولديه قتلاً في منزله في رأس بيروت. كما الصحافي حسن فخر الذي قتل بقذيفة صاروخية اطلقت على سيارته. كان فخر معروفا كعضو في مجلس نقابة المحررين، وعضو سكرتارية الاتحاد العالمي للصحافيين، قام بتشكيل تيار مناهض لاسرائيل، من داخل الحزب التقدمي الاشتراكي ومن خارجه، وقد أصدر هذا التيار نشرة لم تكن دورية بعنوان “أبناء الجبل”، ووقف بحزم ضد “الخطوط المفتوحة” مع اسرائيل، وقام مناضلوه ببعض العمليات ضد الجيش الاسرائيلي.
“تعذيب شديد وحروق مختلفة، إضافة إلى ست رصاصات من مسدس في عنقه ورأسه، ما أدى الى قلع عينه اليمنى. الرصاصات نفذت من مقدم الرأس الى مؤخره ومزقت السحايا الدماغية وأدت الى الوفاة سريعاً تاركة جميعها وشماً مما يدل على أن عملية التصفية (الجسدية) تمت من قرب”. هذا ما ورد في تقرير الطبيب الشرعي حول الصحافي سهيل طويلة الذي عثر عليه جثة هامدة في 24 شباط 1986 في محلة النورماندي في بيروت حيث مكب النفايات الخاص بالعاصمة. كان قد خُطِف قبل أربع وعشرين ساعة من منزله بعيد عودته من مبنى جريدة “النداء” الشيوعية التي كان يترأس تحريرها، إضافة إلى عمله كمدير عام مسؤول في مجلة “الطريق”. كان أحد الوجوه البارزة في صفوف “الحركة الوطنية اللبنانية”، ومدافعاً عن الثورة الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني في استرجاع أرضه. استهواه العمل الصحافي مذ كان يافعاً، وانخرط أيضاً في العمل السياسي الميداني، فضلاً عن نشاطه الفكري التنظيري في صفوف “الحزب الشيوعي اللبناني”، وتكرّس اسمه لاحقاً واحداً من منظّري “الحزب الشيوعي اللبناني” في عصره الذهبي. إلى ذلك، فقد كان ناشطا في صفوف عدد من الهيئات الإعلامية والجمعيات الثقافية والأهلية، وأحد قادة الرأي المؤثرين لبنانياً وعربياً. كانت افتتاحياته ومقالاته، في “النداء” أو “الطريق”، مرآة عاكسة للفكر الذي آمن به، كما لعبت دور المحرك الأساسي لشريحة من جمهوره اليساري. غداة اغتياله تصدرت افتتاحيته وكذلك خبر اغتياله الجريدة جنباً الى جنب.
بعد أقل من عام على حادثة اغتيال طويلة، وتحديدا في 17 شباط، كان دور حسين مروة الحائز جوائز أدبية عدة منها اللوتس. ثلاثة شبان وقفوا تحت شرفة منزل مروة في محلة الرملة البيضاء. تحدثوا طويلاً قبل أن يصعدوا الى منزله. طرقوا الباب، ففتحت لهم زوجته. سألوها “هل نستطيع أن نرى الأستاذ؟ لدينا موعد”. أجابت: “طبعاً، لكنه في فراشه، لا يستطيع المشي ليخرج إليكم، هلاّ تفضلتم بالدخول الى غرفة نومه”. دخلوا. استقبلهم مريضاً في سريره. أفرغوا في جسده بضع رصاصات. خرجوا من المنزل بهدوء. لم يرأفوا بالحال الصحية لإبن السابعة والسبعين. مروّة لبس العمامة لنحو أربعة عشر عاما قبل أن يخلعها بعد اطلاعه على الفكر الماركسي. أصبح كاتباً لزاوية “مع القافلة” اليومية في جريدة “الحياة” طوال سبع سنوات، إضافة الى كونه أحد أركان مجلة “الطريق”. عيّن رئيسا لمجلة “النهج” الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي. قال ذات مرة “ولدت شيخاً وأموت طفلاً”.
هو مهندس شعار استقلال 2005، وأحد أهم المفكرين السياسيين في لبنان. كان ذا رؤيا رصينة تجاه الحرية، فلم يقبل بالأمر الواقع والسياسات والاشتراطات المفروضة على لبنان. اغتياله، كان دلالة على استئناف “قنّاص” الصحافيين نشاطه. في صباح 2 حزيران 2005، سمع جيران سمير قصير في الأشرفية، صوت انفجار مقلقاً. هرعوا برفقة ابنتيه ليجدوا سيارة سمير قصير متفجرة وهو بداخلها. ضغط القاتل على زر لاسلكي صغير، لتنفجر عبوة ناسفة كانت موضوعة تحت مقعد الصحافي الأنيق حالما هَمَّ بتشغيل السيارة، متوجها إلى مبنى جريدة “النهار” كي يكتب مقاله الأسبوعي الذي يفتتح به الصفحة الأولى كل نهار جمعة. عرف بإيمانه المطلق بالحرية، وحق الشعوب في التحرر. وظل مشغولا بقضية فلسطين، التي شغلت وجدانه. وكان لا يزال طالباً يدرس الفلسفة السياسية والتاريخ المعاصر في جامعة السوربون، عندما فتحت له صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” الشهرية الفرنسية، صفحاتها. ومثلها فعلت صحف ومجلات عربية عدة. لوحق بسبب تحريضه على سياسات الأمر الواقع. وضُيِّق عليه أمنياً، مرات عدة. وضع كتبا في السياسة والثقافة والفكر والتاريخ. ورأس تحرير المجلة الثقافية الفرنسية “لوريان إكسبرس” الصادرة عن “لوريان لو جور” البيروتية. لوحق وهُدّد وصودر منه جواز سفره. كما مُنع بث برنامج كان يقدمه مباشرة على شاشة التلفزيون الرسمي عنوانه “دون تحفظ” في مطلع عام 2000، وذلك بعد عرض ثلاث حلقات فقط.
عند الساعة التاسعة من صباح الإثنين 12 كانون الأول 2005، أي بعد أشهر على اغتيال صديقه قصير، كانت أربعون كيلوغراما من مادة الـ “تي. أن. تي” مزروعة داخل سيارة أعدّت لاغتيال جبران تويني. عندما مرت سيارته في محاذاتها، انفجرت الأولى محولة سيارة تويني لهباً مشتعلاً. بدأ حياته متدرجاً على صفحات “النهار”، لينتقل بعدها الى مجلة “النهار العربي والدولي” الأسبوعية في باريس عام 1978، وليصبح لاحقاً رئيس تحريرها وهو لما يزل في مطلع العشرينات من عمره. عرفت المجلة على يده رواجاً محلياً لافتاً. وفي العام  1993، توجه تويني الشاب صوب الشباب اليافعين “فاتحاً” لهم ملحق “نهار الشباب” الأسبوعي، ليصبح طوال ثماني سنوات منبراً فريداً لكل أطياف الشباب اللبناني. وفي عام 2000، بدأت “النهار” مع جبران الحفيد حقبة ثالثة من عمرها، فمن جبران المؤسس إلى غسان إلى جبران. عمل بجدية على تطويرها تحريراً وإخراجاً وإنتاجاً، فضلاً عن ضخ دماء شابة في أقسامها المختلفة، فجددت الصحيفة التاريخية شبابها، وهي على أبواب السبعين. الافتتاحية الجريئة صباح كل خميس جعلت اسمه على رأس “لائحة الشخصيات المهددة بالاغتيال”، وذلك عقب أول زلزال سياسي – أمني ضرب البلاد عندما اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. شارك أيضا بفاعلية في تنظيم انتفاضة الاستقلال، وأطلق في 14 آذار 2005 قسمه الوطني الشهير. وانتخب في 29 أيار من العام نفسه (2005) نائباً عن الدائرة الأولى في بيروت، ليجمع بين يديه الصحافة والسياسة قبل أن تنال منه يد القتلة. يتذكر “النهاريون” القدامى جيداً عندما تبنت صحيفتهم حملة عنيفة ضد رئاسة الجمهورية، في عهد الرئيس شارل حلو  (1964- 1970). حينها، سأل أحد المستشارين حلو: “لماذا لا تقيم دعوى قضائية على النهار؟” فجاء جواب الرئيس قاطعاً: “لا أستطيع لأن دولة النهار أقوى من دولتي”.

مازن معروف – جريدة النهار 2010

Complaining

I flick my heart to the air

Heads

Or tails

I try by myself to guess:

My eyelid cannot be the edge of a balcony …

And this sparrow landing on the handle of the door

The handle made of an old rib

Just a confusion

The tale is open on the page of hope

And I am there

Opening my hands widely

Spreading my ten fingers like pins

To fix me down on the page

Which

Whenever my thumb

Gets close to turn it over

I see its shadow

I thought it was an apple

Falling from the sleeve of one of the genies who live above

And it would hit my head and soak the tale with blood.

(from “An Angel Suspended on a Clothesline”)